|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:34 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
لغة الرواية:
مهما
يكن من تصورنا للمفقود في الرواية المترجمة فلابد من أن تحتفظ بنسبة جيدة من الروح
الأصل، والمؤلف الذي هو جبرا كتبها من منظور الروح العربي، من منظور ذاته التي
تنتمي إلى النفس الحضارية العربية والمترجم كذلك ينتمي إلى المجال نفسه. وجبرا يشيد بهذه الترجمة ويعدها ترجمة رائعة فهو راضٍ عنها
وهي تحقق جزءاً كبيراً من طموحه الفكري واللغوي، ويَعُدُّ مترجِمُها ملمّاً بعالم
المؤلف وبطريقة تفكيره؛ فلذلك كانت الترجمة رائعة ناجحة، يقول: "وساعده على الإحاطة بعالم الرواية
أنه كان يقرأ كل أعمالي ويعرف طريقة تفكيري ثم إنه قبل أن ينشر الترجمة راجع معي
مخطوطاتها ونقحها فجاءت ترجمة رائعة ناجحة"[1]). لذلك فإنه يمكن القول بشيء من الحذر إن الرواية لم تفقد
كثيراً من خصوصيتها وإنما فقدت خصوصية التعبير باللغة الإنكليزية كلغة)، إذاً،
نستطيع أن نستنتج أن لغة الرواية المترجمة على الرغم من مستواها الذي أرضى جبرا،
لا ترقى إلى لغة الروايات الأخرى المكتوبة بالعربية فذلك التعبير الجليل عن
الإنسان وفكره ورؤاه الذي نجده في السفينة) أو البحث عن مسعود) ضئيل في
صيادون). وذلك الأسلوب المتطور المتقدم في التقنية الفنية بكل
تفاصيلها الإبداعية والبلاغية ووسائل البناء الفني لا نجده في صيادون) ذات السرد
التقليدي، وهذا سندرسه في فصول خاصة به في ثنايا البحث. ونرى جبرا
يتراجع عن قوله السابق ورأيه الذي طرحه حول قصور اللغة العربية عن طموحاته
الفنية ويقول: "نظرتي السابقة كانت موجهة إلى
الأساليب أما اللغة فكنت أشعر دائماً أنها طاقة لكنها غير مستغلة بما يكفي"[2]). يفرق جبرا بين اللغة والأساليب، وهذا مفهوم ترفضه الدراسات
الحديثة كالأسلوبية والألسنية"[3])؛
ولأن اللغة تصبح بمفهوم الكاتب هنا مجرد ألفاظ وهذا الافتراض يفتت اللغة إلى مستويات
لا تقبلها، ويجزئ النظام الكلي لبنية العناصر المكونة للغة، إن التعبير الأكثر دقة
عن ما يرمي إليه جبرا هو التقنية) التقنية الفنية البنائية للنوع الأدبي: "ففي الفن الروائي بالإضافة إلى
استعمال اللغة هناك استعمال التقنية وهي مهمة جداً والأدب الإنكليزي كان له فضل
إفادتي في هذه الناحية". إن هذا الكلام مسوغ جداً وهو يدخل في إطار المثاقفة والتأثر
والتأثير، وربما يكون مقصد جبرا الحديث عن تقنية الفن كبناء فني مستقل عن اللغة. الشّخصيّات
المسكونة بالثقافة الغربيّة:
إن جميع شخصيات جبرا التي تمتلك تميزاً حضارياً وأفقاً
ثقافياً عالياً وحساً إنسانياً متطوراً شخصيات وفية لواقع جبرا فهي مسكونة
بالثقافة الأوروبية في نمطها المتطور المتقدم الذي يعد حتى في موطنه أوربا) نمطاً
متقدماً عالياً فالشخصية التي تحمل الثقافة الأوروبية لا تأخذ العادي منها وإنما
تبحث عن الميدان الذي يمنحها بل يعبر عن كينونتها وتكوينها، وتتميز في هذا الميدان
وتبدو أصيلة فيه كأنّها تنتمي إلى الإطار الاجتماعي والثقافي والحضاري الذي أنتجها
ولا تكتفي بذلك، وإنما تنتقل إلى إطار المنتج المبدع المضيف إلى الحقل الذي
استوردته ولكنها، أحياناً، تقوم بعزل هذا الرصيد الثقافي المستورد عن أفقه الأصل
وتحاول إسقاطه على أفقٍ لا يحتمله اجتماعياً؛ ولذلك فهي تحاول استيراد آفاق
مُكَمِّله لهذا الرصيد ليمكنها أن تُنْتِشَ وتثمر فيه، وهي في ذلك ناجحة ضمن هذه
المزرعة الاصطناعية) ولكنها فاشلة في إطار الحقل الكبير، ولعل الإخفاق الاجتماعي
الهائل في بنية المجتمع العربي والريث الحضاري الذي يعانيه هما الدافعان الرئيسيان
لهذه العملية الحلمية[4]) التطورية)
وقد يكمن حلم الكاتب في خلق موازيات روائية شخصيات) لذاته كمثقف متعدد هو أيضاً
محاولة لإثبات إمكانية الخروج عن الواقع بتطويره وبعثه من جديد، إلا أن هذا الخروج
يتحول إلى "تمايز" اغترابي، ذي منحى سلبي في أكثر تجلياته إيجابية لدى
الشخصية هو الإبداع الفوهي الكلامي): "لم يكن عبثاً أو مصادفة أن كل
شخصيات جبرا إبراهيم جبرا...تحمل مفهومات وثقافة الغرب، والغرب الرأسمالي تحديداً،
في وجه مفهومات الإقطاع والتخلف معبرة عن لحظة الراهن الاجتماعي التاريخي"[5]). وهذا ما أشار إليه جبرا وإن كان قد استخدم لغة مختلفة عندما
أرجع سبب التوجه إلى الثقافة الغربية إلى رَفد الحركة الوطنية وتزويدها بأفكار
ومُثّل وقيم جديدة. لن نحتاج هنا إلى تقصّ لجميع الشخصيات المسكونة بالثقافة
الغربية، لأن هذا الموضوع سيتقاطع مع فصول أخرى في البحث ودراستها في تلك الفصول
أكثر دقة وعمقاً. التَّرجمة:
من النشاطات الإبداعية التي يقوم بها جبرا إبراهيم جبرا
الترجمة، إذ نستطيع أن نقول بشيء من التحفظ: إن جبرا هو أكثر مترجمي الأدب المكتوب
باللغة الإنكليزية قدرة إبداعية على نقل النّصّ بصورة لا تقل عن صورته الإبداعية
في الأصل لذلك عَدَدْتُ الترجمة بين النشاطات الإبداعية؛ لأنها شكلت عند جبرا
خصوصية ميزته عن أكثر المترجمين، وهذه الخصوصية مستمدة من خصوصيات أخرى ومدعّمة
بها، لتنشئ علاقة تبادلية بشكل دائرة تأثر وتأثير فالإبداع الروائي رافد أساسي
للقدرة على الترجمة وكذلك الكتابة الشعرية والفن والنقد... وكل ذلك أعطى جبرا
رصيداً انصبَّ في قدراته، وساعده على الارتقاء بفنّ الترجمة والنجاح فيه نجاحاً
يرفعه إلى الإبداع. الترجمة وسيلة مهمّة من وسائل المثاقفة، بل كانت وما زالت في
أحيان كثيرة الوسيلة الوحيدة، خاصة في المسائل الفكرية والثقافية والحضارية، في
التبادل الثقافي بين الأمم فالترجمة عمل متعدد، يحمل في ذاته مجموعة أعمال تغني
الحياة الثقافية والإبداعية للذي يقوم بها، فلابد للمترجم من معرفة دقيقة باللغتين
معاً المنقول منها والمنقول إليها: "فمن أجل أن تترجم، لا تكفي معرفة اللغة الأجنبية، بل
عليك أن تعرف لغتك بطريقة أفضل"[6]). ولابد من معرفة ثقافية واسعة وشاملة بالموضوع المترجم
وبفضائه الاجتماعي والتاريخي والفني ومما لاشك فيه أنّ هذه العناصر توفرت لجبرا
وأنّه كان ملمّاً بالفضاء الخاصّ بترجماته على تنوعها، فالثقافة الأوروبية ثقافة
تكوينية عنده وجميع آفاقها متناولة بنسبية ما، ولابد أيضاً من مَلَكةٍ خاصّة لدى
المترجم كي يترجم عَمَلاً فنياً له قيمته الإبداعية الكبرى ضمن مسيرة الإبداع
الإنساني، وما هو معروف أن جبرا رجل
مبدع يتحرك على فضاء إبداعي متنوّع وهذا مايوضح ما قلناه سابقاً، ويؤكد ما صرح به
جبرا حول الترجمة التي لم تكن عنده وظيفية، وإنما هي حالة تثقيفية يقوم خلالها
بنقل الحالات الثقافية المحبذة لديه الذي تؤدي أغراضاً فكرية ورؤيوية. "أنا موجود جداً في ما أترجم..
لماذا؟ لأني لا أترجم كوظيفة بل أترجم ما أحب لذلك تجد الكتب التي ترجمتها من
النوع الذي يتناغم مع تفكيري وموقعي من الحياة، والترجمة ليس آلة ولا كمبيوتر،
المترجم إنسان. خاصّة إذا كانت له مواقف فكرية وإبداعية فلابد أن يتفاعل مع
المنقول ويتداخل في محاولاته لنقل الشحنة الأصلية فيضع كثيراً من نفسه... إنّ
المترجم يضع رؤيته في النص".[7]) لا شك في أنّ مثل هذا الكلام دقيق ومُهمّ فهو على المستوى
النظري صحيح وكذلك إذا قمنا بفحصه في المستوى العملي الإبداعي لجبرا نجده أيضاً
دقيقاً وصحيحاً يعكس تجربة الكاتب: 1- إن أصداء ترجماته في كتاباته
الإبداعية متعددة ومتنوعة يكاد لا يخلو منها مؤلف فأصداء الصخب والعنف)[8])
حالة إبداعية تسعى إلى فخامة النسج الروائي وتسعى إلى الخلود والديمومة عبر رؤاها
الكونية تتردد في البحث عن وليد مسعود) ولا تخلو "الغرف الأخرى" من
محاور فنية لأجواء ألن روب غربية)[9])
وكذلك نجد الأصداء الشكسبيرية خاصة المكبثية) من المنولوجات الفلسفية) العالية
أو الحوارات حول الكون والإنسان والعالم) واضحة في أكثر رواياته خاصة السفينة)
والبحث) ويزخر الرّوح الروائيّ لجبرا بعوالم أدونيس "تموز"). 2- ولئلا تكون النظرة إلى حالة التأثر
قاصرة فلابد من الإشارة إلى أن جبرا قام بتطوير مترجماته خاصة الإبداعية) منها،
لأنه كما يشير إلى ذلك أضاف إلى النص رؤيته وعالمه وخبرته، فلسنا متجنين إذا قلنا
إن مكبث مثلاً أو هاملت شكسبير) ليسا هما مكبث وهاملت جبرا). 3 - لعبت الظروف التاريخية السياسية التي مرّ بها الوطن العربي
دوراً بارزاً ومؤثراً في توجهات المثقف العربي من البحث عن تفسير للوضع العربي إلى
البحث عن حلول وآفاق سياسية وفكرية واجتماعية من أجل إنقاذ ما تبقى وهو الحركة
الوطنية التي تسعى إلى التغيير والثورة، وكانت نكسة حزيران ذات أثر صاعق على
"المثقف العربي" فكانت موجهاً للحركة الثقافية بنسبة معينة نحو آفاق
وأبعاد ربما رُئي فيها الأدب تعويضاً واستشرافاً لمستقبل عربي متخلّص متطهّر. "نكبة حزيران عام 1967 هي التي حسمت
القرار بالنسبة إليّ، ففي مسرحية الملك لير) الغضب الكافي والشرّ الكافي والرّعب
والظلم وقد استندت على المسرحية
لتلعب دور المطهّر والمخلّص من رعب تلك الأيام"[10]). لكن هذا الخلاص فرديّ وآني معاً، فالبحث هنا يقتصر على خلاص
الذات على الطريقة الصّوفية، على التطهر بالرّقى، وإن كان بشكل حالة إبداعية. وهذا يعني أنّ الثقافة الغربية كانت ملاذاً لكثير من الأدباء
العرب؛ لأنها تعني لهم قيمة حضارية عُليا، استطاعوا من خلالها أن ينشئوا رؤية
مستقبلية ميّزتهم بعضَ الأحيان
واستلبتهم أحياناً أخرى. إنّ جبرا لم يكن حذراً من التعامل مع الثقافة الغربية بكلِّ
مكوناتها؛ بل كان يتفهمها بدقّة ويغرق نفسه بها أكثر الأحيان؛ لأنها تتجاوب مع
رؤاه وأفكاره، وهو في نقده تعامل بكثرة مع المناهج الغربية واستفاد منها وليس كما
قيل: "إن الناقد يتعامل مع المناهج
الغربية بحذر دون أن يغرق نفسه
فيها"[11]). لم يكن ذلك من جبرا حذراً وإنما كان فرزاً وتفهماً وتصنيفاً،
بعلمية وموضوعية إن المثال[12]) الذي طرحته
ماجدة حمود) ليس دقيق الدلالة على أن جبرا كان حذراً في تعامله مع المناهج
الغربية، فمجرد احترازه بالكلمات لا أدري إن جاز لنا أن نزعم) لا يعني الحذر،
وإنما هي فوهيات احترازية في قضية تستدعي الاحتراز؛ لأنها قضية إشكالية لا تحتمل
الجزم أو التعميم. الثقافة
العربيّة:
1
- التراثيّة:
إن نظرة جبرا إلى العالم ورؤيته التكاملية والشمولية وطموحه
الكوني من الأسباب التي منعته من إقصاء الثقافة التراثية عن سياق ثقافته، وهو من المفكرين
القليلين المتزنين الذين فهموا الأصالة والمعاصرة بعلمية وموضوعية بعيداً عن
الإغراض والانحياز والتحزّب، فهو
يدرك إدراكاً واعياً أن التراث
العربي حجر الأساس في حركة الثقافة العربية، ويعي أن الأصالة مفهوم مُسْتَغْرق في
الحداثة، لذلك لم تكن مفهوماته لهذه القضايا مفهومات زمنية وإنّما متعلقة بطبيعة
الإنتاج الأدبي والفكري وبفهم المنتج للعالم وبامتلاكه رؤية أو عدم امتلاكه؛ ومن
هذا المفهوم انطلق جبرا في دراسته لبعض شعراء التراث العربي كما في دراسته لشعراء
الحداثة، واهتدى إلى المساحات الواسعة المشتركة بين الطرفين، كلّ هذا بوعيه
للحداثة أيضاً على حقيقتها كما سنرى، لقد قام جبرا بدراسة المتنبي على سبيل المثال
دراسة رؤيوية، وهي لا تتناقض مع انتماء المتنبي إلى الزمن التراثي ولا مع انتماء
جبرا إلى الحداثة والزمن الحداثي. ودرس مجموعة من الشعراء التراثيين جمعتهم قضية واحدة هي قضية
الفعل) إذ يمكننا أن ندعو هؤلاء
الشعراء شعراء الفعل) اعتماداً على فهم جبرا، ودراسته وتحليله لشعر هؤلاء ومن
بينهم المتنبي، عنترة، طرفة، وعبيد) في إطار دراسة للحلم والفعل والفن عَنْوَن
لها كتاباً نقدياً خاصّاً. يوضّح جبرا رؤيته في مسألة العودة إلى الجذور قائلاً: "تكون العودة إلى الجذور لازمة، على
أن نتعامل معها بوعي حديث تغذّيه معارف العصر كلّها... إنّ هذه العودة يجب أن
يشفعها عقل مشبع بقضايا عصرنا وأساليبه، في زمان كوني باتت الفنون فيه يتصل بعضها
ببعض عبر الفوارق القومية. جذورنا، والحالة هذه، تمدنا بتلك الحيوية التي تستنبع
من تراثنا المتميز بنكهته، لتتفاعل مع نزعات إنسان اليوم وإيقاعات وجوده الجديد
الذي تتحكم به قوى فكريّة وتكنولوجية، يجب أن نكون أنداداً أكفاء لها، العودة إلى
الجذور إذاً ليست مجرد رومانسية لجعل الماضي يبدو أجمل وأهم من الحاضر، وهو خطأ
يقع فيه الكثيرون من الفنانين والنقاد، فيتنازلون بذلك عن حقهم المطلق في الخلق
وإبداع مالم يعرف في الماضي من أساليب في القول والنغم والرؤيا. وفي حالة كهذه
تكون العودة إلى الجذور انكفاء، لا أصالة تكون انعزالاً عن المستقبل"[13]). لقد عكست الرواية هذا المفهوم في الرؤية الحضارية والسياسية
للواقع الذي جسدته في نصّ، وهذا سيظهر في فصول قادمة من البحث، وظهرت الثقافة
التراثية في توصيفات خطابية قام بها النص للوصول إلى دلالة، ففي السفينة مثلاً نجد توظيفاً خاصاً
للثقافة التراثية وفق المفهوم الذي يحدده جبرا بدقة وذلك في دراسة علاقة الإنسان
بالمكان، لقد درسها علاقة إنسانية معزولة عن إطارها الزمني وهو في هذا العزل يوكد
رؤيته الإيجابية للتراث، فالتّجديد الإنساني هو إضافة وتراكم: "إن شعراء العرب القدامى كانوا يعشقون أسماء الأماكن
ويكررونها في شعرهم كأنها أسماء الأحبة؟
أو في هذه الأبيات لذلك المسكين الذي لا يعرف عنه إلا أن
المنذر قتله لأنه التقى به يوم بؤسه عبيد بن الأبرص تذكيره؟
وكيف يذكر شاعر هذه الأسماء كلها إذا لم تكن كلها صخورها
ورمالها جزءاً من دمه ولحمه ولكنّه يعتمد أيضاً على ما تثيره من عشق ماثل في قلب السامع
أيضاً نحن يكفينا أن يقال بغداد، لترقص فينا الأضلع"[14]). إننا نرى هنا أن "الماضي لدى المجددين جذر ومنبت
وجذع تستمد منه اللغة طاقتها ويستمد الإبداع عصارة الديمومة فيصبح كلّ جديد فرعاً
آخر من دوحة عظيمة، دون أن يعيد الفرع شكل الفرع الآخر، وهنا سرّ حيوية هذا
الجديد"[15]). وفي النهاية لابد أن أشير إلى نقطة جوهرية خلفت هذا المفهوم
المتزن للتراث عند جبرا وهي قضية وعيه للزمن فهو يرى أن الزمن ليس تسلسلاً أفقياً
وإنما هو دائري يقول: "عندي هذا الشعور القوي الذي يبدو
أنّه تبلور عند العرب عبر قرون الحضارة العربية وهو أن الزمن دائري، وهو شعور
ضمنّي قوي متغلغل في المخيلة العربية"[16]). إذاً فالنتيجة التي نتوصل إليها أن هناك اتساقاً بين فكر
الكاتب ورؤيته للعالم، وهو ينطلق في إدراكه ووعيه العالم من استراتيجية) نظرية
فكرية يتكئ عليها. 2-
الحداثية:
إن مفهوم الحداثة) والموقف من هذا المفهوم مُسْتَغْرَقانِ
ومُتَضَّمنان جدلياً في مفهوم التراث) والموقف منه، بخاصة لدى جبرا إبراهيم جبرا،
الذي أوضح لنا جزءاً من مفهومه للحداثة من خلال عرض مفهومه للتراث. تتقاطع المفاهيم الحداثية لجبرا بطبيعتها ومنشئها مع مفاهيم
الثقافة الأوروبية وإذا كان لنا أن
ننظر في أسباب هذا التقاطع فلابد من العودة قليلاً إلى بحث تاريخ الحداثة
الثقافية والأدبية العربية وإلى عوامل تبلورها وتطورها، لنجد أن الثقافة الأوروبية كانت عاملاً جوهرياً
وحاسماً ساعد على ظهور تيار الحداثة وذلك بكونه مصدراً من أهم المصادر التي استمدت
الحداثة منه أفكارها، ومفاهيمها الجديدة ودفعت إلى خلق روح الحداثة العربية على
المستويات الثقافية و الفكرية والحضارية سواء أكان ذلك إيجابياً أم سلبياً وذلك ما
دعا إلى ظهور تيارات كثيرة صنفت
بحسب موقفها من الغرب وحضارته. يشير جبرا إلى أن تيار "التجديد جاءنا من أوروبا"[17])
موضحاً هذه الفكرة في إطار ما يسمى بالمثاقفة والحوار بين الحضارات، مؤكداً أن
الحداثة الأوروبية نفسها والتجديد الأوروبي "الذي حدث في أساليب الفن في
أوروبا في مطلع هذا القرن اكتشف اكتشافاً عن طريق الفن الزنّجي والسّومري أو
العربيّ"[18]). وانطلاقاً من هذا المفهوم كانت المواقف الحداثية لديه، وكان
جبرا من المؤسسين الرواد لمجلة شعر) المجلة الرائدة في مجال الدفاع عن الحداثة
وكان له الفضل في إبداع كثير من صوى الحداثة الأدبية وإليه يعود الفضل في إطلاق
مصطلح)[19])
"الشعراء التموزيون" على مجموعة شعراء الحداثة الذين كانت لهم طريقتهم
الخاصة في الاستفادة من الإرث الحضاري القديم، هذا إلى جانب مجموعة من القضايا التي[20])
أثارها في كتبه النقدية وفي رواياته، جاءت في عمق الإشكاليات العربية سواء أكان
ذلك في المستوى الثقافي أم في المستوى الحضاري أو السياسي. وكان للمناقشات التي أثارها أثر كبير في ترسيخ مفهوم الحداثة
في سياق التراث العربي، ولم تكن الحداثة عند جبرا موضوعاً رؤيوياً يحوي الأشكال
والمضمونات التي تفرض على الإنسان العربي بكل تصنيفاته تحدياً أمام الواقع فالحداثة ضرورة للشاعر والأديب والمفكر
إذا وجد نفسه محاطاً بمجتمع لا يسير بالسرعة نفسها التي يسير هو فيها"[21]). قد أولى جبرا قضية الأشكال الفنية اهتمامه فبحث بدأب وعشق عن
أشكال، عن بنى، جديدة متأثراً تارة بالأشكال الأوروبية وتارة باحثاً عن أشكال
الهوية المتميزة للإبداع العربي. وفي سعيه لتطوير الأشكال نجح في خلق شكله المميز في السياق
الروائي العربي وإذا أردنا استقصاء المواقف الروائية التي وظفها الكاتب على جميع
المستويات فلن نستطيع الوصول إلى
ذلك بسهولة ولكن هذه المواقف تتقاطع في البحث مع عناوين متعددة بعضها درسناه،
والبعض الآخر في الفصول الأخرى. إن النقد الأدبي يمكن أن يستوعب الدعوة المباشرة إلى الحداثة
الأدبية ولكن عالم جبرا الشمولي لا يكتفي بالتحديث الأدبي في مستوى واحد من
مستويات الفعل الحداثي؛ لذلك تنوعت آفاق التعبير للدعوة إلى جميع المستويات، وكانت
الرواية في المستويين الاجتماعي والسياسي المساحة الإبداعية الأكثر نجاحاً في نقل
هذه الوظيفة الخطابيّة). البحث
عن عالم جديد:
قام الخطاب الروائي بتصوير البنى الاجتماعية والسياسية
العربية المتخلفة وأظهر نتائجها التي تراكم التخلف وصور المدى المأساوي الذي يمتد إليه
هذا التراجع والتخلف وصور أيضاً المحاولات التحديثية على اختلاف أنواعها ففي
الروايات جميعها ابتداء من صراخ) ومروراً بـ صيادون) والسفينة) وانتهاءً
بالبحث عن وليد مسعود) نجد تصويراً للصّراع الحضاري الحادّ بين المفاهيم الموروثة
والمفاهيم الجديدة، ويتراوح ذلك بين تصوير التمرّد العارم الذي يريد إسقاط كلّ
البنى الاجتماعية السّائدة وتدميرها والسّير إما إلى الأمام وإما إلى الوراء) وبين
الحلم الاجتماعي والسياسي الواعي لنقض قيمٍ سائدةٍ وبائدةٍ ومحاولة بلورة مجتمع
عربي جديد، لذلك نستطيع أن نقول: إن جبرا كان يعقد في رواياته مؤتمرات تحديثية هي
صدى مؤتمرات الواقع، فتقوم المحاورات وتستمر الندوات في هذا المؤتمر الذي غالباً
ما يعقد خارج المجتمع، بعيداً عن الحقيقة يبتغون الحقيقة فالسفينة والصالونات
والحدائق الفارهة والعالم السحري والسري معاً هي مواطن هذه المؤتمرات. فرضيّة
التحوّل الأيديولوجيّ:
شهدت العصور العربية تحولات أيديولوجية هائلة، فإذا عدنا إلى
الجزء الذي يمكن أن نطمئن إليه من التاريخ العربي نجد مجموعة من التحولات الفكرية
والدينية كان منها التحول الكبير ظهور الإسلام)، ثم ما كادت الدولة العربية تتخذ
هيكليتها التي تعطيها شكل دولة حتى بدأت مظاهر التحول النسبي عن الإسلام واتخذت
هذه التحولات أشكالاً متعددة مذاهب، وفرقاً ومدارس فلسفية) واستمر الوضع على هذه
الحالة إلى العصر الحديث عصر الانقلابات الأيديولوجية على المستويين العربي
والعالمي، هذه الانقلابات هزت كيان المجتمع العربي وخلقت في بنيته الطبقية)
وبنيته الثقافية والحضارية إشكالات ومآزق وأزمات لم يكن لأكثرها حلول.
· الإشكالية الأكثر تعقيداً هي دراسة حالة فردية ضمن فرضية تحولها
الأيديولوجية لذلك لابد من الاعتراف بالمزالق والفجوات التي ستعاني منها الدراسة
وتترك خللاً ما في التحليل.
· إن الفرضية التي
سنناقشها الآن هي أن جبر إبراهيم
جبرا تحول إيديولوجياً أولاً عن
انتمائه التاريخي المسيحية) إجرائياً إلى الإسلام وثانياً تحوله الأيديولوجي
العام.
· الواقع الإجرائي يشير إلى أنّ جبرا قام بتحويل انتمائه الديني
من المسيحية إلى الإسلام، لكن: هل كان هذا التحول تحولاً حراً اعتمد الحركة الآلية
المتوالدة لحركة الفكر عنده، أم أنه طفرة وظيفية قام بها لملاءمة وضع مافي محيطه
الخارجي؟ قد تكون الإجابة عن هذا السؤال صعبة ومركبة ولكننا سنعتمد
على تمظهرات الحالة المسيحية) عند جبرا في مستوياته الإبداعية، ما يعبر منها عن
فكرة مباشرة كالنقد، أو ما يختفي وراء المؤلف ويتراءى من خلاله، وقد درسنا المصدر
المسيحي وتجلياته الواضحة في مستويي إبداعه. إذا كان هناك تحول ما في أيديولوجية جبرا الدينية فهو ليس
إلغاء لموروث ديني سابق، وإنما هو إزاحة وظيفية تتعلق بالظرف الاجتماعي والتاريخي
والبيئة المسيطرة، وإضفاء دلالات ومحمولات إضافية بفعل الزمن والتراكم الحضاري إن
الانتقال إلى الإسلام عند جبرا لم يقم إلا بفعل إضافي بل بإدغام الفعل الحضاري
والديني الإسلامي بالفعل الإنساني الحضاري الذي ورثه، أي أنه قام بجمع المكملات
فيما بينها وهذا الجمع لم يتوقف عند حدي الإسلام والمسيحية وإنما كانت هناك تحولات
أخرى قد لا تتلاءم مع الحدين السابقين. يرجع علي الفزّاع تحول جبرا الافتراضي إلى التفارق القيمي
بين مسيحية أوروبة ومسيحية الشرق فيقول: "لعل السبب الحقيقي لتحول جبرا عن
مسيحيته يعود إلى تخلي أوروبة المسيحية عن نصرة القدس حين داهمها الصهاينة الغزاة
ولشعوره بأن المسيحيين الأوربيين ينظرون إلى مسيحي آسيا نظرة احتقار وازدراء،
وبالتالي فهو يرى أن اعتناقه للمسيحية وسط عالم إسلامي أمر لا طائل تحته"[22]). يستنتج الفزاع هذه النتيجة من كلام في صيادون) لجميل
الفرّان يقول فيه: "منذ ألف وخمسمائة سنة والمسيحية دين للأوروبيين دون
غيرهم. فما علاقتنا نحن العرب والآسيويين وسكان البحر الأبيض المتوسط بها. لقد
بدأت عندنا ولكن اليونان والرومان أخذوها منا وكل ما بقي منها مجموعة بالية من
الطقوس لم نضف إليها شيئاً طوال ألف سنة وماهو الدور الحضاري الخلاق الذي لعبته
مسيحيتنا وسط عالم إسلامي؟ كان يجب علينا بعد القرن الثامن أن نسلم أنفسنا لقوى
الإسلام الجديدة تسليماً تاماً لا جزئياً، كما فعلنا وعلى هذا فإننا لم نتمتع
بالفائدة الكاملة لانتمائنا إلى أرض أجدادنا"[23]). إذا سلمنا بفرضية التحول الأيديولوجي التي يطرحها جميل فران
وأسقطناها على جبرا وجزمنا كلياً بحدوث التحول فهل نتوقف عند صيادون) في طرح هذا
الموضوع والمعروف أن صيادون) هي الرواية الأولى التي طرحت القضية. إذا كان لابد
من توخي الحقيقة والدقة؛ فلابد لنا من أن ننظر إلى اللواحق الروائية الأخرى التي
أظهرت بقوة الحسّ المسيحي لأبطال جبرا خاصة الفلسطينيّ منهم وإذا كان جميل فران يمثل جبرا في صيادون) فإن
وديع عساف في السفينة) ووليد مسعود في البحث عن وليد مسعود)، لا يقلان دلالة على
نيابتهما الواقعية عن جبرا. علينا أيضاً أن ننتبه إلى الهدف من تأليف صيادون) والهدف من
كتابتها بالإنكليزية، وهذا الانتباه يوحي إلينا بأن انفتاح النص على الغرب ووظيفته
هذا الانفتاح التي حدّدها جبرا سابقاً يقللان من إمكانية الاطمئنان إلى الكلام
الذي يقوله جميل والاطمئنان إلى أن
جبرا يتبنى هذا الكلام. إن الوظيفة المحددة بالتوجه نحو الغرب ومحاورته
وشرح الذات أمامه قد تكون عاملاً مساعداً على طرح هذه الأفكار ، مع اختلاف في
السفينة التي تتوجه إلى الذات لتوضح التوجه الأيديولوجي الحقيقي وكذلك في البحث
عن وليد مسعود). إن علي الفزاع) يجتزئ من حركة التاريخ أجزاءً ويحكم
بوساطتها ويخرج الأمور من سياقاتها ويلغي جميع الظروف الاجتماعية والفكرية
والصراعات السياسية والأيديولوجية ويحول التاريخ من الفعل إلى التاريخ المعزول،
ويجتزئ كذلك من السياق الروائي جزءاً ويبني عليه. يخضع التحول الأيديولوجي العربي عامة، وعند جبرا خاصة لأزمات
عدة، أولها الأزمة الكونية التي تعد مأزق كل مبدع ثم الأزمة الحضارية العربية التي
هي في أساسها أزمة طبقية ثم الأزمة السياسية العربية بكل أبعادها وأزمة الصراع
الحضاري بين الذات والآخر. لذلك لا يمكن أن نقبل أو نطمئن إلى رأي الفزاع) الذي جعل من
مجرد حضور جبرا بعض "دروس القرآن والتربية الإسلامية حين كان طالباً في
القدس، مقدمة جيدة لمعرفته بالإسلام ونشوء شيء من الألفة والتواصل بينه وبين هذه
العقيدة"[24]). إن التواصل بين جبرا والمسيحية ضارب في الأعماق إذ لا يمكن
بشكل من الأشكال أن يرقى إليه تواصل
بعض الدروس مهما كثرت وعظم أمرها. ويتوصل الفزاع إلى حكم شائن يوجهه إلى جبرا يتهمه فيه
بالحياد وبأنه "لم يلتزم في يوم من الأيام بفكر معين أو بنظرية محددة، وإنما
وقف موقف المحايد من كل التيارات الفكرية والسياسية التي عرفتها البلاد العربية في
هذا القرن سواء منهاما كان وافد على هذه البلاد أو ماكان منها منبثقاً من طبيعة
المرحلة التاريخية التي تعيشها الأمة"[25]). إن الإبداع الحقيقي كل الإبداع لا يمكن أن يكون نتاج الحياد،
إنه إنتاج الموقف والرؤية والرؤيا. والفزاع يعترف بإصرار بأن جبرا تحول من المسيحية إلى الإسلام
ومجرد التحول يعدخرقاً واضحاً لمقولة الحياد لأنه ليس فاعلاً ولا منفعلاً والتحول
الأيديولوجي هو موقف صارم من العالم ومن الأفكار. يضاف إلى ذلك إلى أن اتهام
الفزاع لجبرا غير المبني على أساس علمي من أن جبرا لا علاقة له بالأفكار الوافدة،
وَهْمٌ وتلفيق) لأنّ الدارس الفزاع) يظهر وكأنّه يجهل جبرا) وحياته بكليتها
وتفصيلاتها ويرجم بالغيب لأنه أغفل الأمور التالية: 1 - يعد جبرا من أشد مبدعي العصر العربي
الحالي تأثراً بالثقافة والفكر الأوروبيين الوافدين، وهذا ما رأيناه في دراستنا
لأثر الثقافة الأوروبية في الكاتب. 2 - ويعدّ أيضاً من أكثر
كتاب العصر الحالي تبشيراً) بالرؤية الأوروبية في الفكر والثقافة
والتكنولوجيا والرؤية الاجتماعية إلى درجة جعلت أحد الدارسين يصنف جبرا مع الليبراليين
المتغربين. والاتهام الآخر الذي يرى فيه الفزاع أنّ جبرا وقف موقف الحياد من
التيارات الفكرية والسياسية التي كانت منبثقة من طبيعة المرحلة- يدحض بالأفكار
التالية: آ - كان جبرا على المستوى الثقافي والأدبي من الأنصار
الأقوياء والمدافعين المتحصنين بأصالة علمية وفهم موضوعي دقيق للعالم والتاريخ، عن
الحداثة عقيدةً، ويكفي أن نشير إلى أنه كان من المؤسسين الأوائل[26])
لمجلة شعر) التي كانت رائدة الدفاع عن الحداثة) رؤية وعقيدة، في الصراع الحاد بل
المصيري الذي دار على مدى عقود بين أنصار الحداثة) وأنصار التراث). ب - الإصرار القومي عند جبرا على تحقيق ثلاثيته التي أشرنا
إليها ولنشر إلى استنتاجات الفزاع التي تناقض جميع طروحاته السابقة
فعندما قرأ نقد جبرا استنتج أن: "أولى القضايا ولعلها أهمها وأكثرها شيوعاً عنده هي
قضية الحرية.. وللحرية في مفهوم جبرا ثلاثة أبعاد رئيسية: البعد السياسي، والبعد
الاجتماعي، والبعد الفني"[27]). "والالتزام هو ثانية القضايا
النقدية"[28])و"إنسانية
الأديب ثالثة القضايا النقدية عند جبرا"[29])
و"رابعة هذه القضايا قضية المعاصرة...."[30]). إن البحث عن الحرية في بعدها السياسي هو أهم قضية طرحت في
هذا القرن وقد التزمها جبرا باعتراف الفزاع) وكذلك هي في بعديها الاجتماعي والفني
ويعود بشكل سافر ليثبت قضية نفاها في البداية وهي قضية الالتزام وكذلك المعاصرة. النتيجة التي نتوصل إليها أن الفزاع تناقض بين مقولته
الرئيسية الحياد) وبين استنتاجاته من نقد جبرا الذي يشكل أكثر مواقفه ورؤاه
المباشرة) تناقضاً يشير إلى ذاته. خلط الفزاع بين مفهوم التحزب) الانتماء إلى الحزبية التنظيمية
أو الالتزام الحر بالأفكار والنظريات والعقائد والدفاع عنها. إنّ جبرا لم يكن
حيادياً وليس الكاتب على درجة من السطحية تجعله يقوم بردّات فعل طفلية فيتخذ موقف
الحياد لمجرد إحساسه بأنه ضيف في بلد غير بلده وليضمن لنفسه السلامة ومتى كانت
رسالة الأديب أن يحس الأديب " بالتأدب" أمام الواقع الاجتماعي أو
السياسي لأنه ضيف؟) متى كان الأديب يبحث عن سلامته واستمراره في البقاء إن هذا
شأن كائنات الطبيعة يقول الفزاع: "فشعوره بأنه مجرد ضيف سواء في لندن
أو في بغداد هو الذي جعله يحجم عن الانتماء لهذه الجهة أو تلك ولهذا الفكر أو ذاك،
وذلك لكي يضمن لنفسه السلامة واستمرارية البقاء في البلاد التي كانت تستضيفه"[31]). "كما أن مثل ذلك الحياد يضمن لجبرا
أن يكون مقبولاً مفكراً وكاتباً لدى كافة الأوساط الثقافية والمهتمين بشؤون
الأدب"[32]).
"وعلى العكس من ذلك كان سيجد نفسه مرفوضاً كاتباً ومفكراً فيما لو انحاز إلى
فكر معين أو مذهب بعينه"[33]). لقد جعل الفزاع من جبرا رجلاً انتهازياً يسعى وراء السلامة
والبقاء ومتسلقاً بين الأوساط الثقافية. وجد الكاتب المبدع ليكون رافضاً) وإذا كان رافضاً فلابد من
أن يكون مرفوضاً إن السؤال المهم الذي نطرحه على الفزاع هو: هل كان جبرا مقبولاً
في جميع الأوساط؟ على الأقل في وسط التيار الفكري الجارف الذي عاصره التيار
الرّجعيّ) النقيض لانتمائه الفكري والأيديولوجي والفني، وهل كانت الفئات التي كان
ينتمي الى عقيدتها راضية عنه بعد تحوله المعلن من المسيحية إلى الإسلام. في النهاية يمكن أن أقول: إن هناك تحولات أيديولوجية، بعضها
شكل عنوانات كبرى في مسيرة جبرا وبعضها كان تنويعاً على هذه العنوانات وتفصيلاً
لها. التحوّلات
الأيديولوجيّة في الخطاب:
في هذه الصفحات تحاول الدراسة البحث في الطرف الخطابي فقط
على الرغم من أن الضرورة الدراسية تقتضي الانتباه إلى الطرف الثاني التحول
الأيديولوجي للكاتب نفسه)، الذي يحدد صوى في البحث عن معطيات الخطاب- لكن طبيعة
البحث لا تسمح بذلك. آثرت دراسة التحولات الأيديولوجية دراسة "فردية"
أولاً لكل رواية مستقبلة عن الأخرى
لأنها تمثل تاريخاً فنياً اجتماعياً منجزاً مستقلاً، ولكن هذا الاستقلال ليس
استقلالاً كلياً، فكل رواية مرتبطة بما قبلها وبما بعدها، لتشكل كلاً متطوراً
وثانياً لكل شخصية متحولة، منفردة عن الشخصيات الأخرى لأن الكاتب يعرضها -أكثر
الأحيان- نموذجاً فردياً في تحوله، وليس هناك تحولات جماعية أو طبقية كاملة ضمن
الطبقة الواحدة لأن الطبقة الاجتماعية المؤرخ لها في الخطاب طبقة واحدة وأي تحول فيها لابد من أن
يكون تحولاً عنها وعن مفاهيمها وعوالمها إلى طبقات أخرى، كما أن العالم الاجتماعي
بمفهومه الأرحب مصور معزولاً عن آفاقه الاجتماعية الأخرى، مجتزأ من مكملاته
الطبقية، فنحن نتلقى العوالم والطبقة والأشخاص أكثر الأحيان مصنوعين أيديولوجياً
في بوتقة الكاتب، ليلقوا عنوة على مسيرة التاريخ الروائي. التحوّل
العام:
مايقصد بالتحول العام التغيرات الأيديولوجية التي طرأت على الخطاب
وتكوينه بنسبته إلى سياقه العام الذي ينتمي إليه. إن حديثاً عن
خطاب روائي وخطاب أيديولوجي يدخلنا في عالم التحولات فالمعروف أن الخطاب الروائي
في الخطاب الأدبي العربي يعد تحولاً أدبياً وتحولاً في بنية الأيديولوجية العربية
كما كان الخطاب الروائي تحولاً أيديولوجياً في بنية الأيديولوجية الغربية من
الإقطاع إلى البرجوازية، بل تحولاً في نمط التعبير وإن كان هذا التحول تحولاً نحو
الإضافة أو الزيادة. لقد ظهرت في المجتمع العربي قوى جديدة تؤثر فيه من الداخل والخارج
إضافة إلى القوى الفاعلة التي كان خاضعاً لها سابقاً فحدثت مجموعة من التفاعلات
بين هاتين المجموعتين، ونشبت مجموعة من الصراعات أنتجت خطابات أيديولوجية جديدة
انعكست في مضامين أدبية روائية؛ لأن الرواية النوع الملائم لمثل هذه الخطابات بل
يمكن أن نقول إن هذه الخطابات ربما كانت عنصراً مساعداً على نشوء فن الرواية في
الأدب العربي. 1 - في "صراخ": تظهر التحولات العامة بشكل اجتماعي
بسيط وبمثال جمالي جزئي على حالات التحول، تطرح مجموعة من القيم والمفاهيم
المباشرة الخارجه عن الترميز العام لتحول بعض الشخصيات مثل بطل الرواية "أمين
سماع"، و"ركزان" التي تدعي رفض الماضي في سبيل الحاضر. ولكن هذه التمفصلات الترميزية تبقى خاضعة لاحترازات فوق
أدبية تتمثل في مفهوم القارئ، وهذا ما سنناقشه على مستوى فردي، لذلك سنتوجه في
الدراسة إلى أمثلة مباشرة تطرح تحولاً ما، في بعض القيم الاجتماعية والمفاهيم
الجمالية وتطرح بعض التساؤلات على مسيرة المجتمع والتاريخ. تقدم صراخ) فرضية مهمة فحواها "إنّنا في عصر انتقال
حتى في مسائل الذوق" ص34. ولكنها لا تناقش من وجهة النظر العميقة التي توصف هذا التحول
وإنما تبقيه في راقاته السَّطحية وتتمثل بتحول النظرة إلى جسد المرأة فالذوق
القديم كان يتلذذ بالجسد المملوء المكتنز، أما ابن العصر الحديث فيرى الأمر على
عكس ذلك. وتثير الرواية ثنائية الروح والجسد وتتوصل إلى محاولة نصرة الجسد على الروح أي قلب المعادلة
القديمة التي تميت كل مقومات الجسد لترفع على أنقاضه شموخ الروح: " لقد اكتفينا من القرون المظلمة التي كان يُعَدّ الجسد[34])
فيها عدواً للإنسان لقد حان لنا أن نجعل الروح عدونا"ص37. وتُرجع الرواية ذلك الاهتمام المفرط بالجسد، وبجسد المرأة
ذاته إلى التحول التقني التكنولوجيا) الذي أثر على مجموعة القيم السائدة في
المجتمع: "من الواضح أن التأكيد على الجسد هو
نتيجة من نتائج التقدم الآلي وربطت الرواية بين الجسد والتقدم معاً والروح والتخلف معاً: "وإن كان التقدم الآلي هو الذي يؤكد على الجسد فأنا من
دعاة التقدم الآلي، إني أضيق ذراعاً بكل ماهو متأخر"،ص37. والنظرة القاصرة إلى مسألة الروح واضحة في المناقشة الساذجة
التي يعرضها عمر) إحدى شخصيات الرواية لمحاولة تأكيد نظريته وإثباتها، إنها
محاولة لسفسطة القضية، وإغفال النصف البشري روحانية الكفاح) إنها إسقاط عبثي
للجزء الأهم الذي يمنح الإنسان إنسانيته وجدواه في العالم. "حيثما يفقد المرء التقدم الآلي يجد الفقر والقذارة،
ومكافحة المرء لفقره تشغله عن جسده، إلا ماكان غريزياً حيوانياً فيه فيكسو كفاحه
بثوب من الروحانية ويعظم فقره بعبارات دينية ويموت أخيراً ميتة الحيوان من الجهد
والإرهاق. دون أن يعرف دقائق الحس واللذة"،ص37و38. إنه هنا يولي التكنولوجيا أهمية كبيرة ويؤمن بأنها مخلِّص
العالم ولا ينتبه باستخفاف متعمد، إلى التفسير الاجتماعي الطبقي لهذه الظاهرة
ويخرج ظاهرة الفقر التي ربطها بالخديعة والروحية خارج سياقها الاجتماعي الحقيقي،
ويربطها بالتقدم الآلي ولا ينتبه إلى أن التقدم الآلي نفسه هو ظاهرة اجتماعية
خاضعة للمفهوم الطبقي في المجتمع وعزله أيضاً فكرة مجردة. إن الدعوة الصارخة التي أطلقها عمر للعداء مع الروح لا تخرج
خارج صفحات صراخ) وتتلاشى بلا أصداء فيما يلي من روايات جبرا؛ فالسفينة) تحاول
جاهدة من أجل الوصول إلى شاطئ يجمع بين الروح والجسد على أن الجسد هو المسيطر،
فبعد أن خاضت العملية الروائية) تجربة الروح ورفضتها في صراخ لصالح الجسد عادت
لتخوض تجربة الجسد في السفينة وترفضه بحثاً عن مصالحة حقيقية بينهما في البحث عن
وليد مسعود) وتمثل ذلك في محاولة وليد مسعود) المصالحة بين الروح والجسد من خلال
الربط بين الجنس والألوهة، ومن خلال بحث مريم الصفار) بجسدها عن استقرارها
الروحي. تمراراً له؛ لأنها قامت بفعل تدميري اكتفت به، ولم تقم
بمحاولة بناء جديد سوى محاولة الزواج من أمين، وهذا يتنافى مع ما طرحناه من مفهوم
التحول البناء التحول الثوري) لذلك تقول: هذا القصر المتباعد الأطراف كلّه لي ولست أريده، لي عدة من
الفدادين في القرى المجاورة ولست أريدها، ليست هذه كلها إلا ملحقات الماضي وأدوات
زينته... إنها سرابيل الموت التي ضحت عنايت بحياتها من أجلها... أما ما أريده فهو
الحاضر، أريد حاضراً حرّاً طليقاً" ص 80 و81. هذا النفس التدميري لا يمكن أن نعدّه نوعاً من التثوير
والرّفض الإيجابي، فهو لا يخرج عن كونه حالة تمرد فردية، تخضع للطبع الخاصّ
بالشخصيّة؛ والرّفض رفض القصر والأراضي) مع الاعتراف بملكيتها لايعني إلا التمرد
الشخصي والفرضية التي تحول هذا الرفض التدميري التمردي إلى رفض بناء هي استثمار
هذه الرموز التي اعتبرتها من الماضي) لصالح الحاضر وليس تدميرها. نشير بحذر إلى التفسيرات التي تعيد الرفض إلى مرجعية تاريخية
في بعده الحضاري التغييري فقد "كانت العلاقة بالماضي وموروثه إحدى المشكلات
الأساسية التي واجهت المثقفين العرب" وهذه "هي قضية جبرا إبراهيم جبرا
في صراخ"[35]). إذا كان الأمر كذلك فإن جبرا أخفق في معالجة مفهوم التخلص من
الماضي والانصراف إلى الحاضر تلك الإشكالية المهمّة في تاريخ الثقافة والحضارة
العربيتين؛ لأن صراخ) ربطت بين الفائت زمنياً والفائت حضارياً وفكرياً ودغمتهما
وأعطتهما رموزاً ساذجة وكلّفت نموذجاً بشرياً قاصراً بأداء هذه المهمة هو العانس)
ذات الطبيعة الخاصّة، وذات الانتماء الخاصّ. إذاً نستطيع أن نقول إن صراخ) لم تفلح في نقل رؤى الكاتب في
هذه القضية، وجبرا من المثقفين القليلين الذين استوعبوا مسألة الماضي والحاضر،
الحداثة والتراث) بطريقة عملية غير متطرّفة ولكنه لم ينجح في تجسيد فهمه المتزن
المتوازن في قصته صراخ في ليل طويل)[36]). أمين سماع: بطل" القصة" كاتب وصحفي تكلّفه عنايت
بكتابة تاريخ أسرتها الاقطاعية يقوم بذلك على مضض وتأفف فيه شيء من الاصطناع، لأن
الرضى يبدو واضحاً من خلال سياق القصّ، يتزوج ابنة تاجر غني لينتقل من أصوله
الريفية القروية الفقيرة إلى وضع طبقي جديد. لكن هذا الوضع لا يستمر لأن زوجته
تهجره لسنتين، وتعود إليه ليكتشفها في فراشه، ولكنه يرفضها ويطردها. يرى محمد كامل الخطيب) في ذلك رفضاً للنظرة إلى الوراء) في
مثل هذا القول نرى نسبية واضحة، فالوراء ليس واحداً بالنسبة لأمين إن هناك ماضيين
رئيسيين الماضي الأول تاريخ آل ياسر والثاني زواجه وحبه لسمية لقد رفض سمية، لأنه
مقترن بلواحق اجتماعية خاصة، لم يرفضها لأنها تنتمي إلى طبقة غير طبقته، وإنما
رفضها لأسباب إجرائية، لأنها هجرته ثم عادت إليه. والماضي الأجدر بالرفض هو كتابة تاريخ آل ياسر، لكنه لم يقم
بذلك بل حاول إقناع ركزان بالاستمرار بالكتابة ليحصل على مكافأته المادية واتهمها
بالجنون عندما حرقت الوثائق؛ إذاً فالماضي مجزّأ عند أمين ومرفوض في جزء منه
ولاعتبارات غير تطورية أو تثويرية: "إن أمين بذلك إنما ينمذج المثقف)
البرجوازي الصغير ذا الأصول الريفية الفقيرة الذي ظهر على مسرح المجتمع في
الخمسينات ثم سيطر في الستينات والسعبينات"[37]). وليد
مسعود: التحوّل المتعدد:
1- التحول الديني: يُعَدّ وليد مسعود نموذجاً
للمثقف العربي الإشكالي في رؤيته للعالم، وفي تفسيره إياه؛ فقد جاء العالمَ ووعاه
في بداية حياته بطريقة خاصة كان جزءٌ منه بالتلقين الديني الذي يخلق داخل الإنسان
تصورات تطرح على العالم نظاماً وهمياً) وقابلية للتشكل والتغير. كانت إرادته تسعى إلى "الانطلاق في عوالم رائعة لا يعرف
أحد عنها شيئاً ومعه) صبية البلدة كلهم... يشهرون السيوف في وجه الدنيا"
ص184. وعندما يُرسَل
إلى الدير "ليترهّب" ص 111، ويتعلم أسس الدين، يهرب إلى كهف بعيد مع
مجموعة من أصدقائه ليتنسكوا فيه ولكنهم يعودون بالإكراه إلى الدير. إن الحلم الذي يسعى إليه وليد مسعود في امتشاق سيفه في وجه
الدنيا ماهو إلا حلم تغييري؛ بذرة يحاول العالم كله إيقاف انتعاشها، القيد
الاجتماعي -والقيد الديني الذي هو أصله ذو منشأ اجتماعي، فمحاولة الهروب من الدير
والتنسّك محاولة تمردية فطريّة لخلق البديل المتصوَّر للحالة الدينية الواقعية
وخلق مصالحة بين الطموح المتصوّر في الحالة الدينية في طرف بين الواقع الديني الذي
يصنعه المجتمع في طرف آخر، كل ذلك يمكن أن يُعدّ تمهيداً كبيراً من أجل التحوّل
فعندما تخفق جميع المحاولات للمصالحة وتخفق جميع الوعود الدينية أمام طغيان الشر
والفقر في العالم وعندما تنكشف خديعة هذه الوعود، فلابد من التحوّل الذي قد يكون
جذرياً. إن التحول الديني) الذي يسعى إليه وليد مسعود بل الذي أُكره
عليه لا يريده أن يكون تحوّلاً فردياً ففي محاولته الهرب تصور آخر: "مازلت مأخوذاً بكلمات المسيح: إن المساكين الفقراء سوف
يرثون الأرض، ولذا فإن ثوار القرى
الفلسطينية هم الذين في النهاية سيغيرون كل شيء، فلما أرسلت إلى إيطاليا لأدرس
اللاهوت... حسبتُ أنني سأجد هناك المنطق الذي سيبرر حلمي الذي لم يتح لي فهمه في
الكهف بوادي الجمل. وإذا بي أكتشف أن ما أرسلوني لدراسته قد جعلوه وسيلة لتثبيت
العالم لا لتغييره، أردت تغيير الأعماق تلك الأعماق التي بها سوف يخلق الإنسان
بشراً جديداً. وإذا كل ما أراه هو العمل بجنون على مسخ السطح وردم
الأعماق"ص186و187. وبعد أن ينكسر الحلم، حلم التغيير، ويحدث اغتراب قسري عن
العالم، إذ يصبح العالم منفياً عن الذات، لابد من البحث عن بدائل روحية وفكرية
وحضارية تقنع الطموح المتأصل في الذات: "قررت هجر الدير نهائياً.. قررت
الهرب إلى الدنيا، ولم يكن قراري نتيجة خيبة أمل فيما كنتُ أدرس وحسب لقد بات بعد
أشهر من الحيرة والقلق أمراً لابد منه، إن أنا أردت الإخلاص لنفسي لوطني للعالم،
إن أردت الإخلاص لحريتي وحرية الآخرين"،ص188. 2
- من الروح إلى الجسد:
مرة أخرى تعود ظاهرة صراخ) "إشكالية ثنائية الروح
والجسد إلى الظهور لكن الظاهرة التي كانت في صراخ) محاولة إلغاء الروح ومعاداة
قراراتها لصالح انتصار الجسد لم تعد هنا بهذه الحدّة وإنما ظهرت بأسلوب يطمح إلى
المواءمة بين طرفي الثنائية، فوليد مسعود الذي حمل روحانيته الشرقية وسافر إلى
إيطاليا ليؤكد هذه الروحانية ويتم فهم الأسرار التي لم يفك ختمها في بلده، وجد أنه
غير قادر على الاستمرار واكتشف أنه لم يخلق ليكون راهباً: "أنا
لم أصنع للرهبنة"ص 189. ولم يفلح وليد في محاولة نكران الجسد لصالح الروح بفرضية
الفصل بينهما) تلك الفرضية التي يلح التناول الديني لها على رفعها إلى مرتبة
المقدس الذي لا يخرق ولكن ذلك الشاب وليد مسعود) الطافح برؤاه وبعالمه الداخلي
وبقدراته يخرق هذا المقدس ويتحول عنه، إن التحول عن الرؤية الدينية يعني تحولاً عن
مقولاتها وفرضياتها؛ لذلك يمكن أن نقلب المعادلة ونحكم بالتحول عن مقولات الدين
ورؤاه وفرضياته لدى وليد مسعود): "وجدتني عاجزاً عن نكران جسدي كلياً
وعيني تلتهم وجوه الفتيات في الكنيسة بنهم شديد كأنها تريد أن تحتوي في داخلها
جمالاً يكون زاداً لمتعتي الحبيسة في الأيام والليالي الكثيرة التي لن أرى فيها،
في أروقة الدير وجهاً لامرأة... وهربت هذه المرة إلى الأبد"ص189. لقد غادر وليد مسعود الدير ليغادر بذلك ضمن تصورنا لحالة
التحول الاغترابي) الفكر الديني ومفهوماته حول الحياة والعالم والإنسان. واستدراكاً على ماورد سابقاً أقول: إن الجسد الذي انتصر ليس
الجسد بمطلقه بل على الجسد أن يحقق شرطاً لازماً هو ارتباطه بالروح؛ فعندما يدخل
وليد مع كارلو) الرجل الأعرج، الذي يعمل معه في المصرف، إلى دار للبغاء يأبى
التفاعل مع أي من النساء الخمس الموجودات، وكذلك يرفض التعامل مع السادسة التي كان
يتوقع في البداية أن تكون مناسبة له. فلكي يحقق الجسد سلطته عليه أن يفسح المجال
أمام مكملته الجدلية الروح التي
تعني شرط التحقق الجسدي. ولا تغيب سلطة الروح عن عالم وليد) فهي ضمنياً) تظهر
بالمعنى السامي والنقي وذلك استنتاج من طروحاته حول النقيض المفترض الجسد). "بابتعادي عن حياة التأمل التي علموني أن أعتبرها وحدها
حياة الروح أدركت أنني قد سقطت أخيراً في عالم الجسد، عالم الحس، وعالم
الزمن"، ص192. إن الإشكالية التي نشأت في العالم الداخلي لوليد هي محاولة
المصالحة بين الروح والجسد المصالحة التي تشكل المرحلة الثالثة في المنحني
التطوري لقضية الروح والجسد في خطاب جبرا)، من اختبار هذه القضية التي بدأت في
صراخ) وكانت مرحلتها الثانية في صيادون والسفينة). ومحاولة المصالحة مرتبطة بهدف هو الوطن)، لأن المصالحة تعني
الفعل الذي يحتاجه الوطن. ومحاولة
إيجاد وشائج بين التأمل والحس السقوط في عالم الجسد عالم الحس عالم الزمن)، هي
دخول إلى الفعل، إلى مطمح التغيير، إلى العملية التطويرية في الوطن. [3]) قد يكون فهمي لمقصد جبرا هنا خاطئاً
فتعبير الأساليب في قوله: نظرتي كانت موجهة إلى الأساليب غير موضح بالوصف وهو مطلق
الدلالة اعتماداً على مقولات سابقة حول اللغة حسب مفهوم الأساليب اللغوية وليس الأساليب
الفنية للأنواع الأدبية. [4])
يرد الحلم في البحث للتعبير عن مستويين دلاليين الأول الحلم الإبداعي وماهيته
وعلاقاته التكوينية الداخلية وعلاقته الخارجية بالمبدع الحالم) وهي لا تحمل السلب
في التعبير، والثاني يتعلق بالحلم الحضاري بالمستقبل الذي يعبر عنه بالحلم حلم
التغيير "البعث الانتشال". وقد يكون الحلم متجهاً نحو الماضي يتصوره وفق
هدف معين يعبر عن رغبة وغاية للحالم. [11])
المنهج النقدي لدى جبرا إبراهيم جبرا، ماجدة حمود، مجلة الأسبوع الأدبي، العدد
(43) الخميس 1 ت 1988. [12])
تقول الدكتور حمود) على سبيل المثال: يستفيد من نهج تين في تفسير إبداع الحواريات
لدى نزار قباني بردها إلى العامل الوراثيّ العِرق) ولكن لنلاحظ حذره ودقته
التعبيرية في هذا ولا أدري إن جاز لنا أن نزعم أن نزاراً في حوارياته على تميزها
بأسلوبه ربما كان يستمد من سليقة مردها كامن في دم أسرته إذا تذكرنا أن سلفه عم
أبيه) كان ذلك الرائد المسرحي الموسيقي الكبير الشيخ أبو خليل القباني. [20])
من هذه القضايا قضية الشعر الحر التي دافع عنها بمنطلق علمي حار ودقيق وبرؤية
واضحة تطورية واعية لحركة التاريخ الكلية التي تخضع لحتميات التقدم. [36])
. نشرت صراخ لأول مرة في بغداد عام 1955 حسب كتاب أعلام الفكر والأدب في فلسطين
ليعقوب العودات البدوي الملثم) 1979 ص 88-89) ويرى البعض أنها نشرت في فلسطين في
القدس في صيف 1946 شؤون فلسطينية العدد 43 آذار 1975 ص 71)، ونحن نرى أن القصة
نشرت في بغداد عام 1955 لأن الظروف
في فلسطين قبل النكبة لم تكن مواتية للتأليف والنشر بسبب المعارك الدموية التي
قامت بين العرب واليهود ولأننا بحثنا في عدة مراجع، ولم نجد أي إشارة إلى نشرها
قبل نكبة 1948 وخاصة فهرس د.محمد يوسف نجم صورة الفلسطيني في القصة الفلسطينية
المعاصرة، واصف أبو الشباب). |