|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:34 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
- الخطاب السياسي: يتحول الخطاب ذاكرياً في أرجاء الزّمن السياسي العربي ولكن هذه الأرجاء لا تتسع لتشمل مساحة كبيرة من الواقع السياسي، ولا تغوص في عمقه لترصده وتحلله من جميع جوانبه، ولا يخرج الخطاب المتخيل عن موازاة الواقع، ومن مفردات هذا الواقع المظاهرات التي كانت تقوم في بغداد ضدّ الأحلاف العسكرية الأجنبية كحلف بغداد مثلاً:أوقفتني الشرطة لاشتراكي في مظاهرة ضد الأحلاف العسكرية الأجنبية وبقيت في النظارة ثلاثة أيام))ص85. وهذا يستدعي الحديث عن القمع السياسي الذي تمارسه السلطة ضد الذين يعترضون على إرادتها التي تسعى إلى بيع الوطنية وإلى تمكين المتسلط الأجنبي من السيطرة على الوطن، ويستدعي أيضاً تصوير النضال ضد هذه السلوكات الخيانية التي تسلكها الحكومة التي يفترض أن تكون وطنية:في أواخر الثلاثينات، وطوال الأربعينات، برز من أسرتنا شاب يدعى شهاب... وقد برز عن طريق مقالاته النارية في جريدة المستقبل التي أسسها بالتعاون مع بعض أقرانه وجعلها لسان حال حزب صغير استقطب يومئذ عدداً كبيراً من المثقفين الشباب))ص 204. ثم تقوم الشرطة بعد ذلك بإعدام شهاب بتهمة التآمر على أمن الدولة أما اللقطة المهمة التي يلتقطها الخطاب في سياق معالجة السياسة هي هزيمة حزيران 1967 ليصور مدى تأثير هذه الهزيمة على الشعور العربي وفتكها في ضميره:حياة الناس في أوائل ذلك الصيف الحزين عام 1967 غدت الصورة أكثر وضوحاً، كنتُ مخطئاً، لأنني كنتُ بعيداً عن عمورية في ذلك الصيف، كنا نرى وهناً في الابتسامات الساخرة في الأسئلة الجارحة، في طريقة التحية، لا أبالغ إذا قلت: إننا تحولنا إلى مجموعة من المتسولين العاجزين ننتظر الآخرين وهم يراقبوننا، لا زلت أتذكر كيف اضطرت إلى المرابطة في غرفتي ثلاثة أيام متوالية، لا أريد أن أرى أحداً ولا أدع أحداً يراني كنت، كطريقة لتعذيب النفس، آكل الخبز اليابس، أو على علب اللحم الفارغة.. كنت أخاف من عيني بواب العمارة، من سؤاله أو من ابتسامة بائع التبغ)) ص187. مايلفت النظر مرة أخرى هنا كما يحدث دائماً في خطاب جبرا أن الأحداث السياسية الكبرى سواء السلبي منها والإيجابي تحدث بينما يكون المثقف خارج وطنه... وتأتي إدانة المدينة من خلال تحميلها مسؤولية الأحداث السياسية السلبية في الحياة السياسية العربية، وهذه الإدانة مضمرة في جميع أنحاء الخطاب سواء السياسي والاجتماعي والحضاري وهذا الإضمار في عالم بلا خرائط) يأتي من خلال محاولة إعطاء المدينة بعض العذر بطريقة ساخرة:ليس من حقي أن أدين المدينة فأقول:إنها لم تكن موجودة عام 1948 وأنها لم تستطع أن تصل عام 1967، وأنها لم تقتنع عام 1973، لا أريد أن أقول هذا؛ لأنه ليس دقيقاً، ولأن المدينة، الضجة، الإذاعة، والصحافة بعض القطع العسكرية الرمزية، كانت موجودة، أو حاولت أن تكون موجودة في أعماقها كانت المدينة غانية، ولعلها ماتزال كذلك، إنها تشعر بنوع من الاستقرار والثقة وتحاول أن تتهرب أو تؤجل الكثير من الأمور لعلها تنام، ليلة وتقوم فتجد كل شيء وقد وجد حلاً له)) ص381. الاجتماعي والسياسي:المجتمع الرمزي) في "الغرف": لا نستطيع أن نتحدث بجرأة) في رواية الغرف الأخرى) عن مجتمع ما، بل إننا لا نجد مجتمعاً فيها البتة؛ لأنها نَحَتْ في معالجتها منحى رمزياً حُلمياً ولم تتناول المجتمع بالمفهوم الإصطلاحيّ السائدوإنما خلقت اجتماعاً) بشرياً تصادفياً) عرضت من خلاله مقولة الاغتراب الإنساني بشكل هشّ إذ لم يكن الهدف من ورائه مقولة خطابية ما وإنما كانت محاولة تجريبية في عامل الشكل الروائي) الحديث. مُجْتَمع المثقفين - اختص جبرا ابراهيم جبرا في خطابه الروائي بخلق عالم اجتماعي من المثقفين اقتصر في رؤيته للعالم ومعالجته إياه على هذا المجتمع المفصول المجتزأ من عالم المجتمع الأكبر الكلي، لذلك نستطيع أن نقول: إن العزل الاجتماعي لهذه الفئة خارج السياق الاجتماعي سياق الكلية الاجتماعية) زاد في اغتراب العمل الروائي الذي يتناول في الأصل عناصر اجتماعية مغتربة، ففي صراخ) نجد أمين سماع) وجميع الذين يشاركونه الفعل الروائي فئة مثقفة تقود العملية الثقافية وتحدد رؤية المجتمع وتشيد البناء الأعلى في المجتمع، من خلال خوض صراعات فكرية حول مفاهيم اجتماعية وجمالية وسلوكية معينة ولكن مجتمع صراخ) يعد مجتمعاً ضئيلاً في مستوى المعالجة والرؤية والاتساع، وإذا انتقلنا إلى صيادون)؛ فإننّا ننفتح على تنوع في آفاق المجتمع الثقافي المتصارع ربما يكون التنوع الأكثر بين روايات جبرا جميعها وذلك لوضوح التباين بين العناصر المتصارعة ولجعل الصراع بين الأفكار في الخطاب هدفاً رئيسياً وليس عنصراً مساعداً أو تكوينياً دافعاً، أما السفينة) فتبحث عن خصوصية معينة، الهدف الأكبر فيها الامتداد إلى معالجة الصراع بين القيم؛ قيم السائد الاجتماعي وبين قيم الطارئ الثقافي؛ لأن الصراع داخل الفئة المثقفة يخفت عنه في صيادون) ويتحول إلى حوار بنائي غرضه التجريب والبحث والتساؤل أكثر الأحيان وينتقل ليحاور الغيب ويطرح عليه وعنه بعض التساؤل وفي البحث عن وليد مسعود) نجد الصراعات الثقافية صراعات فردية ليس أكثر، فعلى الرغم من الوهم الذي يسيطر على القارئ والخطاب نفسه والذي يوحي بالصراع العظيم المتباين بين طروحات فئة المثقفين في فهم العالم وفي البحث عن التغيير والخلاص) نجد بقليل من الفحص والتدقيق أن الأفق العام لأصحاب النظريات أفق مشترك، وليست التباينات كالتي رأيناها في صيادون) وإنما هي متجاورة ومتقاطعة، وينشأ الصراع من التباين الذاتي، والطبائع الفردية التي ترد إلى بعض القضايا الاجتماعية السيكولوجية) كالبحث عن السيطرة والحسد والبحث عن التنافس في وهم التناقض وفي عالم بلا خرائط) هذا العنوان الموحي الموهِم) يتشتت الصراع في ثنايا العمل الروائي ولا نستطيع القبض عليه ويتحول من صراع بين الأفكار إلى صراع داخل الفرد، صراع العوالم الثقافية والاجتماعية والسيكولوجية في ذات المثقف الفرد. تصبح معادلة الصراع في الخطاب وفق الترسيمة: صراخ) محاولة التأسيس للصراع الفكري صيادون) انفجار الصراع تنوعاً وتبايناً السفينة: تخصيص الصراع وتوجيهه وتحويله عن مساره البحث عن وليد مسعود) تآخي الآفاق الفكرية) الصراع الفردي الشخصي) والصراع في السلوك والجزئيات) انكماش الصراع وانحساره وتبئيره. صورة العدو العنف و مشروعية العنف المضاد ينتمي مفهوم العدو في معنى من معانيه إلى تجليات مفهوم الآخر) ويعدُّ واحداً منها، غير أن خصوصية العلاقة بين الفلسطيني وعدوه كعلاقة تَنَافٍ تامّ لابد فيها لأحدهما من أن ينفي وجود الآخر، ولا يمكن أن يلتقيا بالمعنى الإيجابي بل لا يمكن اللقاء بمعنى الالتقاء في نقطة الحياد أو نقطة الخواء أو التوازي أو التجاور؛ لأنهما نقيضان، والنقائض لا تلتقي إلا في الصراع أو في مواجهة الإفناء. إنها الإمكان الوحيد للقاء، وقد رأينا في الأدب الفلسطيني وفي الرواية الفلسطينية ذاتها محاولة لفحص بعض إمكانات هذا اللقاء. فقد طرح سميح القاسم في روايته) إلى الجحيم أيها الليلك)(1) بطريقة رمزية فرضية اللقاء بين العربي الفلسطيني رجلاً وبين الصهيونية امرأة وقام أيضاً بمحاولة عكس جنس طرفي العلاقة، فجعل الرجل صهيونياً والمرأة فلسطينية ولكنه، بعد عملية ترميزية عالية نصاً وخطاباً قام فيها "الليلك" اللون الرمز) بمحاولة خداع، توصل إلى استحالة مثل هذا اللقاء على الرغم من أنه اختار من الحتميات الإنسانية الجانب الأكثر قابلية على الإطلاق وهو الجانب العاطفي وعلاقة الرجل بالمرأة بالذات، ولكن الليلك في النهاية ينهزم وينتصر المنطق الطبيعي؛ منطق التنافي ويَضْبِطُ الفلسطينيُّ الليلكَ في لحظة وضوح ويرسله بعنف إلى الجحيم ويقرر سميح القاسم:أن العدوين المتجابهين هنا هما العرب واليهود هذا مايبدو على السطح لكن الجبهة أعمق بكثير وأكثر تعقيداً، هنا يدور القتال الحقيقي بين الليل والنهار... بين عناصر الزمن ومكوناته المتناقضة، بين الخير الذي في الإنسان والشر الذي فيه بين البناء والهدم والحب والكراهية))(2) . جاءت هذه الصورة التي حددها سميح القاسم صورة ناضجة واعية في مرحلة من استقرار الروع الفلسطيني ورسو الوعي فيها على قاع من الوضوح، وربما تكون إلى الجحيم أيها الليلك) ذروة وعي الذات في مسيرته نحو تحديد هوية العدو ووعيه وأقول ربما لأنني لم أستقرئ ماكتبه كاملاً لأستنتج ما استنتجت وربما تكون المرحلة الزمنية التي تبلور فيها إبداع "القاسم" هي المؤثر، لقد جعلت جميع ما تقدم في شكل مدخل لفحص رؤية العدو لدى جبرا في خطابه الروائي الذي عاصر جميع مراحل إيجاد العدو واقعياً، وعاصر العدو الصهيوني فنياً في أكثر رواياته بل فلنقل في جميع رواياته باستثناء "صراخ في ليل طويل" وذلك بسبب المرحلة الزمنية التي كتبت فيه وهي المرحلة التي لم يكن العدو بعد قد أظهر ذاته للوجود، أو لتقصير من منتج الخطاب. 1 - صورة العدو في "صيادون في شارع ضيق": يمكن القول: إن "صيادون" تشكل في خطاب جبرا استهلالاً خطابياً) فيما يتعلق بالعنوان المطروح للدراسة وهذا الاستهلال منحها خصوصية فحواها، تعدد مستويات التصوير، وعفويتها وصدقها الواقعي. يبدأ مفهوم العدو بالتبلور والتمظهر على أشكال متعددة أهمها: أ- العدو "الشبح"، الإرهابيون رسل الموت) ص20. أول تجل واقعي للعدو في "صيادون" يتوازى مع تجليات ظواهر العالم التي تكون في بداية تشكُّلها ظواهر مجهولة، فقد ظهر العدو الصهيوني مجهولاً غيبياً في مستهل الرواية، بعد أن توافد عدد كبير من اليهود إلى فلسطين واستوطنوا في مناطق كثيرة منها بمساعدة الجيش البريطاني وتآمره على العرب الفلسطينيين وتواطئه مع اليهود، وبدأ اليهود الصهاينة يشنون هجمات إرهابية مكثفة ضد القرويين الفلسطينيين والأهلين الآمنين حتى أن الجيش البريطاني نفسه لم ينجُ، في مرحلة متأخرة من هجمات الإرهاب الصهيوني وكانت المذابح أهم علائم الجريمة الصهيونية:كان الإرهابيون اليهود يقتلون البريطانيين، وكانوا ينسفون دوائر الحكومة ومعسكرات الجيش ونوادي الضباط)) ص17. لقد كان هذا قبل قرار التقسيم بعد أن كانت الأمم المتحدة قد اقترحت تقسيم فلسطين إلى شطرين صمم الإرهابيون على تحقيق ذلك التقسيم الدامي فأخذوا يلقون براميل الـ TNT) في الأسواق ويقتلون خمسين شخصاً كل مرة)) ص17و18. وبعد ذلك أخذوا يوجهون أنظارهم نحو البيوت العربية الجميلة). لقد ظهر العدو في هذه المرحلة ظهوراً طيفياً شبحياً لا وجود له ولا اسم)) ص19. ولكن الذي له وجه واسم وعدد هو الضحايا الذين لا حول لهم ولا يملكون أمام هذا العدو إلا الخوف ونحن نرتجف من الخوف)) ص20. وكان القرويون العرب يذبحون في الظلام الغادر على أيدي رجال لم يروهم من قبل))ص20. في مقابل ذلك العدو المتخفي المسلح لم يكن أمام الشعب إلا المحاولة اليائسة للدفاع عن النفس بالسلاح.البسيط البدائي والذخيرة النادرة:جاء الثلاثة أو أربعة من الناس بمسدسات قالوا إنهم سيحمون بيوتهم بها، وعرض علي أحد القرويين بندقية "ماوند" ألمانية قديمة ومعها خمس رصاصات فاشتراها أخي ولم يكن أي منا قد أطلق رصاصة في عمره))ص18. كانت مجموعة من المتطوعين غير المنظمين أو المسلحين تحاول أن تصد الاكتساح الذي تقوم به قوة شديدة التنظيم حسنة التسليح عديمة الرحمة))ص20. ب - العدو: الذئبية، الثعلبية) الثنائية اليهودية الأزلية: اليهود كائنات عجيبة تجيد بإدهاش لعبتها الأزليةتخفي الذئاب بجلود الحملان)). فقد بدؤوا بالاحتيال على الشعب الفلسطيني بمسيحييه ومسلميه ومحاولة السيطرة عليه من خلال معتقداته وظهر عدد من البعثات التبشيرية بعثات أمريكية ماهرة تتحدث عن حب عيسى للمسيحيين والمسلمين على السواء)).ص140. ولكن الناس الذين لا يمكن أن ينخدعوا، لوعي فطري فيهم لإيمان راسخ بحقهم وتاريخهم وحضارتهم استطاعوا أن يفهموا هذه المناورات الاستعمارية وظهر اليهود على حقيقتهم، فهؤلاء المبشرون ماهم إلا صهاينة مقنعون يتجسسون على أحوالنا ويدعون بطريق غير مباشر لجمع شتات اليهود في أرض الميعاد)).ص141. وقد قام اليهود بمقاومة هذا النوع من العدو، لأنه نوع يشكل خطراً من القتل والتهجير: فقد ضرب اثنان منهم ضرباً مبرحاً))ص141. وليس هؤلاء على درجة من الذكاء تجعلهم قادرين علىتمرير خدعهم ومخططاتهم لأن دعواتهم مكشوفة سافرة فأحد هؤلاء الذي زار شقيق جميل بطل الرواية) في بيته يدعو إلى العودة بتنبّؤات حزقيال حتى ولو أدى ذلك إلى موت الألوف من غير اليهود)).ص141. وهذه الدعوة ليست إلا فصلاً من فصول التلمود) أو بروتوكولاً من بروتوكولات حكماء صهيون). جـ - نُفاةُ الحضارة: على الرغم من التراكم الحضاري البشري الذي جعل الإنسان يتوصل إلى أرقى درجات سلم القيمة، فإن العدو الصهيوني قادر بسهولة فائقة على الارتداد إلى الطفولة الحضارية البدائية بالمعنى الهمجي السلبي وقادر على أن يستخدم هذه الهمجية أيضاً لأن يلغي الزمن المتكدس في ذات الإنسان العربي ويؤجل قيمه التي بناها في خبرته عبر تراكم الزمن وفي لحظة واحدة تقوم هذه المجموعة الهمجية بقوتها العمياء بإلغاء شعب له مقوماته وآفاقه الحضارية وتطلعاته ووجوده الحتم في المستقبل، ويسلبه كل مدخراته الإنسانية ومنجزاته التي تمنحه صفة شعب وتهبه صفة موجود، لذلك صورت الرواية حالة الشعب الفلسطيني الذي جعل الصهاينة شعباً تجمعاً بشرياً يبحث عن حاجاته الأولية إذ تحولت المسألة إلى مسألة حاجات أولية يساق فيه الشعب بالتدريج إلى حيث بدأ الجنس البشري حيثما بدأ الزمن))ص24. ولهذا أصبح التفكير منصباً على البحث عن مخرج للقضية التي أصبحت في خطر، فلم يكن هناك سوى العودة إلى مرحلة الصيد))ص24. ولذلك ظهر العدو أيضاً مصدر تخلف وداعياً إليه، لأنه من الطبيعي أن الهم الأكبر للعدو أن يبقى خصمه ضعيفاً ومتخلفاً لكي يستطيع السيطرة، فقد سعى العدو الصهيوني إلى استغلال جميع التناقضات الداخلية واستغلال جميع الدعوات والأفكار التدميرية وتبنيها، وهذا العدو مهتم بأن تكون الأمة العربية كليّاً تسعى في أقصى طموح لها إلى الصحراء. فالصهاينة يتمنون لو نعتقد نحن بأن علينا أن نعود إلى الصحراء)) ص99. لم يتجسد العدو في ساحة المواجهة بالمعنى الحقيقي، مواجهة الصراع، صراع التنافي، فالعدو نفسه لا يسعى إلى الصراع وجهاً لوجه لأنه غير قادر عليه، وإنما اكتفى في مرحلته باتباع الأساليب التي تضمن له تحقيق أهدافه دون أن تكون هناك مواجهة، إلى جانب أن الشعب الضحية غير قادر أيضاً على هذه المواجهة في خلال الظروف التي يعيشها وقد جاءت صورة العدو تصويرية استنتاجية. نجحت "صيادون" في تصوير الرؤية الواقعية للعدو في مرحلته التاريخية تلك، فجميع أقطار الوطن العربي والفلسطينيون خلال هذه المرحلة لم يكونوا قادرين على تحديد تصور واضح للعدو وعلى تحديد لقدراته العسكرية والبشرية والتقنية، وإنما بقي التصور وهمياً. إن هذا الرصد الواقعي لواقع القضية الفلسطينية في منحى من مناحيه كان نتيجة لمعاينة حقيقية معينة ليست مستمدة من مصادر فوق الواقع لذلك كانت صادقة، بمعنى الصدق الواقعي. 2 - العدو في السفينة: اقترب تصوير العدو في السفينة من التأريخية) بمعنى الذِّكر الإخباري التأريخي وجعل الخطاب نوعاً من التوثيق يظهر أهمية أخرى للخطاب على المستوى التاريخي، لكن جبرا كي يخرج من هذه الوثائقية التي قد تنأى بالعمل الأدبي بعيداً عن طبيعته) حاول اختصار الوثائقية وترميز الواقع بحدث روائي تطغى عليه الروح العاطفية وروح المواجهة المباشرة التي لم تحدث في "صيادون" هذا الحدث يظهر بداية المواجهة الفعلية بين الفلسطيني والعدو إذ يقوم وديع عساف)) و صديقه فايز)) بوساطة رشاش كان في سيارتهما مع بضع قنابل يدوية بمواجهة مصفحة يهودية)) ص62-63، يستشهد خلالها فايز)) ممثلاً باستشهاده البطولة الوطنية في مشهد يبرز العنف المضاد في وجه العنف العدواني وتعد السفينة استهلالاً نوعياً لعملية المواجهة بمحاولة افتتاح صراع العنف وإنتاج العنف التحريري. - أمام انفتاح إرادة العنف المضاد هذه وبعد وضوح العدو وفهم الخصم إياه ظهر العدو في مستويين متراسلين قيمياً فيما بينهما: المستوى الأول: الوحش اليهودي، تسيطر في هذا المستوى الصورة الشبحية الطيفية، على تصوير الخطاب للعدو الوحش الذي التهم أجمل نصف في أجمل مدن الدنيا "القدس")). وتشكل الصورة هذه استمراراً تراسلياً لما رأيناه في "صيادون" بسبب التداخل التاريخي بين "السفينة" و"صياون" ومايميز وعي السفينة الإضافي على وعي "صيادون" يمكن أن يرد إلى الوعي المتطور لرؤية الكاتب وإدراكه لعمق الصراع العربي والفلسطيني) الصهيوني وإلى المخاطب الذي ينفتح عليه النص إذ كان أحد مرامي الخطاب في "صيادون" التوجه إلى الآخر) فكتبها بالإنكليزية وصاغها وفق المرامي الأيديولوجية لمخاطبة الآخر، وكان المرمى الرئيسي في السفينة التوجه بل الانفتاح، كما سنرى، على الذات الفردية والجماعية). ولكن الصورة السابقة، لا تستمر حتى النهاية، وتتبدد لتظهر مكانها المواجهة: ففي أوائل أيار عام 1948 كانت القدس الجديدة ساحة قتال بين العرب واليهود ولم يكن الجيش اليهودي قد غادرها، وإن كان قد ترك الأمر للعرب واليهود متظاهراً بالحياد التام وكان المجاهدون العرب، قد ضمنوا السيطرة على البلدة القديمة قد تمركزوا في بضعة أحياء من المدينة الجديدة))ص60-61. - الغدر اليهودي البريطاني: العدو اليهودي البريطاني): كان من المقرر أن ينسحب الجيش البريطاني في الخامس عشر من أيار من عام ثمانية وأربعين وتسعمئة وألف لتدخل الجيوش العربية من الجنوب والشرق والشمال، وتنتهي مهمة تطهير القدس وبقية فلسطين في أسبوعين أو ثلاثة)) ص61. لكن اليهود كعادتهم وتنفيذاً لمصلحة البريطانيين في فلسطين ولتظل المنطقة تحت السيطرة الاستعمارية، حاكوا مؤامرتهم وبدأ الجيش البريطاني في الصباح الباكر من اليوم الرابع عشر من أيار [تحركاته وأخذ] يخرج بسياراته ومعداته، ويتحرك قبل موعده بيوم واحد..[لقد كان] الجيش ينسحب ويسلم المدينة الجديدة لليهود، خطوة خطوة تحت حمايته، [وكان] الزحف اليهودي من كل اتجاه يملأ الفراغ الذي يتركه الإنكليز في أعقابهم)).ص 61-62. العدو في "البحث عن وليد مسعود" - يتراجع العدو في "البحث" كما في الواقع عن كونه الفاعل الوحيد القوي المتغلب دائماً ويقوم العنف المضاد المشروع) بمحاولة نفي العنف العدواني غير المشروع) وتحدث المواجهة هنا بين كيانين لكل منهما قوامه وهيكله، فالعدو منذ "صيادون" ينشئ ذاته ويقويها ويحتل وينفي الآخر ويلغيه، وتحولت الضحية لتكون فاعلة تشكل ذاتاً تستطيع المبادرة والفعل لذلك حل العنف المضاد التحريري) محل تصوير العدو المنحسر. يقوم مروان وليد) بمجموعة عمليات آخرها اقتحام قرية أم العين) هو ومجموعة من رفاقه وتكون الأخيرة ملحمة الاستشهاد(3) . ويعتقل وليد مسعود) بعد عشرين عاماً من قيامه بنسف شارع بن سوميخ) ثم بعد اختفائه يلتحق بصفوف الثورة الفلسطينية، وأمام هذا التكتل للمقاوم لم ينتف العدو ولم تستطع الجبهة المفتوحة أن تلغيه أو تسيطر عليه فهو لم يزل موجوداً قوياً يضرب ولا يهرب). ليس لشجاعة فيه وإنما اعتماداً على وحشية وعلى وسائل البطش التي زوّد بها لينفذ إرادته العمياء:ضربني نصري بالحجر على وجهي، لأنني كسبت منه خمس بيضات ملونات يوم العيد الكبير ولكنه ضربني وهرب، هنا لا يهربون يضربونك ويقفون على رأسك، لأن يديك مقيدتان، وشعبك مقيد)). ص244. هذه المفارقة الإنسانية في عالم الفلسطيني أصابته بصدمة إنسانية هائلة جعلته يتساءل بغضب وبجنون حول إنسانية هذا العالم، ولكنه لم ينهر ولم يسقط في غمرة السقوط وإنما بقيت روحه المقاومة حتى آخر لحظة في حياته فقرر أن يعود للالتحاق بالثورة والنضال. إن الانتقال إلى العنف المضاد) إن الفعل يعد تطوراً واضحاً في تسلسل أحداث القضية، وقد بدأت القضية تتعقد وتتخذ أبعاداً لا تقف عند حدود صراع طرفين متناقضين عدوين بوضوح: معتدٍ ومعتدى عليه ولكن بعض التدخلات طرأت على وضوح العداء بين الطرفين ليس من الجانب الضحية) وإنما من جانب المعتدي، تشير الرواية إلى مثال على هذا، إن في صفوف العدو جزءاً تحوّل إلى العداوة قسراً لا اختياراً، فبعد أن يُجلد وليدمسعود لا يستطيع العدو إدانته بما يتهمه به ويقرر إبعاده، يخاطبه أحد الجنود الإسرائيليين) بلهجة عراقيةويبدو أنه من اليهود العراقيين الذين هاجروا إلى فلسطين): بعد ساعتين سنتركك، أتذهب إلى بغداد، فنظرتُ إلى وجهه إلى عينيه كانت حزينتين جداً))، ص 248. إن هذا المظهر الجديد في بنية المجتمع) الجديد المقام بالقوة العمياء والقرصنة واللصوصية ذو دلالة مهمة وكبيرة على مافيه من تناقض وتنافر وتمايز بين المجموعات التي تشكله، وقد قصر الخطاب في عرض هذا الموضوع تقصيراً واضحاً فليس فيه إلا هذا المثال وليس هناك من مسوغ لذلك. نتائج: 1 - اتخذ تصور العدو وتصويره في خطاب جبرا منحى تطورياً خطياً في منحى التصوير ابتدأ فيه الخط زمنياً بـ "صيادون" وانتهى بالبحث عن وليد مسعود: 1 - لقد كان العدو طاغياً في ظهوره الفاعل في "صيادون" يصوغ المصير الحضاري والمستقبل لطرفي العلاقة علاقة الصراع، ولكن السفينة تنمي في هذه العلاقة طرفها المقهور وتنقله إلى المواجهة وتحول إيجاد الصراع الفردي على صراع متبادل، أي انتقال الصراع من صراع إيجاد العدو ونفي للفلسطيني إلى صراع وجود للطرفين وتناف فيما بينهما ويعد التطور في السفينة تطوراً إيجابياً لصالح الطرف الفلسطيني، مع الانتباه إلى أن السفينة خلقت المقاومة على شكل مصادفة فرضتها على وديع وفايز. وتتطور هذه المقاومة لتصبح ثورية بالمعنى الدقيق موجهة منظمة تكون فيها المواجهة فعلاً إرادياً خاضعاً للمبادرة المنظمة المخططة وفق أسس علمية وموضوعية في البحث عن وليد مسعود)). 2 - تظهر الضحية الوطنية على مستويات ثلاثة أيضاً ففي "صيادون" كون الضحية غير فاعلة وهي مسالمة لا علاقة لها بالعنف أياً كان نوعه، مثال على ذلك يمكن أن نطرح: ليلى شاهين التي أحبها جميل فران) وحمل يدها المبتورة في ذاكرته كانت ضحية وطنية، رمزاً لشعب نكل به وقُتِلَ دون أدنى ذنب، يمكن أن ندعو هذه الضحية النبوية). وفي منحى التطور تعرض السفينة الضحية الوطنية بطلاً وطنياً يستشهد في المقاومة ويستطيع مع رفيقه قبل استشهاده الفعل في العدو وإسقاط كثير من القتلى الأعداء القتلة، والفعل هنا مزدوج: المقاومة حتى الشهادة أولاً، وهي قيمة للفعل بل هي فعل في ذاتها والتأثير في العدو وهو الفعل الثاني، بل الجزء الثاني المتمم من الفعل. ويبلغ مدى تصوير الضحية ذروة المنحني في "البحث عن وليد مسعود" حيث تكون بطلاً وطنياً مبادراً يقوم بتكرار العمل الفدائي المنظم ويؤثر بقوة في العدو ويشكل رمزاً فلسطينياً للمقاومة. 3 - العدو في "صيادون" عدو مزدوج البريطانيون واليهود) حيث يظهر الاستعمار البريطاني متآمراً مساعداً للصهيونية على إقامة دولتهم واحتلال فلسطين، يتحول هذا الجزء من العدو في السفينة إلى ماسنبحثه في مفهوم الآخر مع أن مرحلة السفينة التاريخية لا تخلو من الحالة الاستعمارية وإن كانت أكثر الدول العربية في هذه المرحلة نالت الاستقلال، وكذلك يغيب الأمر عن البحث عن وليد مسعود)، وتتحول القضية إلى مايمكن أن ندعوه الصراع الحضاري بين الذات والآخر. 4 - بين "صيادون" و"البحث عن وليد مسعود" ينحسر دور العرب في المواجهة ولا يظهر العرب في المقاومة إلا في " صيادون" ممثلين بجيش الإنقاذ ولكنهم بعد ذلك يغادرون ساحة الحسبان المقاوم في الخطاب. 5 - انتقل الصراع من فاعل واحد في "صيادون" يصوغ المصائر المستقبلية إلى محاولة الفعل في السفينة، إلى الصراع بمعناه الحقيقي المتبادل أي انتقاله من صراع إيجاد ونفي إلى صراع وجود للطرفين. 6 - اتسم التصوير بالتوازي بين الخطاب والواقع وذلك بنسبية مامع بعض التقصير غير المسوغ في تصوير العدو وذلك سعياً للتوازي التام مع الواقع. الوطن الكبير : العجز الكبير يعرض الخطاب هذه المقولة وفق خط بياني يبدأ بالواقعية التاريخية التوثيقية في "صيادون" وينقلها في الرواية نفسها إلى الواقعية النفسية التي تصور الخيبة والخذلان من عدم قدرة الجيش العربي جيش الإنقاذ على الفعل) في حرب عام 1948، وتضع الفلسطينيين في حصار الأرض وعلى صعيد روحهم ونفسهم الحضاريتين، يمكن بعبارة احترازية أن ندعو هذه المرحلة من الخط البياني مرحلة الاكتشاف، اكتشاف العجز في الواقع العربي. إن فصل معالجة هذه المقولة في الخطاب عن سياقها الروائي في "صيادون" يفقدها الانتماء التاريخي للواقع ويجعلها مجرد حادثة ورد فعل)) ويقصيها خارج الفعل التاريخي لذلك علينا أن ندرسها ضمن سياقها في الرواية التي كانت افتتاحية الخطاب فيها تصويراً للواقع الاجتماعي والحضاري للمدينة العربية مرمزاً ببغداد وقد رأينا في دراستنا للاجتماعي والسياسي)) مدى التخلف والتردي في هذا الواقع لذلك لم يأتِ تصوير العجز مدهشاً؛ لأنه من حتميات مفرزات الواقع، لقد مهد الخطاب لهذه النتيجة ولم يبدأ بعرضها مباشرة؛ لأن منزع الخطاب خاصة في رواية "صيادون" منزع موضوعي أكثر من كونه نفسياً. لقد أظهرت صيادون) الرواية الأقرب إلى واقع الحدث زماناً ومكاناً مأساة أخرى لعجز الوطن، ففي حين أن الجيش العربي جاء للإنقاذ شكل حصاراً عربياً ضد أبناء فلسطين، بعد أن كان الأمل معقوداً براية هذا الجيش. كنا نتخذ أمكنتنا في الأماكن التي اعتبرناها استراتيجية لصد العدو انتظاراً لمجيء الجيش العربي للإنقاذ...وطال الوقت وتتابعت المآسي واحتفظنا، رغم كل مخاوفنا، بقليل من الأمل، ولكن كل يوم يأتينا كان يأكل شيئاً من ذلك الأمل. قيل لنا: إن تلك كانت حرباً؛ أي مقلب لئيم، وأية نكتة دامية، كانت هناك جيوش، أجل، كان هناك مخططون، كان هناك وسطاء لكن النازحين من بيوتهم والمُقتلعين من أراضيهم تضاعفوا)).(4) كنا سجناء البلدة الصغيرة. فما دام طريق الشمال مقطوعاً باليهود فقد كان علينا أن نسير خلال طريق ملتوٍ... عبر الجبال القاحلة، ولكن إلى أي منطقة من الشرق كان يمكننا أن نذهب؟ فعمان عاصمة شرق الأردن ملأتها جموع اللاجئين، ومثلها في ذلك مثل دمشق وبيروت، وإذا ذهبنا جنوباً فإن المصريين الذين كانوا مايزالون يحاربون، سيمنعوننا من دخول مصر))(5) تتطور مقولة العجز في السفينة لتصبح ذات بُعْدٍ تفجيري على مستوى الشعور والإحساس بالمفارقة ويضفي عليها الخطاب أفقاً كونياً يتحول فيه الإندهاش الذي كان مفترضاً في "صيادون" إلى حالة قلق وتساؤلات ويأس وإحساس مرير باللاجدوى والعبث، يصبح الواقع معزولاً عن الشخصية لأنها اغتربت عنه، ولم تعد المقولة تناقش من منطق الوجود أو الوجوب، بل انتقلت لتناقش في الواقع النفسي وتحلل من منظوره، وتُصدر عليها الأحكام، وهذا التوجه في فهم العالم والواقع يبين الخصوصية السيكولوجية) للكاتب أولاً وللشخصية الروائية التي تمثل الشخصية العربية والتي تنزع إلى التأمل والتفجيرية واللجوء إلى أحد "الهروبات" وما فعلته شخصية السفينة، بل جميع شخصياتها هو الهروب إلى ملاجئ متعددة سندرسها في فصل قادم، ويشكل الإحساس بعجز الوطن الكبير العامل الأهم في انفصال الذات الفردية عن الواقع، لأن سقوط الجدار الأخير ذو أثر كبير إلى حد الجنون) في الذات، وتنبع أهمية هذا العامل من زعزعة قدرات العوامل الأخرى للبحث عن الخلاص ومحاولة حجب الثقة عنها في مرحلة من مراحل التاريخ العربي المعاصر، فالعامل الديني في الرواية أصبح موضع تساؤل وكذلك العامل الإقليمي ساقط بمجرد "التسمية" ولم يبق إلى العامل القومي "المتكأ الأخير" الذي أثبت عدم جدواه في النهاية. وتتحول المعاناة إلى أفق أوسع حيث تصل إلى يأس مطلق من كل قيمة ومن كل من يدعي أو يراوده حلم الحقيقة أو التغيير:في الواقع كل من يدعي أنه يقول لك الحقيقة، واحد من اثنين: إما أنّه واهم ولا يعرف، أوأنه كاذب على كل حال. وماهي الحقيقة؟ على كندرتك! قلنا الصدق حتى بحت حناجرنا، توهمنا الصدق في أمم العالم، وإذا نحن ضحية سذاجتنا. وقد عرفنا ذلك كأمة وعرفناه كأفراد)).(6) - في "البحث عن وليد مسعود" يقوم الكاتب بتجاوز مرحلي مهم لهذه الحالة البائسة في تصوير العجز ويبقى التجاوز في إطار المنتمى الفلسطيني لا يتعداه ويبقى العجز مخيماً على النفس الحضارية العربية ويُناط بالمنتمي الفلسطيني دوره الخاص الذي عليه أن يقوم به وهذا يتمثل بوليد مسعود) وبخليفته النضالي ابنه مروان) وإن كان العجز غير مذكور بالإشارة اللغوية المباشرة فإنه يظهر من خلال سيرورة الفعل العاجز في الخطاب ومن خلال الغياب الكامل عن ساحة الفعل الروائي. حاول جبرا تصوير الصعقة التي أذهلت الوعي العربي وأضافت بقعة سوداء أخرى إلى مساحة النور في التاريخ العربي لكن هذه المحاولة كانت مروراً سريعاً مروراً ذاكرياً، ووصفياً عادياً، في حين كان يتوقع من كاتب كجبرا مفكر يعي خطورة مثل هذا الحدث ويعي مدى الهزيمة الحضارية والاجتماعية التي ساقها إلى جانب كونه منتمياً بعمق وأصالة إلى هذه المأساة أولاً على المستوى الوطني الإقليمي وثانياً على مستوى الوطن الكبير، المستوى القومي) أن يقوم بتوجيه أكثر من خطاب) وأكثر من حديث) روائي وغير روائي، وذلك أيضاً، لأن جبرا نفسه، عدّ هذا الحدث الباعث الرئيسي إلى التحديث والحداثة في مواجهة التحدي القائم من جميع أطراف العالم ومن جميع اتجاهات التاريخ. الفلسطيني المولود القسري من تزاوج الوطن والمنفى: نظراً إلى أنّ جبرا إبراهيم جبرا فلسطيني منتم بالمعنى المزدوج للانتماء، أولاً الانتماء الوطني الطبيعي التاريخي إلى الشعب الفلسطيني وثانياً بالانتماء الشعوري الإنساني، لأنه عاصر المأساة الحضارية الفلسطينية في جميع مراحلها وكان ضحية إيجابية بين ضحاياها)، فإن قضية الفلسطيني ومأساته ذات طابع فجيعي خاص، غاب هذا الحس عن صراخ) مع أنها قادرة على موازاة الواقع زمنياً فالفترة الزمنية التي كتبت فيها فترة مهمة من فترات مأساة الفلسطيني شعباً وأرضاً وأفراداً، وكانت القضية في طور تشكلها الأول، وكذلك نشهد غياباً تاماً للفلسطيني وقضيته في الغرف الأخرى) وهنا تستفحل التبعة؛ لأن الفترة التي كتبت فيها الرواية هي اللحظة التاريخية التي نضجت فيها القضية وتعددت تمفصلاتها وتبلورت نتائج أقانيمها الكبرى منذ سنة 1948 عبوراً في حرب حزيران سنة 1967 وتشرين الأول عام 1973 حتى حرب حزيران عام 1982 ويمكن أن نُرجع هذا الغياب في روايتي جبرا صراخ) والغرف الأخرى) إلى طبيعة التأليف والمؤلف وتقنية العمل الابتدائية) في صراخ) وإلى طبيعة العمل الترميزية في الغرف). 1-الفلسطيني في "صيادون": العائذ بالمنفى: شخصية الفلسطيني في صيادون نموذج فردي بمعنى الشخص المفرد وكذلك بالمعنى الدلالي الأعمق تتمثل في جميل فران) الذي هاجر بعد حرب عام 1948 إلى بغداد وعاش هناك حياة متميزة في مجرياتها عالية المستوى الاجتماعي يعاشر الأسر الميسورة، أسر الطبقة السائدة ويدخل إليها عنصراً فاعلاً ويتحول إلى عنصر منتم بعد تفاعلات عاطفية وجنسية مع بعض نساء هذه الطبقة و ينسلخ) عن ماضية الطبقي الذي جاء إلى المنفى من أجله. الاكتشاف الشعوري الأول الذي يصدم الفلسطيني في المنفى الإحساس بالغربة عن المدينة التي التجأ إليها بغداد) لأنه متعلق بمدينته التي يحمل ذكراها وذكرى آلامها: هل أبهج من مشاهد المباني المجهولة والوجوه الغريبة أما أنا فقليلة هي البهجة التي شعرت بها وأقل منها الإثارة التي انتابتني في ذلك اليوم، الأول من تشرين الأول عام 1948، حين وصلت بغداد، لم يكن السبب أنني رأيت لندن، وباريس والقاهرة ودمشق لقد نسيت أسفاري كلها، ما عدت أستطيع أن أذكر ملامح أي مدينة في العالم سوى مدينة واحدة... أذكرها طيلة الوقت تركت جزءاً من حياتي مدفوناً تحت أنقاضها وسقوفها المهدمة وقد أتيت إلى بغداد وعيناي مازالتا تتشبثان بها القدس)) ص15. يأتي هذا الاكتشاف بعد توهم الانعتاق من عذابات القهر والإحباط في الوطن: هذا مكان للفرح تلك الأشهر من القهر والحبوط في الوطن)) ص31. وذلك ترف محض، هناك في وطني مليون من الناس يملأون مخيمات اللاجئين ويساورهم القلق على رغيف الخبز يأكلونه وقطرة الماء يشربونها)) ص99. هذا التعارض بين المستقر- نسبياً- وبين الوطن الذي يعاني حالة القهر والعودة إلى مرحلة الإنسان والاستقرار، وهو مشروخ أصلاً بفعل الكارثة الكبرى المأساة الإنسانية العظمى مأساة الوطن الذي سطت عليه الكائنات الهمجية وحولت أبناءه إلى مجموعات بشرية مشتتة تائهة تعبث بها حاجاتها الأولية وتتحكم بها دوائر تدعي الإنسانية: تم عدّنا وتصنيفنا من قبل الأمم المتحدة، وقد بدؤوا بإعطائنا مؤناً يوزع علينا بمقتضاها بعض الدقيق ومسحوق الحليب... أما الدقيق فخبزه أسود ولا لأولئك التعساء الذين لم يعطوا بطاقات مؤن، لأنهم غير مؤهلين تكنيكياً لأن يكونوا لاجئين.. فالتعاسة تصنف... مخيمات اللاجئين تتسع كل يوم فوق التلال. واليهود يتخطون خطوط الحدود باستمرار...)) ص140. ويقارن الفلسطيني بين معاناته فلسطينياً منتمياً إلى مأساته وبين معاناة أبناء الأقطار العربية الأخرى فيجد مرارته وحرمانه يتخطيان كل الحدود: ولا حاجة لأن تقول لي ذلك.. فقد عرفت مايكفيني من الحرمان ولكنه كان حرماناً من نوع آخر، شراً مختلفاً كل الاختلاف فرض إرداته)) ص42. ويستدعي الفلسطيني ذكريات وطنه في المنفى بطريق الحلم وتكون المشاهد المستحضرة مشاهد الحرمان والموت والقهر والذل: تلك الليلة حلمت أنني رأيت ليلى مرتدية عباءة سوداء كبنات بغداد كنت أتعارك معها يائساً طوال الليل)) ص42. ويتجول الفلسطيني بين المنافي باحثاً عن خلاصه المؤقت أو باحثاً عن ما يساعده في حفاظه على البقاء: ذهبت إلى دمشق حيث كان يجري تسجيل المعلمين الفلسطينيين لتوظيفهم في الأقطار المجاورة كنت أحمل شهادة من كيمبردج استطعت، بعد البحث والانتظار وطرق العديد من الأبواب العابسة، أن أحصل على وظيفة تعليمية في إحدى كليات بغداد)) ص27. يبلغ الفلسطيني حد الإشباع ويصبح ألمه قوة فوق جميع قواه التي يستنفرها من أجل الاحتمال والتصبر ويتفجر بأحاسيسه ومشاعره ويضيق المنفى بتناقضاته التي تضاف إلى معاناته التي لا تحتمل: لعنة الله على عدنان، لعنة الله على سلمى لعنة الله عليهم جميعاً دماغي يتحطم إلى مئة ألم، ليلى قتيلة وسلمى متزوجة، وسلافة بعيدة المنال، وأنا في منفى يحيرني ويعذبني)) ص137. ولكنه لا يستسلم لليأس ويحاول تحفيز كوامن روحه الداخلي ويتقمص حلمه في محاولة التغيير والبعث: ليست تعاسة، ليست تعاسة هنا إمكانيات للحياة والفعل، بل حتى التجربة الحِسية، يجب أن تكون عندي الإرادة لأن أصبحَ جزءاً من الحياة مرة ثانية، لأشارك في إطلاق سلافة، بل مليون سلافة ومليون عدنان من قوى العدمية والشر)) ص137. ويظل في قعر وجوده الروحي التساؤل؛ الذي يحلم به تحققه وجدواه: ولكن هل أنا نفسي طليق)) ص137. السفينة "البحث عن منفى جديد": * الفلسطيني العَائِذُ بالمنفى: يستقل الفلسطيني وديع عساف) السفينة هيركيولز) التي تنطلق من ميناء بيروت لتنقله من منفاه التقليدي حيث يعمل مديراً لشركة في الكويت وقد جمع أموالاً طائلة من استثماراته الضخمة) إلى منفى يتوقع أن يجد فيه خلاصه البحر جسر الخلاص) هذه المقولة التي تشكل الأساس الخطابي للسفينة. 1-العائذ بالحلم: ليس حلم الفلسطيني في منفاه حلماً اجترارياً أو حلماً يخلق بدائل تعويضية عن المفقود الوطن) بوساطة أحلام اليقظة التي تقتاتها النفس، بل هو حلم تغييري ينزع إلى إحلال المفقود وإعادته لأنه الوحيد الذي يحقق الوجود، ومهما يكن جمال العالم الخارجي: تحتنا تركنا جزءاً من حياتنا هبة، وعربوناً للعودة تخرج إلى العالم وترى الأشجار البواسق، والبساتين المنسقة والغابات الملتفة، ولكنها لا تساوي غصناً معوجاً واحداً من تلك الأشجار الغبراء المتباعدة في تلك الأرض الصخرية الحمراء التي تلقت قدميك كقبلة عاشق، وبانت كأنها تنتشر تحت جنبك إذ تضطجع عليها كأرائك الجنة، لعنة واحدة هي أوجع اللعنات: لعنة الغربة عن أرضك،... سل الفلسطينيين، سل الفلاح الذي يذكر تجرّح قدميه على تلك الأرض كأنه يذكر لذة حياته الوحيدة، كأنه يقول: إن حياته بعد أن أُبعِدَ عن أرضه، ما عادت حياة، هذا البحر.. بحر فلسطين هذه الزرقة هي الشيء الوحيد الذي يلطف من غربتي كأنني أتصل بأرضي من جديد)) ص23. تعد مقولة الأرض) المقولة الأساسية فيما يمكن أن نسميه أدب القضية الفلسطينية سواء منه أدب الفلسطيني المنتمي) و المنتمي الفلسطيني) لكن خصوصية الحس بالأرض كانت أكثر بروزاً ووضوحاً وأكثر قدرة تعبيرية وعمقاً شعورياً لدى أدباء القسم الأول الفلسطيني المنتمي؛ لأن هؤلاء الأدباء عاشوا الفقدان الحقيقي الذي أفقدهم كل اتصال بالعالم، فقد قام غسان كنفاني في رواياته وقصصه برصد المفارقة الفلسطينية في أكثر تجلياتها بين المنفى والوطن، رصد النضال الوطني واقعياً وزمرياً في قصص كثيرة من قصصه، في رواية أم سعد) مثلاً وفي رواية ما تبقى لكم) وصور القدر الفلسطيني الموت) الذي يلاحق الإنسان الفلسطيني أينما حلّ في وطنه، ومنفاه، وهو يبحث عن منفى جديد، تجسد هذه الفكرة رواية رجال في الشمس) التي صورت مجموعة رموز) فلسطينية تبحث عن خلاصها في منفى جديد فإذا الموت الذليل) هو الخلاص، لأن الخلاص الحقيقي ليس في المنافي، وتجسد السفينة) هذه الرحلة برؤيتها الخاصة فتخلق خزاناً مفتوحاً السفينة) ليتم البحث عن مخرج، كان الكنفاني) قد أغلقه في خزان الموت، وقد قامت السفينة) بتقديم الأضحية) من أبناء المنفى فالح حسيب) وحافظت على الفلسطيني، لأنه معد لمهمة مستقبلية. رأينا في الفصل الأول أهمية المكان وعناصره في الروح الإبداعي وفي واقع الكاتب منتج الخطاب) وكذلك في مسيرة الخطاب وانبنائه على موضوعات مهمة، هي الهيكل الذي يقيم بنيان الخطاب، والأرض موضوعة، بل عنصر، أهم من جميع عناصر المكان التي رأيناها كالصخور والبحر) بخاصة إذا نبهنا وعينا إلى العناصر الصخور والبحر والمياه) عناصر ملحقة بالأرض وهي من مكوناتها فيزيائياً) وتُحَمَّلُ الأرض في المفهوم الترميزي الأدبي الحديث محمولات نفسية وفكرية وروحية، إضافة إلى كونها رمزاً نضالياً في عُرف الأدب العربي الحديث وأخص منه الأدب الفلسطيني نظراً إلى خصوصية الظرف السياسي للقضية الفلسطينية كما أسلفت لذلك نجد الأنواع الأدبية الحديثة جميعها خاصّاً منها الشعر قد تناولت موضوعة الأرض وجعلتها رمزاً شعرياً ثابتاً اطمأنت دلالات كثيرة من دلالاته وأصبحت كالمصطلح الرمزي تمتد إليه مرامي الشعراء، وكذلك نجد هذه الموضوعة سائداً أيديولوجياً) في كثير من الخطابات الروائية العربية، وقد أنشئت حولها دراسات متعددة متفاوتة في العمق والحجم. وتظهر مقولة الأرض) في السفينة ذات أفق نفسي يقوم بوظيفة العمود الفقري الذي يربط بين أجزاء الخطاب النفسي، وذات أفق ترميزي أيضاً يؤلف التبئير المركزي لمقولات السفينة الترميزية ذات الوظائف والمرامي الأيديولوجية: الأرض هي السر في حياتك مع لمى أو بغير لمى، ستجرك الأرض عودة إليها من جديد مهما فعلت أينما ذهبت، لمى هي التراب الزرع الماء، إنها الأرض مهما تصورت، مهما فشلت في الإمساك بها بيديك رغم كل فلسفاتها)) ص84. الأرض؟ قلت: تهمك لأنك نزحت عنها مكرهاً، ألا ترى يا وديع أن حرمانك ليس جنسياً بل أرضياً، المحرومون من المرأة لايكفون عن الحديث عنها، وأنت محروم من الأرض..)) ص84. ولكنني قضيت هذه السنين كلها مصراً على الخروج منها أعني الأرض أجمع الفلس إلى الفلس من أجل نور عينيها، أنا انتهت غربتي أو كادت، لقد نقلت أموالي إلى القدس واشتريت أرضاً واسعة في قرية قرب الخليل.. وسأتزوج حالماً أرجع، لكي أجمع بين المرأة والأرض)) ص84. على الرغم من الحرارة اللغوية والعنف الشعوري الظاهرين الذين يتوجه بهما وديع عساف) الفلسطيني نحو الأرض نلاحظ أن هناك هشاشة بل تميعاً عاطفياً في تعبيريته، إلى درجة الدنو من السذاجة الطفولية فكأن التعبير عن الرصد الشعوري الداخلي تأدى ضمن محفوظة لغوية جاهزة، وهذه المحفوظة جاءت نقلاً حرفياً لمقولات شعرية) رددها كثير من الشعراء وانتبه إليها دارسوهم علاقة الأرض بالمرأة) في روح الشاعر أو الفنان أو المبدع. ويتوضح حلم العائذ الفلسطيني بالعودة إلى الوطن على أي حال من الأحوال: أقسمت أنني سأعود. بشكل ما. غازياً أو متلصصاً، أو قاتلاً ولو قتيلاً على صخرة)) ص71. ويبدو أن وديع عساف) لم يتوصل بعد إلى الحل النهائي حل العودة ومازال يُناقش القضية من منظور مقلقل وهذا ما توحي به الألفاظ غازياً، متلصصاً، قاتلاً) فهل الذي يدافع عن وطنه ويناضل من أجل العودة يدعى غازياً أو متلصصاً أو قاتلاً؟ ويستحضر الخطاب الرصيد الثقافي لمنتجه ويتكئ إلى رمزية تناصية خطابية، يوليسيس) ومعاناته في سبيل عودته إلى وطنه: لابد لي من عودة إلى الأرض، يوليسيس كان أبرع منا في الإبحار والتجوال ولكنه مثلنا، إنما يهرب ليبلغ في النهاية ما يستطيع أن يغرز فيه قدميه ويقول: هذا ترابي، ألم تخبره الفاتنة، كالبسو، وهو في أمس حاجته إلى الراحة من وعثاء السفر وويلاته، بين البقاء في الجزيرة معها خالداً كالآلهة وبين عودته بشراً فانياً إلى أرضه؟ غير أنه رفض الخلود واختار العودة إلى أرضه، سترى مها ذلك ولا ريب؛ فلتكن جاكلين أو أية امرأة أخرى كالبسو) ثانية، الفناء مع الأرض في النهاية أطيب وألذ وأعمق... حالما ترى مها ذلك سينتهي الفصام بينها وبين ما أحب سيتحد الشقاق ثانية كما يجب أن يتحد. سأحملها إلى أرضي وأحرث كلتيهما)) ص225. يحقق الخطاب في هذا النص نجاحاً في استخدامه للتناص الملحمي) وفي أدائه الخطابي خاصة في المزج السيكلوجي) والروحي والرمزي بين الأنثى الأرض) والأنثى المرأة) ونجح لغوياً في استخدام الفعل أحرث). الوطن ذاكرة في المنفى: يحمل الفلسطيني وطنه، كما رأينا في مقولة الأرض، بين طيات روحه وفي كل خلية من خلاياه؛ لذلك تعاوده بين وقت وآخر ذكريات وطنه: إن الليالي قد تأتيني بذكريات من القدس فأحزن وأغضب وأبكي، كنت مرة في فندق في الشام عندما فوجئت بمثل هذه الذكريات فبكيت، ورآني رجل أعرفه، فجاء يسألني ما الخبر... فقلت أبكي على أبي وأمي وإخوتي، وما عدت أعرف الخجل)) ص18. وتستحضر الذاكرة بعض مفردات الحياة وأشيائها في الوطن: مياه حسبتها بحراً، ولم تكن أكثر من مجرد بركة تتجمع فيها مياه أمطار الشتاء خارج سور القدس- بركة السلطان- أقف على صخرة فيها انحسر الماء عنها وانظر إلى المريجات التي تخلقها الريح حولها في المياه الخضراء فأرى الصخرة تمخر فيها كما تمخرُ سفينتنا هذه المياه المتوسطية الزرقاء)) ص20. ما أقل ماكان يكفينا للمتعة تلك المشاوير في شارع يافا أو في متاهات الصخر والزيتون المحيطة بالمدينة)) ص22. الفلسطيني في التيه: يتحول الفلسطيني بين المنافي مغترباً عن إحساسه بمأساته وبأزمته الإنسانية الروحية وينتبه إلى ذلك فيحس بالمفارقة والخيانة والخديعة التي يمارسها، فيقوم ضميره بمحاولة ضبط تيهه الداخلي بالتبكيت وبسبب هذه الازدواجية: أكاد أشعر أحياناً أنني أخادع البشر، أو أخادع الله، إذ أستطيع السفر من قطر إلى قطر، ومن قارة إلى قارة، وأستطيع الاهتمام بما يجري حولي وأستطيع الضحك بملء حنجرتي كأنني مازلت واحداً من هذه الملايين التي لم تدخل الجحيم والتي لو رأت الأمر المدون على بوابته لارتعدت خوفاً.. أضعت أرضي في القدس، واكتسبت مكتباً للاستيراد في الكويت، نفيت عن جذوري وكوفئت على نفيي بالبيع والشراء)) ص39و40. بعد أن يدرس الفلسطيني وضعه في ضوء قانون الربح والخسارة يجد أن خساراته كثيرة وأنه لن يرضخ لهذا القانون: أنا مقامر عريق لا يأخذني البلف) بسهولة خساراتي كثيرة، ولكنني لا أقبلها لم أقبل إخراجي من القدس بالرصاص والديناميت، لم أقبل رؤية فايز يتضرج بدمه بين يدي، لم أقبل التنقل من بلد إلى بلد بحثاً عن لقمة عيش مزرية، عن سقف أقيم تحته أبي وأمي)) ص45. بذلك يتحدد موقف الفلسطيني من الواقع من العالم، الموقف الرافض ويتحدد الإنسان بموقفه النفسي المقاوم على الرغم من أنه في الواقع التنفيذي غير قادر على الفعل. الفلسطيني في "البحث عن وليد مسعود" الفلسطيني المُخَلِّص يتمحور الخطاب في هذه الرواية كلية حول الفلسطيني "وليد مسعود" الذي يُعْلن باختفائه وجودَه الرمزي) ويجعل جميع من حوله يبحثون عن أنفسهم في البحث عنه ويحددون مصائرهم وفق هذا البحث وقد يكون جبرا إبراهيم جبرا بالَغَ في هذا قليلاً أو كثيراً، وما يهمّنا هو البحث في موازاة الفعل الرّوائي للفعل الواقعي، وإذا بحثنا تفصيلات هذه الموازاة، فإننا لن نجد المبالغة المُتوهّمة في الرّواية بل الواقع أكثر الأحيان متقدماً؟ في مجرياته على التصوير الروائي مهما يحاول الامتداد الروائي أن يتوسع أفقياً أو عمودياً. * لذلك كله فإن كل شيء ممكن بخصوص هذا الرجل)) ص376 الفلسطيني، لأن واقعه الذي يعيشه مفتوح على كل إمكانيات العالم: الإمكانية الأولى: الفلسطينيّ المقاوِم- تفريعة أولى؛ العائذ بالحُلُم: تعود هذه المقولة للظهور في البحث) وقد رأيناها في السّفينة لكنّ ظهورها هنا يتخذ منحى مختلفاً حيث تتوضح معالم الحُلُم ويتوحّد متقدّماً عنه في السّفينة؛ فقد رأينا حُلُمَ العودة مرتبطاً بألفاظ غير نضالية وغير نبيلة في السفينة) عند وديع عساف) كالتلصُّص والغزو) ونراها هنا عند وليد مسعود رؤية نضالية يؤمن بها الفلسطيني ويؤمن بأن الفعل خارج الوطن بعد أن خرجت الحلول في المؤتمر التجريبي السفينة): أتمنى عندما يتحقق لي الفعل في وطني )) ص193. وهذا الفعل الحُلُم) الذي بنى جبرا خطاب الرواية كاملاً عليه بحث وليد مسعود عن الفعل في وطنه) هو الاستشهاد في سبيل حياة مدينته وشعبه وهنا نجد رؤية إيجابية للمدينة، لأن زاوية التناول مختلفة عما رأيناه في مبحث الذات والآخر: آهِ فَلأَمُتْ إن كان لك بموتي أن تحيَي يا مدينتي، يا أوغسطين قرطاجة، ماالذي كنتَ ستقولُهُ لو علمتَ؟ شعبي الأعزل يقتلونه ويقتلعونه، وينسفونه، ويبعثرون أشلاءَه عبر وديان الأرض وجبالها، فلأُقْتَل، ولأُنْفَ بعد ذلك، تهاوت الجدران وتعالى الصراخ، والمطر ينهمرُ وأفواه القِرَبِ تتقيأ أحشاءَ السماء بمجموعها على المدنية المُجرَّحة المسكينة، المدينة المشقوقة المُنتَهَكَة في المطر والليل... جزعت على أخي القتيل وجزعت على أهلي القتلى وجزعت على صحبي وأمتي وجزعت على من قُتِل في تلك اللحظات ومن سوف يُقْتَل)) ص242. وتلعب فلسطينيّةُ الفلسطيني، مولداً وقضية، دوراً مهماً في توصيفه وتصنيفه وفي سلوكه وفعله وارتكاسه على مجريات العالم: غير أن جواداً أصرّ على أن خلفية وليد، مولوداً وقضية، جزءٌ هام من الموضوع، الرجل الفاعل... المستعدّ لإلقاء القنابل بل وكتابة المناشير السّريّة وحبْك المصائدِ للعدوّ دون أن يهتمّ بأن يعرف العالم عنه ذلك)) ص349. ليسَ نضالُ الفلسطينيّ حالة استعراضية يقوم بها من أجل لفت أنظار العالم؛ فهو لا يأبه بأن يعرف العالم عنه ذلك و يصر على الاستمرار بالقتال بيده)) ص282. ويقبض الفلسطيني، بحسّه المقاوم على الوعد الحُلُم) العودة إلى الأرض: لك مني وعد؟ أن أطعمَكَ يوماً من الأيام سمكاً من بحيرة طبريا وأنا وأنت جالسون على ضفتها، ولو بعد خمس سنوات أو عشر سنوات)) ص285. * تفريعة ثانية: الفلسطيني المُخَلِّص: المفارقة التي يُظْهِرها هذا العنوان هي التباين بين واقع الفلسطيني الذي يجعله مُحتاجاً إلى مُخَلِّصٍ وبين طموحه ليكونَ هو ذاته مُخَلِّصَ نفسه ومُخَلِّصَ مجاوِراته الإنسانية العربية، فهو الذي يسعى إلى البناء والرّيادة ويسعى إلى توحيد الأمة وتغييرها بدفعها نحو إيجابيات الحضارة؛ وهو يُفَعِّلُ مأساته التي فجرت وعيه من أقصى الأعماق بالعمل على تحريك الضمير العربي من أجل الحريّة والحب والثورة التي يندرج فيها العربيّ ضمن حركة العالم في سبيل إثبات الوجود والبناء والعطاء: جاءت أواخر الستينات بالدليل الملموس، وكذلك أوائل السبعينات؛ فوليد إنما هو ذلك الفلسطيني الرافضّ الرائد الباني، الموحِّد- إذا كان لأمتي أن تتوحد- العالم المُهندس، التكنولوجي، المجدّد، المحرّك للضمير العربي بعنف وليد كما عرفته، كان يرفض القيام بدور لا يتقنه ودوره الأهم هو تغذية الروح الجديدة المبنية على العلم على الحرية على الحبّ، على التمرد على السلفية تحقيقاً للثورة العربية كلّها، والثورة لديه ليست مجرد تغيير طبقي في نظام الحكم أو مجرد وضع لليسار مكان اليمين أو بالعكس. الثورة هي وضع العربي في خضم العالم الكبير وإثبات قدرته على الصمود من جهة وعلى العطاء من جهة، إنه واحد من هؤلاء المنفيّين الذين من مواقع منفاهم يُزَعْزِعُون العالم العربي ليعيدَ النظر في كلّ ما صنع وفكّر، ويملؤون العالم ذِكراً لاسم العربي مهما تكن النعوت التي يطلقها عليه الأعداء الذين تركبهم العقد النفسية تجاهه)) ص322. إن فحص هذه الفرضية الخطابية في ضوء الواقع العربي أولاً والفلسطيني ثانياً يُظهِر أنها مقولة واقعية بنسبة معينة. (1) درست هذه الرواية في مقال بعنوان إلى الجحيم أيها الليلك، انفتاحات النص: الفائت الراهن-المستقبل) سليمان حسين، مجلة إلى الأمام العدد 2114،الجمعة15/21/11/1991ص 40-43. (2) إلى الجحيم أيها الليلك، سميح القاسم، سلسلة أدب الأرض المحتلة، دار ابن رشد. (3) في "البحث عن وليد مسعود" أفرد الكاتب فصلاً خاصاً للمقاومة حكى فيه قصة العملية الفدائية التي قام بها مروان بن وليد مسعود بعنوان مروان وليد يقتحم أم العين مع رفاقه)، ص 295. (4) صيادون ، ص 20-21. (5) نفسه، ص 23. (6) السفينة ص 17. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |