مُضمرات النصِّ والخطاب في عالم جبرا إبراهيم جبرا الروائي - سليمان حسين

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:34 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
- الحل ضد القمع:
- الحل ضد القمع:

يتميز الخطاب في رصد الواقع السياسي للعراق باختيار لحظات تاريخية مهمة في التاريخ السياسي العراقي؛ إذ رصد الحلول التي تدفع الخطر الداخلي، وتوصل إلى أن الحل الرئيسي هو المواجهة الشعبية: مالم يطلق سراح الطلبة السبعة على الفور فإن المدينة كلها ستضرب في الصباح التالي)) ص139.

ستقوم المظاهرات غداً)) ص142.

لقد رأينا في مقدمة الفصل في المقدمة التي عرضنا فيها لبعض القضايا السياسية في العراق) الدور الكبير الذي لعبته التنظيمات الطلابية في خلق حالاّت الردّ السياسي وخاصة في المظاهرات، وكان لهؤلاء الطلاب دور أساسي في تغيير كثير من الأحداث السياسية، وهذه الشمولية الخطابية تسجل للخطاب درجة في سلم الارتقاء الإيجابي وفي وعيه الخطابي في موازاة الواقع بدقة لتشكل هذه الموازاة وثيقة تاريخية أدبية يسجلها الخطاب الروائي.

ويضاف إلى وعي الخطاب لهذه القضية، أنه يعي العمق السيكولوجي) للطرفين، الطرف الأول المجتمع المتظاهر) والطرف الثاني هو جيش السلطة رجال الشرطة) وفي التحليل التالي لطبيعة العلاقة بين رجل الشرطة والسلطة التي تسيره نجد فهماً دقيقاً ووعياً عميقاً متميزاً يضرب بعيداً في البحث السيكلوجي).

وكان لرجال الشرطة، بوجوههم المشدودة السمراء، مسلحين بالهروات، وكان بوسع المرء أن يلمح في عيونهم الخوف والضراوة المتحفزة التي تميز حيواناً يستعد للعراك، ولربما أدركوا أن واجبهم أمقت الواجبات في الدنيا، فهم ربما لا يعرفون ما الذي جاؤوا يدافعون عنه ولكنهم يدركون أنه إذا بدأ العنف فإنهم سيتلقون أول الضربات القاصمة ورغم أنهم كانوا الرمز المرئيّ للسلطة والردع إلا أنّهم لم يروا في أنفسهم أكثر من أفراد خانهم الحظُّ، على كل منهم واجبه وحاجته الطبيعية للراتب هو وزوجته والعديد من أطفاله، وعندما رأيت وجوههم المجدّرة المبثورة، بملامحها الضائعة ولحظت أيديهم القلقة بعظامهم الناتئة، يطل منها جميعاً إدقاع الروح والجسد تساءلت هل خطر لهم أن يسألوا أنفسهم في يوم من الأيام: لماذا لا يحبنا الناس أكثر قليلاً؟! لكن سؤالاً كهذا كان سيضعهم على حافة التمرد ونكران الولاء للسلطة)) ص152.

هذا الفهم لغريزة القطيع وللاستجابة المقهورة إذا ما قيس بفترته الزمنية يُعد رؤية سيكولوجية) بارعة نافذة قادرة، استطاعت الوصول إلى عمق الحالة، وإذا ما استمررنا في البحث عن فحوى هذه الرؤية فإننا نجد سبب هذا العمق يكمن في العمق الفلسفي والرصيد الثقافي الأصيل لدى مُنتج الخطاب إن عليك من أجل أن تجرب الاستشراء الوحشي للعنف الجماعي أن تكون في عدة أمكنة مرة واحدة، ولربما يحمد المرء الله على أن هذا التواجد في كل الأمكنة مستحيل)) ص152.

ويبحث الخطاب في مفهوم السياسة كدلالة لغوية ليحدد المدلول الأيديولوجي الذي يحمله هذا المصطلح، وهذا البحث المقارن الذي يقارن مفهوم السياسة العربية،  مع مفهومها في الإنكليزية ينزع إلى القول بأن هناك تواؤماً بين الدلالة اللغوية في اللغة والحياة العربيتين ويحدد بهذا نمط تفكير الأمة العربية ذاتها وفق منطق السياسة التي تعني سياسة الخيول والعناية بها وهذا المنطق مُدان ضمن التفكير والمنطق الإنسانيين: هل تعرف أصل كلمة السياسة) في الإنكليزية؟ أحسبها مأخوذة عن الكلمة الإغريقية بولس) التي تعني مدينة، ولهذا تعني السياسة علم إدارة المدن والمواطنين، ترى ماهو أصل كلمة السياسة في العربية؟

قلت: الشيء الوحيد الذي أستطيع تذكره العناية بالخيول وهذه أيضاً سياسة، بالضبط العناية بالخيول والتحكم بها، هذه هي سياستنا وهذه هي أفكار سادتنا عنّا! هل هناك ما هو أشد إثارة للضحك في تاريخ الإنسانية بأجمعه؟ خيول وسوّاس خيول)) ص131.

قد لا تكون هذه اللقطة اللغوية لقطة خارقة، ولكنها ذات أهمية كبيرة في رصد الواقع والغوص في عمقه، وهنا تظهر مرة أخرى مسألة وعي الذات من خلال وعي الآخر ومن خلال المقارنة بين ماهو سلبي ومايرى أنه إيجابي.

ويقارن الخطاب بين أحداث العراق السياسية وأحداث فلسطين والمقارَن هنا هو المظاهرات التي قامت في فلسطين عام 1936 وعام 1946: كان التوتر في اليوم التالي بادياً على كل وجه. وكان الركّاب في الباص الذي ركبته متوجهاً نحو الكلية صامتين متربصين... وتذكرت أياماً مشابهة لهذه في القدس أياماً من الإضرابات والتظاهرات، أياماً من الغضب والألم كما تذكرت الأيام المئة والثمانين من سنة 1936... وتذكرت أياماً من عام 1946....)) ص151.

ويرصد الخطاب أيضاً التباينات الأيديولوجية للقطاعات الأيديولوجية السائدة في مرحلة الخطاب في توجههم نحوا لحل: الناس كلهم يريدون تغييراً ثورةً، لا اليساريون والتقدميون فحسب بل اليمينيون والرجعيون أيضاً، البعض يلغو والبعض يُنظم الخلايا الصغيرة التافهة، والبعض يملأ حقولاً من الورق بمقالات سخيفة هذا كل ما نستطيع فعله كلنا نقسم أن نحارب من أجل بلدنا ضد الأجانب، اليساريون يقصدون الإنكليز والأمريكيين، واليمينيون يقصدون الرّوس)) ص130.

إن الرّصد الاجتماعي الذي قامت به "صيادون" ذو أهمية كبيرة على المستوى التوثيقي الذي صور لنا المجتمع البغدادي في فترة إنتاج الخطاب مجتمعاً منهكاً مثقلاً بأعباء سنين طوال تحمل إعياء التاريخ وتنثره بين أرجائها وفي طياتها صراع طبقي كامن، إضافة إلى ذلك فإن الفعل السياسي المأساوي الذي تعرضت له الأمة العربية اغتصاب البؤرة الحضارية للوطن العربي فلسطين) أنتج أفعالاً وارتكاسات اجتماعية هائلة لم يرصدها الخطاب وإنما اكتفى بنبذات يسيرة.

لقد صوَّر جبرا المجتمع البغدادي مجتمع المنفى) على حساب مجتمعه الذي نشأ فيه وكان تصويره لمجتمع المنفى دقيقاً صوّر فيه الشارع العربي بكل محتوياته السلبية والإيجابية وركّز على السلب وصور التفاوت الحضاري والطبقي والأيديولوجي، إذ نشأ مجتمع جديد مع التغيرات السياسية والتحولات الطبقية والأيديولوجية التي كان المجتمع يتمخض بها. وكانت الطبقة الإقطاعية في أوج تحولها لتنتقل إلى التآخي التام مع سمات المجتمع البرجوازي والتخلي عن القيم الاقطاعية التي ورثتها عن العثمانيين متأثرة في ذلك بالمدّ الاستعماري الجديد الذي حمل معه الروح البرجوازية الرأسمالية إلى جانب الحركة الداخلية للمجتمع العربي التي كانت نتيجة للعوامل الاقتصادية والتاريخية والحضارية.

- مجتمع السفينة : المجتمع الثالث، المجتمع التجريبي:

حاول جبرا إبراهيم جبرا في السفينة خلق مجتمع ثالث: وظيفتهُ الاجتماعية أولاً، محاولة تجريبية من أجل إقامة مجتمع بديل بقيم بديلة لقيم المجتمع القائم المحكوم بقوانين اجتماعية منفية خارج ذات الإنسان المعاصر- ووظيفته الخطابية، ثانياً، إقامة مشروع انتقالي بين مجتمعي صراخ) وصيادون) في جانب، ومجتمع البحث عن وليد مسعود) ومجتمع الغرف الأخرى) في جانب آخر، وهذا التقسيم لا يعني تصنيفاً اجتماعياً بالمعنى القيمي) لجانِبيَ المعادلة؛ لأن لكل رواية أفقها الاجتماعي الخاص.

1 - الموضوعة الأولى: مجتمع العشيرة في مجتمع المدينة:

ظهرت هذه المقولة مُصَرَّحاً بها في الحديث الاجتماعي في خطاب صيادون) في كثير من تجلياته والآن هنا في السفينة نجد هذه الموضوعة ذات سلطة مطلقة تحدد الأفق الرئيسي لمنحى القيم الاجتماعية، فالقانون الأخلاقي الأول في مجتمع المدينة هو قانون العشيرة الذي ينتظم أهم السلوكات.

- السلوك الأول: القتل، الثأر، خلخلة العلاقة).

كما رأينا في صيادون) مسألة القتل ثأراً للعِرض والشّرف) ونجد في السفينة موضوعة مشابهة في الماهية لكن الهدف منها والعنصر الذي تتوجه إليه مختلفان، والد عصام السلمان، يقتل "جواد الحمادي" وهو عمّ "لمى عبد الغني"[1])التي تنشأ بينها وبين "عصام السلمان" علاقة حبّ في لندن حيث ذهبا إليها للدراسة هناك دون معرفة سابقة بينهما، وفي النهاية تكتشف "لمى" أن عصاماً) هو ابن قاتل عمها وينصحها أخوها بالاتبعاد عنه ويعودان إلى بغداد فتتزوج لمى رجلاً غيره ويعيش عصام مغترباً يطمح إلى الهروب عبر البحر إلى الغرب؛ إلى أوروبا.

إن سلوك لمى القسري) عبر المؤثرات الاجتماعية الخارجية التي أطلقها القانون الاجتماعي السائد يُعدّ نوعاً من الثأر الذي يفرضه هذا المجتمع: كنت أتساءل: ألن أراه ثانية حقاً؟ وماذا لو قطعت كل صلة لي به ورفضت أن أراه؟ ما الذي أكون قد برهنت عليه؟

- تكونين قد برهنت على أن الدم لا يصير ماء كنت تقولين ولا ريب: قبل ربع قرن من زمان لئيم قتل رجل يدعى سعدي السلمان) رجلاً اسمه جواد الحمادي) وجواد الحمادي عمي، وهذا ابن قاتل عمي يريدني أن أحبه.. الدم لا يصير ماء...

- الدم لا يصير ماء؟ لقد صار دمي ماء يا عصام. ماء آسناً كنت أقول، رجل استبد به الغضب بسبب أرض في قضاء مغمور في جنوب العراق نسيته الجغرافية، فقتل رجلاً آخر لماذا أعاقب به، لمجرّد أن القتيل كان عمي، وجرى قتله قبل أن أولد وما شأن عصام بما فعل أبوه؟)) ص163.

ويستمر هذا التساؤل دون جدوى ويبقى في إطار التساؤل الفوهي، والواقع يفعل فعله والمجتمع ينفذ قوانينه وتسير مسيرته غير آبهة بأي تساؤل، لذلك يغوص التساؤل إلى عمق أكبر من التساؤل الاجتماعي الأول، الذي وزّع المسؤوليات وحمّل الغابرين التبعة واستنكر أن تستمر هذه التبعة لتلاحق الأجيال القادمة والسؤال الأعمق الذي يبقى جوابه أعمى... هو:لماذا قتل أبي جواد الحمادي وأنزل بحياتي لعنة مازلت أعانيها؟ تَمَرَّد وقَتَلَ ثم عاش منفياً عنّا. الكلّ قال: حسناً فعل، لقد رفع رؤوسنا لابأس، ولكن الآلهة ظلت تطالب بالانتقام وعلى نحو مهين... ولم تستنكف من أن تفقدني المرأة الوحيدة التي أحببت وتبقيني معلقاً بها من بعد))ص76.

يتوجَّهُ المثقف في روايته هذه توجَّه خضوع، محاولاً تلوينه بلون غيبي يتكئ إلى القدر والقدرية في تفسير الظواهر وقضايا العالم ومجرياته، إضافة إلى أنه يقبل ضمنياً هذه الفعلة، لأنها رفعت رأسه وربما يكون هذا التوجه وهذا التساؤل اتساقاً في خطاب السفينة وتلاؤماً مع أهم صفات هذا الخطاب كما أشرنا سابقاً وهو توجهها إلى المطلق والمطلقات الشعورية والتفجر بالإحساس وبالتفاعل مع العالم.

يبدو من خلال المساحة البسيطة التي عالج منها الخطاب القيم الاجتماعية أن الهدف في السفينة) لم يكن هدفاً اجتماعياً في المعالجة خاصة إذا نسبناه إلى مجتمع صيادون) لأن الخطاب الاجتماعي ينحسر ويأتي ملحقاً بخطابات أخرى أو يأتي مسانداً لها وعنصراً مكوناً من عناصرها.

لذلك لم نجد في الخطاب إلا بعض المشاهد التي تشير إلى الحياة الاجتماعية وهذه المشاهد، مع بساطتها، مشاهد تعاطفية مع بعض عناصر المجتمع: الحجّار الذي فقد بصره، مساح الأحذية،وصباغ البيوت))ص55.

وتكون بعض المشاهد الأخرى عودة ذاكرية إلى رصد أوضاع اجتماعية ص54، وكذلك رصد السلوك الاجتماعي التربوي المتبع في تربية طلاب المدارس: وهوت الكف مرة خامسة وسادسة، ماكانوا يتورعون عن ضربنا بفظاظة تلك الأيام...))ص110.

لم تشكل السفينة) مجتمعاً بالمعنى المتكامل للمجتمع، لأن عناصر المجتمع البشري التي تخلق مجتمعاً غير متوفرة فيها، فالمكان ليس مكاناً اجتماعياً مناسباً لتَشكُّلِ مجتمع لأنه يفتقر إلى صفة الثبات والاتساع وكذلك فالهيئة البشرية التي تقطن مجتمع) السفينة ليست طامحة إلى تشكيل مجتمع بل طامحة إلى النقيض إلى خلخلة مجتمعها المنجز وتقويض أركانه.

السياسي في السفينة:

 ترصد السفينة الخطاب السياسي في مستويين الواقع السياسي الفلسطيني والواقع السياسي العراقي، في المستوى الأول نجد مشهداً مهماً من مشاهد المقاومة، وهو مشهد استشهاد فايز) صديق وديع عساف)، ونجد كذلك ذكراً إخبارياً لأخبار المظاهرات الطلابية في فلسطين ضد الاحتلال الإنكليزي وضد الحكومة البريطانية التي سمحت بالهجرة اليهودية: في يوم من أيّام الربيع التي يتفجّر فيها الصّخر زهراً، اجتمع طلاّب المدارس في فِناء قبّة الصخرة لينطلقوا منها في مظاهرة أخرى احتجاجاً على الحكومة البريطانية لسماحها باستمرار الهجرة اليهودية، وأضربت البلاد كلها ستةأشهر طوال، وتفجّرت صخور فلسطين بالثوّار في كلّ مكان))ص57.

أما في المستوى الثالث، فيشير الخطاب إلى الثورة العراقية سنة 1958) ويناقش المطامح والنتائج التي انجلت عنها: كنت طيلة السنين أحلم بالثورات، ولما وقعت الثوّرة، وأنا في لندن، شعرت أنني ضحية تدبير خفيّ أبعدني عن الشيء الوحيد الذي كنتُ أحلم بأنه سيحقق المعجزات غير أنني عندما عُدت إلى بغداد لم أستطع التحمّل)) ص176.

يتّضح أن الطامح إلى الثورة والتغيير، والذي كان يحلم بإنجازاتها لم يجد مطامحه وأحلامه؛ لأنّه، أولاً، لم يكن من صانعي هذه الثورة،

وثانياً: لأن مطامحه لا تتناسب مع الواقع الذي حدث بعد الثورة فهو يحمل في ذهنه تصورات بورجوازية لم تحققها له.

كان يقوم بالأعمال الثورية خارج ميدان الثورة وهذا دأب السفينة) كخطاب يبحث عن الحلول والخلاص بعيداً عن أمكنتها؛ فالمجتمع المؤقت الذي تشكله السفينة كمؤتمر تجريبي للبحث عن الحلول هو مجتمع حلول خارج المجتمع الحقيقي ينظر إلى العالم من المنظور المؤقت والمعزول، كما يحدث تماماً في عملية التلقيح خارج الرّحم مصيرها أكثر الأحيان الإخفاق أوالتشوه في أحسن الأحوال:كنتُ أدرس لسنتي الأخيرة في لندن، وبغداد تفور وتمور وتغتلم والناس فيها يُرفعون إلى الذرى ويُخفضون إلى الحضيض بين العشية والعشيّة لقد تُقْتُ إلى العودة إلى المساهمة في الغليان، والكل منتش، تحطيم عهد وإقامة عهد يريد اقتلاع الظلم وزرع العدل والحرية...

كنتُ أجادل غيري من الطلاب نصرخ ونفرح ونغضب في ساحات لندن ومطاعمها ونوادي كلياتها وفي جمعيات الطلبة نؤيد ونشجب ونخطط لعصر جديد ملؤنا الإيمان وملؤنا الطيش وملؤنا النار....)).ص170 و171.

ويرصد الخطاب المتضرّرين من الثورة فلمى عبد الغني سليلة الأسرة البورجوازية تجد في الثورة قتلاً وسجناً: كان لعابك يسيل لأنباء القتل والسجن والمظاهرات فكرهتك.. أبي معتقل بين السجناء وأخي لا نعلم مكانه وأموالنا محجوزة، وأنا كلما ذهبت إلى الكلية التي عينت فيها لا أرى في عيون الطلاب إلا حقداً وشماتة))،ص170.

مجتمع البحث عن وليد مسعود):

مايُميز مجتمع البحث عن وليد مسعود) عن مجتمعات جبرا إبراهيم جبرا الأخرى أنه مجتمع متكامل ومستقر بمعنى الاستقرار التكويني وليس الروحي، أي أنّه استوفى كثيراً من عناصره التي تمنحه الصفة الاجتماعية، فحين نرى الاجتزاء الاجتماعي في صراخ) والتقلقل في مكونات المجتمع في صيادون) وخلخلة صفة الاجتماع في السفينة، يطالعنا مجتمع البحث عن...) وقد اكتسب صفته، واستقرّ؛ لأنه مرحلة متقدمة من محاولات جبرا.

يرصد خطاب البحث)  مجموعة السلوكات والقيم والتناقضات الاجتماعية السائدة في المجتمع البغدادي، ونشير مرة أخرى إلى أن هذا المجتمع هو ترميز بل عينة) دراسية وروائية لمجتمع المدينة العربية.

- نظراً إلى أن المجتمع المدروس مجتمع أنتلجنسيا) مجتمع مثقفين أو مايمكن أن ندعوه مجتمع نخبة)؛ فإن ذلك يدعو إلى تأمل هذه النخبة، نفسها، في مجتمعها وفي قيمه وفي سلوكه والأهم في ماهية التوجه إليه، لذلك نجد انتقاداً للنظرة السوسيولوجية) إلى المجتمع؛ لأنها مفسدة للخيال أي أن التوجّه نحو المجتمع بروح مجتمعية) في دراسة العلاقات الإنسانية يفقد الإنسان كثافة روحه وتوقد خياله ويفرغ البطانات) الإنسانية التحليلية التي تملأ المناطق الخلالية بين العناصر :إن النظرة السوسيولوجية تفسد الخيال من أساسه. يدربونك عشر سنوات على رؤية الإنسان كظاهرة مجتمعية وإذا أنت في النهاية تفقد القدرة على رؤيته كإنسان مستوحد، أصالته في دخيلة ذهنه، في خلايا دماغه))ص82.

وهذا ماجعل الخطاب ينوع في توجهه نحو الإنسان لم يعتمد النظرة المجتمعية وحدها وإنما قرنها بمجموعة من التوجهات سعياً وراء تحقيق إنسانية الكائن البشري فقام برصد السلوكات التالية:

- السلوك العدواني ضد الإنسان بحرمانه الحرية وكبته بتسليط الإرهاب عليه أو بمهادنة من يقومون بذلك:يكفي ألا تؤمن بالإنسان بما فيه من كوامن عقلية وإبداعية، وحسّ بضرورة الحريّة، لأن تسمح لنفسك بتسليط أشنع ضروب الإرهاب عليه، أو التهاون مع السلطة دليل على عدم إيمانك بالإنسان مهما ادعيت العكس))ص 45.

وهذه التفاتة من الخطاب مهمّة بخاصة في الجزء الذي أشار فيه إلى المهادنة مع قوى الشر ضد الإنسان، فالمهادنة نوع من القبول والاستكانة لماهو موجود لذلك هي مرفوضة، والحياد كما يقول هو انحياز إلى معسكر العدو بخاصة عندما يتعلق الأمر بالقضايا الإنسانية الكبرى.

ويأتي الخطاب بمثال على قضية التقلقل والتذبذب في الموقف: كاظم اسماعيل أصرّ على البقاء محامياً، مدعياً بأنه يحتقر التجارة وأساليبها وأنها خطر على المفكر، وتناقضت بعد ذلك أقاصيصه مع أن كلا منها لم يكن إلا دفاعاً عن الإنسان الصغير إزاء الظلم الاجتماعي من الإنسان الأكبر))ص52.

إن هذه الظاهرة ظاهرة ثقافية خطيرة في حياة الثقافة وفي حياة الفئة الثقافية وهي تؤلف أزمة في ضمير المثقف العربي الذي يضطر تحت وطأة السائد الثقافي الذي يتعاطف مع القيم الإنسانية العظمى أن يتخذ مواقف مسايرة ومجاورة للقيم السائدة، بل يتزعم المعسكر الذي يدعو إليها ولكنه في حقيقته مباين لتمظهراته وادعاءاته: عثر كاظم بقدم الولد المستلقي فتفجرت عن غضبته الخرساء شتيمة... سحب كاظم كفه من القبضة الباردة بسرعة.. ولكن ماكاد مهدي ينجرف مع تيار العابرين، حتى أخرج كاظم من جيب سترته زجاجة الكولونيا؛ الرُقيَة التي تلازمه وصب منها قطرتين على كفيه، وفركهما، ثم صب عدة قطرات منها انطلق شذاها إلى خيشومه فتلذذ به وفرك كفيه ثانية، وفجأة انتبه إلى مايفعل، أعاد الزجاجة بسرعة إلى جيبه، خاشياً أن يكون هناك من رآه وهو يعقم يديه)) ص 58و59.

وهذا النموذج النخبوي يطرح نموذجاً معادياً بل عدوانياً بالمفهوم السيكولوجي) ضد النماذج الأخرى وهو نموذج، إضافة إلى ذلك، إسقاطي يسقط محتوياته الداخلية من شعورية وفكرية على نقائضه.

يحب أن أصوره على غير ما يتوقع، بورجوازياً يجعل من الإنسانية قناعاً يخفي به خوف طبقته من الانهيار نشأ في أحضان النعمة، ويرى الحضارة من منظور غائم فيخشى فيه على الحرية خشية أهل الترف، وينسى أن ضرورة الخبز تفوق كل الضرورات الأخرى، يكفي أن أدعوه بورجوازياً لتنهار القمة الصغيرة التي يتمتع باعتلائها))،ص59.

ويكفي أن نعرض الجزء التالي من الحوار الذي يدور بين المتصارعين للدلالة على الحالة الإسقاطية: وليد أنت حققت ما تريد من كسب مادي؛ أفلا يكفيك ذلك؟ بمجرد اقتنائك هذه السيارة مثلاً أنت إنما ترمز إلى انصرافك عن الكثير مما كنت تتشدق به في الماضي عن ضرورة الكفاح والصراع إلى آخره.. هذه السيارة القديمة المقرقعة إذن أصبحت عنوان الترف والانصراف عن الكفاح والصراع؟... تماماً)).ص60.

ويتقرر في النهاية أن هذه القيم الإسقاطية ناشئة عن هزيمة في الحياة، ويصور الخطاب ردّاً على هذه القيم والسلوك العدواني، ويرجمه بالبراهين التي تدينه، عارضاً جميع المقاييس التصنيفية التي تزيح كل عنصر إلى معسكره وتصنفه في فصيلته الإنسانية اعتماداً على سلوكه الفعلي وليس على سلوكه الفوهي، والمقاييس هي أولاً فعل الممارسة للحرمان والمعاناة، وثانياً العلاقة بأصحابها وثالثاً فعل النضال من أجل التغيير؛ النضال الحقيقي على مستوى العمل والإنجاز: مسكينة القيم كلها حين لا تصدر إلا عن هزيمة في الحياة نشأت أنت في عائلة تتمتع بدخل مضمون، وبيت ذي غرف عديدة وخدم تقارن نفسك بي، أين نشأت أنا؛ في قصر من قصور أوهامك، ولاشك... تتشدق بالكلمات أناسٌ مثلك سيغيرون المجتمع؟ تغيره وأنت قاعد على جُحرك تلوك أحقادك الصغيرة وتغازل إخفاقاتك المتوالية؟ كم فقيراً عرفت في حياتك؟ كم يوماً جعت وعريت، كم مظاهرة خرجت فيها؟ كم قنبلة قذفت بيدك؟ كم قرية درست أحوالها الاجتماعية كم نفساً تعيل....))ص60 و61.

ويجري الفصل لدى ممثل القيم الإسقاطية بين الواقع كسلوك فعلي وبين الفكر الذي وجد في أصل التكوين من أجل خدمة هذا الواقع: أنا لا أعيل أحداً، لأنني جعلت من كل عزيز علي ضحية في سبيل مبادئي)).ص61.

إن المبادئ لدى هذا النموذج قضايا مجردة، وهذا ثابت في سلوكه الذي عرضناه سابقاً ويؤكد هذا مذهب الخطاب في الرد:ما الذي تعرفه أنت عن الكفاح والصياح والوقوف عارياً بين الذئاب، الكلمة عندك منفصلة عن الفعل والإرادة منفصلة عن التنفيذ، معرفتك بالحياة بدأت نظرية وبقيت نظرية، لم تعرف يوماً قرص الجوع ولم تعرف رعدة البرد عندما يهاجمك الشتاء وليس لديك سوى دشداشة واحدة، دشداشة قطنية مرقعة واحدة تكاد لا تغطي خصيتيك))ص62.

- إن منتج الخطاب في قراءته لوعي المجتمع وبخاصة وعي الفئة التي يفترض أن تدير الوعي وتقوده، يقوم بعملية راصدة توثيقية دراسية لا تقتصر على التوثيق الأدبي الجمالي، وإنما تتعداه إلى البحث في فحوى العلاقات الاجتماعية وهذا الوعي الاجتماعي يشي بقدرة تحليلية عميقة ونافذة إلى جوهر الأشياء، متكئاً إلى قدرات معرفية متنوعة متعددة المصادر وإلى حقول علمية ضرورية للكتابة الروائية، وهذا لا يعني أن الكتابة هدف في ذاتها؛وإنما جاءت ضرورة حتمية من المعارف التي يحتويها منتج الخطاب ومن علاقته المصيرية المستقبلية التي تعني طموحه في الفعل في مستقبل الأمة وفي مستقبل العالم.

من الحقول المعرفية مثلاً التي يستعين بها في دراسته للعلاقات الاجتماعية وفهمها من سياقاتها وأطرها ومسبباتها ونتائجها وأهدافها علم الاجتماع) وكذلك يستعين بعلم النفس)، وهذا سائد بكثرة في رواية البحث عن وليد مسعود) إذ نرى مريم الصفار) مثلاً نموذجاً نفسياً مهماً للدراسة السيكولوجية) في أحد جوانبه، وكذلك فإن هناك شخصية رئيسية مهمة في الفعل في مسيرة الخطاب هي الدكتور النفسي) طارق رؤوف ونجد كثيراً من التحليلات السيكولوجية في أثناء الرواية.

وكذلك لابد من المتكأ الأيديولوجي في الفعل الروائي وفي البحث الاجتماعي ذاته الذي رأينا علاقته الوطيدة بالأيديولوجيا)؛ لأن المجتمع يتكون وفق أيديولوجيا) أو أيديولوجيات) ونعرض النص التالي في سبيل توضيح المتكآت المعرفية التي يستخدمها الخطاب الأدبي الروائي: إنها من بقايا العهد العثماني في أقطار عربية كثيرة. ورغم انقراضها كقوة اجتماعية أو سياسة إلا أنها بقيت فاعلة كقوة نفسية خفية، كعاهة يخجل صاحبها من الإشارة إليها، تمدُّه بجبروت داخلي، وكون وليد قد نشأ نشأة مسيحية لا يقلل من أهمية ذلك بل يزيد الأمر تعقيداً عليه فهو يبدو أنه لا ينتمي إلى أية أرض مئة بالمئة، ولا ينتمي إلى أية طبقة مئة بالمئة، غير أن أحاسيسه الفروسية التي قد تكون لا واعية بالنسبة إليه، بعد أن دفع ارستقراطيته إلى أبعد مايكون عن ذهنه ووعيه، كابتاً إياها كما يكبت الطفل مشاعره الجنسية على الطريقة الفرويدية تدفعه إلى تبني الأرض وتبني الطبقة، ولكن على نحو فردي بل أوتوقراطي) مليء بأحلام رومنسية، نعرفها جميعاً من مطالعتنا عن القومية الألمانية أو الإيطالية في القرن الماضي، والبورجوازية التي تطمح دائماً إلى احتلال مكان الطبقة التي تعلوها تتبنى أفراد هذه الطبقة وتحتضنهم؛ لأنهم دون علم منهم يخدمون أغراضها بالضبط)) ص67.

بعيداً عن الدلالات الأيديولوجية للنص السابق نجد الشمول المعرفي الذي يتناول به منتج الخطاب الظواهر الاجتماعية، وهذا ما يسوغ لدارس الخطاب عند جبرا أن ينتهج في مقاربته كثيراً من المناهج ويستعين بحقول معرفية متعددة ومتنوعة.

 من السلوكات التي يعرضها الخطاب بعض الممارسات الاجتماعية الاجرائية التي تعد من مفردات القيم الاجتماعية السائدة والتي تقودها القوانين العمياء:مسعود يابن فرحان اسمع يابن فرحان، والله يارجال ما أخليها توصل الكنيسة بكرة.

- عيب ياخميس لازم تفرح بعرس أختك)) ص 97.

هذا السلوك الاجتماعي التقليدي في معارضة الزواج التقليدي أيضاً حالة خطابية قد تكون رصداً عابراً ليس ذا أهمية كبيرة في مسيرة الخطاب الاجتماعي. ويشير الخطاب، كما فعل في صيادون)، إلى التحولات الاجتماعية التي طرأت على بعض الأشكال الحضارية المتعلقة بالقضايا الاجتماعية كالتغير الذي طرأ على لباس العربي مثلاً والتغير التقني الذي رصدناه في مبحث الذات والآخر، وكذلك المدينة والهجرة من الريف...

كان ثمة عصر وانقضى كلما عاد ذهني إلى العشرينات وتذكرت كيف تحول عاشق الحصان إلى سائق سيارة، كيف هجر القنباز ولبس البنطلون- أرى النقطة التي تحول عندها الزمان))ص101.

ويصور الخطاب مشاهد اجتماعية من حياة الطبقة الاجتماعية يصور فيها سلوكاتها في التعامل مع القضايا الإنسانية والاجتماعية والسياسية، الطبقة التي تعقد مؤتمراتها الفارهة في قصور وحدائق منعزلة عن العالم الخارجي كأنها تعيش في كوكب آخر، وهذا ما رأيناه في توجه عامر عبد الحميد) سيد الحفلات الأرستقراطية الذي أشاد عالمه المتطور المتقدم وسط عالم الفقر والنفايات والخرائب وتحفل حياة هذه الطبقة بالدسائس وقصص الخيانات الزوجية والأمراض النفسية والأسرار، من هذه السلوكات مثلاً الخلخلة الاجتماعية في الحياة الزوجية لمريم الصفار التي تخرج عن علاقتها بزوجها لتفتح عالمها الجنسي على جميع الرجال عناصر الرواية) وهذه الطبقة مزدوجة الوجود؛ مظهر براق وحياة مستقرة، أما في الجوهر فالجحيم الإنساني هو الذي يحكم تلك العلاقة:سيارة لهشام، وأخرى لي، خادم ومربية وطباخ، وفلاح، وإجازات في لبنان، وأحياناً في إنكلترا، أما باطن الحساب فقد كان من  نوع آخر: توتر صامت فيما بيننا، أخذ يشتد إلى أن انفجر، كلما اشتد انخراطنا في حلقة عامر عبد الحميد، اشتد إحساسي بأنني تزوجت رجلاً لايهمني بين الرجال كانت ردود فعله عصبية، تتحول فجأة إلى العنف والتهديد بأنه سيقتلني، أو أنه سينتحر، وأكثر من مرة استعمل قوته العضلية فيَّ ضرباً وأخذني اغتصاباً، جعلت أنفر من لمسته حتى من صوته وأكره اقترابه الجنسي مني....))ص207.

وانفصلت عنه للمرة الأخيرة ثُمَّ تمَّ الطلاق بأن تنازلت عن الصداق والمؤخر وتنازل هو عن حصته في البيت)) ص 235.

إن عناصر هذه الطبقة يستطيعون الوصول إلى القيادة الاجتماعية كأنهم يحملون في ذواتهم مواهب خاصة للوصول على الرغم من أنهم لا يتمتعون بأي مزية تجعلهم جديرين بالوصول إلى ذلك: أي كفاح كافح أبي ليعين وزيراً في الخمسينات؟ أي فكر قدّم أي صراع عبّر عنه)). ص282.

ويوضح بعد ذلك الخطاب سلوك هذا الرجل الذي وصل إلى الوزارة:الأقانيم الثلاثة التي لا يشغل أبي غيرها: الحديقة التي يمضي  منذ ثورة 1958 معظم وقته في العناية بها وهي على حد قوله، الشيء الوحيد الذي تعلمه عن فولتير، ويستجلب لها من أقطار شتى أنواع الأبصال والورود، صحته التي يتصور دائماً أنها مهددة بأمراض من كل نوع، ونشاطه السياسي منذ ثورة العشرين وهو ابن ثمانية عشرة عاماً حتى آخر مرة استوزر فيها عام 1957))ص 287.

وتتواصل السلوكات الاجتماعية البورجوازية الانحرافية إلى أقصى مدى لها في المشهد الذي يسلكه هشام زوج مريم في تعامله المزدوج الذي يحمل تناقضاً صارخاً مع القيم الاجتماعية فهو مدير دائرة يكشف علاقة جنسية بين أحد الموظفين الكبار بفتاة موظفه لديه، يحاكم هشام هذه العلاقة تحت إشراف قانون أخلاقي صارم وقاسٍ ويلقي خطاباً أخلاقياً في مرؤوسيه الذين يجتمع بهم، حول الواجب وحول التقاليد والاحتفاظ بها، ولكنه في الخفاء يمارس العمل ذاته وتكون له علاقة جنسية على فراش زوجته مع امرأة أخرى من موظفاته:دعاني إلى اجتماع المدراء في دائرته لبحث قضية أخلاقية خطيرة: فقد تبين أن لأحد الموظفين الكبار علاقة جنسية، أو هكذا قيل، بعد التّحرّي، بفتاة شابة موظفة لديه، كان السيد هشام في الاجتماع المغلق قاسياً جداً على كل من تُسوِّل له نفسه بالعبث بالأخلاق: هؤلاء الخارجون على تقاليد هذا الشعب الدَّاعون إلى الإباحية المستغلون سذاجة الفتيات... يجب معاملتهم بأقصى الشدة، يجب سن القوانين لتغريمهم وإقالتهم وسجنهم لاجتثاث جراثيم الفساد من المجتمع... جيدٌ جداً ولكنني أعرف ماحدث، مساء ذلك اليوم بالذات.. ذهب السيد هشام إلى البيت... أرسل زوجته إلى لبنان فهي بحاجة إلى الراحة.. وأرسل ابنته عند جدتها.. توجه نحو التلفون وأدار القرص.. وأجابه صوت نسائي.. وبعد نصف ساعة... دخلت كراج البيت سيارة فولكسواكن.. وخرج إليها صاحبنا مسرعاً وأخذ بيد المرأة النازلة من السيارة واقتادها إلىالمنزل.. في غرفة النوم أراها الكاميرا الجديدة التي سيهديها إياها إنها بولاورويد) تلتقط صوراً ملونة وتظهرها في الحال.. وأخذت تتعرى قطعة قطعة وهو يلتقط لها صورة بعد أخرى ويريها إياها رائعة هكذا استديري قليلاً ارفعي نهديك... نشطي حملتيك.. في صباح اليوم التالي استؤنف الاجتماع لاتخاذ قرار أخير... الفساد يستشري في بدن المجتمع، لابد من قانون صريح يعالج ذلك، الأسرة في خطر من مثل هؤلاء الفاسدين الذين يجعلون من الفجور  بديلاً لسنن الحياة القديمة، وفي عصر ذلك اليوم بالضبط كانت ربة العشق في منزلي تروي لي ما حدث لها مع هشام في اليوم السابق، وأروي ما أقاله لنا عن سنن الفضيلة))ص 317 و318 و319.

إن هذا التناقض الاجتماعي صورة صارخة مأساوية للحال المتردي المهترئ الذي سيطر على المجتمع، والخطاب إذ يطرق هذا الباب فإنّما يعي خطورة هذا التناقض وهو يذكّر بالتناقض الذي صورته صيادون) في حياة المجتمع، هذه اللقطات البارعة الناجحة لجبرا تمنح الخطاب أهمية إضافية وتجعل من منتج الخطاب أهمية تطويرية تقدمية  إضافة إلى قيمته الأدبية، بل تهبه قيمته الأدبية من خلال معالجة  هذه القضايا؛ لأن الخطاب الأدبي يزداد جمالية وأهمية عندما يتكئ على الخطاب الأيديولوجي أو يقترن به.

ومن هواجس الخطاب أيضاً البحث في القضاء على القيم العليا وسيطرة الشر على المجتمع والعالم وعدم الاكتراث المتعمد واللامبالاة القاتلة) بكل شيء، فالمجتمع يحارب كل قدرة مبدعة وفاعلة لأنها في عرفه تشكل خطراً كبيراً على ضوابطه وقوانينه ويحارب الحب أيضاً.

ينقضُّ المجتمع عليك، متجاهلاً عبقريتك الفنية كلها)) ص331.

لماذا يسخط المجتمع على فكرة الحب؟ لأن الحب يحفز في المحبين كل الدوافع التي يخشاها المجتمع))ص147.

مشاهد المجتمع:

- المشهد الرئيسي الذي ينفتح عليه الخطاب، التناقض الطبقي، مشهد الفقراء، المشهد النقيض أمام المشهد البورجوازي السابق، ويصور الخطاب هذا المشهد بطريقة تعاطفية، يغوص مرة في بحث تاريخها القديم ومرة يصوره بؤسها ومعاناتها: الفقراء يملؤون الطرقات والأسواق حركة وصياحاً. فينامون على الأرض في بيوتهم القديمة المتهافتة، يضحكون كالمردة ويبكون كالمردة يصلون إيمان، ويخرجون إلى الطرقات والأسواق أيام الأعياد مستبشرين متناسين العوز والثياب المرقعة والأمهات الكادحات الضاحكات الباكيات، كنت أريد أن أغير شيئاً ما عميقاً في الأساس من الحياة، تنتابني رعشة داخلية لذيذة إذ أتخيل العالم يتغير، يتزحزح يتلون ليس كما يغيره السياسيون بل كما يغيره المتمردون الذين لم يعرفوا بعد النظريات وتخطيط الانقلابات؛ لأن التغير الذي يتطلعون إليه لا يتصل بمجرد تغيير النظم وصراع الطبقات))ص177.

هذه الرؤية الحُلُميّة في تغيير واقع الفقراء مردها إلى الحلم النبوي في قلب سيرورة الواقع وخلق واقع بديل مطابق للحلم الغيبي المتكئ إلى أساس ديني مرتبط بالقدرة الخارقة التي تستطيع تغيير العالم؛ لذلك يأتي التساؤل حول هذه القدرة طبيعياً بعد ذلك؛ لأنها لا تقوم بالفعل ولأنها المطمح الوحيد الذي يحقق الحلم في التغيير، وهذا التساؤل رأيناه كثيراً في خطاب جبرا وفي خطاب كثير من الكتاب وأخص الفلسطينيين) منهم مثلاً عند سميح القاسم في "إلى الجحيم أيها الليلك"، وعند سحر خليفة "في الصبار وعباد الشمس" وفي "مذكرات امرأة غير واقعية" إذ يطلق الفلسطيني تساؤله المطلق في وجه الغيب متسائلاً عن الذنب الذي ارتكبه ليصدمه العالم ويوجده على الحاله التي هو فيها، وذلك نظراً لخصوصية وضع الإنسان الفلسطيني: ألم يكن لله أن يجعل جنة السماء يومئذ ملكاً للأرض، ملكاً لأمهاتنا المتسربلات بالفساتين الزرقاء والحمراء، ملكاً لهؤلاء الفلاحين والإسكافيين والنجارين، لهؤلاء الذين يبيعون العنب والبندورة، وفيهم أنفة الأمراء وكبرياء الملوك؟... غير أنني بقيت على تصوراتي المبهمة وإحساسي بأن في جبالنا قوى تستطيع تغيير العالم)) ص 180.

ويستمر الخطاب في معالجة هذه القضية ضمن وعيه الخاص لم يَرْقَ إلى البحث عن حلول حقيقية واقعية يفصّل في مفرداتها ويوصف الوضع الاجتماعي لمجموع الجماعات الفقيرة بادئاً بالعمق التاريخي مشيراً إلى بعض القضايا المهمة وهي سلطة ممثلي الدين) على الحياة الاجتماعية مقابل الفقراء الذين لا يملكون إلا حجارة منازلهم وبعض أشجار الزيتون التي لا تغني، وذلك يؤدي إلى نتيجة اجتماعية خطيرة هي الهجرة والتغرب.

رأيت بلدتي إذ أخذت تتململ، تتثاءب وتتمطى وتستيقظ ضمن حقائقها البسيطة رغم كونها محصلة قوى تاريخية ودينية واجتماعية قديمة تسير في خطوط متعددة ونيئة، الكثير من الأراضي تمتلكها الكنائس والأديرة، ولكن ثمة بضع عائلات تمتلك بعض حبلات الزيتون في الوديان المحيطة، وكروماً لا تدر أكثر مما يستهلكه أفراد العائلة...

وكان الملاكون  الصغار أنفسهم على حالة من الفقر كثيراً ما تدفعهم إلى الهجرة إلى أقطار أمريكا الجنوبية ليعملوا في بيع الأقمشة... وكان هناك من هم أشد فقراً، قد يمتلكون داراً مهدمة وحاكورة أو اثنتين فيها بضع زيتونات وأشجار رمان ولوز، وكان يليهم نزلاً في طريق الفقر فئات لا تمتلك شيئاً مطلقاً: عائلات كان العهد العثماني بمظالمه الكثيرة وفوضاه التي التهمت حقول الأفراد والجماعات معاً قد اقتلعها من أراضيها ودفعها إلى التنقل والهجرة))
ص 180 و181.

ينتبه الخطاب إلى بعض الأسباب التي أدت إلى الوضع الراهن للمدينة فالحركة التاريخية التي تخضع للقوى المسيطرة كالقوى الاجتماعية والقوى الدينية والقوى السياسية المتمثلة بالحكم العثماني، ولكنه يُسقط السبب المهمّ وهو الصراع الطبقي الذي يتمخض به المجتمع وهذا التجاوز من الخطاب يكاد يكون متعمداً، لأننا نجد المعالجة منفصلة، فهو عندما يعالج أمراض المجتمع البورجوازي يفصلها كلياً عن قضايا المجتمع الأخرى خاصة عن المكمل الطبقي الفقير المسحوق وقد أعانه على هذا الفصل طريقة السرّد التي اعتمدها في تقسيم العمل إلى فصول روائية تتمتع باستقلالات نسبية.

ويضاف إلى الأسباب السابقة تدخُّل الفعل الطبيعي العفوي الذي تقوم به الطبيعة كالزلزال الذي وقع في فلسطين:شهدت الزلزال وأنا طفل في السادسة لقد خضَّ الأرض كما لو خضتها ريح رهيبة)). ص178.

نستطيع أن نقول في النهاية إن مجتمع البحث عن وليد مسعود) لا يخرج في إطاره العام وفي أفق معالجته عن الخط التصويري والتعبيري والشعوري الذي ينتظم كلية الخطاب عند جبرا.

الخطاب السياسي:

مشاهد سياسية: لا تعدو الإشارات إلى الخطاب السياسي بالمعنى الإجرائي كونها مجموعة من الأحداث السياسية وبعض المواقف السلبية أو الإيجابية وينحسر هذا السياسي هنا لأننا قمنا بدراسته في مبحث الذات والآخر.

يبدأ الخطاب مقولة هي سلوك الإنسان العربي اليومي الذي يعبر فيه عن كبته وخوفه من السلطة الخارجة عنه وهذا السلوك هو محاولة التخفي في فعل أي شيء حتى الكلام.

عندما رأيتُ لأول مرة وكنتُ في أول الشباب، جماعة من الناس يتحدثون، ثم يتلفتون حولهم مذعورين ويسألون: هل سمعِنا أحد؟ أصابني الهلع، أهكذا نخاف أن يعرف الآخرون ماذا نقول؟ ومع السنين نعتاد التلفت المذعور))ص 14.

إن هذه المقولة لا تقتصر على مستوى السلوك وفي المجال السياسي وإنما تنسحب على المستويات الأخرى كالمستوى الاجتماعي، وكما رأينا فيما سبق من الروايات نجد في البحث عن وليد مسعود) مستويين للحديث السياسي أولهما المستوى العراقي:هكذا كان عصر ذلك اليوم من عام 1957 الذي رأيت فيه أحوال العراق، جمال عبد الناصر، حلف بغداد....))ص 80.

ويصور الخطاب كما في صيادون) ولكن ضمن مساحة أضيق مظاهرات الطلاب بطريقة إخبارية:وكنا في الموقف في السراي لا نزال نردد مانحفظ من أبيات الجواهري:

والهمس جُرْمٌ والكلامُ حرامُ

 

فالوعي بغيٌ والتحرر سبة

ومُطالِبٌ بحقوقهِ هدّامُ))

 

ومُدافعٌ عمّا يدينُ مخرِّبٌ

ص 310.

وتعود المقولة التي رأيناها في السفينة إلى الظهور في البحث)، وهي أنّه عند قيام الثورة في بغداد كان بعض المثقفين يعيشون في الغرب وفي أمريكا وكانوا يشاركون في الثورة بالمظاهرات في أماكن وجودهم، لكننا نجد اختلافاً هنا في البحث) حيث يكون الهدف من وراء الاشتراك في المظاهرات والقيام بخطف الطائرات، والنضال ليس الفعل النضالي بمعناه الإنساني من أجل استرداد الحقوق والدفاع عن الحرية وكرامة الإنسان؛ وإنما هناك غرض آخر مناهضة القائم:كم مرة في لندن مشيت مع المتظاهرين وأنا لا يهمني بالضبط ما الذي يتظاهرون بشأنه إنهم ضد شيء ما قائم، وأنا ضد كل شيء قائم، فلأضف صيحتي إلى صيحاتهم لو رضي الفدائيون لكنت معهم كلما أرادوا اختطاف طائرة، ولكنهم يقولون: إنني متقدم في السن ولا يصدقون أنني في أيار 1968 إذ كنتُ في باريس أحاول أن أكمل صفقة تجارية رحتُ أشارك الطلبة في مظاهراتهم الكاسحة الجنونية)) ص 340.

- مجتمع عالم بلا خرائط)؛ اللامجتمع):

إذا ناقشنا العناصر الاجتماعية المكونة لمجتمع الخطاب في هذه الرواية في ضوء العنوان عالم بلا خرائط)؛ نجد أن المفترض الدلالي الذي يؤديه العنوان هو غياب الحدود التي تحدّ العالم بكل مكوناته الاجتماعية وغير الاجتماعية، وهذا يعني أن غياب الحدود التي تشكل المجتمع هي غياب المعالم الأساسية للمجتمع، والنتيجة غياب المجتمع، وإذا فحصنا الرواية في ضوء هذا المفهوم فإننا نجد نوعاً من التوافق والتوازي بين مفهوم العنوان ومضمون الخطاب الاجتماعي؛ لأننا لا نجد مجتمعاً بالمعنى الحقيقي. وإنما نجد شخصيات تطرح رؤى وأفكاراً ومقتراحات.

1 - السلوكات الاجتماعية: يعرض الخطاب بعض السلوكات التفصيلية في الحياة الاجتماعية كسلوك الرجل نحو زوجته في إطار الظلم الاجتماعي التقليدي السائد؛ إذ تقوم المرأة بكبرى التضحيات من أجل الوصول إلى الرجل الذي تريد، ولكن الرجل يقوم بالاستغناء عنها والتخلي بعد كل ما قدمته من أجله:كان أبوك يحب أمك، لكن أهلها زوجوها لرجل آخر وكان ذلك الرجل تاجراً غنياً غير أنها لم تستطع البقاء معه أكثر من ستة أشهر، اضطر بعدها لأن يطلقها وبعد مشاكل وتعقيدات تزوجت أباك، قاطعت أهلها وحاربتهم وكان أبوك فقيراً لكن قوياً، ولما فتح الله عليه بدل أن يشكر الله ويجازي أمك على التعب والفقر والعذاب بدأ وأنت تعرف الباقي))ص37.

إن هذا الموقف ثنائي الحدّ السلبيّ، فالزّواج الاجتماعي التقليديّ: الرجل الغني ثم العذاب والطلاق مشهد سلبي من مشاهد الحياة  الاجتماعية، والمشهد الثاني هو غدر الرجل الذي أحبته وعادت أهلها من أجل الزواج منه.

ويعرض الخطاب إلى ذلك بعض السلوكات الاجتماعية التي تعتمد الخرافة في تغيير العالم وتحليل مجرياته فالعمة نصرة) عمة علاء تقوم بدور المتنبئ بكل مايحدث لعلاء والمستغرَب أن الروائيّ منتج الخطاب يحاول إقناع القارئ بأن جميع تنبؤات نصرة) تتحقق كأنها ضمير الخطاب، وقدرته الخارقة، وهذا مرفوض في خطاب واقعي كتب في مرحلة سادت فيها الحاجة إلى مزيد من العلمية والموضوعية وكذلك فإن هذه الطروحات لا تتسق ومسيرة الرّواية نفسها، غير أنه يمكن أن نسوغ للخطاب هذا الطّرح إذا كانت شخصية العمة نصرة) شخصية رمزية أي وضعها الكاتب لتكون رمزاً ليس أكثر.

أحسست شيئاً لزجاً دافئاً يتمدد إلى جانبي على السّرير قفزت مرعوباً ونظرت، كانت حيّة سوداء لم أرَ في حياتي واحدة بحجمها وقبحها.. الله سبحانه وتعالى، نجّاك الله من التالية، قالت إنها تعرف أن عدّواً يرقد في سريري وأكدت لي أنها صرخت وأحرقت بخوراً وضربت بجُمع يدها على ظلّ تكثف أمامها وبقيت فترة غير قصيرة خائفة))ص 107.

- السلوك الآخر الّذي يشكّل سائداً اجتماعيّاً، ربما يكون مردّه إلى حالة  سيكلوجية) إضافة إلى حالة اجتماعية؛ وهي الشعور بعقدة النقص أمام السلطة والحكومة إلى حد الخُصاء:صفاء لم يُحب السياسة في يوم من الأيام، كان ينظر إليها نظرة هي مزيجٌ من الخوف والاحترام العميق والكراهية... يتصبّب عرقاً وهو يُثبت العلم في ساحة المدرسة في عيد الدولة، ثم ما صار يبديه فيما بعد من مودة مبالغ فيها تجاه كل ما يمتُ إلى السلطة، حتى موظف الماء والكهرباء باعتبارهما ممثلين للسلطة كان يتعامل معهما بمودة زائدة، ويبالغ كثيراً في الثناء على أعمال الحكومة...

دون أن يحسّ به أحد قلت له ذات مرة، وقد دقَّ شرطي بابنا يسأل عن جار مطلوب للمحكمة: هذا مجرد شرطي إصرارك على دعوته ثم ذهابك معه إلى قرب بيت الجار غير مناسب، قال: إنه ممثل الحكومة وأنت تعرف معنى الحكومة ألا تعرف))ص 114.

- ويعود الخطاب قليلاً إلى تصوير الموقف الاجتماعي الذي اتخذه عدنان طالب) في صيادون) حين ترك طبقته، وذهب ليعيش في الأحياء الفقيرة، ليساعد الفقراء وينام جائعاً كي يقوم بإطعام بعض الفقراء، وفي
عالم بلا خرائط) يتكرر هذا المشهد، ولكنه عارض إذا ما قيس بمشهد  صيادون) وأقل عمقاً من معالجة الخطاب إياه في هذه الرواية: يتحدث عنه، إنساناً، نام المرات الكثيرة جائعاً لكي يساعد الفقراء، وكيف أنه دخل السجن مرة من أجل أصدقائه ومرة دفاعاً عن رجل مظلوم))ص 157. ويبدو أن
عدنان طالب) كان في ذهن جبرا وهو يتحدث عن هذا الإنسان.

ويرصد الخطاب مجموعة القيم الاجتماعية السائدة وذلك ضمن اتساقٍ واندراجٍ تحت الرؤية العامّة التي ترى سيطرة الشرّ على العالم وكذلك على المجتمع:يرى النفاق والكذب والغش ويرى الذين يملكون الآلاف يسرقون من الذين لا يملكون شيئاً وبعد ذلك يذهبون للصلاة ويتظاهرون بالتقوى)) ص157.

وتعود أجواء وديع عساف) الناقمة على القيم الاجتماعية المتفجرة بشعور الغضب إلى عالم بلا خرائط): مات الصدق مختنقاً تحت رزم النقود، وتحوّل الديوك الفحول إلى خصيان: الكراسي، الحفلات، السفر، السفارات، وتلك الامتيازات التي كنا نأتي ننظر إليها أو نقترب منها غدت أحلاماً تراود الكثيرين ثم جاءت بعد ذلك أمور كثيرة: السلطة القوة، النفوذ، العقارات، لتقييم أهرامات ضخمة جديدة بدل تلك الأهرامات الشفافة التي طالما حلمنا بها وبنيناها في معاركنا وأقبية سجوننا)) ص 142.

وتسيطر على عالم بلا خرائط) خرائط اجتماعية غير إنسانية، لكن الخطاب يأبى تركها دون عرض الموقف النقيض والمحارب، ويمزج بين المواجهة الكلامية التي تتمثل بالشِّعر، وبين المواجهة بالرشاش التي تتمثل، بالمقابل المناضل، وتجعل هاتين المواجهتين في ذات واحدة. هي ذات أدهم) أخي علاء الدين نجيب) محور الخطاب، وهذا الحُلمُ في الشاعر الثائر المقاتل يتسق ويتوازى مع حلم جبرا ومطمحه في تحقق الشاعر الفاعل الذي يعدّ هاجساً يطمح إليه وقد رأينا في كثير من كتبه النقدية كيف تناول شعراء الفعل كعنترة) وعروة بن الورد) وعبد الرحيم محمود)... وكيف يصرّ في كل مساحاته وفضاءاته الإبداعية على أن يثبت العلاقة بين الفن والفعل وتحقيق الحلم وخَلْقه بالفنّ وقد أشرنا إلى هذه القضية في ماسبق، وأشرنا إلى أن لجبرا كتاباً يحمل عنواناً مهماً في الدلالة على هذه القضية الحلم والفن والفعل):

بقي أدهم بعيداً عن كل هذه الدسائس العائلية المالية على طريقته، رشاشه في يد، وقصائده الهجائية في معظمها في يد صراع التجّار) كان يسمّيه ويضيف جشع الطفيليين) وينصرف إلى شؤون الجبهة التي كرّس لها حياته)) ص 342.

ويبدو أن موضوعة النضال والحرمان من النضال، بمفهومه الفعلي، ذات دلالة نفسية عميقة في الروح الإبداعي لجبرا، لأنها موضوعة تتكرر منذ صيادون) إلى عالم بلا خرائط)، لذلك يمكن إرجاعها إلى الطموح الداخلي له، وتفسير هذه الظاهرة في ضوئه، ويبدو أن مطمح جبرا الواقعي لم يسمح لجبرا بذلك؛ فكانت هذه الظاهرة التعويضية في أبطاله وفعله الإبداعي، ومايدعونا إلى هذا التفسير هو الإصرار القوي على عرض هذا الفعل في كل رواية من رواياته، ففي السفينة) نجد العمل الفدائي الذي يقوم به وديع عساف) وصديقه الشهيد فايز) وكذلك في البحث عن وليد مسعود) حيث يقوم مروان ووليد باقتحام أم العين) ويقوم والده وليد مسعود) بعملية نسف شارع يهودي في القدس.

- إن الخروج من المأزق المأساوي الذي هيمن على الحياة الإنسانية العربية لا يمكن أن يكون في نظر الخطاب إلا بالحل الثوري بالعنف، وهذا وعي خطابي متطور، لأن العنف العدواني لا يمكن أن يزول إلا بالعنف المضاد المشروع الذي يهدف إلى إزالة العدوان وإعادة مسيرة الحياة إلى طبيعتها:هذه المأساة هل تطهّر نفس الناس أم تحطّمها؟ هذا الصدأ الذي يغلفه كل شيء حتى الروح، لا يمكن أن يزول إلا بالبارود أما التجارة التي استمرت بالقضية ثلاثين سنة أو يزيد فلا تنتهي إلا بحذف التجار والأوغاد واللصوص والمدعين)) ص188.

- وتبدو القيم الاجتماعية في عالم بلا خرائط) مبنية على أسس طبقية في بعض توجهاتها وعلى أسس عشائرية في أكثر الأحيان، ويتم الاعتماد على القيم القديمة اعتماداً كلياً في الحكم على سيرورة الحياة الاجتماعية خالي يحمل على كتفيه الماضي والقيم القديمة)).ص181.

القيم التي سوّدتها فئة المبطونين والدراويش والأغوات): لن أدافع عن قسوة البشر الذين راحوا، ولن أكون غبياً لكي أدافع عن هياكل الدراويش والأغوات، وأولئك المبطونين الذين اختبؤوا طيلة الفترة التي حارب خلالها البائسون والفقراء، الذين لا أسماء لهم حتى إذا انتزعوا الاستقلال وحرروا أرض الوطن، جاء أبناء الدروايش والأغوات والمبطونين لكي يعفروا وجوههم في اللحظات الأخيرة بغبار المعركة ويرفعوا أصوات الفقراء لكي ينتزعوا
كل شيء لأنفسهم)).ص94.

ويقوم الخطاب بتوصيف الحياة الاجتماعية في مدنه: "كانت الحياة عذاباً لا يرحم.... هكذا كانت في كل مكان في المطلة، في غسرين، وتفاريت وعين فجار، هنا في كل مكان حتى الذين سافروا، الذين استدانوا وباعوا كل مافوقهم وتحتهم لكي يؤمنوا ثمن تذكرة الباخرة، انقطعت أخبارهم وكثير منهم غرقوا في البحر، ماتوا من الجوع، ماتوا من القهر والذين لم يتيسر لهم ثمن بطاقة الباخرة، وظلوا كانوا ينتظرون الموت في كل لحظة كانت أياماً صعبة))ص 72.

 كما سنرى في مبحث الذات والآخر الرؤية الحضارية) يولي الخطاب أهمية كبرى لمسألة الهجرة؛ سواء في ذلك الهجرة الداخلية والهجرة الخارجية، وهنا ترجّح أهمية البحث في الهجرة الخارجية، لأنها ذات بعد مأساوي في حياة المجتمع العربيّ؛ إذ تحاول عناصر المجتمع البحث عن الحلول والخلاص فيكون الخلاص من العالم الماثل إلى العالم الآخر ضمن رحلة يوليسيزية) مع فارق أن يوليسيز) قد عاد من بحر ضياعه، أما أبناء الوطن المهاجرون فيتمون هجرتهم إلى المجهول واللاعودة ويترافق هذا التصوير المأساوي مع تصوير ذاكري لمعارك السفر برلك) التي كانت لها نتيجة، لم يتعرض لها المجتمع البدائي، كارثة على الرغم من أنها من فعل الإنسان) تظهر وكأنها فعل غيبي قدر لا علاقة للإنسان به، ويتحول الخطاب إلى دراسة الحالة الاجتماعية دراسة عرقية):مثل الغربان لم يبقوا مثلما كان أجدادهم، ولم يعرفوا أن يكونوا مثل أهل المدن، إن القبائل في عمورية من الكثرة والتداخل إلى درجة لا يمكن عندها أن يضع الإنسان فاصلاً بين قبيلة وأخرى، كما أن هذه الفواصل لا تعني شيئاً لأن معظمها وَهْمٌ، سوف يَنْظُرُ إليها الآخرون بكثير من الهزء والسخرية، فالحياة في حركتها الجديدة وقوانينها الجديدة لا تترك مجالاً لأحد لكي يتوقف، ولو للحظات، لكي يقول: إن قبيلة كذا انحدرت من فلان، وكان أصلها كذا، ولذا فإن الحياة يجب أن تكون كذا))ص180 و181.

وهذا التحليل لفحوى الظاهرة الاجتماعية يتوصل إلى فهم آخر جديد لنمط الحياة الحديثة، وبخاصة مجتمع المدينة الحديثة التي لم يعد فيها مجال للبحث عن الأعراق والأصول ولم تعد هذه العناصر الاجتماعية مهمة في تجديد العلاقات الاجتماعية وفي سَنِّ القيم: عمورية الآن تقوم على أسس جديدة: المال وتداخل العلاقات الشخصية)).ص 181.

 



[1])  السفينة تطرح منذ البداية اسم لمى عبد الغني ثم تكشف بعد ذلك أن اسمها منقوص وهي تنتمي إلىعائلة الحمادي.

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244