|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:32 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
الاستعارة:
كان النمط الاستعاري قليل الاستخدام في الشعر الأموي-في
الجانب الذي يخص المرأة- قياساً إلى التشبيه، ولكن قد يتوسل الشاعر لصورته
بالاستعارة فيتخيل المجنون صورة تمثل العشاق المسهدين وقد فارق النوم عيونهم،
فسهروا برفقة الليل يحرسونه ويخافون عليه لأنه ملجأ العشاق وملاذهم الأمين يقول:
ونسجت مخيلة ذي الرمة خيوط الأحاديث التي تتجاذب النساء
أطرافها يقول:
وجعل ذو الرمة أيامه الماضية مع مية جداول مياه وظلال كَرْمٍ
وارفة كان يخوضها معها يقول:
إنها أيام مرت ومضت وكأنها جداول مياه ظليلة راح يخوضها مع
صاحبته ويتخيل القطامي النساء في الخدور مثل السحاب الذي يرسل برقه فيخطف الأبصار،
يقول:
3- الصورة بين التقليد والتجديد:
كان الشعر الجاهلي معجماً شديد الثراء والخصوبة أمام الشاعر
الأموي، يستمد منه كثيراً من أفكاره ومعانيه وصوره لينتزع الاعتراف بالأصالة
والنبوغ من نقاد عصره وقرائه ولعلي بيّنتُ في مصادر الصورة ومنابعها الطبيعية
التشابه بين شعراء العصر الأموي وشعراء العصر الجاهلي من حيث الاصطفاء من الطبيعة
واختيار أجمل موجوداتها وتسجيل الإعجاب بها من خلال ربطها مع صورة المرأة أو ربط
صورة المرأة بلوحة الطبيعة الحية المعطاء في صور الأرض المعشبة أو الرياض المزهرة
أو الأشجار المثمرة والغيوم الممطرة وإناث الحيوانات المرضعة من غزلان وبقر وحش.
أو الشمس في أزهى ألوانها والقمر في اكتماله والجمر في اتقاده والدرة في نقائها
والبيضة في عُشها-يضاف إلى هذا بهجة الإحساس بالحياة وعطر الطبيعة بعد الندى.
وتشكل هذه العناصر مجتمعة لوحة الخصب
في الحياة ورمز التجدد والعطاء"المرأة". ولم يقتصر تقليد الشاعر الأموي لسلفه الجاهلي على استمداده
من موروثه الثقافي وعلى اعتماده على الطبيعة في صوره وأخيلته، بل قلّده أيضاً في
النمط الشائع للصورة التي كانت تقوم أساساً على التشبيه، وظل الشعراء يقلبون
التشابيه الجاهلية ويستمدون منها حتى وصلت إلى مرحلة فقدت فيها قدراً غير يسير من
توهجها وشاعريتها على يد مجموعة من الشعراء. وقد يبدو تزيداً لا ضرورة له أن أسوق الشواهد على ما نراه من
تقليد الشعراء الأمويين لأسلافهم الجاهليين في صورهم. ولعل النظر مرة أخرى إلى
منابع الصورة يقطع بسطوة هؤلاء الجاهليين على شعراء العصر الأموي. ولقد أحس بعض الشعراء بوطأة التراث الجاهلي وسطوته على خيال
الشاعر الأموي وفكره، وحاولوا أن يخففوا هذه الوطأة كما فعل الشاعر يزيد بن معاوية
الذي طور أسلوب الصورة قليلاً وأمده بنسغ جديد استطاع أن يتسلل إلى خياله من حياة
الدعة والقصور التي عرفها، فكانت صوره تفيض بروح الظرف والمرح والدعابة، وقد سجل
بذلك تطوراً ملحوظاً في أسلوب الصورة السائدة في شعره. ولكنه تطور شخصي، على ما
ألاحظ، لم يعمّ تأثيره إلا في العصر اللاحق لعصر الشاعر. فقد ألمّ بصورة البنان
المخضب- وهي صورة تقليدية أصبحت من أساسيات معجم الصورة التي تخص المرأة- ولكنه
طورها بأسلوب طريف يعتمد على حوارية بسيطة بينه وبين صاحبته يحكي فيها حكاية حب
ملمومة الأحداث دافقة المشاعر. إذ تبين له صاحبته أن اللون الأحمر الذي يلون كفيها وأصابعها
لم يكن بفعل الزينة والخضاب، وإنما
كان بسبب ما ذرفت من الدم بدل الدموع فأدى إلى تلون كفيها، يقول:
وقدّم لنا في حوارية أخرى بينه وبين صاحبته صورة طريفة يتكئ
فيها أيضاً على تشبيه موروث-وهو تشبيه الجمال بالبدر- ولكنه تصرّف بهذه الصورة
وأمدّها بنسغ جديد جعلها أكثر حيوية ونضارة بعد أن كادت تجف من كثرة ما تعاورها
الشعراء. لقد كشف عن احتجاج صاحبته على تشبيهها بالبدر وعن عدم انتشائها بهذا
المدح والثناء السخي حين اعترضت بأن البدر لا يكاد يشبه سوارها أو مبسمها. وفي الصورة
على ما أعتقد سخرية الشاعر من التشبيه واحتجاج ضمني على القوالب الجامدة للصورة
الشعرية ومحاولة لتجاوز قيده الثقافي الفني بهذا الأسلوب، يقول:
وأوشك أن أجزم أن شعوراً خاصاً كان ينتظم صور هذا الشاعر فيه جدة وطرافة وغرابة
وفيه احتجاج واعتراض على قوالب الصورة التي جمدت عند. مواصفات معينة، فهو يحاول الانحراف بها عمّا تدلّ عليه،
فيرفض أن ينظر إلى صاحبته بعين قد رأت امرأة غيرها، قبل أن يؤدي شعيرة التطهر،
وكذلك يحاول أن يطهر حواسه التي رأت أو سمعت ما صدر عن أعضائه بشكل عفوي، إنه يريد
من حواسه التفتح على عالم عذري آخر يكون أول من يفوز بلذاته، وأعتقد أن الأبيات
تكشف برفق عن إحساس الشاعر بوطأة القالب الفني الذي جعل لوحة المرأة لوحة باهتة
فقدت إثارتها وبريقها يقول:
ويفارق القطامي في إحدى صوره عادة اجتماعية غنية الدلالة في
المجتمع العربي، إذ يظهر إعجابه بامرأة لا تكثر من الإنجاب خوفاً على جمالها وصحة
جسدها من الترهل، مع أن الثقافة العربية كثيرة الاعتزاز بالمرأة المنجبة وذلك بسبب
حاجتهم الدائمة إلى التوالد من أجل الحصول على القوة في حالة الدفاع عن الأرض أو
في حالة الهجوم على مناطق جديدة، ويقدم صورته بالشكل التقليدي، لكنه يختمها بوصف
نادر فيما يخص المرأة، يقول:
وضمن هذا الإطار المعتمد على الصياغة الموروثة للصورة، قول
يزيد بن الطثرية، يذكر البرق والمطر ويربط بينه وبين المرأة، لكنه يجدد الصورة من
خلال العلاقة الجديدة التي يقيمها بين البرق وبين عيني صاحبته والسحر الذي يشعّ
منهما مع أن الشعراء قبله درجوا على تشبيه بريق الأسنان والابتسامة بلمعان البرق،
فيؤكد أن أثر البريق الذي يشع من عينيها كأثر المطر الذي يعقب البرق فيمد الطبيعة
بالمروج والرياض المزهرة فيمتزج إحساسه بالجمال ويغتبط به كما تغتبط الطبيعة بعد
المطر، يقول:
وقد يكون التجديد بالإكثار من ذكر الأماكن المقدسة التي
تتواجد فيها المرأة لتمارس شعائر دينها وتعاليمه، كاستخدام عمر للأراضي المقدسة في الكثير من صوره،
كأن يقول:
واهتمام عمر بن أبي ربيعة بالأطر المكانية لأحداث قصائده
ظاهرة واضحة وإضافة مهمة كما يرى الدكتور شكري فيصل، يقول: "كذلك تبدو قدرة
عمر في العمل الفني على أن يعرض شعره في هذه الأطر والمشاهد... وإذا كان التشبيه
والوصف ملاك العمل الفني في الشعر الجاهلي، فقد انصرف عمر عن ذلك، ولم يرد أن يجعل
من موهبة الشاعر سبيلا إلى أن يتحدث عن أشياء بعينها تحدثاً مباشراً. إنه قد يتحدث
عن البرق في إطار من حديثه عن واقع ما، وقد يصف الأطلال في مشهد من حادثة أو في
تمهيد لها ولكنه لا يمكن أن يصف هذا البرق وصفاً مباشراً. ومن هنا كان فرق ما بينه
وبين الشعراء الذين سبقوه وعاصروه"[11]). وقد جدّد الشعراء العذريون في أسلوب الشعر عن طريق صياغتهم
الخاصة لبعض الألفاظ ومفارقتهم لنهج الصورة الموروث غالباً"فلم تكن البراعة
الفنية عند جميل وعند أمثاله من الشعراء العذريين في أساليبهم البيانية، وإنما
كانت قبل كل شيء وأكثر من كل شيء في تعرفهم لسرائر النفوس وعرضهم لها عرضاً
يسيراً"[12]).. وكان الدكتور عبد القادر القط قد أسهب في تتبع هذه الظاهرة
في الشعر العذري وتوصل إلى أن"هؤلاء الشعراء يبثون في ألفاظهم من الحرارة
واللوعة ما يجعلها تبدو كأنها"صياغة" جديدة غير معهودة في الشعر القديم.
ذلك لأن الشاعر لا يتحرج من أن يكشف عن كل ما يعتلج في باطنه من حرقة أو يثقلها من
يأس وهكذا تتخذ صيغ"الندبة" و"النداء" في شعرهم وضعاً جديداً
وتكتسب"القلوب والأكباد" قدرات جديدة على الرمز والإيحاء"[13]).
ويتابع الدكتور عبد القادر ملاحظاته فيقول: "يحاول
الشاعر بتكرار تلك الألفاظ أن يخلق منها صورة بيانية تجسم الإحساس وتبرزه مستعيضاً
بها عن المجازات والتشبيهات، وقد يكون التكرار"بسيطاً" لا يقصد به إلا
تأكيد الانفعال أو الاستمتاع بترديد اسم حبيب أو مكان أو ذكرى، وقد يصاحبه شيء
من"الصنعة" البيانية اليسيرة التي أصبحت من سمات الشعر العربي المعروفة،
فيذكر الشاعر في موضع من البيت لفظاً ما يعد تمهيداً للقافية التي يمكن أن تكون
كاللفظ نفسه أو أحد مشتقاته أو صوره اللغوية.. وقد يتخذ التكرار مظهر"الصيغة" الشعرية الجديدة
عند هؤلاء الشعراء عن طريق تكرار أدوات النداء أو التعجب أو التمني في أكثر من
بيت"[14]). ومن أمثلة تكرار الصيغة الشعرية التي تعكس الحركة النفسية
الداخلية لدى الشاعر والتي يؤكد الإحساس بامتداد الحب على مدى الزمن قول المجنون:[15])
ومن صيغ التمني قول جميل:
ولكن هذه الضروب من التجديد الشعري ليست كل ما أضافه
العذريون إلى الشعر، ولا هي موصولة بهذا المبحث إلا بسبب ضعيف. ولذا فإنني سأعود
بالحديث إلى سياقه، فأنا أظن أن هؤلاء الشعراء-على قلة اهتمامهم بالصورة- قد
اهتدوا بحسهم الصادق العميق إلى كثير من الصور الفنية المبتكرة النابضة بالمشاعر
والأحاسيس على نحو ما نرى في هذه الصورة النفسية البديعة التي يصور فيها إحساسه
بالسعادة والغبطة إثر لقائه بليلى فيحس أن راحة يده أصبحت كالأرض الخصبة المعطاء
قد أمدتها الطبيعة بالماء والرطوبة من أجل مواسم الخصب والنماء فنبت في أطرافها
الورق الأخضر، يقول:
إنه يتجاوز وجوده الحسي ويهيم في عالم الحب والمشاعر فيتحول
بقدرة سحرية خاصة استمدها من لمسة حبيبته إلى عالم من البهجة والإشراق والاخضرار. ويهتدي بحسه المرهف إلى صورة نفسية أخرى تجتمع فيها
المتاقضات من البراءة والقسوة ولهو الحياة الغافل وصرامة الموت القاسية، فهو يصور
عبثها به وقلة اهتمامها فيراها كطفلٍ بريء يلعب بعصفورة مزمومة توشك أن تموت مما
هي فيه، وليس يستطيع هذا الطفل بسبب شغفه بهذه اللعبة أن يتأنّى أو يعطف على هذه
العصفورة الضعيفة ولا هي تستطيع أن تنقذ نفسها فتفرّ من يده، ويسقط الشاعر مشاعره
الخاصة على هذه العصفورة ويجعل منها معادلاً له. يقول:
كما يعمد في تصويره إلى إشراك عناصر الطبيعة الحية في
معاناته النفسية ويجعل من بعض الطيور مَعادِلَ لشخصه يسقط عليها مشاعره ويقيم معها
علاقات يفرغ فيها تساؤلاته وقلقه النفسي لعلّه يجد مخرجاً مما يعاني، فتارة يجعل
سرب القطا رفيقاً له يبثه أوجاعه وشكواه، ويستعين به على ما هو فيه، فإذا هو يجد عند
هذه القطوات كل ما يحلم به من التواصل والتفاهم والمساعدة، يقول:
وتارة أخرى يجري محادثة باكية مع بعض حمامات كان قد سمع
هديلهن الحزين فأصغى إليهن بشغف لما أثاره صوتهن في نفسه من مواجع وأشواق، ورأى
أنهن مثله يضنيهن الدهر بمصائبه، يقول:
ويهتدي قيس بن ذريح إلى ابتكار بعض الصور النفسية الغنية
بدلالاتها الاجتماعية والرمزية بأسلوب بسيط قريب مباشر كما في قوله يشبه شدة حبه
للبنى وثباته على هذا الحب بثبوت الأصابع في راحة اليد:
وفي قوله:
تصوير نفسي يستمد إيحاءه من عالم الطير الضعيف وعالم القلق
والخوف والاضطراب، فقلبه من شدة خفقانه واضطرابه عندما سمع بمغادرة صاحبته كأنه
هذا الطائر الضعيف الذي وقع في الشرك، فهو يحاول جاهداً-دون جدوى- التخلص وإنقاذ
نفسه من هذا الشرك. ويصور تعلقه بها كأنه تعلق بالحياة ذاتها، فيربط بين حاجته
لها وحاجة الرضيع إلى ثدي أمه يقول:
ويستعين جميل بصورة اجتماعية ونفسية يصور فيها انكسار
الفقراء وأمانيهم وأحلامهم، ويقابلها بصورة الغني صاحب المال والثراء، ويربط هذا
التصور النفسي الاجتماعي بمشاعره نحو بثينة ووعودها بتسديد ديونه، ولكنها وعود
تذروها الرياح، أو هي-على حد تصويره البديع- كبرق سحابة تخلف آملها وراجيها. يقول:
ويستخدم جميل كغيره من الشعراء العذريين صورة الماء والعطش
التي تحمل دلالة رمزية تنم على العلاقات الاجتماعية في بيئة البادية وتمتد هذه
الدلالة الرمزية فتشمل الحالة النفسية للشاعر التي تعبر عن حاجته إلى هذه الحبيبة
التي غدت رمزاً للحياة كلها، وهل يرمز شيء إلى الحياة أكثر مما يرمز الماء؟ يقول:
ولا يكاد كثيّر عزة يختلف عن جميل في التعبير عن قيظه النفسي
وإحساسه بالجفاف، فهو مثله يلجأ إلى صورة العطش والخوف والموت والماء لعلّها
بعناصرها المختلفة تكفل له التعبير عن واقعه النفسي:
ويضطر الشاعر كثّير إلى أمنيات غريبة تصور نفسه الباطنة وما
يموج بخاطره من وطأة المجتمع وظلمه فيبتكر صورة نفسية واجتماعية وبيئية شديدة
الخصوبة والثراء، فيتمنى أن يكون هو وصاحبته بعيرين أجربين لرجل غني يرعيان القفر
بعيداً عن الناس، ويمتد بالصورة، ويملؤها بمشاعر قاتمة كئيبة كمرارة العطش والجرب
وعدوى المرض والضرب والقذف بالحجارة، يقول:
وتتلاحق الأمانيّ البائسة في شعر المجنون في صور غريبة
متلاحقة كلها ناطقة بالنفور من المجتمع وعدم القدرة على التكيف معه أو على مواجهته
بالخصومة، وكلّها صور قريبة من الذهن والقلب، ولكنها جميعاً صور مبتكرة لا عهد
للشعر العربي بها من قبل، يقول:
وما أكثر ما اهتدى هؤلاء العذريون إلى هذه الصور الجديدة
البسيطة الفيّاضة الدلالة والثرّية الإيحاء للتعبير عما في نفوسهم على نحو ما نرى
في قول المجنون وهو يصور تسرّب الآمال من اليد:
أو في قوله:
وحقاً لم يكن هؤلاء العذريون ذوي طاقات شعرية ضخمة كالشعراء
الفحول، ولكنهم استطاعوا أن يجّددوا في الشعر العربي أكثر مما استطاع أولئك الفحول
الذين أرهقتهم معايير النقد السائدة في عصرهم والمتمثلة في فكرة"مضاهاة
القدماء". وأخلص من هذا كله إلى القول: لقد أسرف
الشعراء الأمويون في تصوير المرأة، وكانت صورهم تتأرجح بين التقليد والتجديد، ولكن
علينا أن نتذكّر أن هذا التقليد كان يحاول الانتفاع بالموروث والإضافة إليه في
كثير من الأحيان، وأن هذا التجديد لم يكن تجديداً مطلقاً بل كان يكثر من الالتفات
إلى الكنوز الجاهلية ويقترض منها ويعيد صياغتها، وكان أحياناً يشق له دروباً جديدة
لا عهد للشعر بها من قبل، وأغلب الظن أن هذه المزاوجة بين القديم والجديد لم تكن
سمة خاصة بالصورة الشعرية، بل كانت سمة عامة تطبع الشعر الأموي كله في معانيه
وأساليبه وصوره. الخاتمـــــــــة
حاولت في هذا البحث الكشف عن موقع المرأة في المجتمع العربي
زمن الأمويين، كما ظهرت في شعر
شعرائه، فرأيتها في الفصل الأول من هذا البحث أماً ترعى أبناءها وتسهر على تنشئتهم
وإعدادهم للحياة إعداداً طيباً يبعث الفخر والاعتزاز بالنفس، ورأيتها مادة شعرية
في أيدي شعراء المديح ولا سيما أمهات الخلفاء ورجال السياسة، وكذلك كانت في أيدي
الهجائين، ولم تحل هيبة الأمراء والحكام دون ذلك، إذ مضى بعض الشعراء يتعرضون
لأمهات هؤلاء الحكام ويتغزلون بهن. ثم رأيتها زوجاً أثيرة لدى زوجها تدبر شؤون بيته وتحاوره في
شؤون حياته ورزقه، على ما قد يكون في هذا الحوار من المخالفة والشجار وهي-في
أحوالها كلها- تحبه وتحرص عليه، يرمضها الشوق إذا ابتعد ويزهيها الحب إذا حضر، تستمع إليه وهو يستعرض مفاخره
ومناقبه أمامها فتكون خير مرآة يرى صورته فيها، وبينتُ مكانتها وبعض حقوقها فكانت
ترفض بعض عقود الزواج التي لا ترى نفسها فيها، كما أشرت إلى أهمية التكافؤ بين
الزوجين من حيث مكانة الأسرة الاجتماعية ونسبها وجاهها وحالتها الاقتصادية
وسمعتها. وبالإضافة إلى التكافؤ كانت قضية المهر تُعلي من صيت بعض
الزوجات وتدلّ على مكانتهن ونسبهن، وبيّنْتُ أن المهور المرتفعة كانت مشكلة لا يجد
كثير من الناس سبيلاً لحلها. ونظرت في العلاقة بين الزوجين فرأيت الطلاق ربما يفرق
بينهما ولكن الزوج قد يبقي في قلبه حب ومودة لزوجته فيندم على فراقها ويستمر في
تذكر أيامه معها ويتمنى لو تعود الأيام بينهما. وتحدثت عن موقف المرأة من الشيب وموقف الرجل من المرأة
المسنة وكشفت في هذا الحديث عن المفارقة العجيبة التي يلتزمها الرجال تجاه النساء
المسنات ودفاعهم عن أنفسهم أمام النساء الشابات. وكشفت عن قضية الجواري ومشكلاتهن مع الشعراء وبينت موقف
الزوجة التي تستبد بها الغيرة حين ترى الجواري ينازعنها زوجها فلا تزداد إلا
ارتباطاً به وحرصاً عليه، وسجلت التناقض الظاهر في موقف الشعراء الخجول من الجواري
وموقف الخلفاء المستميت في الحصول عليهن والحظوة بهن. وكشفت عن موقف الشاعر الزوج عندما تغادر المرأة بيت الزوجية
منقلبة إلى بارئها، فأحسست مفارقة غريبة وقاسية، وأنا أتأمل رحيل رفيقة الشاعر فلا
يملك رفيقها إلا أن يزم شفتيه ويمضي كأن أمراً لم يقع. وبعد أن تتبعت المرأة الأم والمرأة الزوج في لوحة الشعر
الأموي، رأيتها أيضاً طفلاً يدرج في كنف والديه ثم جويرية في أول الصبا تملؤها
الأحلام، وتزدهيها الأماني، ويطير بها الحب إلى عوالم سحرية ملونة، فتشكو ما هي
فيه من رقابة وحصار، وتطمح إلى أن تتخفف من كل قيد وتتحرر من كل وصاية وهي في ذلك
كله ريحانة قلب والدها وأمها وموطن شرف أهلها. كان هذا موقع المرأة على صعيد الأسرة، أما موقعها في القبيلة
وهو موضوع الفصل الثاني من الباب الأول فتميز بكونها وقوداً للعصبية بين القبائل،
استخدمت عن طريق الزواج لأغراض سياسية أهمها ربط القبائل بعضها ببعض واستخدمت مادة
شعرية ثرة للفخر القبلي أو الهجاء القبلي كما كانت منبر صراع وتزاحم بين البطون
داخل القبيلة، فكانت رمزاً لشرف القبيلة وشرف الرجل. وكان ذكرها مدحاً للقبيلة
وإعلاناً عن عزها وسطوتها ونفاسة نسائها من أجل التطلع إلى المصاهرة وكسب الدعم
والقوة، كما كانت دليلاً على الأنفة والكبرياء والمقدرة على حماية النساء وصون
أعراضهن من مذلة السبي ومهانة الخطف، فكان بعض الغزل دعاية لنساء القبيلة وضرباً
من الالتزام الاجتماعي الأخلاقي بمبادئ القبيلة، فقد كانت القبائل العربية تفخر
بنعمة نسائها وترفهن. كما تحولت المرأة في أشعار الهجاء إلى معادل للقبيلة، فعزّة
القبيلة من عزة المرأة وهوان هذه من هوان تلك، يلصقون بالمرأة والقبيلة أبشع
الصفات الأخلاقية والجسدية، كما استخدمت سلاحاً ماضياً في تمزيق القبيلة ولا سيما
القبيلة الضعيفة المهزومة، فكانت المرأة رمزاً للقوة والمنعة كما هي رمز للانهيار
والضياع، ففي تركها للسبي ذل أي ذل ومهانة وضعف وخور وفي حمايتها والذود عنها عز
وشمم وإباء. كما كانت رمزاً قتالياً يثير حمية المتحاربين ويختزن بعض تاريخ
القبيلة الثقافي والاجتماعي من قيم وعلاقات. هذه هي المعاني التي شاعت شيوعاً
كبيراً في شعر شعراء العراق أيالمدح بحماية النساء والهجاء بتعريضهن للسبي) في
حين اقتصر شعر المدن الحجازية على الدعاية والإعلان عن نعمة النساء وترفهن. وعلى صعيد المجتمع الأموي-وهو موضوع الفصل الثالث من الباب
الأول- وازنت بين مكانة المرأة في المدن الحجازية، ومكانتها في البادية، واستطعت
التمييز بين طبقتين من النساء في المجتمع الراقي، طبقة المغنيات، وكن من الموالي،
وبينت المكانة التي ظفرن بها في هذا المجتمع لدى الخلفاء والفقهاء وأبناء الأسر،
وانحدار هذه المكانة لدى الشعراء. ثم طبقة النساء الثريات اللواتي انحدرن من الأسر
العريقة وعلى رأس هذه الطبقة أميرات البيت الأموي الحاكم، ويصور الشعر نساء هذه
الطبقة بما توافر لهن من أسباب الترف والإحساس العارم بالكمال والمتعة، فإذا هن
يبحثن عن أسباب أكثر إثارة للحرية الاجتماعية، ويتنافسن في إظهار نعيمهن الاجتماعي
وتحررهن بين أيدي الشعراء أو في مواسم الحج. وكشفت عن وضع المرأة في المجتمع البدوي الذي كان شديد
المنعة، فلم تظفر بما ظفرت به أختها الحضرية من التحرر الاجتماعي، ولم تسمح لها
البيئة بعاداتها وتقاليدها بالتفكير مفردة أو التحرك خارج نطاق أسرتها، وقد تزوجن
جميعهن خارج تجربة العشق التي أدت إلى اشتهارهن فكان قيد الزواج أكثر صلابة وغلظة
من قيد المجتمع وعاداته. وقادني تتبع صورة المرأة في الشعر إلى أن المرأة الحبيبة
كانت دون غيرها أثيرة لدى شعراء هذا العصر، فهي ربة الحسن والدلال، وهي ملهمة
الشعر والإبداع. فأكثر صور المرأة ظهوراً في ديوان الشعر الأموي هي صورة المرأة
المحبوبة. وعندما درست أخلاق المرأة في العصر الأموي-في الفصل الأول من
الباب الثاني لاحظت أن هذه الأخلاق التي ذكرها الشعراء وأعادوا القول فيها يمكن
ردها إلى ثلاثة مصادر هي: منظومة القيم الجاهلية، أو ما استصفاه الإسلام من تلك
المنظومة، ونقّحه وهذّبه ووجهّه وجهة إسلامية خالصة كالبخل وغض الطرف والحياء
والصرم، والخشية من التقول عليهن
وغير ذلك. ومنظومة القيم الإسلامية التي جاء بها الدين الحنيف ودعا
المرأة إلى التحلي بها صوناً لها ولأسرتها وهي كنز من القيم الخلقية الرفيعة
كالتدين والطهر والعفاف والحشمة وسواها كثير. ومجموعة من القيم الإنسانية العامة
التي ترافق المرأة في كل زمن وأرض، وأعني بها الأخلاق المتصلة بطبيعة الأنثى أياً
كانت هذه الأنثى، كالدلال والمماطلة وتضخم الإحساس بالذات، والمكر واللجوء إلى
الحيلة بدلاً من المواجهة أو ما يشبه هذه الطبائع أو الأخلاق. وقد أظهر لي تتبعي لأخلاق المرأة في الشعر الأموي أن مسالك
الشعراء قد اختلفت في الحديث عن هذه الأخلاق، فقد سار معظم الشعراء على سنة واحدة فأنابوا أنفسهم في الحديث
عن المرأة، فهم الذين يقررون صفاتها تقريراً دون أن يقرنوا هذه الصفات بأحداث
الحياة اليومية، ودون أن يسمحوا لتلك المرأة بإبداء رأيها أو بالتعبير عن حقيقتها فبدت خرساء أو كالخرساء،
ولكن عمر بن أبي ربيعة فارق هذا النهج فأنطق المرأة ووضعها في مواقف مختلفة وترك
لها حرية التعبير عن نفسها، فأسرفت في الحديث عن هذه النفس حتى بدت ثرثارة تبوح
بأسرارها كلها فلا تكاد تبقي منها سراً في موطن السر. وهذه هي المرة الأولى التي
تبدو فيها المرأة في الشعر العربي ثرثارة لا تكف عن الحديث. وعندما تحدثت عن جمال المرأة- في الفصل الثاني من الباب
الثاني- كشفت عن الجمال المثالي الذي كان يحلم به هؤلاء الشعراء ويخلعون ملامحه
على حبيباتهم، فيكشفون بذلك عن ذوق العصر، وإحساسه الجمالي وصبوته إلى الجسد
المكتمل أنوثة وفتنة، فكانوا ينقّون الواقع من الشوائب ويرتقون به ليكون جديراً
بالشعر. ولعل الصورة التي حاولت جمع أجزائها من شعر هذا العصر تدل دلالة واضحة على
موقف الرجل عامة والشاعر خاصة من المرأة، فهو يعلي دائماً من قيمة الجمال الحسي
ويحتفل به، وقد تبين لي أن الشعراء العذريين أنفسهم لم يكونوا بمنأى عن هذا الموقف
على خلاف ما توحي به أخبارهم وكثير من الدراسات التي دارت حولهم فقد احتفلوا-كما
تبيّن نصوصهم- بالمحاسن الجسدية، وإن لم يغالوا مغالاة غيرهم. ولكن ذلك كله
لا يعني أن الشعراء لم ينظروا إلى المرأة إلا من حيث هي جسد، فما أكثر ما تحدثوا
عن المشاعر والأحاسيس والعواطف. وخلصت من ذلك إلى أن هؤلاء الشعراء-على تفاوت واضح
بينهم- قد نظروا إلى المرأة نظرة لا تخلو من المنطق والاتزان والاعتدال، فخصوا
حسنها المادي بعنايتهم وخصوا محاسنها النفسية ببعض هذه العناية، وكشفوا بذلك عن
توازنهم النفسي. وأضاف الشعراء
إلى عناصر الجمال الجسدية بعض المظاهر الأخرى التي سادت وكثرت بسبب الترف في بعض
مواقع المجتمع العربي، فكثر وصف بعض الشعراء لهيئة المرأة في ملابسها وزينتها
وحليها وعطورها-وهو ما تناولته في الفصل الثاني من الباب الثاني وقد تبيّن لي أن
الأقمشة الحريرية كانت أحب أنواع الأقمشة وأكثرها استعمالاً بين النساء. فكانت
المرأة لدى جميع الشعراء في أكثر البيئات العربية المختلفة ترفل في ملابس حريرية
فضفاضة تجرها تحت أقدامها. وقد وظف هذا الترف للإعلان عن الجاه والملك الواسع،
وارتبط ارتباطاً وثيقاً بمفاهيم القوة والمنعة في القبيلة والمجتمع. وحرصت المرأة-بالإضافة إلى العناية بملابسها- على الحسن
المصطنع، لأنه يزيد جمالها وبهاءها ويمنحها قدراً من الثقة بالنفس والطمأنينة والرضا،
ولذا كان حرص النساء الدائم على
التجمل والتزين بوسائل مختلفة أمراً لا يكاد يفارقهن، وتوصلت إلى معرفة بعض أنواع
الزينة التي شاعت زمن الأمويين من الكحل والخضاب وتعقيص الشعر وتضفيره، والحرص أشد
الحرص على التحلي بأجمل المجوهرات
من الأحجار الكريمة واللؤلؤ والذهب والفضة مما كان موجوداً في البيئة العربية ومما
يجلب إليها من البلدان المختلفة، ووجدت أن أنواع حليها اختلفت باختلاف أعضاء جسمها
من كاحلها إلى أذنيها، فكانت الخلاخل والأقراط والشنوف والعقود والقلائد والأساور
بالإضافة إلى الأحزمة والأوشحة وبالإضافة إلى الملابس والحلي كانت العطور ضرباً
مهماً من ضروب الزينة ومظهراً من مظاهر العز والثراء والنعيم، فتحدث الشعراء عن
طيوب محبوباتهم المستخلصة من المسك والعنبر والقرنفل والكافور والبخور ولاحظت أن
شعراء الحضر قد أسرفوا في الحديث عن عطور النساء وما يضوع من شذاها. أما الشعراء الآخرون من عذريين وغيرهم فقد قرنوا الحديث عن
هذه العطور وعن روائح حبيباتهم بالحديث عن الرياض وحنوتها وأقحوانها وما يصيبها من
مطر أو ندى مما يجعل روائحها غب المطر أو الندى أجمل وأطيب وأكثر دواماً. وفي الفصل الأول من الباب الثالث-كشف تتبعي لصورة المرأة في
موضوعات الشعر المختلفة عن تفاوت ظاهر الوضوح في موقع المرأة وأهميتها باختلاف
الموضوعات الشعرية. ففي الشعر السياسي اختلفت صورة المرأة بين حزب وآخر وتحولت
في شعر عبيد الله ابن قيس الرقيات ممثل الحزب الزبيري إلى أداة شعرية مشحونة
بالرموز والدلالات جعلها الشاعر تتجاوز وجودها الأنثوي وترتقي لتكون وسيلة للتعبير
عن قضايا سياسية ساخنة. كما تبوأت المرأة الخارجية مكانة مرموقة في شعر هذا الحزب،
وبدت واعية لمبادئ حزبها ومشاركة في نشاطه السياسي والحربي، فكانت رفيقة سلاح
ومناضلة جريئة تقتحم غمرات الموت، وهي تارة حبيبة يفيء إليها الشاعر ويبوح لها
بأسرار قلبه وفكره، وقد بدت لي صورتها مغايرة لصورة المرأة المألوفة السائدة، وشهد
موقع المرأة على مستوى القصيدة تراجعاً ملحوظاً في شعر الكميت بن زيد، شاعر الشيعة
الأول، فلم تكن المرأة موضوعاً شعرياً أو باعثاً على الشعر والحماسة في ديوانه،
وانحرف الشاعر بمقدمته عن الطريقة المألوفة، وحوّل صورة المرأة إلى صورة هامشية
سلبية، وفي قصائد المديح كانت المرأة أميرة متوّجة على صدر هذه القصيدة، تحتل
مساحة كبيرة من مقدماتها، فيمتزج المديح بالغزل في مقدمة الأطلال والظعائن وفي وصف
المحاسن ومقدمة الشيب والشباب، وفي مقدمة الطيف. وبدت المرأة مادة أساسية في النقائض، وظفها الشعراء في
موضوعي النقيضة الأساسيين: الفخر والهجاء، ولكن هذا المكان الذي خصصته النقيضة
للمرأة يختلف اختلافاً كبيراً عن مكانها في موضوعات الشعر الأخرى، إذ تحولت المرأة
في النقائض إلى مُلك مباح يتناهبه جميع الشعراء، فأفقدوها صورتها العذبة الجميلة،
وغاب وجودها الإنساني العامر بالقيم، وراحوا يجردونها من الأخلاق السامية والقيم
الاجتماعية النبيلة، ويقذفونها بفاحش القول، ثم لا يجدون في ذلك كله حرجاً، وأصبح
هدف النقيضة الأساسي الذي يتعلق بالمرأة النيل من شرفها ووظيفتها في النسل والتهكم
بدورها في العلاقة الزوجية والانحراف بها عن هدفها السامي إلى الرذيلة والفجور. واختلفت صورة المرأة في شعر الحب باختلاف المؤثرات البيئية
والثقافية والحضارية فهي في شعر المدن الحجازية امرأة جديدة جريئة متحضرة، تعبر عن
وجودها البارز في القصيدة، لكن شخصية الرجل الشاعر-هي الشخصية المحورية التي تدور
في فلكها المرأة، أما في القصيدة العذرية فتبدوا الصورة معكوسة، إذ تبرز شخصية
المرأة-رغم حصارها الاجتماعي والنفسي- شخصية مهيمنة على القصيدة، وتتحول شخصية
الرجل-الشاعر- إلى شخصية تابعة وهامشية تحاول أن تسترضي المرأة وتفوز بها. ثم بيّنت-في الفصل الثاني من الباب الثالث- أن الناظر في
الشعر الأموي الذي اتخذ المرأة موضوعاً له يلاحظ بوضوح مجموعة من المعاني التقليدية التي فرضت سلطانها على
الشعراء عامة، ولا سيما معاني الجمال الحسي المتداولة في الشعر الجاهلي كالإشراق
في اللون والخد الأسيل ونظرة الغزال المطفل والأسنان البراقة واللثات الداكنة وجيد
الرئم والخصر المهفهف والبطن الضامر والروادف الريا وغيرها من صفات الحسن التي
تمثلها صور المها والغزالة والشمس ودرة الغواص ودمية المحراب. كما يلاحظ مجموعة من المعاني الإسلامية والقيم الجديدة
تتلألأ في هذا الشعر على تفاوت في مقاديرها من شاعر إلى آخر. وعن هذا المزيج الخصب
بين الموروث الجاهلي والتأثير الثقافي الديني صدرت نظرتهم إلى المرأة. وختمت البحث-بالفصل الثالث الذي يتضمن الحديث عن المرأة والصورة
الفنية، فرأيت أن الطبيعة كانت الملهم الأول للشعراء يستمدون منها كل جميل ويبوحون
لها بأعذب المشاعر فيتعانق الجمال والحب ويشكلان معاً صورة المرأة واعتمد الشعراء
لبناء هذه الصورة على وسائل فنية مختلفة من أهمها التشبيه الذي سيطر على الصورة
منذ العصر الجاهلي، واستمر الشعراء الأمويون يعنون به ويمدون من طاقته وينوّعون في
ضروبه حتى بدا اللون الفني المسيطر على الصناعة الفنية في أكثر هذا الشعر. وكما
أكثر الشعر من الاعتماد على هذه الوسيلة الفنية الجاهلية أكثروا من الاعتماد على
المادة الشعرية التي يشكّلونها بهذه الوسيلة، ولذا كثر التفاتهم إلى كنوز التراث
الجاهلي ينقّبون فيها عن الصور والأخيلة كما نقّبوا من قبل عن المعاني، وقد أمدّهم
هذا التراث بسيل من الصور فإذا هم يتعاورونها في غير حرج أو تردد وكأنها ملك مشاع
نصيب كل واحد فيه كنصيب الآخر، وقد حاول كثير منهم أن يطبع هذا الإرث الفني بطابعه
الخاص فمضى يبدل فيه حذفاً وإضافة
حتى صار إلى ما يريد. وقد
مضى شعراء آخرون-والعذريون على رأسهم- يحاولون شق دروب فنية جديدة تختلف اختلافاً
واضحاً عن الدروب القديمة المذلّلة المعبدّة، واهتدوا بإحساسهم الصادق العميق إلى
كثير من الصور الفنيّة المبتكرة، وهي-في معظمها- صور نفسية رامزة فيّاضة بالدلالة
وثريّة بالإيحاء، وبذلك اتخذت الصورة عندهم وضعاً خاصاً يجعل منها
أداة"للتعبير" أكثر مما هي أداة"للمشابهة"، فكأننا أمام صورة
من الأدب الرومانسي. وبذلك اكتمل بناء الرسالة وتضافرت فصولها لتبين كل ما يتصل
بأحوال المرأة في الشعر الأموي لأن الموثق من هذا الشعر كان يمثل وثائق أدبية
وتاريخية ترصد المجتمع الأموي وتحدد
أهم معالمه. [10]) ديوان عمر بن أبي
ربيعة: 207 الخيف: وادي منى.
الصرائم: ج صريمة وهي قطعة ضخمة من الرمال تنقطع عن بقية الرمال. الأشر: تخريز
الأسنان. عارم: خارج عن القصد. |