|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:31 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
الفصل الثالث
المرأة والصورة الفنية في الشعر الأموي
كانت الصورة الفنية في الشعر الأموي الذي يصور المرأة تصدر
عن مزاوجة متناغمة بين العالم بشطريه: الطبيعي والاجتماعي والعالم الأنثوي. إنّ
الواقع بعناصره المختلفة يمثّل عالم الجمال الأرحب في ذهن الإنسان، وتشكل المرأة
عنصراً إضافياً أو مكملاً لما في الوجود والكون من جمال، ولعل الكشف عن هذه
المزاوجة الماثلة في خيال الشعراء بين العالمين المذكورين يُظهر بعض أسرار الجمال
في الحياة، ويقوّي إحساسنا بمظاهر هذا الجمال. وبما أن العمل الشعري متميز من الواقع الحياتي لأنه رؤية
فنية لهذا الواقع"إذ يستمد مادته من واقع الحياة من حوله ولكن هذا الواقع على
الرغم من ذلك يستحيل في الشعر إلى واقع آخر متميز من الواقع الحقيقي الذي صدر عنه،
لأن الفن عامة والشعر خاصة لا يقصدان إلى تصوير الحياة كما هي في ححقيقتها تصويراً
فوتوغرافياً"[1]) فإننا نتوقع وجود فروق واضحة بين واقع المرأة وصورتها
الفنية، بل إن الشعر أو الفن عموماً يبتعد عن هذه الملاصقة وينظر من زوايا بعيدة،
فيجمل الواقع ويرمز إليه، وتكون الصورة الشعرية تعبيراً عن مضامين ورؤى خاصة قصد
إليها الشعراء من خلال أدواتهم الفنية. وسأجعل حديثي عن الصورة في ثلاثة مباحث هي: 1- منابع الصورة أو مصادرها. 2- أنماطها البنائية. 3- الصورة بين التقليد والتجديد. وسأحاول في كل مبحث من هذه المباحث أن أكشف عن الفروق بين
الشعراء، وأن أعلل هذه الفروق. كما سأحاول تذوق الصور التي أمثّل بها، والكشف عن
قدرتها على التعبير والإيحاء والدلالة. 1- منابع الصورة أو مصادرها:
بين الشعر العربي والطبيعة صلة رحم واشجة، فقط استمد مادته
من الجميل فيها، وظل يحنو عليها ويضمها إليه حتى أصبحت مصدر حياته واستمراره، ولم
ينقطع دأب الشعراء عن رعاية هذه الأم العظيمة القادرة على بعث الإلهام والمانحة
للشاعرية في مختلف العصور الأدبية. ففي الشعر الجاهلي كانت الطبيعة بكل مظاهرها: الصحراء
برمالها ونباتها وحيوانها، تعانق عناصر الطبيعة الأخرى كالشمس والقمر والرياح
والأمطار، فتشكل مورد الشعراء الأساسي الذي يستمدون منه صورهم، وينمّون خيالهم،
ويصقلون إحساسهم الجمالي ويرتقون به فيبدعون أجمل القصائد. واستمر الشعراء في العصر الأموي ينهلون من الطبيعة، بل إن
الشعراء الأمويين ربطوا خيالهم بخيال شعراء العصر الجاهلي، ورأوا بأعينهم كل ما
وقعت عليه أخيلتهم وتصوراتهم من مشبهات بسيطة تصور حياتهم في الصحراء العربية،
وحاول هؤلاء جميعاً أن يربطوا كل مظاهر الجمال في الطبيعة بتصورهم للمرأة، فاصطفوا
أجمل مشاهد الطبيعة وقرنوها بجمال محبوباتهم، فاختاروا من الطبيعة الرياض المزهرة،
وخصّوا من الأزهار الأقحوان والقرنفل في صفة الأسنان وطيب الفم. ومن السماء
اختاروا: الغيوم والأمطار لصفة مشيتها وخصوبتها، وضمّوا إلى ذلك النجوم والأقمار
في وصف جمال وجهها ولونها، ومن الصحراء اصطفوا رمالها وكثبانها لوصف بعض أجزاء من
جسمها، وتخيّروا من الحيوانات أجملها: كالغزال والبقر الوحشي في صفة الرشاقة والقد
والعيون والحنان. ففي الشعر الحجازي الحضري الذي مثّل حياة الرفاه والتحضر
كانت صورة المرأة تستمد ألوانها وإيحاءاتها من الطبيعة، حتى أوشكت بعض المشاهد
الطبيعية أن تصبح صفة دائمة أو اسماً يغني عن صاحبته، ففمها يشبه النبات أو البرد
ورائحته رائحة الأرض بعد الندى، وفي عذوبة الريق يذكر العسل والخمر، وفي تصوير
وجهها تُسْتَدعى صورة الشمس أو القمر، وفي رشاقتها صورة المهاة أو الظبي، وفي
شعرها تذكر العناقيد، كما تذكر في تصوير قامتها الأغصان، وفي وصف عجيزتها الكثبان
إلى آخر هذه الصفات، وتتلاحق في شعر عمر بن أبي ربيعة مشاهد الطبيعة ومكوناتها
مقترنة بصورة المرأة، فعندما يستدعي صورة الغزال أو الظبي أو الشادن أو الجؤذر
وغيرها من المفردات التي أصبحت مرادفات طبيعية تغني عن ذكر المرأة، نراه يقدمها
بسيطة من غير تعمق أو رصد دقيق لمكونات الجمال أو تفاصيله، بل هو يكتفي بذكر اسم
هذه الحيوانات ويترك للصورة مجالاً حراً في إثارة إحساس الجمال في خيال المتلقي،
يقول:
ففي الصوؤة الثانية تبدو عناية عمر بالطبيعة أكثر من الصورة
الأولى فيحدد مرعى هذه الظبية ويذكر اسمه، ثم يتوسع في لوحة الطبيعة ويمد من إيحاء
البيئة العشبية فيذكر الغيطان الخضراء المرتوية بالغدران الجارية مما يضفي الإحساس
برطوبة هذه الظبية-المرأة- ونداها وحيويتها. وفي صورة أخرى مستمدة
من معجم الظباء ذاته اهتمام واضح بالطبيعة كلوحة رائعة فهي تضم ظبية في
روضة كثيرة العشب والماء وتنشر إحساساً بالانتعاش والأمان والجمال، ويقرن إليها-مع
إظهار التفوق- صورة فتاته التي تثير الإحساس نفسه بالجمال والأمان، ويظهر خدّها
وحاجبها عن طريق الاستدارة التشبيهية بقول:
وفي صورة رابعة يصورها كغزال يهتزّ ماشياً، ويتوقف عند
عيونها الكحيلة وعنقها المزينِ يقول:
ويكاد يكرر هذه الصورة فيقول:
ومن عناصر الطبيعة الأخرى التي وردت كثيراً في شعر شعراء
الحجاز-لوحة الشمس- ببهائها وجمال ألوانها، باصفرارها وزهوها ساعة الشروق أو
الغروب وفي سطوعها في الأوقات الأخرى. ونجد عمر يفصل في لوحة الشمس فيذكر لونها ساعة طلوعها، ويذكر
بياض صاحبته، ثم يسترسل في صفة الحسن والجمال لديها يقول:
وفي سطوعها وإشراقها يقول:
ويكثر من الاعتماد على هذه اللوحة-لوحة الشمس- مضيفاً إليها
عناصر شتى من العالم الطبيعي مُحدِثاً بذلك جمالاً فنياً يشبع الحواس ويحرّك
الخيال، يقول:
وقد يمدّ بصره إلى مشاهد الطبيعة الأخرى كالنباتات والأشجار
المثمرة المنتشرة في البيئة العربية، فيتخذ من أشجار النخيل وكروم العنب مادة
لتصوير الشعر يقول:
وكانت لوحة السحاب والمطر والبرق أكثر مشاهد الطبيعة جذباً
لخيال الشعراء عندما يريدون وصف مشية النساء أو بريق أسنانهن أو نداوتهن
وخصوبتهن. ففي شعر عمر نجد قوله:
ولا تكاد صور العرجي تخرج عن إطار الطبيعة المحيطة به، فنراه
يحنو على صور الحيوان: الظباء والبقر الوحشي، ويهتم بمناظر الكثبان والأغصان،
ويفرد مكاناً خاصاً للسحاب والمطر ويجمع ذلك كله إلى صورة المرأة التي يصفها،
ويتأنى في رسم صورتها، ويوّفر لها الصياغة الملائمة، كما في الأمثلة التالية:
والعرجي يعزز في صوره وضع الأمومة لدى هذه الحيواناتالمها
تزجي جآذرها- مقلة مغزل- يثني فؤادها رشا، ليخصها بالحنان والقدرة على العطاء:
وفي هذه الطبيعة ذاتها تبدو صور عبيد الله بن قيس الرقيات.
وقد ظلت المرأة المصورة تحتفظ بنكهة النبات العِطر، تسلب جمال الشمس والقمر،
وتُشَبّه بالظبي أو الغمامة يقول:
أما العذريون فكانوا أقل احتفالاً بالصورة عامة، وتراجعوا
إلى داخل نفوسهم يستخرجون منها شحنات عاطفية جسدت موقفهم من الحياة والمجتمع. ولكن
أشعارهم لا تخلو من بعض المحاولات الفنية التي تستمد من الطبيعة وعناصرها بعض مواد
الجمال وتمزج بينها وبين جمال محبوباتهم وهم لا يخرجون فيها عن الذائقة الفنية
السائدة في تراثهم وبيئتهم. فالمجنون يرسم صورة فنية لليلى يقارن فيها بينها وبين الشمس، فيراها تزيد الشمس في
ابتسامتها وثغرها الجميل، بل إنها ساطعة منيرة تضاهي الشمس والقمر.. وتزيد عليهما
بصدرها الجميل وعينيها المكحولتين ونظرتها الفاترة وكذلك بدلالها وفتنتها: يقول:
ويقترن جمال الطبيعة بصورة المرأة وجمالها في خيال كثّير في
هذه الصورة التي اعتمد فيها على أسلوب الاستدارة التشبيهية، وعقد فيها مقارنة بين
الروضة المزهرة الغناء وبين رائحة عزة بعد هجعة من الليل، يقول:
فأشاع الإحساس بالربيع والبهجة وجمال الحياة في هذه الصورة
التي تتوجه إلى النفس فتغنيها ببهائها وما تفيض به من صحة ونظافة. وارتبطت صورة المرأة عند الشعراء العذريين، بل أكاد أقول عند
جميع الشعراء، بصورة مهمة تشير إلى ارتباط المرأة بالحياة ارتباطاً وثيقاً، وذلك
باستدعاء صورة الماء والمطر أو السحاب والبرق، كلّما أرادوا تشبيه جمالها ونضارتها
وحيويتها، وكذلك الإشارة إلى العطش والحياض والورود. فعندما أراد كثيّر أن يتحدث
عن ريق عزة بعد انصرام الليل لم يجد تشبيهاً أجمل من مياه سحابة سكبت ماءها في
مضيق وادٍ فهدأ واستقر وصفا، ولم يكتف بصفة هذا الماء بل استرسل فجعله ينتخب لمزج
أحد أنواع الخمور الشامية، يقول:
ويتكئ كثير على هذه الصورة أيضاً فيستخدمها لتصوير مصير
علاقته بعزة، فيراها كأنها السحابة الوارفة التي يرتجيها المتعب الشديد الإرهاق،
إلا أنها تخذله وتسرع في تجاوزه، بل إنها سحابة مطيرة لا يرتجيها هذا المتعب
ليتفيأ ظلالها فحسب، بل لما فيها من بعث الحياة وإشاعتها في أرض قاحلة مجدبة تنتظر
قطرة ماء من هذه السحابة التي تخلف ظنه فتنثر خيرها بعيداً عن هذه الأرض العطشى،
وكذلك هي عزة في خيال كثير. إنه يصدر عن نفسه ويصور ما يجيش بها من الحرمان
والشعور بالحسرة والأسى فأخذ يسقط مشاعره على هذه اللوحة الطبيعة التي تثير
الإحساس بالجفاف والهاجرة. يقول:
ولم تكن السحابة البيضاء الرّخية الندية الماثلة بين النجوم
أجمل من بثينة في خيال جميل، ولكن جميلاً يلمّ بصورته إلماماً خاطفاً دون أن
يستقصي مظاهر الجمال في السحابة وخيرها، ويمضي سريعاً إلى بثينة، يقول:
وهي في طيبها وجمالها تشبه حديقة غناء بأزهارها الفواحة
المتنوعة التي ينتشر شذاها الطيب بعد أن يلامسها مطر الربيع الندي فيمدها بطاقة
سحرية من الجمال والبهاء في قول جميل الآتي:
ويشبه عروة بن أذينة مشهد النساء بالسحاب المثقل بالماء
والخير، يقول:
وفي صورة أخرى يستثني صاحبته من المجموعة فيراها سحابة بيضاء
تومض فوق بحر قصي يقول:
أما مجنون ليلى فيخص وجهها بقدرة سحرية عجيبة قادرة على
التأثير في الطبيعة فيتمكن من استنزال المطر بطقوس الجمال والفتنة الأخاذة، يقول:
وكان ذو الرمة شاعر الطبيعة بلا منازع في العصر الأموي
يتأملها بفتنة طاغية ويجعلها موضوع حبه وشعره، وتكاد صورة المرأة في شعره تعانق
الطبيعة بحيوانها وكثبانها وأمطارها ونباتاتها حتى تفوز على المرأة لولا بعض
الاستدارات التشبيهية التي يتنبه فيها من استرساله في وصف الطبيعة فيعود من ثم إلى
صاحبته ليبالغ من صفة حسنها، فكثيراً ما يشبه عجيزة صاحبته بالكثيب. والكثيب لوحة
صحراوية تفيد الأبعاد العمودية أو الارتفاعات البارزة في أفق شديد الاتساع
والامتداد، يقول:
ففي هذين البيتين تتوالى صور عدة، أبرزها صورة العجيزة، التي
تشبه الكثيب الصغير بارتفاعات متوالية، ويعترض هذا المشهد الصحراوي الأساسي بعناصر
بيئية أخرى فيذكر صورة الظبي الأحور العينين بعنقه الطويل، ثم يعود فيكمل عناصر
الصورة الأولى فيشبه ما بين مرطها الذي تطويه وتعقده على عجيزتها وبين صدرها بمهواة
حادة كأنه انحدار جبل شاهق، ويريد من هذا تصوير طول ظهرها وجذعها الذي يتوسطه
خصرها النحيل وبطنها المطيب الضامر. وكان ذو الرمة مغرماً بهذا المشهد، يعود إليه كلما أراد
تصوير المنطقة ذاتها من جسد حبيبته،
يقول:
فهو يشير إلى أن مرطها يطوي على كثيب صغير، وهو إلى هنا لم
يخرج عن أركان الصورة السابقة، ولكنه لا يلبث أن يضيف أنّ هذا الكثيب يُشكل من
كمية من الرمل تكنز وسطه وتساعد على ارتفاعه فهو ليس هشاً أو رخواً بل إنه من كثرة
من الرمل المتداخل. ففي الصورة إثارة لحاسة اللمس وحاسة النظر، فلفظة واحدة
هي"عُجْم" ها هنا تمدّ الصورة بإيحاءات أكثر إثارة وفتنة. ويخرج ذو الرمة من إطار الرمال إلى الحيوان الصحراوي، ويغرم
بتصوير هذا المشهد يكرر فيه ويعيد كما في أجزاء الطبيعة الأخرى، فيشبه أعين النساء
بأعين البقر الوحشي المشهورة بجمالها واتساعها وشدة سوادها، يقول:
ويمد من إيحاء
هذا المشهد في صورة أخرى، فيهمل صفة العيون ويبرز صفة البقر الوحشي فيصوره وهو
يقضم بعض النباتات البرية، فتشمل اللوحة الحيوان والنبات. يقول:
واستعان بصورة الظباء أيضاً في مقارنات مختلفة مع حبيبته،
فهو يشبه مية بظبية جميلة صارت إلى فضاء مفتوح إلى جانب كثبان صغيرة وقد انتشرت
حولها بعض الأوراق والنباتات في وقت سحري-ما بين الليل والنهار- هذا الوقت الذي
ينشر بعض الاصفرار على الأشياء فيمنحها شحوباً فتاناً، وفي الصورة-كمعظم الصور في
ديوانه- لوحة الصحراء الخالدة التي تضم: الكثبان الرملية كأرضية للصورة ثم ينثر
فيها الحياة عندما يجعل الظباء متحركة تبحث عن الطعام، تستوقفها بعض الأوراق
اليابسة المتناثرة على الأرض، ثم لا ينسى عنصر الزمن، إنه وقت الأصيل الذي يجعل
الظبية تأنس إلى زوال الضوء الكثيف والحرارة المرتفعة فتشعر الأمان في محيطها
وتكشف عن نفسها في فضاء رحب جميل. يقول:
ويربط الشاعر أيضاً بين المرأة وعنصر الطبيعة الأساسي ألا
وهو الماء. وكان هذا الارتباط بين المرأة والماء-كما يرد في هذه الصور يتم بصور
عدة كذكر السحاب والمطر والبرق أو الغدران والحياض، فيشبه ذو الرمة ا لنساء
اللواتي يتهادين في مشيتهن بالسحاب الذي أفرغ نفسه من مائه فأصبح خفيف الحركة
والانسياب، يقول:
ويشبه ابتسامها ببرق سحابة أخفاها الظلام في قوله:
ويلمُّ الشاعر بصورة أخرى تشمل الأمطار والرياض المزهرة
ورائحة حبيبته وطيبها، ويقدمها معتمداً على الاستدارة الفنية، التي يرى من خلالها
أن هذه الروضة التي تضم كريم النباتات والأزهار الفواحة والتي تعاقب عليها المطر
مما جعل عبقها دائم الأريج، ليست أطيب من رائحة حبيبته بعد هجعة من الليل، بل إن
بهجته بعطرها وأريجها كما بهجة الحياة والصباح برائحة الأرض والنبات يقول:
ويستظل القطامي ظل الأقحوان الذي أسقي ماء المطر، ويستمد منه
رطوبته وامتداد شذاه، في وصف أسنانها البيضاء النظيفة البراقة يقول:
ويعكس في صورة أخرى احتضانه لمخلوقات البيئة الصحراوية وحنوه
عليها، فيصور صاحبته بيضة حيوان صحراوي حفر لها حفرة في الرمال اللينة التي تضم
بعض النباتات البرية كالحوذان والعذم مما موّه هذا العش وأخفاه وأمده بالظل
والأمان يقول:
ويقرن جمال جسد صاحبته وحسنها الفتان إلى جمال سحابة باردة
تستهل ماءها في أرض عطشى يقول:
وفي تصوير ريقها العذب يذكر ماء السحاب البارد يقول:
ويسلك عمرو بن لجأ التميمي مسلك هؤلاء الشعراء الذين احتفوا
بالطبيعة والبيئة البدوية فهو يحيط صوره بهذا الإطار الطبيعي الفتان، ويعتمد في
إبراز نموذجه الجمالي على البقر الوحشي المنتشر في بعض الأماكن التي يسميها، يقول:
إنه يقرن صورة الحياة الهانئة والعيش العزيز الذي لا يرهق
أصحابه بهذا الظل الوارف الذي تنعم به مجموعة من إناث البقر الوحشي، ويبين ما
يضفيه هذا الظل الممتد على قيلولتها من رطوبة ومتعة واسترخاء ثم يقرن ذلك كله
بصورة النساء اللواتي يشعر بغبطتهن ومرحهن وقت تلاقيهن، فيشبه مرحهن بمرح إناث
البقر الوحشي النشيطة. ومن الملاحظ أن الشاعر لم يستطع في هذا التصوير القائم على
المزج بين ما هو طبيعي واجتماعي الاستغناءَ عن هذا الحيوان الصحراوي الذي أصبح
رمزاً جمالياً وافر الدلالة. ويقول هدبة بن الخشرم مصوراً مواكب النساء الجميلات بأعناقهن
التي استعرنها من الظباء الرشيقة وأعينهن التي تشبه أعين البقر الوحشي في سعتها
ولونها وثقل أردافهن بالسحاب المثقل بما يحمل من خير:
ويشبه عدي بن الرقاع أسنان صاحبته بحبات البرد التي تشكلت
بحجم فريد، ثم يستطرد فيذكر الأقحوان الذي سقاه مطر دائم مما زاد في طيبه وعبيره
ورونقه، يقول:
ويتأمل بريق أسنانها ويذكر طيب ريقها فيستعين بصورة الأقحوان
في روضة سقاها مطر خفيف مما أدى إلى انتشار رائحة التراب والأعشاب، يقول:
ويشبه النعمان بن بشير رضابها بماء المطر الذي مزج بالعسل
فيقول:
أما عمرو بن أحمر الباهلي فيصور بريق أسنانها ببريق المطر في
قوله:
ويوزع ابن ميادة صورته على أبيات متتالية يذكر فيها الروضة
النضرة الفواحة التي أصابها المطر ويذكر بيض النعام المخبأ في الرمال الرطبة في
قوله:
هذه بعض صور المرأة التي تستمد عناصرها وأركانها من الطبيعة
وأجمل ما جذب أنظار الشعراء فيها من مياه وحيوان ونبات ورمال. ويضاف إلى هذا المصدر الطبيعي، الواقع الاجتماعي والثقافي
الذي رأى فيه الشعراء مادة طيبة لبعض صورهم. وكانت هذه الصورة التي تستوحى من
الإطار الاجتماعي والثقافي الذي يحيط بالشاعر ترتبط أيضاً بعناصر الطبيعة، كما نجد
في صورة الفرزدق التالية:
فضمن إطار الطبيعة التي استخلص منها الغزالة الأم والغمامة
المشرقة، ورد ذكر الدرة والغائص، وفي قوله"أم" اختزان لمشاعر حنان ورقة
فائضة يمدّه بها هذا اللفظ، فيمنح صورته منذ بدايتها دفقة من الإحساس بالحنان
وإشاعة الجمال والحب في أنفسنا، فالغزالة عندما تكون أماً، تمدّ الشعراء برصيد ضخم
من هذه المعاني، وتجعلهم قادرين-بالإضافة إلى رصد المظاهر الخارجية للحياة والكون-
على إشاعة الإحساس بالجمال وتحريك الحواس وإثارتها. أما قوله"درة غائص" فتشبيه يتضمن قيمة الدرة
البعيدة التي يواجه غواصها أصعب المخاطر في سبيل الحصول عليها، والحصول عليها
يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحياة الاجتماعية والاقتصادية للإنسان العربي حتى فترة
متأخرة من حياتنا الاجتماعية، مما يضفي إحساساً بالحياة الغنية بالخير القادرة على
العطاء. ويكرر الفرزدق صورة اجتماعية أخرى ويمزج بينها وبين الواقع
الطبيعي- النباتي- عندما يصور أحاديث النساء ويشبهها بالعسل ومواسم العنب وما تعد
به من لذيذ الشراب يقول:
ففي البيت تصوير مرهف وجميل، إذ حديثهن يتساقط لا كما تتساقط
حبات اللؤلؤ من خيط النظم بغفلة ونفور وإنما يساقطن كلماتهن بخوف وحذر وإشفاق،
فاللفظة ذاتها"ساقطن" تحمل معناها وتقدم الإيحاء الشاعري الجميل، ثم
يقرن الشاعر جمال الحديث بالعسل وحلاوته وعذوبة مذاقه فيثير فينا حاسة السمع وحاسة
الذوق بل هو لا يكتفي بمذاق العسل وطيبه وإنما يتسع في تصوير ما يثيره حديثهن في
النفس من جمال وعذوبة فيشبهه بعناقيد العنب التي تقطف للمرة الأولى، وفي
لفظة"البكورة" تكمن أسرار الصورة، فحديثهن مثل أبكار هذا العنب المقطوف
قد اختزن حلاوة النضج المتمهل، وأخذ كفايته من احتضان الطبيعة الأم له، فكان
باتزانه وكماله كهذا الموسم اللذيذ. ويطور الفرزدق الصورة السابقة، فيصور تشعب الأحاديث بين
النساء واشتراك مجموعة منهن بالكلام، بمن يعالج مسكاً ويبله بالماء ثم يسحقه، وهي
صورة اجتماعية طريفة، خرج الشاعر فيها عن المألوف في صفة الحديث، وفارق النهج
المادي الذي سيطر على الصورة الشعرية إلى شيء من اللامألوف حتى يوشك القارئ أن يرى
الحديث بعينه ويشمه بدل أن يسمعه، وذلك في قوله:
وأكثر ما تظهر مدنية الفرزدق واطلاعه الحضاري، في هذه الصورة
التي يتحدث فيها عن مساعاة ليلية لإحدى النساء، فإنه يصدر فيها عن ذوق متحضر يتفوق
فيه على عمر بن أبي ربيعة تفوقاً ملحوظاً، وذلك عندما يذكر أن صاحبته تقيم في مكان
مشيّد-لا شك أنه قصر- عليه حراسة شديدة، وأبوابه مصنوعة من خشب الساج، وعليه أقفال
كثيرة تصرّ بأيدي البوابين الذين وكلوا بحراستها، يقول:
وكان عمر بن أبي ربيعة قد صور صاحبته في خباء أو خدر تعرّفه
بعد مشقة حين هدته إليه رياها العبقة، ولكن أين خدر صاحبته من قصر صاحبه الفرزدق
وأبوابه وبوابيه؟ ويحاول الشاعر عمرو بن لجأ التميمي تصوير حديث كان قد أصغى
إليه بين مجموعة من النساء، فاعتمد على نقل عبارات التحية الشائعة في البيئة
العربية، وفي الألفاظ ذاتها تصوير عذب يكشف عن مشاعر السرور باللقاء والرغبة في
تبادل المودة، ويراه ناعماً رقيقاً-كمس الخز- مما أمدّه بطاقة إضافية من التعبير
الموحي بالشفافية والجمال المستمد من البيئة الاجتماعية، يقول:
ويستمد جرير من البيئة الاجتماعية إيحاء صورة طريفة فيشبه
عيش النساء الخفيض والرغد والهناء الذي يستمتعن به بحاشية ثوب حريري ناعم ليشير
إلى التحضر الذي تنعم به هؤلاء النسوة، يقول:
ويتوسع القطامي في صورة الغواص الهندي الذي فاز بالدرة،
ويصور هزاله وتغير لونه والشقاء المرسوم على شفتيه، ويصور كيف يمكن أن يكون إحساس
بائس فقير يغوص في أعماق البحار ليلتقط رزقه وينتفع به، إنها صورة فريدة في وصف
الشقاء وما يتضمنه الحصول على بعض الرزق من إحساس بالسعادة والهناء يقول:
ويستخدم عبيد الله بن قيس الرقيات صورة الغائص الهندي، ولكن
من غير أن يتوقف عند صفاته الجسمية ويكتفي بوصف بضاعته المؤلفة من الدّر، يشبه بها
أميرتين أمويتين، يقدم لهما مال الشام ومال العراق، ويستمد الشاعر تفاصيل الصورة
من البيئة الاجتماعية الأموية التي امتازت بالثراء وتوافر المال واستمتاع النساء
بهذا المال في قصور الأسرة الحاكمة وفي الولايات التابعة لها، يقول:
ويعتمد على صورة الدّر في استخدام آخر
يصور من خلاله عَزة صاحبته ونفاستها فيقول:
بالإضافة إلى بعض الصور الثقافية والدينية التي استمدها
الشعراء من حياتهم الاجتماعية والعقلية والتي سيمر ذكرها في المبحث الثالث من هذا
الفصل. 2- أنماط الصورة البنائية:
التشبيه:
إن أبرز ملاحظة يمكن أن تسجل على الصور السابقة التي تمثل
التمازج بين الطبيعة والمرأة، هي اعتمادها على نمط فني غالب عليها جميعاً ألا وهو
التشبيه، ومنذ العصر الجاهلي كان التشبيه أكثر أساليب الصورة البلاغية استعمالاً
لأنه يقوم على رصد التشابه في العلاقات الخارجية ودمجها أو تقريبها بعضها من بعض. وقد ظل التشبيه في العصر الأموي أهم نمط فني في بناء الصورة
التي ترصد أوجه الشبه بين عناصر الطبيعة الخارجية والجمال الحسي للمرأة، ولم يكن
الشعر الحجازي مع ما عرف عنه من التطور والتجديد في منهج القصيدة والوحدة العاطفية
والفنية ومن اعتماده على القصة والحدث والحوار بمنجاة من استخدام التشبيه والاتكاء
عليه في كثير من الصور، مع وجوب ملاحظة أنها تشابيه بسيطة يسيرة لا تهدف إلى
الإغراق في التفاصيل، كما تشير صور عمر ابن أبي ربيعة، الذي كان يعتمد على رصيد
ضخم من هذه التشابيه القريبة المألوفة التي تعتمد على أداة التشبيه اعتماداً
واضحاً، كما نرى في قوله:
ويشبه بياضها وبهاء وجهها بضياء القمر في ليلة شديدة الظلمة
في هذا الأسلوب البسيط:
ويكنى عنها بذكر البيضة ثم يشبهها ببقرة وحشية جميلة العيون، ويختم صوره بتشبيهها
بالقمر في قوله:
ويشبهها بالمهاة الرشيقة التي تقضم الأزهار الغضة:
أو يشبه فمها وطيبه بالخمر المعتقة في أشهر مناطق الخمور في
قوله:
ويجمع تشبيهات عدة في بيت واحد فيذكر الشمس والدرة والقمر،
يقول:
ويشبه شعرها بالكروم الغزيرة المتشابكة، يقول:
ويشبه عجيزتها بالجبل في قوله:
ويهتدي إلى تشبيه ظريف، يستمده من بيئة الجزيرة العربية التي
كانت تعتمد في تنقلها على الدواب فشبه قلبه بدابة مزمومة بحبل في يدي صاحبته وتجره
أو يتبعها إلى حيث تتجه يقول:
ويعتمد العرجي على التشبيه في إبراز صوره الجمالية، ويقدمه
في أسلوبه البسيط المباشر المعتمد على أداة التشبيه كما مرّ في تشبيهات عمر بن أبي
ربيعة، فيشبه جمال وجهها بالبدر في الأوقات الميمونة السعيدة يقول:
ويشبه نضارتها وحيوتها بالغصن الندي الرطب في قوله:
ويشبه رشاقتها وجمال عيونها بريم يقرو بعض الثمار في قوله:
ويشبه الظعائن بالنخيل المثمر في قوله:
وهو تشبيه شائع يتضمن الإشارة إلى علاقة المرأة بالحياة
وقدرتها على العطاء والإنجاب والأمومة والخير. وذلك باتفاقهم على أن النخيل مثمر
مثقل بثماره. ولم يستخدم الأحوص التشبيه كثيراً وهو حين يلجأ إليه يستخدمه
بأسلوب بسيط يسير كما في هذه الصورة التي يشبه فيها لبنى بسحابة بيضاء أو دمية في
معبد للنصارى يقول:
وربما حشد مجموعة من الصفات ليظهر أن لحمها مشدود غير مترهل،
فشبهها بالحبل المفتول جيداً الذي أتقن الصانع صناعته في قوله:
ويتكئ عبيد الله بن قيس الرقيات على التشبيه في تصوير المرأة
ويستقصي أوجه الشبه فيها المرأة بظبية أم أضاعت ولدها وقصدت أرضاً سهلة تبحث عنه
حزينة ملتاعة في قوله:
واستعاض الشعراء العذريون عن تدبيج الصور الفنية القائمة على
التشبيه والمجاز بالتعبير التلقائي الذي يجسد العواطف والانفعالات التي يصدرون
عنها بصياغة جديدة ولكنهم اهتدوا إلى بعض التشبيهات الجميلة البسيطة والعفوية، كما
في هذا التشبيه الذي يعقده المجنون بين عينه الدامعة وبين من ينظر من خلف الزجاج،
فشبه الدمع بزجاج شفاف قد حجب الرؤية بعض الشيء ثم ما إن ذرف دموعه حتى اتضحت
الرؤية أمامه، واستمر على هذه الحال بين أعشى ومبصر إلى أن قرر أن دموعه إنما هي
أجزاء نفسه الذائبة من الحب والغرام، يقول:
أما في شعر ذي الرمة فالأمر مختلف بل شديد الاختلاف، إذ يكاد
في طبيعة تجربته العاطفية أن يكون من العذريين، لكنه في تعبيره عن هذه التجربة يعد
مفارقاً لهم إذ: "اعتمد ذو الرمة اعتماداً شديداً على الصورة الفنية وجعلها
من مقومات صنعته الأساسية"[75]). وكان التشبيه أوسع مجال حلق فيه خيال الشاعر حتى بدا مقوماً
أساسياً من مقومات الصناعة الفنية لديه[76])
فيشبه حبيبته بغزالة أم شغلها ولدها الصغير عن باقي القطيع، بل شغلها عن كل ما
حولها في أرض سهلة لينة، ويربط بينها وبين حبيبته من خلال أداة التشبيه في قوله:
ومن الملاحظات التي تسجل على صورة الظبية أن معظم الشعراء
حاول إظهار أمومتها وحنانها كما في هذه الصورة، أو تصويرها وهي تقضم العشب كما في
الصور السابقة من أجل إشاعة الحركة والحياة في الصورة. وكان يكثر من تشبيه الظعائن بشجر النخيل المثمر الداني
القطوف، وهو على ما أعتقد ربط رمزي بين صورة المرأة وعناصر الطبيعة الحية الضرورية
للحياة، فالنخيل كان من أهم الأغذية في حياة الإنسان العربي في ذلك العهد والعلاقة
بين مشهد الظعائن وخلفية النخيل علاقة خصبة تفيض بالعطاء والحياة وتقوم على مزج
أصيل بين عناصر الطبيعة وكشف لمّاح عن العلاقات بينها: الأرض- النبات- الحيوان-
الماء- الإنسان. وسجل التشبيه تفوقاً واضحاً في دواوين الشعراء الآخرين، ولكن
بعض هذه التشبيهات تنقصه الجاذبية والجمال وربما فقد التوهج والشاعرية. فعندما
أراد الأخطل وصف الحنّاء في كفي صاحبته وأصابعها، ربط بين اللون الأحمر وبين الدم
الذي ينزف من ذبيح وهي صورة-على ما أظن- يموت فيها الأثر الفني للصورة، لأن دم
الذبيح الذي يجري بغزارة في بداية النزف ويكون لونه نضراً زاهياً لا يلبث أن يتحول
إلى لون قاتم كثيف لا يثير أي إحساس بالجمال، بل هو لا يثير إلا الإحساس بالنفور
والاشمئزاز، فكلمة الذبيح تحيل التشبيه إلى لوحة يابسة تقبض على إحساسنا بالجمال
والشعر يقول:
ويشبه تمنع صاحبته وحصانتها بالطيور الخرافية التي لا يمكن
أن تنال، فالرخم تضع بيوضها في أعلى الأماكن وتمنعها على الطامعين تشد انتباهه
فيسجلها في هذا البيت ويقول:
ويعتمد الفرزدق على التشبيه شأنه شأن غيره من شعراء هذا
العصر، فيشبه جمال"النوار" بجمال البقر الوحشي الذي يرعى أحد المواضع
وقد تجمعت أولاده حوله، وفي الصورة إثارة للنفس والحواس الإنسانية وتحريض لإحساس
الأمومة والرعاية وكأن الشاعر كان يترصد الطبيعة وكل ما يدل على الترابط والحب،
فيلتقطه ويسجله، فيبدو متأملاً البقر الوحشي المتجمع في قطيع أسري كل يحنو على
الآخر ويترقبه ويضمه إليه، فالحيوان يمارس أمومته في أحضان الطبيعة في معظم الصور
التي اخترتها، مما يثير الإحساس بدفء الحياة وجمالها. يقول:
ويسلك النابغة الشيباني مسلك الفرزدق في الاعتماد على
التشبيه فيشبه أسنان المرأة بالأقاحي وفمها بالرياض المزهرة والظعائن بشجر النخيل
كما في قوله:
ولا يبعد جرير عن غيره فهو يشبه أسنانها البراقة ببريق غيوم
ماطرة، ويفيد قوله ماطرة أنها داكنة مما يزيد الإحساس بقوة البرق وشدة لمعانه
يقول:
ثم لا يكتفي بتصويرها وهي تبتسم بل يحرّك الصورة ويتأملها
وهي تنظف أسنانها بالسواك الذي صقلها وجعلها تشبه حبات البرد البيضاء التي تحدّرت
من سحابة ماطرة يقول:
ويشبه مشية النساء المتهادية بفرس ضعيف صغير لا يستطيع
الاعتماد على قوائمه إلا قليلاً، ولا يكتفي بذلك فيتابع التشبيه في بيت آخر يصف
فيه ميلان"الجل" على ظهر فرس يمنة ويسرة بسبب محاولتها الاقتراب من
صغيرها لكن حبلها الطويل يقيد حركتها ويمنعها من الاقتراب، فلا تستطيع التقدم.
وأعتقد أنها صورة سقيمة لم يغنها ذكر الأمومة عند الفرس ولم يستمد منه الأثر
العاطفي الذي اختزنته صور الغزالة الأم أو البقرة الوحشية الأم في الصور السابقة،
لأن الشاعر قيّد نفسه بذوق أسلافه وأقرانه وحاول أن يغير أسلوب الصورة قليلاً فسقط
في تفصيلات ركيكة منفرة يقول:
وخرج التشبيه عن هذا الأسلوب اليسير الذي اعتمد على أداة
التشبيه إلى أسلوب فني آخر كان أكثر قدرة على الإلمام بتفاصيل الصورة المقصودة
إنه"التشبيه التمثيلي" أو"الاستدارة الفنية" التي يتحول فيها
الشاعر عن موضوع صورته أو مشبههه إلى المشبه به محاولاً استقصاء جميع مظاهره
الجمالية ليعلن بعد ذلك تفوق مشبهه عليه. وتلقف ذو الرمة هذا الأسلوب وبرع فيه أيضاً، فكان يتناسى
صاحبته ويسترسل في تصوير المشبه به حتى يستكمل عناصره الجمالية ويشبع إحساسه
التصويري، ثم يعود إليها ويعلن تفوقها على كل التفاصيل التي حاول استقصاءها. يقول:
فهو يبدأ الصورة برصد هذه الظبية التي ترعى بين الكثبان
المنتشرة حولها، ثم يستغرقه وصف المطر الذي أصاب هذه الرمال وأصبح سيلاً غزيراً
يصب مثل شلال من أعلى الوادي ثم يعود إلى الظبية التي نفرت من رؤية إنسان عند
خلوتها لكنها لم تذعر بحمق وغباء، وإنما كان نفارها رزيناً هادئاً، وبعد هذه
الاستعراض والاستقصاء يعود إلى مية فيراها أحسن من هذه الظبية بكل محاسنها
السابقة. ويكرر صيغته هذه ويقرن إلى الظبية الأم التي تراعي وليدها
منفردة بين الكثبان مشبهاً آخر، إنه الشمس في يوم صحو وصفاء
تتراءى بين غيوم صيفية رطبة، ثم يعلن أن هذا المشهد الخلاب الذي يضم الشمس والظبية
ليس أحسن من خرقاء عندما تكون مزينة مبتهجة في يوم عيد يقول:
ويستطرد القطامي في استدارة فنية يعقد
فيها مقارنة بين روضة غناء مزهرة اسقيت ماء المطر الخفيف فأدى إلى انتشار أطيب
الروائح وبين صاحبته وطيبها بعد انصرام الليل يقول فيها :
وكان نَفَس الأحوص قصيراً في هذه الاستدارة التي يعقد فيها
الشبه بين بيضة النعامة التي يعتني
بها الذكر ويؤمن لها الدفء والرعاية، وبين صاحبته التي تطلب منه بتكسر ودلال تركها
وشأنها يقول:
ويعجب كثّير بهذا الأسلوب الفني ويستخدمه أكثر من مرة في
تصويره لعزة واحتفائه بالطبيعة يظهر في صورة الروضة التي مرت في موضع سابق، أو في
هذه الاستدارة التي يفاضل فيها بين ظبية أم ترعى مع وليدها في مكان وافر الغذاء
ويظهر جمال شكلها ورشاقتها وطولها، وبين عزة التي تتفوق عليها في إقبالها وفي
إدبارها فإنما تشبه مهاة تطلب الظل في أحد المواضع يقول:
ويدور المجنون في دائرة هذا التشبيه التمثيلي فيفاضل بين
ليلى وبين الظبية الأم التي تراقب وليدها وهو يبحث عن الطعام والماء فتتفوق عليها
وعلى البقرة الوحشية التي تضم قطيعها إليها.
ولا يكاد يختلف تصور الوليد بن يزيد لريق محبوبته عما تصوره
جميع الشعراء، مع ما عرفته نشأة الوليد من الرفاهية والرقي والنعيم وأساليب العيش
الطري، وما مرّ عليه من أنواع المتعة وفنونها، فإننا نراه منكمشاً أمام صور أقرانه
وأسلافه، فلا يخرج عن قوله إنه يشبه المسك الذي خلط بالزنجبيل والعسل والألبان أو
حتى الخمر، بل كل هذه الأطايب لا تضاهي ريق سلمى عندما يرتشفه يقول:
ومن أنماط الصورة الأخرى، القصة أو الحدث القصصي: الذي انتشر
في الشعر الحجازي الحضري، وقد اعتمد عمر بن أبي ربيعة في تصويره للمرأة على هذا
الأسلوب القصصي أكثر من أساليب الصورة البلاغية الأخرى وتضافرت أدوات القصة لديه
من حوار ومكان وزمان وأشخاص وحركة نفسية له وللمرأة والرفاق، وتضافرت هذه الأدوات
مجتمعة لتجسم صورته بطريقة مختلفة، ففي أغلب قصصه تقوم الأحداث وتطوراتها مقام
الصور التقليدية السائدة فهو يعتمد في تصويره على رصد الحدث والحركة وتصوير الأمكنة
التي تقع أحداثه عليها وتحديد الزمان الذي يزيد من قدرة الإيحاء في صورته الذهنية،
ويضيف إلى ذلك تصوير النفس البشرية لدى الأنثى بشكل خاص وكانت طريقة عمر هذه تسير
بالشعر الأموي خطوة كبيرة بطريق التطور في أسلوب الصياغة الفنية، على أن الشعر
الجاهلي قد عرف هذا الأسلوب القصصي على يد امرئ القيس والأعشى خاصة لكنه لم يكن
نهجاً ثابتاً في كل القصائد كما كان في معظم قصائد عمر بن أبي ربيعة وبقية شعراء
الحجاز. ومن هذا الأسلوب الفني في التصوير قوله:
فالشاعر يحدد إطار هذه القصة الزماني، إنه الليل، وليل عمر
في هذه القصة يكاد أن ينصرم، وقد حان هبوب الصباح على الطبيعة، ثم يترصد الزمن
بدقائقه ويمتد به فتشعر معه بمضي الوقت بسرعة وتغير الزمن بين حالة وحالة وما
يعكسه على الإنسان من نشاط أو خمول في أوقاته المختلفة، إنها صورة تختزن الحركة
وانقلاب الزمن وتغير حال العشاق وانفعالهم وخوفهم من وضوح الصباح، وتغير حال الناس
من حالة النوم إلى العمل والنشاط، إنها جزئيات بسيطة تعمل مجتمعة على تأليف هذه
الصورة القصصية في سرد وانسيابية قريبة من الحياة اليومية الواقعية.. ويكرر الشاعر هذه الصورة الذهنية بشيء من التفصيل مع
المحافظة على العناصر الأساسية. من تحديد الزمان والحذر والترقب من الأهل والأعداء واقتناص
غفلة الحراس إلى أن يحصل اللقاء. يقول:
وعن هذا الأسلوب في شعر عمر يقول الدكتور شكري فيصل:
"إن أسلوب القص عند عمر طغى عليه وساق شعره هذا المساق السهل المستساغ ووهبه
هذه اللغة الشعرية.... إن عمر سما بالعمل الفني في قصيدته من حيث هو بناء أو هيكل
جديد سمواً لم يعرفه الشعراء العرب في هذا القص الطويل الغني الذي تملؤه الحركة
والحوار، وتتعاقب عليه الشخوص والمشاهد، ويتتابع فيه العرض والعقدة والحل... ولكنه
من ناحية أخرى ملأ جوانب هذا الهيكل أو جزئياته بالعمل الفني القريب... لم يُبْعد
في صوره ولم يغرق في تشابيهه، بل إنه استغنى عن الصور والتشابيه في كثير من
المواقف بهذا القص المستساغ"[93]). ويتابع الدكتور شكري فيصل رأيه بالخيال والصورة في شعر عمر
فيقول: "فلم يكن عمر كالذي نعرف من أمر الخيال عند الجاهليين، إن عمر لم يسخره حيث سخروا خيالهم في التشبيه
والتصوير وإنما سخره في وجهة أخرى تتمثل في رسم الأطر والتقاط الأحداث أو ابتداعها
وفي صياغة ذلك صياغة القصة، فبعض جهد
عمر الفني كان منصرفاً إلى التشبيه في أقرب صورة التقاط وجه المقارنة بين
الشيئين ثم إقامة هذا التشبيه بينهما، ولكن عمر لا يمتاز بذلك ولا يملك أن
يسبق الجاهليين فيه، ولكن عمر إنما تابع هنا هذا المنحى الذي يسير
فيه الشعر قبله، ولعله حاول أن ينصرف عن هذه التشابيه القصيرة أو المطولة وأن يدير
ظهره لهذه الاستدارات التشبيهية إلا أن يقع ذلك عنده أثراً لاتصاله بالتراث الشعري
وصلته به"[94]). ومما يثير التساؤل والحيرة في صور عمر-التي تستمد إيحاءها من
البيئة العربية- انعدام الإحساس بالثراء والترف والبذخ في هذه المشبهات وذلك فيما
يخص الجمال والوصف الحسي، على عكس تصويره لزينة المرأة وحليها التي عرضت لها في
فصل سابق واقتصار صوره كما تؤكد الشواهد على الاستمداد من البيئة الصحراوية، وقد
يكون ذلك بسبب إحساسه العميق بتقليد أسلافه في هذا الجانب من صوره. ويرد هذا الأسلوب في شعر العرجي، فينقل قصته بتصوير المكان
والزمان والرفاق برصانة أكثر من تصوير عمر الذي يلوي عنق الصورة من أجل استقصاء
الحوار بينه وبين صاحبته، فتبدو عناية العرجي بتصوير الحدث أكثر من الحوار، يقول:
ففي
القصة تصوير بارع لهذه المرأة التي تقوم برأب الصدع بينهما، وعناية بتفاصيل الحدث،
من وصف لذكائها وقدرتها على التأثير، فكأنما هي ساحرة حتى انقادت لها انقياد
الجواد الموثق بالحبل. وفي التصوير طرافة ومرح إذ يجعلها صديقة الشيطان في مكرها
ودهائها، وفي قوله-تغشت ثياب الليل- صورة رائعة توحي بالغموض الشديد، وكذلك قوله:
تمثلت بالشعر من أجل مزيد من التأثير في هذه المرأة، وفي الصورة كم واضح من ثقافة
هذه المرأة وقدرتها الخارقة على خلخلة بعض ما في نفس صاحبته منه وكان له ما أراد،
وكان لصورته أثرها الشاعري الجميل. [15]) ديوان عبيد الله بن قيس 59
مراته أي مرآته من منظره. قرقف التي لها رعدة. النطفة: الماء قليله وكثيره. [23]) ديوان كثير 429. الحزن:
الموضع الغليظ. الجثجاث، العرار: نباتات طيبة الرائحة. منخرق: متسع: متسع أي مدى انتشار الرائحة. اللطيمة: المسك. الداري: نسبة إلى دارين في البحرين.
أفيد: دق وانتشر. تفتق: ذاع. فأرة المسك: نافجته. موهناً: بعد هدوء الليل.
المندل: العود. [24])المصدر السابق: 119. الصبيب:
الماء. الغادية: السحابة: لصب: مضيق الوادي يكون ماؤه شديد الصفاء، تشج: تمزح.
الشآمية: الخمر من الشام.. الشمول: الخمر تشمل بريحها الناس. محلقة: مرتفعة.
أردفها: أتبعها الرعيل: القطعة من النجوم. [25]) المصدر السابق 95 التهيام:
مصدر المبالغة من الهيام. تبوأ: أقام في المكان. سحابة ممحل: سحابة بلد مجدب.
استهلت: أرسلت أمطارها. أي هو الممحل وهي السحابة. [31]) ديوان ذي الرمة 619، 620
المرط: الإزار، الصريمة: قطعة الرمل. توالي: مآخر. رأد الوشاحين: أي خصرها نحيل
وشاحها يذهب ويجيء. أصفر: أي خالٍ. [32])المصدر السابق : 142 أناة
بطيئة القيام. المرط: الإزار. تلوثه: تديره حولها. الدعصة: كثبان صغيرة عجم الرمل:
معظمه ووسطه. [35]) المصدر السابق: 26 اللبب:
منقطع الرمل. أفضى: صار إلى الفضاء. العقد: الرمل المتراكم. الأسباط: اسم نبات.
الهدب: ورق الأرض. [38]) المصدر السابق: 958 من حر
نجد: أي من كريمها وعتقيها. تهللت: سالت. سماء: يريد المطر. الصبا: تسري ليلاً للمطر. ذرق: نبات كفراً على كفر: أي
مطرة على مطرة. تعاورها: أي تأتيها مرة بعد مرة. هجعة: نومة. النشر: الرائحة.
الوعساء الرملة اللينة. [43]) شعر عمرو بن لجأ التميمي: 37
عراض القطا: واسعات الأرداف. غر من الظل: أي ظل، وارف. أهدب: متدل فيحان: موضع. [52]) المصدر السابق: 188 أسمر: أي
باب من خشب الساج. تئط: تصر. الأقاليد: الواحد أقيلد: المفتاح. الطهمان: البواب. [60]) ديوان عمر: 116 المهاة:
البقرة الوحشية. مفتانة: شديدة الفتنة.. الدل: الدلال. ريا الخلق: ممتلئة سمينة. [65]) المصدر السابق 142 قباء:
ضامرة البطن. المبتلة: الجميلة التامة الخلق. البوص: العجيزة. القور: ج قار وهي في
أعلى الجبال.. [70]) المصدر السابق 113 الحمول:
الهوادج الدلح: الثقيلة الحمل. أصله السحاب الغزير الماء. الوقر: الحاملة حملاً
ثقيلاً القفاف: ج قفة الأرض المرتفعة.. السباخ: مالم يحرث من الأرض ولم يزرع.
الأبطح: الأرض المستوية. [71]) ديوان الأحوص: 144 الصبير:
السحاب الأبيض. الغادية: السحابة التي تنشأ غدوة. البيع: واحدها بيعة وهي مكان
تعبد النصارى. [72]) ديوان الأحوص: 99 أدمج
الحبل: إذا أحكم فتله. الجدل: شدة الفتل. العنان: الحبل. الصناع: الحاذق بالصنعة.
المحصد: الشديد الفتل. [73]) ديوان عبيد الله بن قيس 108
الأدماء: الظبية في بياضها سمرة. مغزل ذات ولد. الخشف: ولد الظبية انتحت: قصدت.
السهوب: ج سهب وهو المستوي من الأرض في سهولة مشغوفة: حزينة. تجول عليها: تبحث
عنها. [77]) ديوان ذي الرمة 386 ساج:
ساكن الطرف وهو ولدها الذي شغلها من باقي القطيع. أخدرها: حبسها عن صواحبها.
استودع: توارى. خمر الوعساء: الخمر كل ما واراك وسترك. الوعساء: أرض سهلة لينة.
مرخوم: يعني الغزال. [79]) ديوان الأخطل: 12 الجازئة:
التي تجتزئ الرطب عن الماء. السر: صفو المودة. الأنوق: الرخم التي لا ينال بيضها. [85]) ديوان ذي الرمة 1414 مساقط
الرملة: منقطعها. الواكف: المطر. تلاعاً هراقت: أي كان مصبها عند حوض التلعة: مصب
من مكان مشرف على الوادي. الحبل من الرمل: ما طال منه. آملة: رملة عرضها حدر نصف
ميل. عفرا: بيض تضرب إلى الحمرة.. رأت أنساً أي هذه الظبية رأت إنساناً عند خلوتها
فلم تذعر إلا في جولانها؛ الوقر: الهرم في العظم. [86])المصدر السابق : 1626 السعد:
يريد يوم الصحو وصفاء الجو. المخرف:
الظبية تلد في الخريف. الصريمة: الرملة. عيد شائف: أي يجلو الخرائد من شاف الشيء إذا جلاه. [89]) ديوان كثّير: 388 أم خشف:
ظبية. الخشف: ولدها. العميم: الطويل. الأثل: عضاه طوال شبهت بها المرأة لطولها
واستوائها. تناوح: تقابل. الإرخ: الفتي من بقر الوحش جبة: موضع. تقرو: تتبع. [90]) ديوان المجنون: 79 المغزل: أم
الغزال. الإدماء التي أشرب لونها بياضاً. النهي: الغدير. العرار: نبت طيب الحلب
نبت تأكله الظباء. الفرقد: ولد البقرة. الربرب: قطيع البقر الوحشي [92]) ديوان عمر: 106 ذل الطريق:
أي تجنب من الطريق ما يسلكه الناس حتى لا يرانا أحد. العصلاء: المرأة اليابسة التي
لا لحم عليها. المعصر الملجأ والمنجاة.. تحين: أدرك وقته. الرواح: العودة في
العشي. رابغ: اسم مكان. المتنور: الذي يتطلع إلى النار من بعيد. السرب: الجماعة من
الظباء والقطا. لا تعيا مبلغاً: يريد لا يعجزك أن تجد من يبلغها انتظارنا. | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||