|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:33 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
الـبـاب
الأوّل
الروايــــــة و
الأيديولوجـــية
المصادر
الأيديولوجية لجبرا وتجليها في خطابه الرّوائيّ
التمهيد:
الرّواية والأيديولوجيا، مفهومات وعلائق:
يحتاج كل بحث يتناول حقلاً من حقول المعرفة الإنسانية إلى
تحديد أوليّ لمفهومات المصطلحات التي يستعملها؛ بخاصة إذا كانت هذه المصطلحات تشكل
عنواناً رئيسياً فيه؛ لأن مساءلة البحث ومحاورته تكون وفق التحديد المقترح
للمفهوم؛ ولأنّ الموضوع المتناول يقبل النسبية في الطرح وفي الفهم، بل يفتش عنها؛
وذلك كلّه يكون خاضعاً لمنهج الباحث ومرجعيّته الاجتماعية والفكريّة وخاضعاً أيضاً
لتكوينه الثقافيّ والنفسيّ والحضاريّ. من المعروف الآن عند أكثر الدّارسين في أكثر الحقول المعرفية
أنّ علومهم ومعارفهم بأنواعها وتفصيلاتها قد حدّدت مفهومات نهائية لمصطلحاتها
وتوافَقَ جميع مستعملي المصطلح على دلالته وكمّه المعرفيّ المحمول فيه وأصبحت المصطلحات منتمية، دون إشكال، إلى
حقلها. إلا أنّ بعض المصطلحات في
بعض العلوم بقي يعاني إشكالية مزدوجة في فهمه واستعماله، ودارت حوله منازعات
ومناقشات حادّة لم تتوقف عند طرح الأفضليات والتعديلات بل تعدته إلى النقض
والإلغاء، ويمكننا أن نشير إلى "الأيديولوجية" مصطلحاً مثالاً على هذه
الإشكالية. خضع المصطلح الأيديولوجية) في سير تطوره وانتمائه إلى حقل
الدلالة القصدية المصطلحية، لآلية تدريجية ارتقائية ليس بالمفهوم القيمي للارتقاء،
ولكن بالمفهوم التطوري الموضوعي؛ فهو؛ كأي مصطلح، كان في الأصل دالاً لغوياً
وضعياً بسيطاً ثم انتقل إلى الدائرة المصطلحية التي حَدّت وضعه اللغوي بوضع إضافيّ
زائد على وضعه الخام. ونحن في هذه المقدمة لسنا ملزمين بتقصِ تاريخيّ لتطور
المصطلح ونموه والحديث عن إشكالية التحديد؛ إنما ما تفرضه طبيعة الدّراسة هو تحديد
المفهوم الخاصّ المقترح في البحث والبناء عليه. إنّ مفهومنا للمصطلح مليء بالمعنى يحتمل محمولات متعددة لا
يكتفي بالتعريفات الجزئية التي تخدم فئة اجتماعية أو علمية أو سياسيةلأنّ المصطلح
في أصل نشوئه نشأ ونما على أيدي هذه الفئات) وإنما يؤلف بين هذه التعريفات ويضيف
ويعدل. "إنّ مفهوم الأيديولوجيا يقتضي وضعاً اجتماعياً
وتاريخياً خاصاً يعيش أثناءه الفرد المنتمي إلى جماعة أو طبقة أو مجموعة ثقافية
حالة تجعله عاجزاً عن إدراك تعبير صادق تام ومستقيم عن واقع حياته العامة، بما
فيها من علاقات سياسية واجتماعية وتطلعات إلى المستقبل أي تصور الحاضر والماضي
والمستقبل إما معكوساً أومشتتاً أو معكراً غير واضح[1]). وبعبارة أكثر وضوحاً وشمولاً ودقة نقول: 1 - تستعمل
الأدلوجة)[2]) في معنى
القناع في مجال المناظرة السياسية، تخلق تفكيراً وهمياً تتضمن تقريرات وأحكاماً
حول المجتمع، تنبع عن مصلحة وتهدف إلى إنجاز عمل معين وتقود إلى نسبية فيما يتعلق
بالقيم. 2 - أما
الأدلوجة) في معنى رؤية كونية فإنّها تحتوي على مجموعة من المقولات والأحكام حول
الكون، تستعمل في اجتماعات الثقافة لإدراك دور من أدوار التاريخ، وتقود إلى فكر
يحكم على كلّ ظاهرة إنسانية بالرجوع إلى التاريخ كقصد يتحقق عبر الزمن. 3 - وتستعمل الأدلوجة) في معنى معرفة الظاهرات الآنية
والجزئية في مجال نظرّية المعرفة، ونظرية الكائن تتضمن أحكاماً حول الحق، ووظيفتها
إظهار الكائن للإنسان الذي هوجزء من ذلك الكائن ويقود هذا الاستعمال حتماً إلى
النظرية الجدلية[3]). ويقوم الجدول التالي باختزال هذه المفاهيم وترتيبها وفق
علاقتها الجدلية، وفق تقاطعاتها وتوازياتها وتداخلاتها[4]):
ويشرح العروي توضعات الصُّوى على الخطّ البياني لهذا الجدول
وتراتيبه وفق جدل العلاقات بين المفاهيم والاستعمالات: لقد وضعنا الاستعمالات
الثلاثة الأولى في خطوط أفقية، وربطنا بكل استعمال ما يستتبعه من مفاهيم وضعنا
الاستعمال الرابع في خط عمودي لأنه مشترك بين الاستعمالات الأخرى)[5]). لم نَتَبَنَّ هذا الفهم إلا لأننا توهمنا أنه يكاد يكون أوفى
التعريفات، فأكثر الحدود التي رصدناها في الأدبيات التي حدّت الأيديولوجية[6])
كانت تنطلق من منطلقات غرضية إضافة إلى ذلك فإنّ العروي) طرح المفهوم من وجهة نظر
تدرس الأيديولوجيا العربية بما يتناسب والوضع العربي؛ لذلك من هذا الفهم تحددت
لدينا مجموعة تفرعات انضوت تحته واتخذت مفهومات متعددة كانت تنويعاً على العنوان
الرئيسيّ "الأيديولوجيا" وهذا التعدد يشمل مفهومات: الدين، الثقافة،
المجتمع، السياسة، الحضارة من خلال مفهوم الذات والآخر ومفهوم العالم ويشمل أيضاً مفهومات أخرى جزئية تندرج
تحت العناوين السابقة في بعض جوانبها وتتداخل في بعض الجوانب. الحديث الرّوائي، بمجمله، مفرز اجتماعي تاريخي يعتمد التاريخ
ويتكئ عليه وهو إلى ذلك عملية تاريخية مخططة منظمة وفق مفهوم خاصّ) تنتقل بين
آفاق متعددة أولها أفق الكاتب المنتج وآخرها أفق المتلقي الذي يخضع سلباً أو
إيجاباً لتاريخية الخطاب الرّوائيّ جزءاً من الحديث وبين الأيديولوجيا بمفهومها
الذي اعتمدته لابدّ من وضع الترسيمة التالية: التاريخ [ الواقع) + الحلم) ] ينتقل إلى نصّ يحمل خطاباً، بتدخل الذات التي تحمل التاريخ
والواقع وتحمل: الحلم الرؤية، الرؤيا) + المرجعية
الأيديولوجية). إنّ واقع التاريخ هو الماضي المنجز الحادث المنتهي إلى
اللحظة الرّاهنة، وحلم التاريخ هو الحاضر بسيرورته، والمستقبل بضبابيته. أيّ أنّ.
الحديث الروائي[7]).
نتيجة يمكن أن نقول إنه :على ما في هذه الترسيمة
"الفرضية" من فإنها تشكل تصورنا العام للعلاقة بين الأيديولوجيا) والحديث
الروائي وتعطي هذه النتيجة تعريفاً عاماً للحديث يكون فيه"بنية دلالية تنتجها
ذات ضمن بنية نصيّة. منتجة في إطار بنية سوسيونصية"[8]).
والأدب مؤسسة اجتماعية)[9])تتأسس على
بناء أيديولوجي)، بجميع الأنواع الأدبية من شعر ورواية... والرّواية هي النوع
الأدبي النموذجي للمجتمع البورجوازي) النوعية... وذلك النوع الملحمي الكبير ذلك
التصوير الحكائيّ للكلية الاجتماعية[10]). إنّ هذه المقولة
تظهر لنا ترافق ظهور هذا الجنس الأدبي الرّواية) مع ظهور تشكيل اجتماعي
جديد مما يعني وجود علاقة بينهما لأنّ) الأيديولوجية لا تظهر كشيء قائم بذاته،
كشيء مستقل اسمه الأيديولوجية؛ الأيديولوجية تظهر عبر الأدب والدساتير والعادات
والأخلاق والفلسفات....الخ. " إن ما يلاحم بين مفهومات ومضامين هذه الحقول
المشتركة، أي المشترك بينها هو الأيديولوجية والرواية كجنس أدبي تندرج ضمن حقل
الأدب الذي هو أحد مظاهر الأيديولوجيا وأحد حقولها"[11]). المصادر
الأيديولوجيّة لجبرا
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
الوحدة
والتماسك والتحقق الكلي |
Ü |
وعي
التمايز عن الزمان والمكان |
+ |
الكائن
الغفل |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
تمازج
واندغام بالمكان والزمان. |
Ü |
الوحدة
والتماسك والتحقق الكلي |
+ |
الكائن
الخاص) جبرا وأبطاله |
|
|
المطلق[21]) |
Ü |
وإذا نظرنا إلى أسباب هذا الوعي الجديد نجد أن الظروف
الاجتماعية والتاريخية والدينية قامت بتنمية وعي التمايز ورفعه إلى وعي التمازج
والانصهار.
لقد وعى جبرا سبباً مهماً للبحث عن هذا المطلق الذي كان
يوماً ما في تاريخ العرب حافزاً على التقدم والازدهار"لقد نبهتنا نكبتنا
الكبرى إلى الذبول الذي أصاب شعباً كبيراً قروناً عديدة، إلى حقيقة العنة الرّوحية
التي ما عدنا نستطيع تحملاً لها"[22]).
لذلك لابد من البحث عن الخلاص وإلغاء المسافة بينه وبين
الألوهية فعلى الإنسان أو الشاعر أن يعمق هذا الإدراك بفعل كفعل النّدامة.
"إنه فعل ديني مأساوي إذ يرى الإنسان الهاوية السحيقة بينه وبين الألوهية
التي يمد ذراعه المستيئسة نحوها ولن ينضم إليها إلا بعد أن يضع جسر الإدراك
والاعتراف على شفتي الهاوية الفارغة[23])
والارتماء بين شفتي هذه الهاوية الفارغة لملئها هو ما سعى إليه جبرا وجعل أبطاله
القلقين يطمحون إليه.
يتردد مثل هذا الكلام عن الألوهية والأنسنة ومدّ جسر الخلاص
بينهما على لسان وليد مسعود) ومريم الصفار) في البحث عن وليد مسعود) عندما
يختليان في بيت منعزل: "وليد أهكذا يكون الانتقال... من الأنسنة إلى
الألوهية؟ تقصدين العودة من الألوهية إلى الأنسنة"[24]).
لقد ميز وعي جبرا للمكان طفو هذا الوعي العميق إلى حيز
الإدراك، وهذه الصفة مميزة له ولأبطاله وهذا ماسنراه في عمق البحث، حيث نرى أنّ كل
إحساس أو كل اتصال بالعالم أو فهم له لا يستطيع الرّسوّ كثيراً في راقات اللاوعي
ولكنه يصعد بقوة إلى الإدراك والوعي، ويحلل جبرا مدى ارتباطه بالمكان مرجعاً هذا
الارتباط إلى مَلَكَةٍ شاعرية فطرية وإلى الفترة التكوينية من طفولته ومراهقته
ويُرجعه أيضاً إلى التثبيت بالتنامي والتمرين والتدريب:"في أكثر ما كتبت عبر
السنين، كان الزمن يستأثر بناحية أساسية من تفكيري وخيالي وأنا لا أعي..... غير أن
الذي كنت أسبق إلى وعيه كان المكان، فطرياً...أولّ الأمر، ولكن بشكل أكثر وضوحاً
أكثر إدراكاً مني لأبعاده مع تنامي التجربة وتنامي القدرة على الإمساك بشوارد
الذهن... ولكنّ وعي المكان ذاته كان أشبه بشاعرية بصرية يستسلم لها المرء عفوياً
دونما نقد أو تفحّص...... وهذا كله يعود عندي...... إلى تجربة المكان إبان الطفولة
وسنوات المراهقة، تلك الفترة التكوينية التي تجعل الإنسان ماهو عليه جوهرياً حتى
النهاية"[25]).
هذا التحليل يعتمد مرجعيتين ثقافيتين هما: علم النفس بفرعه
الاجتماعي، والدراسة الفلسفية لعلاقة الإنسان بعالمه وإدراكه إياه، وهذا التحليل
تحليل واعٍ للعلاقة الجوهرية بين الإنسان والمكان، يشخّصهما في أوليتهما الخام)
وهو ما سنراه واضحاً في رؤية أبطال جبرا وعلاقتهم بالمكان، ثم ينتقل جبرا إلى
إكمال صورة المكان في إدراكه ووعيه ويُرَمِّز المكان ويضيف إلى العلاقة الأولية
مكمّلاتها، إذْ يُعطي البعد الماديّ للمكان بُعداً آخر روحياً ليتمّ التوازن الذي
يدفع إلى السكينة في التوجّه النفسي نحو المكان:
"فقد كان المكان...حيز المعيشة
الآنية... حيز حبل السُّرَّة بين الولد ووالديه في غرفة صغيرة ويعني من ناحية أخرى
ذلك الفضاء الفسيح الهائل الذي كانت الغرفة الصغيرة في تجربتي الشخصية تقوم به
وكأنها ليست أكثر من كهف في منسرح جبلي حيث يقوم التّضاد لذيذاً مُحَفِزاً بين
الداخل والخارج بين المكان كرقعةٍ محددةٍ، والمكان كفضاء لا يحدّ إلا بأفقٍ قصيٍّ،
جباله زرقاء متلألئة وبسماءِ غيومها متناثرة"[26]).
يشكل المكان في العالم الداخلي لجبرا رمزاً نفسياً أمومياً)
وهذا يشي بارتباط حميم، ولو فصل ظاهرياً أو مادياً، فإنه يبقى قائماً في العالم
الجوّانيّ) له والمكان لا يوصل إلى السكينة إلا إذا قام بعملية التضاد بين رمزية
الكهف وبين رمزية الفضاء.
ولكن يجب أن ننتبه إلى أنّ جبرا درس علاقته بالمكان علاقة
فردية طرفها الأول جبرا النفسي) وطرفها الثاني المكان مسقطاً عليه خبرته الفكرية
والنفسية معاً مغفلاً طرفاً مهماً في دراسة كهذه هي الطرف الاجتماعي المؤثر المهم والرئيسي في فهم العالم والمكان.
لأنّ المكان، إضافة إلى كونه علاقة فردية بالعالم، علاقة اجتماعية، وفهمه دلالة
اجتماعية أيضاً.
ويضيف جبرا تحليلاً يعيدنا إلى علاقة الإنسان البسيطة
بالطبيعة وعلاقته الأولية بغرضه ودافعه الخام: "يعود به الحس الغامض، إلى ذلك
الذي يلخص تجربة الإنسان الأصيلة بالمأوى، حسّ دخول المغارة كعودة إلى رحم الأمن
والطمأنينة لكيما يعاوده الشعور عند خروجه بأنه أضحى في الملتقى بين المكان
كعَراء.... يثيره بضيائه ووهجه والمكان ككهف يحميه بصمته وطراوته"[27]).
هذه إشارة واضحة إلى عالم الانعزال الصوفي و التلذذ بطراوة
الكهفية وبصمتها والالتجاء إلى الذات؛ لأنها الموئل الوحيد في عالم الاغتراب ولكنّ
اللذة لا تتحقق إلا حيث يقوم التضادّ ويحدث انطلاق إلى العراء الذي يتوهج ويضيء
ليمنح الكهف جدواه ومسوّغه، ولكنْ ماهي وظيفة هذا الكهف، إنه مرة أخرى محاولة
الاتصال بالغيب.
إذا بحثنا في روايات جبرا عن تجليات هذه الرّمزية المكانيّة؛
فلن تحتاج جهداً كبيراً للوصول إلى
ذلك، ونجد الفهم العميق للمكان ولعلاقة الإنسان به في كثير من المواقف التي عرض
لها أبطاله خاصة الفلسطينيين منهم، وأعني الذين يقومون بتمثيلهِ في الروايات
فوديع عسّاف) بؤرة السفينة) ينتبه إلى الأهمية العظيمة للمكان في حياة الشاعر
العربيّ -القديم بخاصة- وينتبه إلى العشق الكبير للأماكن، ليس فقط، لأنها مرتبطّة
بالأحبة، وإنما تكتسب أهميتها من علاقة الشاعر بها ومن كون المكان ذا أهمية بنفسه،
إلى جانب ارتباطه بالمحبوب؛ لذلك يشير وديع عساف بإعجاب إلى الشعراء الذين ذكروا
الأمكنة مكرّرة في أشعارهم "كأنها أسماء الأحبة".
|
بِسِقْطِ
اللِّوى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ |
|
قِفَا
نَبْكِ مِنْ ذِكْرى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ |
أو في هذه الأبيات لذلك المسكين الذي لا يعرف عنه إلا أن
المنذر قتله لأنه التقى به يوم بؤسه عبيد بن الأبرص):
|
فالقُطَّبيّاتُ
فالذُّنوبُ |
|
أَقْفَرَ
مِنْ أَهْلِهِ مَلْحُوبُ |
|
فَذَاتُ
فِرقَينِ فالَقِليبُ |
|
فَراكِسٌ
فثعيلباتٌ |
ولما لم يذكر اسم مكان يصلح قافية للشطر الثاني، قال: ليس
بها منهم غريب وكيف يذكر شاعر هذه الأسماء كلّها، إذا لم تكن كلّها وصخورها
ورمالها جزءاً من دمه ولحمه وعظمه؟ ولكنه يعتمد أيضاً على ما تثيره من عشق مماثل
في قلب السّامع أيضاً، نحن يكفينا أن يقال بغداد) لترقص فينا الأضلع وإذا قلت لمى
وبغداد، انسرحت فينا قصائد من الأخيلة"[28]).
ومازال فهم الشاعر العربيّ للمكان منذ خمسة عشر قرناً
محمولاً في ذات العربيّ إلى الآن وهذا يشير إلى أن المكان ممتزج بالنفس الحضارية
للعربيّ لأسباب تتعلق بالرّحيل والتنقل والغربة، ولأسباب أخرى....
1- الصّخر: عندما يختار الكاتب عناصر
المكان التي تشكل خيوط الارتباط بينه وبين العالم ويسميها؛ تتحدد لنا نسبياً
مرموزاته ودلالاتها النفسية والفنية والحضارية وتتوضح المرامي الاجتماعية للخطاب.
- العنصر الأول المكون لرمزية المكان:
الصخرة، الحجر،
الرمز والأسطورة) الحجر الصخرة؛ الأساس الأولي للبناء، لبناء بيت الاطمئنان
والسكينة، وهما التجلّي المادّي لعالم المكان "مكوناً الأشكال المرئية سواء
منها ما صنعته الطبيعة أو ما صنعه البشر"[29]).
إنّ الترميز بمعناه الشعري المجازيّ الذي
يعتمد اللغة بأدنى وحداتها البنيوية لا يظهر بشكل واضح إلا في روايتي جبرا
السفينة) والبحث عن وليد مسعود) وتتعدد مظاهر هذا الترميز ودلالاته ؛ لذلك
سنعرضها وفق ترتيب يكاد يكون تطورياً يخضع لنظام ما، نسبياً.
"القدس
أجمل مدينة في الدنيا على الإطلاق.... ارتقيت كل مافيها من تلال وهبطت كلّ مافيها
من منحدرات بين بيوت من حجر أبيض وحجر وردي وحجر أحمر بيوت كالقلاع تعلو وتنخفض...
كأنها جواهر منثورة على ثوب الله"[30]).
2- أولعنا بقرية عين كارم، لأنها تجمع
بين الصخر والشجر والماء وربما لأنها مسقط رأس المعمدان"[31]).
3- "الصخور امرأة رائعة هائلة،
ترتفع وتنخفض ارتفاع وانخفاض البطن والنهدين"[32]).
1- في المعادلة الأولى تكون الصخرة ذات
مظهر جمالي مكمّل فني للوحة في حُلُمِِ الكاتب يُظهر فيها التّمازج بين الأرض
الصّخر) والسماء، إذ تستدعي الصخور الملونة صورة الإله بأبهى مايمكن وقد رصع ثوبه
بجواهره.
2- ويتجلى في المعادلة الثانية ارتباط وثيق
بين الصخر والماء ماء المعمودية المحمول النفسي الخبري الذي يعود في جذوره إلى
البئر الأولى) التي سقى منها جبرا ينابيع رؤياه)[33])
ينابيع عالمه؛ لذلك نرى التجلّي المسيحيّ واضحاً دالاً على ذاته.
3- ولكي يتم جبرا هذا العالم الموحد في
ذات البطل قام بإسباغ الأنوثة على الصّخر، وقد يكون هذا الرّمز أدق الترميزات؛ لأن
الصلة الواقعية الحقيقية قائمة بين الجسد والصخر ليس من ناحية الصلابة وإنما من
ناحية الملمس في الماء فالإحساس بملمس الصخرة الملساء في الماء يعطي شعوراً
بالأنوثة وأخصّ الصخور البيض والصّفر صخرها الأصفر الوردي الأملس في نعومة بشرة
النساء اللواتي يردنها كل صباح ومساء).[34])
يلاحظ إذاً أن الإبداع لدى الكاتب لا يتم ولا تتم ينابيعه
ومصادره إلا بهذا الرمز من خلال تحليلات مادية لعالم الروح في الجسد.
وعلى هيئة حوريات أسطورية تنبجس الصخور من الماء لتكون أنثى
رائعة هائلة ترتفع وتنخفض ارتفاع وانخفاض النهدين والبطن والفخذين.
والملاحظ هنا أن الرمز جاء مقلوباً ليحقق لذة التضاد،
فالمعهود أنّ الماء عندما يريد أن يحقق المعجزة ينبجس من الصخر، وفي الصورة تأتي
المعجزة على شكل أنثى، أو على شكل الأنوثة ذاتها، في صورة عكس للصورة الأولى
وتتكرر هذه الدلالات وتتنوع في خطاب
جبرا فإذا أخذنا النص التالي الذي يجمع مرموزات الصخرة جميعاً توضحت لنا أهمية هذا
الرمز ودلالاته خطاباً وفناً.
"لقد جعلنا من الصّخر سرّا نتقاسمه
فيما بيننا، قلنا: إن الصخر يرمز إلى القدس شكلها شكل الصخرة.. فلسطين صخرة تبنى
عليها الحضارات لأنها صلدة عميقة الجذور تتصل بمركز الأرض، والذين يصمدون كالصّخر
يبنون القدس يبنون فلسطين كلّها. والمسيح من اختار ليكون خليفة له؟ سمعان الصخرة!
والعرب ما الذي ابتنوه ليكون أجمل ما ابتنى الإنسان من عمارة؟ قبة الصخرة، وهؤلاء
المزروعون في المنحدر؟ في الليلة المقمرة ترى رؤوسهم وأكتافهم ناتئة من حفرها،
وإذا هي صخر. وبركة السلطان ما الذي نهواه فيها؟ الصخر الذي يحيط به الماء كلما
كان هناك ماء فلنتغزل بالصّخر"[35]).
لتسهيل دراسة هذا النص سنقوم بتفتيته إلى مجموعة من
المقولات:
1 - "قلنا إن الصخر يرمز إلى
القدس":
هذه
معادلة بسيطة في طرفيها وهي علاقة استبدال أو انتقال بين رمز ومرموز إليه يختفي
وراء هذا الانتقال عالم مرمي إليه الإشارة الضمنية إلى قدسية الصخرة لارتباطها
بالمقدس الديني ويكفي أن نعيد هذه المعادلة بضم الدال في القُدُس لنفهم هذا الارتباط الصخرة ترمز إلى
القُدُس).
2 - "فلسطين صخرة تبنى عليها
الحضارات لأنها صلدة عميقة الجذور وتتصل بمركز الأرض".
ترتقي
هذه المعادلة إلى الفهم الحضاري الإيجابي لرمز الصخرة ولإظهار وجه آخر للمقولة
"صخرة تتحطم عليها.. "إن فلسطين صخرة للبناء وليست صخرة للتحطيم على
الرغم من أن الواقع التاريخي الراهن يفرض عليها أن تكون أولاً صخرة مُحَطِّمَة ثم
صخرة بانية، ولكن بطل جبرا في السفينة وديع) اكتفى بمرحلة البناء وأسقط المرحلة
الأولى التي لا يمكن أن تتم الثانية دونها. وهذا توازن في رؤية وديع الذي يُكوِّن
حلمه ويبنيه على هذه الفرضية الحلم البناء دون الانتباه للواقع).
ويأخذ
العمق التاريخي دوراً في دلالة الرّمز؛ دوراً قيمياً: لأن التاريخ والجذور مهمان
في التأصيل والتثبيت وتسويغ الوجود.
3 - هنا لا يتوقف الصخر عند رمزية
الارتباط بالغيب ولكنه ينتقل ليحمل دلالة وطنية واجتماعية في آن معاً دون فصلها عن
سياقها الذي ينتظمها إلى جانب
المسيح والله، وتنشأ دائرة خِصْبٍ: خصب الروح الله والمسيح) ممتزجاً بخصب
الانتماء الدنيويّ الوطن)، وبخصب البقاء والاستمرار والخلود المرأة)؛ دائرة
الخصب هذه تعطي خصباً يدنو من المطلق.
"هؤلاء المزروعون في
المنحدر؟ في الليلة المقمرة ترى رؤوسهم وأكتافهم ناتئة من حفرها وإذا هي
صخر".
"والمسيح
من اختار ليكون خليفة له؟ سمعان الصخرة".
"وبِرْكة
السلطان ما الذي نهواه فيها؟ الصخر الذي يحيط به الماء كلما كان هناك ماء فلنتغزل
بالصخر".
4 - " والعرب، ما الذي ابتنوه ليكون
أجمل ما ابتنى الإنسان من عمارة؟ قبة الصخرة" الأفق الحضاري للصخرة واضح هنا
ويؤكد جبرا في كثير من الأحيان في وصفه الكنائس والمساجد التي زارها.
5 - ويظهر الأفق الاجتماعي من خلال
"الذين يصمدون كالصخر يبنون القدس يبنون فلسطين كلها". الصخر إذاً،
الرمز الذي يتحول إلى رمز أسطوري يجمع بين أقانيم الحياة العظمى: آفاق المقدس
الديني المفتشة عن الغيب وآفاق الحضارة وأفق النضال الوطني والاجتماعي وآفاق الحب
الإنساني الممزوج بالجسد، وهذا هو طموح جبرا الذي يسعى إليه عبر وديع عساف)،
للتوحد مع الله والمسيح والذوبان في الوجود، لأن ذلك يمنح العلم جدواه وتسويغه
فإذا استقل الإنسان عن الوجود عن الله لم يعد هناك مسوغ لوجوده، أو لِقِيَمِه، ومن
أجل اكتشاف سر الوجود وسر العالم، فعلى شكل نشيد يتبادله فايز ووديع)، نشيد كنسيّ
يتوصّلان إلى سر الوجود أولاً: سر وجود
المدينة صخر وماء)[36])
وإلى سر وجود الإنسان "العِرق، الجذور، الرَّحِــــم"[37]).
إذا كانت الصخرة محمّلة بكلّ هذه المضامين، فلابد من أن
يحملها وديع) في راقات ذاته وطيّات جسده وفي كريّات دمه، الصّخور الزرقاء بلون
السماء "أنا أحمل صخورها البركانية الزّرقاء كلّها في دمي"[38]).
يتلامح لنا من كلّ ما حُمِّل الصّخر من دلالات في السفينة أن
مصدر هذا الطوطم) في جذوره يعود إلى المسيحية مكوِّناً دينياً في ذات الكاتب
وشخصياته ممثَّلة بعالم الطفولة، الذي ارتبط بالرّوح الكنسيّة لأنّ الكاتب قضى
طفولته بين جدران الكنيسة، كهف الاتصال بالغيب.
وفي الكتاب المقدس نقرأ النص التالي حيث تتوضح لنا العلاقة
الحميمة فيما بين هذه الرموز ويظهر عمق الارتباط بين روح جبرا والروح المسيحيّ:
"هلم نرنّم للرّبّ نهتف لصخرة
خلاصنا نتقدّم أمامه بحمد وبترنيمات، نهتف له لأنّ الربّ إله عظيمٌ ملك كبير على كلّ
الآلهة. الذي بيده مقاصير الأرض وخزائن الجبال. الذي له البحر وهو صنعه ويداه
وسكبتاه اليابسة"[39]).
ويُوضح المشهد التّالي رمزيّة الصّخرة في
البحث عن وليد مسعود):
"دفعتُ الشرشف عني، وقفزتُ عارية إلى الأرض شاعرة
بعزيمة هائلة في جسدي، وأخذتُ يده واقتدته إلى باب الدار.... وتركتُه وركضتُ حافية
إلى الأشجار التي لم أكن أعرفها في عتمةٍ وامضةٍ طريةٍ باردةٍ أدور حول كل جذع
وأحوم حول صخرة، الحجارة المكسورة الحادة أحسّها تنغرز في قدمي فتزيدها خفة، وجسدي
الوثنيّ المشرّع لوحشيةِ الليل المثخن بالنجوم ينفذ في الأشياء كلّها وتنفذ
الأشياء كلّها فيه، أهو تلاشٍ هذا الوجد كلّه، أم وجود، وجود عنيف كلّه عدتُ راكضة
واخترقت حوضاً من أشجار الورد محاطاً بحلقة من الصخور...
وتوقفت بغتة وانحنيتُ والتقطت صخرة من الحوض وحملتها، رغم
ثقلها... وناولتُهُ الصخرة فأخذها مني قائلاً: رائعة مثلك ودفعني بها برفق إلى
الداخل وشعرتُ بصلابتها الندية على خاصرتي...وعدنا إلى غرفة النوم... وألقى
هو بالحجر على الفراش... ثم استدار
نحوي وركع بين ركبتيّ، وانهال على نهديّ وشفتيّ يمتلكني للمرة الأولى.. وبين الحين
والحين ألمح، وراء كتفيه الصخرة غائرة بثقلها في الفراش"[40]).
لا نستطيع هنا أن نغفل الرابط الواضح بين رمزية الصخرة وبين
الباعث الديني ولكن الجو الذي يخلقه هذا المشهد يُذكّر بالطقوس الوثنية التي كانت
تُمارس في معابد الآلهة إذ كانت النساء يمارسن البغاء المقدس) لخدمة الآلهة
والمعبد والكهنّة، وتظهر في هذا المشهد نزعة عشتار) الأم المقدسة بطريق ربط الجسد
بالصخرة.
عشتار "المرأة الحاقدة الشجاعة، المخادِعة، الطموحة
العدائية، المحبوبة المحبة"[41]).
ويقوم وليد هنا بدور: "الملك الرجل المطاوع وغير
المقاوم المفتون بهبات ثدييها التواق إلى الخلود بالالتحام الجسدي معها"[42]).
"في الإصحاح 94 ومايليه نقرأ أن السيد المسيح قبل أن
يسلم نفسه [للصلب][43])قد جمع
حوارييه الاثني عشر لرفع صلاة إلى الإله الربّ وتأدية رقصة دورانية كان هو قائدها
من كلماته في تلك الصلاة: دأب الألوهة الدوران... سأنفخ في المزمار لترقصوا كلكم
دوراناً، من تقاعس عن الرقص فإنه سرّ هذا الاجتماع"[44]).
ربما يكون رقص وليد مسعود) تلك الرقصة الدائرية المترنّحة
المولوية) محاولة بحث عن السر الذي توصل إليه فايز وديع) في السفينة، سر الوجود
وسر الإنسان فلذلك قام وليد) برقصته الدورانية على التراتيل الدينية وعلى أصوات
"الأجواق وهي تصيح: تعظم نفسي الرب لأنه اختارني من بين النساء جميعاً...
وكيف يكون التعظيم إلا بالرقص والتهليل؟ وراح يدور ويترنح في الفسحة الصغيرة بين
الفراش والحائط"[45]).
كأنّ مراوحته هذه هي حالة المراوحة بين الألوهة والأنسنة)
كما يسميها، إنّ الرقصة الدورانية للسيد المسيح وحوارييه قبل أن يساق إلى الصلب
ترمي إلى الارتباط بالألوهة لأن دأب الألوهة الدوران، وهو الذي ينفخ في المزمار
ليحرك الألوهة في حوارييه، لأن الألوهة التي تحركت في وليد وفي مريم) نتيجةٌ
لألوهة وليد) التي مصدرها النشيد الكنسيّ للعذراء والدة المسيح، إذاً فالمزمار
تنفخه الأنثى العذراء المقدسة للوصول إلى سرّ الاجتماع بين الأنثى مريم الصفار)
غيرِ العذراء البديل المعوض عن العذراء وبين الرجل "الذكر" وليد
مسعود).
لقد كانت رقصة وليد تمهيداً وفاتحة لانفجار عنيف في مريم
الصفار خلق في داخلها عالماً يعود بنا إلى جزء من عوالم السفينة في ترميز الصخرة،
تعود مرة أخرى الصخرة إلى الظهور ولكن، هنا، بشكل مختلف نسبياً عنه في السفينة.
والمشهد السابق الذي روته مريم في فصل مريم الصفار تتعلق بصخرة تسكن أعماقها)
يوضح هذا الانفجار.
ثم تتساءل مريم) محاولة تفسير رمزيّة الصخرة لديها، وتتساءل
عن مصدر العنفوان الداخلي الذي تفجر فيها وتطرح أسباباً تريدها أن تكون هي المصدر؛
لأنها تطمئنّ إليها فترى أن السبب الأول ربما يكون البحث عن الوجود، بمعنى التأكد
من الوجود والتثبت منه وإخراجه إلى السطح من غوره في أعماق الذات؛ فلابد عندها من
الارتباط بجزء من العالم يرمز إليه، يختزله ويجرّده في الذات، وهذا الجزء يجب أن
يكون قريباً من طبيعة المرتبط به ليتم التجانس في الارتباط. والسبب الثاني ربما
يكون تلاشياً، والتلاشي في مثل حالة مريم) يحقق الوجود وهو يسعى أيضاً إلى
الارتباط بالعالم على طريقة المتصوفة محاولة إيجاد الذات بالآخر المتلاشى به).
ويمكننا أن
نقول أيضاً: إنّ الصّخر جزء من الأرض؛ الالتحام به يُفضي إلى الالتحام بها
بالأرض) وهذا قد يكون محاولة لتسويغ الفعل الجنسيّ بربطه بالفعل الوطني؛ لأنّ
هناك حالة خُصاء وطنّي يُعَوِّض عنها بالفحولة الجنسية إلى جانب ربطه بالأفق
الحضاري الذي يُرمِّز الحجر للخصب الجنسيّ المرتبط بالمُقدّس:
مثل الجبل في الدلالة على الأرض، الصّخر والحجر المنتزعان[46])
من الأرض لذا كان للأم الكبرى العديد من الثقافات حَجَرٌ مقدّس تُعبد من خلاله كما
هو الحال في حجر عشتار الأسود وحجر سيبيل وحجر اللات"[47]).
ولكنها في النهاية تضطر إلى إرساء تلك الصخرة في أعماقها:
لتبقى لغزاً جميلاً، لغزاً مشحوناً) يغني حياتها
السّيكولوجية سلباً أو إيجاباً "سنة بعد سنة"... تكبر وتكبر وتغدو
جبلاً، ومريم على قمّتها، تتشبّث بها زوابع الرغبة تمزقها، وتصغر وتصغر وتغور في
الفراش، فتغور وراءها تبحث عنها تريد الإمساك بها وتفلت من أصابعها[48])
وتنضم الصخرة إلى مجموعة الخفايا الغائرة :"في الخفاء بقي كل شيء غائراً في
أعماقي كتلك الصخرة"[49]).
يقول فاروق وادي مؤكداً الجذور الدينية في شخصيات جبرا:
"الجذور الدينية المسيحية نجدها في الشخصيات الثلاث جميل،
وديع، وليد)... هكذا يتحول المسيح لدى جميل ممتزجاً بالرؤية الحسية،.... ويؤكد
وديع عساف) على عواطفه الدينية الصوفية التي تتحرك بموسيقى الكنيسة.... لكنه
أيضاً يربط بين الوطني والديني من خلال الصخرة التي توحد بين التجربة الدينية
والتجربة الوطنية لديه....[50])
إنّ هذا الاستنتاج صحيح، ولكن تنقصه إضافات ما؛ فنقول أولاً:
الجذور يُستحسن لو استبدل به التجذر لكان أكثر دقة في الدلالة، وقد أغفل فاروق
وادي العنصر المرتبط الثالث وهو المرأة، والجسد بالذات ويقول أيضاً:"وفي حياة
وليد مسعود تجربة دينية أشد عمقاً، منها محاولته في صباه معايشة تجربة صوفية في
كهف بعيد.
وقد تكون تجربة وليد مسعود أشد عمقاً من الناحية الإجرائية
إذ يعود فاروق وادي) نفسه فيرى أن هذه التجربة "كانت تجربة فاشلة".
إذاً فتجربة وليد مسعود ليست بعمق تجربة وديع من الناحية
الدينية الروحية، لقد تدخلت في تجربة وليد روح التكنولوجيا وعدلت في روحه الديني
بينما ما زلنا نرى الدفق الروحي الهائل في تجربة وديع الذي يقول: "أنا إن
كانت لديّ عاطفة حقيقية، فهي عاطفة دينية صوفية، عواطفي تتحرك بموسيقى الكنيسة،
فالألحان التي تتصاعد أليمة جريحة من حناجر المرتلين، وألحان الأرغن الهادر في
السقوف الشاهقة، وهذه الإشارات الضارعة الخاشعة إلى الله وربّ الأرباب وملكوت
السماء.. وهذه كلّها تغمرني بأحاسيسٍ كالهستيريا. فأنا أريد أن أتمزّق عندها أتمزق
فرحاً وطرباً، وأسىً وحزناً".
أين تجربة وليد إذاً من تجربة وديع؟
وسنرى في حديثنا حول التحوّل الأيديولوجي كيف تحول وليد أيديولوجيا، وهذا ينفي تميّز عمق التجربة الدينية لدى وليد)
عنها لدى وديع).
إن الخط البياني لتطور التجذر الديني في أشخاص جبرا الثلاثة
ليس خطاً تصاعدياً في العمق ولكنه خط متعدد الذرى ومتفاوتها، فالتجربة الأولى
تجربة جميل فران في صيادون) تتجذر فيها التجربة المسيحية عند ذروةٍ ما، وتتصاعد
هذه الذروة في حالة وديع عساف) في السفينة) نفسيا"ً وروحيّاً لتشكّل ذروةَ
الذرى، لكنّها عند وليد تتخذ خطاً ذروياً متعدداً.
"إن الشخصيات الثلاثة مؤمنة، والتجربة الدينية تسكن
شخصيتها، وتربط الإحساس الديني بأحاسيس الحبّ والجمال والتّعاطف الإنسانيّ، وهي
مثالية في طموحها الهادف إلى ربط التأمل الصوفي بالصّراع الوطني"50 )مكرر.
ويرى فاروق وادي أن هناك وجهاً آخر متناقضاً مع الحسّ
الدّيني ومتصالحاً مع هذا الحسّ داخل الشخصية، هذا الوجه هوالرغبة الحسية.
ويرى أيضاً أنّ جميل فران) يفصل مشاعره العاطفية عن رغبته
الجسدية ويحمل وديع عساف) مفهوماً متناقضاً للجسد.. "أما وليد مسعود فإنه في
بداية مراهقته يقف في الكنيسة ليخترق أجساد النساء ويلتهمها بِنَهَمٍ، ويدفع به
إخلاصه للجسد إلى تحديد علاقته بالدّين تاركاً مساحة من حياته وتجربته للجسد. ويظل
في حياته مُخلِصاً للجسد.... وسواء شدّته المرأة إليها بروحها أوبجسدها[51])
فإنه لا يتنكر للجسد مطلقاً".[52])
لا نستطيع أن نجاري مقولة وادي) ونقبلها لأن الرؤية الكلية
للعناصر التي تطمح إليها الشخصية تنكسر بقبول مقولة التناقض، وكذلك الرؤية الكلية
لجبرا إبراهيم جبرا، وهو الذي يرى "أن من يأخذ ناحية واحدة من تفكيره فإنه
سيكتشف فيما بعد أن إهماله النواحي الأخرى قد تركت[53])
فجوة في دراسته"[54]).
لابد لنا من أن نشير إلى أنّ التناقض تناقض صوريّ، فالحس
الديني والرّغبة الحسية تقوم بينهما علاقة مَعْبَر جسر) ومَطْمَح؛ الطرف الأول في
العلاقة المَعْبَر وهو الرغبة الحسية) والطرف الثاني المَطْمح وهو الحس الديني)
فلذلك تنتفي مقولة التناقض لتكون علاقة وسيلة وهدف.
صُوَّةٌ أخرى من الصُّوَى الرمزيّة التي تحقق الارتباط بين
الطامح ومطمحه المطلق)؛ هنا يفترق البحر واقعياً، عن الصخر بأنه ذو أفق واقعي
حقيقي ممتد يضاف إلى أفقه الرمزي، كما أن غموض الصّخرة الموحي بواسطة قساوتها
يختلف عن غموض البحر ووحيه بوساطة طراوته وامتداده، على الرغم من المجاورة
المكانية بينهما لكنهما، عندما يأتلفان، يشكلان رمزية خاصّة، نظاماً رمزياً
ثنائياً، كما رأينا في بحثنا لرمز الصخرة صخر وماء).
عندما يُفارق البَحْر رمزاً) الصّخور، فإنّه يؤدي وظيفته
الرّمزية المستقلة المَعْبَر) وليس كما رأينا في الصخرة الاندماج والامتزاج)
وإنما هو قناة بين المنطلق والمُسْتَقَر. ولا يمكن أن يكون البحر مستقراً، لأنّه
مُسْتقرُّ الموت من أحداث السفينة انتحار فالح، ومحاولة انتحار السائح).
إن البحر بناء رمزيّ ثانٍ فوق بناء رمزيّة الصّخر يستند إلى
رمزيّة الصخر منطلق الخلاص) والصّلة الامتزاجية بينهما "البحر جسر
الخلاص"[55]).
الإنسان الباحث عن خلاصه) يمتزج بالصّخر ويَعْبُر به البحر
ليصل إلى المطلق.
الإنسان + الصّخر Ü البحر Ü المُطْلق
ويكتسب البحر جماله من ارتباطه بالمقدّس الوطنيّ الأرض) إلى
جانب ارتباطه هناك في اللامرئيّ اللامحدود) بالسّماء. فالثلاثة متمازجة، ومتماثلة
إضافة إلى امتلاكه البُعد الحضاريّ:
"هذا البحر الأزرق يتألق، غير مكترث غير حافل، أنا أعرف
ذلك، لأنّه يظن أنه يجمع حضارات الدنيا على شطآنه، ولكنه أيضاً يحمل لطعات من
شاطئنا تجعله على هذا التألق، هذا الحسن. أنا أحب البحر المتوسط، وأركب السفينة
فيه؛ لأنّه بحر فلسطين بحر يافا وبحر هضاب القدس الغربية، فأنت إذا صَعدْتَ هضاب
القدس. ونظرتَ غرباً لن تعرف أين تنتهي الأرض وأين يبدأ البحر وأين يلتقي الاثنان
بالسّماء. فهي ثلاثتها متداخلة متمازجة ومتماثلة[56]).
ولا ينسى جبرا صفة مهمة تقليديّة من صفات البحر هي الجلالة
والحكمة، مع شيء طفيف من الأنوثة: "البحر الطّريّ النّاعم، الأشيب،
العطوف"[57]).
ويظهر البحر "مستمداً من تجربة الإنسان الأولى صورة
لتجربة الإنسان المعاصر في عُريه وضياعه، وفي عودته المخصبة إلى البحر ذلك الرمز
العديد المعاني رمز الحياة والله والأزل)، الجالب بعبابه الذهب والفضة والرخام
والعاج إلى الجبل وإلى مرافئ الأمان".[58])
وتكتمل هذه الصورة المكوَّنة من مشهد الحياة والله والذهب
والفصة والرخام والعاج.
"بالأمواج... أنغام الفرح والأسى
المرتبطة بالله والملائكة والقديسين وتندمج فيها أنغام الحب والمتعات العنيفة
الخفية"[59]).
يؤكد جبرا في أكثر من مكان -بخاصة عندما يتعلق الحديث
بالرؤية وبالقلق الكونيين والبعد الحضاري للقضايا البعد الغيبيّ الديني في
الشخصية: شخصيته هو أولاً ثم شخصياته التي يخلقها ثانياً.
إن النَّفْسَ) الديني ببعده الإلهي مصدر الطمأنينة نَفْسٌ)
طافح في كل ما أنتجه جبرا، هذا النفس الذي كان سائداً عند جميع التموزيين) الذين
أطلق عليهم جبرا هذا الاسم وكان منهم، وهذا النفس لا تغذوه صورة المسيح الإنسان...
الميت الحيّ فحسب، بل رموز الصلوات الكنسية المستقاة من [الكتاب المقدس بشقيه]
منغمة بنغم كهنوتي... لخلق جو الدعوة إلى الإيمان، الدعوى إلى الرجوع إلى الله،
رمز الحب الأكبر المسكوب على الجرح والدم".[60])
هذه الرؤية الدينية التي لايدركها إلا الأقلون بعد المعاناة
والضياع والتّمرد؛ لأنها تجسد الألم بقدر ما تجسد اللذّة وتجعل من كليهما مشكلة
دينية بالمعنى الفلسفي الأعمق نجد فيها رمزاً لمعاناة هذا الجيل بنكبته المريعة
وأمله الكبير"[61]).
لقد أدرك جبرا هذه الرؤية نتيجة لأكثر من معاناةٍ وأكثر من
ضياعٍ وعاش المشكلة الدينية بعمقها الفلسفي وعمقها الإنساني، وجعل أبطاله أيضاً
يعيشونها.
وإذا تفحصنا مواقف بعض أبطاله في رواياته؛ فإننا نجدها
متأثرة بعمق النفس الديني.
فوديع عساف في السفينة) الذي يرفض جميع أنواع العواطف يرى
أن العاطفة الوحيدة التي في داخله هي العاطفة الدينية التي تتحرك على أنغام
الكنيسة:
"أنا إن كانت لديّ عواطف فهي دينية
تتحرك بموسيقى الكنيسة"[62]).
ويرى أن المسيح يلازمه "حافياً كبير القدمين، تقطر
أصابعه الطويلة بالمعجزات وهو يكاد لا ينطق"[63]).
"ومحاكمة جميل فران للمسيحية
صيادون ص 35. 27) لا تشكل خروجاً عن الإيمان بالروح أو تحولاً إلى نقيض مادي بل
هي نقد للمسيحية الأوربية التي حولت المسيح إلى فكرة مجردة"[64]).
وتأكيد
للإيمان الشرقي الذي يراه أكثر نقاء بل هو الإيمان الحقيقي.
ويحاول وليد مسعود في بداية حياته القيام بتجربة صوفيّة في
كهف بعيد عند منقطع المدينة ولكن هذه المحاولة تفشل.
"وفي كنيسة المهد، ومغارتها
الميلادية المظلمة المنارة بقناديل زيتية قديمة [أحست مريم الصفار] على غير ما
توقع، بأنها جزء من تلك الأرض الحجرية الصلبة، جزء من صمودها وعنادها، جزء من
قدسيتها"[65]).
"سواء شئنا أو لم نشأ فإننا في
نظرتنا إلى الأدب كما في نظرتنا إلى السياسة والاجتماع متأثرون كل التأثر بالنظرة
الغربية"[66]).
تعد الثقافة الأوروبية عند جبرا إبراهيم جبرا مكوّناً
أساسياً ومكوّناً مميزاً له، ساعد في خلق آفاق جديدة وأثرى المساحة الإبداعية التي
يتحرك عليها الكاتب، ودعم رؤاه.
قبل الاتصال بالحضارة الغربية المباشرة)
لم تكن المؤثرات الثقافية الغربية في جبرا وليدة اتصاله
المباشر بالغرب وإنما تمتد في جذورها إلى بداية حياته الثقافية، فهو يصرح بذلك
مشيراً إلى أن ميوله إلى الغرب الثقافي كانت منذ حداثة سنه:
"بدأنا في تلك الفترة ننتبه إلى
الشعر الإنكليزي: درسنا شكسبير في نصوصه الأصلية... وكنت بالغ الحماسة لدراسة
الأدب الأجنبي في تلك الفترة بدأت مطالعة المجلات الإنكليزية وشراء الكتب
الإنكليزية"[67]).
وفي كثير من اللقاءات والحوارات التي أجريت معه يعترف بهذا
الانسياق المبكر نحو الغرب وثقافته ويبين أسباب الاندفاع ونتائجه الإيجابية، فيعيد
بعض هذه الأسباب إلى الظروف التاريخية السياسية والصراع العربي الصهيوني وذلك من أجل رفد الحركة الوطنية بسلاح فكري
جديد، ولكن في تقديرنا أن هذا ليس الهدف الوحيد وإن كان هدفاً حقيقياً، فالطبيعة
الخاصّة لجبرا من نظرة شمولية إلى العالم وطموح إلى الكونية على ألا تتعارض هذه
الكونية مع الأصول والجذور والمبادئ التي يفترض أن تميز مبدعاً فذا ينتمي إلى شعب
له ظروفه التاريخية الخاصة) ساعدت على هذا التوجّه يقول:
"هذه البدايات هي التي جعلتني...
أنتبه مع بعض أصدقائي إلى تخلّفنا الفكري فالصّراع الذي كنّا نخوضه في تلك الأيام
مع الصهيونية جعل يُشعرنا بأن لابُدّ له من أن يرفد بسلاح فكري أمضى... كان علينا
أن نقوم بثورة فكرية... كنا متأثرين بفكر الثورة الرومانسية بوجه خاص فلقد وقعت في
تلك الأيام في حب عنيف لشلي... ولشِلي كتاب شعري اسمه "ثورة الإسلام"[68]).
هذا الربط القوي بين الواقع المتردي للحركة السياسية العربية
والحركة الفكرية قد يكون مسوغاً كافياً للبحث عن رافد جديد وسلاح فكري إضافي يساعد
في نمو الحركة الوطنية، كما يرى جبرا.
والمرحلة الثانية:
في رحلة العلاقة بين جبرا والثقافة الغربية هي مرحلة الاتصال
المباشر بالحياة الأوروبية والاطلاع على منجزاتها الحضارية والعلمية والثقافية
وهذه المرحلة هي المرحلة ذات التأثير الجوهر في التكوين الثقافي والأيديولوجي
لجبرا، وبرصد بسيط لهذه المرحلة نجد ما لها من أثر بعيد العمق في تكوينه. مرة أخرى
نجد جبرا يشير إلى هذا المصدر الثقافي المهم وإشارته مملوءة بالإعجاب والاندهاش
مرة، ومرة بالتحفظ والامتعاض والإحساس بالقهر والاغتراب:
"كانت المؤثرات الثقافية في إنكلترا
مؤثرات أساسية"[69]).
"هذه نقطة هامة جداً؛ لأنّها من
الأشياء التي سحرتني، كانت القنابل تتساقط على المدن الإنكليزية، ولكن النشاط
الفني والفكري فيها في عنفوانه"[70]).
"أتمنى لو كنت شحاذاً في القدس، ولا
أميراً في إنكلترا"[71]).
نلاحظ أن جبرا
كان يبحث في أوربة عن المفقود في وطنه، عن الأفق الحضاري الذي حُرِم منه الوطن
العربي ورزح تحت وطأة الجهل والتخلف، واندهاش جبرا يعود إلى الإصرار الغربي على
التعلق بهذا الأفق ولكنه سرعان ما اكتشف الغائب فيه وأحسَّ بغربته عنه، والغربة
قادته إلى اغتراب جعله يتمنى أن يكون شحاذاً في القدس ولا يكون أميراً في إنكلترا.
إن الصدمة الحضارية هي المرجع الرئيسي لتفسير هذا الموقف
لجبرا. فموقف الاندهاش كان وليد الصدمة الإيجابية، والاغتراب كان نتيجة للصدمة
السلبية، لقد رأى في أوربا أفقاً حضارياً مذهلاً في تقدمه التكنولوجي وآلته
الحضارية وفي تطوره الفكري، ولكنه أيضاً رأى في أوربا العداء للإنسان، كونه لا
ينتمي إلى عالمها، وكونه ينتمي إلى عالم مقهور، إضافة إلى أنه يعاني من آثار هذا
التقدم الهائل الذي يستخدم لقهر أبناء وطنه ولسلب شعبه، هذا التفارق في التوجه
الغربي وفي التقدم خلق ذلك الموقف المتباين.
ولاشك في أن للمطالعات التي قام بها جبرا في أثناء وجوده في
أوروبا أثراً كبيراً على تطور رؤيته للإنسان والعالم ولرؤية الذات ورؤية الآخر
ويظهر أثر هذه المطالعات في المواقف الفكرية والدراسات النقدية والبحوث والمقالات
التي كتبها على مدى مسيرة حياته الثقافية والفكرية، وليس مسوغاً لنا أن نقوم بإحصاء
للكتب التي قرأها جبرا، أولاً لصعوبة العمل وعدم القدرة على الحصول على الإحصاء
الدقيق، وثانياُ: لأن المنهج لا يتطلب مثل هذا الإحصاء لإثبات أثر الثقافة الغربية
فيه، ولكننا سنرى أثر هذه المطالعات من مناقشتنا لبعض القضايا الفكرية عند جبرا
ماطرحه منها بشكل مباشر أو ما استنتجناه من متابعتنا لآرائه في النقد والأدب والفن
والعالم والحياة والإنسان، ويكفي أن نشير إلى ما يعرضه جبرا معدّداً أنواع
الدراسات التي تابعها في إنكلترا ويوضح أن هذه المرحلة هي ذات الأثر الحقيقي:
"في انكلترا درسْتُ الأدب الإنكليزي لقناعتي بضرورة
التعرف إلى الأدب في الغرب. هنا أصبحت المؤثرات الفكرية حقيقية تعرّفت على الأدب
من جديد وبطريقة جديدة، وفي كامبردج بدأت أدرس النقد المُمَنْهَج المُبَرْمَج، ومن
أفلاطون وأرسطو إلى ليسنغ وكولردج وأرنولد وتين وسانت بوف وإليوت... وأدركت من
خلال هؤلاء النقاد ضرورة قراءة علم النفس حتى أحقق فهماً أعمق للنصوص فقرأت فرويد
ويونغ... قرأتُ بِنَهَم فلسفة ديكارت وهيوم وشبنغلر،
لقد أثر فيّ شبنغلر بكتابه انحطاط الغرب)... ثم قرأت توينبي
الذي فتح أفقي على قضية نشوء الحضارات واندثارها.. كنتُ محاطاً باستمرار بمن يتكلم
الإنكليزية، وأدرس الأدب الإنكليزي، وأقرأ كتباً إنكليزية باستمرار حتى أصبحت
كتابة الرسائل بالعَرَبيّة بالغة الصعوبة وابتدأت أجرب بكتابة الشعر باللغة
الإنكليزية".[72])
لقد قرأ جبرا إذا اقتصرنا على هذا الذي عدّده خلاصة الفكر
الأوروبي المعاصر وأشهر ما أبدعه العقل في الغرب في جميع ميادين المعرفة من فكر
وفلسفة ونقد ونفس وتاريخ وحضارة، وهذا الرصد الثقافي المتنوع كاف لخلق تغيير ما في
عالم الكاتب، وإضافة تصورات جديدة إلى عالمه وإلغاء جزء منه، إلى حد أنه يرى أن
هناك إلغاء للقدرة على الكتابة بالعربية لأن الإنكليزية حلّت محلها.
ولا يكتفي جبرا بهذا الاعتراف، إذ نجد له تصريحات أخرى تؤكد
هذه الفكرة، فهو يرى أن الإنكليزية ذات آفاق أوسع تخلق في الذهن طاقات هائلة على
التعبير عكس العربية التي كان يحس بها قاصرة عما يطمح إليه.
"فقلت: سأكتب بالإنكليزية، وكنتُ
أشعر أن كتابتي بها تجعل ذهني أكثر اتساعاً وطاقتي على التعبير لا تقتصر عن أي شيء
تريد تناوله..... وبعد ذلك بدأت في كتابة[73])
بعض القصص والمقالات بالعربية وكنتُ أشعر أنها ليست الشيء الذي أريد أن
أكتبه"[74]).
على مافي هذا الكلام من تحامل على اللغة العربية وتراجع عن
فهم رسالة الأديب في البحث عن آفاق وأبعاد من أجل تطوير اللغة، لغة الكاتب
القومية، فإنه يظهر لنا مايمكن أن ندعوه استلاب الكاتب، فالكاتب مستلب ومأخوذ
بالآخر، فإذا كانت اللغة العربية غير قادرة على استيعاب طموحه فبماذا أولاً نفسر
ترجماته الرائعة لمسرحيات شكسبير التي وازت الأصل إن لم تفقه في بعض الأحيان[75])
وبماذا أيضاً نفسر القدرة الفائقة واللغة العالية في رواياته خاصة في روايتي
السفينة والبحث عن وليد مسعود) هاتان الروايتان فاقتا بلغتهما روايته التي كتبها
بالإنكليزية صيادون في شارع ضيق).
التفسير الذي نراه مناسباً هو أن الكاتب لم يكن يستطيع القبض على آلية حسّه اللغوي أي لم يكن
قابضاً على آلية اللغة نفسها، فلذلك لم يكن قادراً على الوصول بها إلى ما يطمح،
ولكن بعد أن استوت لغته وتملكها استطاع أن يسيرها واستطاع أن يخلق لغته الخاصة النابعة من روحه
الحضاري والثقافي والدليل على ذلك واضح في اعترافاته بعد ذلك عندما قال:
"كانت تداعبني فكرة ترجمة مسرحية
الملك لير) حيث إنها المسرحية الوحيدة التي تستحق الترجمة ولكنها مستحيلة التحويل
إلى اللغة العربية وحسمت التردد لأنني أثق بلغتنا العربية وقدرتها على الاستيعاب إذا
عرفت كيف أستخدم إمكانيات التعبير"[76]).
ويطالعنا جبرا برأي مستهجن مستغرب فيقول لنا:
"فرحت بالكتابة الإنكليزية والكتابة
بالإنكليزية علمتني الكتابة بالعربية"[77]).
لمناقشة
هذا الكلام واختباره نضع على طرفي المعادلة روايتين من رواياته، على الطرف الأول
نضع روايته التي كتبها بالإنكليزية
صيادون في شارع ضيق)[78])
وعلى الطرف الثاني أياً من رواياته الأخرى، ولنقل على سبيل المثال السفينة) أو
البحث عن وليد مسعود)، قبل المقارنة علينا أن ننتبه إلى أمر مهم وهو أننا
لانقارن بين النص الإنكليزي لـ صيادون) وبين النص العربي لإحدى الروايتين
الأخريين ولكننا نقارن بين نصين مكتوبين باللغة العربية أحدهما مترجم وهنا تكمن
خطورة المقارنة، والآخر مكتوب العربية في الأصل وهو مكتمل الشروط الإبداعية لأن
نسغ الإبداع مستمد مباشرة من مؤلفه، ولكن الأول منقول من لغة لها خصائصها
وأساليبها وعوالمها إلى لغة أخرى تختلف كل الاختلاف بخصائصها وأساليبها وعوالمها، والمقارنة هنا ليست بمنأى عن
المزالق والوقوع في التعميمات، ولكن على الرغم من كل ما تقدم ستحاول المقارنة أن
تكون مبتعدة عن الأمور الإشكالية وتبقى في الحدود الآمنة نسبياً:
[1]) الأيدولوجية العربية
المعاصرة: عبد الله العروي، ترجمة: محمد عيتاني، دار الحقيقة، بيروت، ط4، 1981، ص
13، من المقدمة.
[2]) في كتاب العروي مفهوم
الأديولوجيا يقترح: "أن نُعَرِّبها تماماً وندخلها في قالب من قوالب الصرف
العربي"، ويقول: سأعطي المثل، فأستعمل كلمة [أدلوجة] على وزن أفعولة وأصرفها
حسب قواعد اللغة العربية وهكذا أقول أدلوجة ج أداليج وأدلوجات، وأدلج إدلاجاً ودلج
تدليجاً، وأدلوجي ج أدلوجيون.
[3])
مفهوم الأيديولوجيا: [الأدلوجة] عبد الله العروي، المركز الثقافي العربي التنوير)
الدار البيضاء، ط1، 1983، ص 13.
[6])
يمكن رصد مفهوم الأيديولوجيا في تطوره وحدوده المتنوعة في الكتب التالية:
1-
الأيديولوجيا وثائق من الأصول الفلسفية؛ ميشيل فادية، ترجمة أمينة رشيد - سيد
البحراوي، دار التنوير- بيروت، الطبعة الأولى، 1982.
2-
الأيديولوجيات؛ فرناند دومون، ترجمة وجيه أسعد، وزارة الثقافة، دمشق، 1977.
3-
أيديولوجية السلطة وسلطة الأيديولوجية، جوران ثربورن، ترجمة إلياس مرقص، دار
الوحدة، بيروت، الطبعة الأولى، 1982.
أثبت
الأيديولوجيا بالألف دون التاء المربوطة، ولكن حيث وردت في المقبوسات بالتاء؛ فذلك
لأن النصوص استعملتها مع الياء المشددة.
[7]) إن استعمال الحديث الروائي يقتضي مفهومات
محددة محتواة فيه؛ فهو يستعمل هنا للدلالة على مكونية الخطاب والنص).
[8])
انفتاح النصّ الروائيّ؛ سعيد يقطين، المركز الثقافي العربيّ، الدار البيضاء، بيروت
ط1)
1989، ص 5.
أورد سعيد يقطين هذا المفهوم حداً للنصّ ولكنني من خلال
مفاهيمي للمصطلحات النصّ، الخطاب الحديث)، وجدت أن هذا الحد يناسب الحديث
الروائي.
[9])
نظرية الأدب، رينيه ويلك، أوستن وارن، ترجمة محيي الدين صبحي، مراجعة حسام الخطيب،
المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، د.ت. ص 119.
[12])
الخطاب عنصر مكون لصيغة الحديث الروائي، وهو عنصر يتعلق بالمضامين مرتبط بآفاق
الحديث الأيديولوجية.
[13])
التاريخ هنا ذو دلالة غير مصطلحية، دلالة مملوءة بالمعنى، المعنى الكلي، الكوني،
والتاريخ بمعنى الواقع الحادث اليومي) والواقع المستقبلي ممكن الحدوث، ويشمل
التاريخ الحركة الاجتماعية أيضاً.
[14]) جبرا إبراهيم جبرا من الكتاب الذين يتميزون
بتوازي رؤياهم الإبداعية في جميع ما أنتجوه، فالقضية التي نجدها في أحد الفضاءات
الإبداعية كالنقد مثلاً نجدها أيضاً في فضاء آخر كالرواية أو القصة أو الشعر وخير
مثال على ذلك كتابه "الحلم والفن والفعل".
[15]) البئر الأول جبرا إبرهيم جبرا ، رياض
الريس للكتب، والنشر لندن، د.تالمؤلف يوقع في نهاية الكتاب) بغداد ص 12.
[18])
من الطموحات الهيكلية لجبرا وكتابته تحقيق الحلم بطريق الفن ليغدو الحلم واقعاً،
ويصبح هاجس الأدب والفن نقل الحلم إلى الواقع إلى التاريخ، ولهذا كتب بغزارة
وبحماسة عقيدية عن هذه القضية في أكثر مقالاته ومما كتبه عنها بشكل مباشر مقالة
باللغة الإنكليزية ترجمها هومرة وغيره مرة أخرى ثم أصدر كتاباً يحمل العنوان ذاته
"الحلم والفن والفعل".
[19])
يدرس علم نفس الشخصية من ناحية تركيبها أو أبعادها الأساسية ونموها وتطورها
ومحدداتها الوراثية والبيئية-أماعلم الاجتماع فإنه يهتم بدراسة الشخصية الإنسانية
من حيث هي نتاج الحضارة أو ثقافة معينة تشتمل أنساقاً وأنظمة اجتماعية الأبعاد
الأساسية للشخصية، أحمد محمد عبد الخالق، دار الطليعة - بيروت ط2، 1983، ص 29 و30.
[21])
ملاحظة (1) المستطيل المزود بسهم موجه، يشير إلى أن الفكرة المحتواة فيه قابلة
للتحول والانطلاق والتداخل في فكرة أخرى. والمستطيل دون سهم يدل على الاكتفاء
بالحد الفكري الذي تحتويه الفكرة.
ملاحظة(2) المعادلة الأولى
(1) "مقولة رومانس: وعي التمايز".
المعادلة الثانية (2)
"حالة جبرا وأبطاله: وعي التمايز".
[25])
تأملات في بنيان مرمري- جبرا إبراهيم جبرا- دار رياض نجيب الريس لندن- الطبعة
الأولى- 1988، ص 87.
[33])
يعبر جبرا في عناوين كتبه بنجاح عن مصادر ثقافته ورؤاه وآرائه في الكون وفي
الإنسان وفي الأدب والفلسفة، في كتابه ينابيع الرؤيا) أظهر مفاهيمه حول الأدب
والنقد والفن، وفي "البئر الأولى" احتفظ لنا برمزية الماء وأضاف ينبوعاً
آخر إلى ينابيع رؤياه.
[44])
لغز عشتار: فراس السواح- سومر للدراسات والنشر والتوزيع، قبرص، الطبعة الأولى
1985، ص 73، لم أعثر على هذا الكلام في الكتاب المقدس.
[60])
النار والجوهر، ص 45 و 47، نصان يتحدث فيهما جبرا عن شعر يوسف الخال ولكن وجدتُ
أنهما مناسبان تماماً لحالة جبرا.
[61])
النار والجوهر، ص 45 و 47، نصان يتحدث فيهما جبرا عن شعر يوسف الخال ولكن وجدتُ
أنهما مناسبان تماماً لحالة جبرا.
[66])
الحرية والطوفان، جبرا إبراهيم جبرا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2،
1979. ص 43-44.
[74]) جريدة الحياة، العدد 10005- تاريخ
15/6/1990 من أرشيف دار البعث- قسم التوثيق والمعلومات- الرمز 1/2/10 من مقابلة
أجراها مع جبرا-محمد عبد الواحد- القاهرة.
[75])
هناك مواقف لغوية في مكبث مثلاً عالية في الأداء واللغة والفكرة أبدع فيها جبرا في
الترجمة فاقت في بعضها ماكتبه مثلاً في البحث عن وليد مسعود) أو السفينة).