|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:34 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الفصل الثالث مبحثُ الذاتِ والآخر الأزمة الحضارية: وعي الذات وعي الآخر في الخطاب: * مقدمة: أي مفهوم مفهوماً مطلقاً يتحرك ضمن فضاء الأحادية الفلسفية مالم يُقرن أو يقارَن، ليتحول إلى مفهوم انتسابي بالاقتران، أو إلى مفهوم نسبي بالمقارنة، وبهما معاً تتحدد فحواه ووفقهما يمكن النظر إليه من جميع جهاته وجميع أبعاده. إن مفهوم "الذات" ذو مستويين تكوينيين، بمعنى أن أحدهما مكوِّن طبيعي للآخر، فالمفهوم الذي يُدرس في مستوى العلاقات الفردية داخل الكلية الاجتماعية، أي الذي يُدرس في مساحة دور الفرد وعلاقاته الداخلية المشكِّله لبنية التكوين الاجتماعي ويمكن إطلاق مصطلح "الذات الفردي" على هذا المفهوم. ويشكل المفهوم الثاني، وهو نقطة الاهتمام في بحثنا، مفهوم "الذات الجماعي" الذي يكوّن بتآلفه وحدة كلية، وحدة أمة، وحدة تكوين اجتماعي متجانس يقوم بدور حضاري في مسيرة التاريخ والعالم. اتكاءً على ما سبق، لا يمكن فهم الذات كلاً اجتماعياً إلا في استيعائها ضمن النسبية أو الانتسابية وهما مستويان محددان، سيدرسان كل في انتمائه إلى سياقه الذي يضطره البحث. النسبية: تقتضي النسبية أن يرى المصطلح "الذات" مفحوصاً بسؤالات "الآخر" لأنه مصطلح يستدعي حتماً، مصطلح "الآخر" وذلك وفق حتمية استدعاء الضد أو المتراسلات بعضها بعضاً. ويمكن الانتباه أيضاً إلى أن "الآخر" مفهوم مزود بمعنى يفضي إلى أنه يعني الكلية الاجتماعية الأيديولوجية والحضارية المجاورة للذات في المكان والزمان بمفهومهما الواسع. وتظهر هذه النسبية على مستويات متعددة ومتنوعة من العلاقات، إذ ليس ضرورياً أن تكون النسبية هنا التضاد، ولكن قد تتمظهر على شكل توازٍ حضاريّ أو تداخل وتقاطع وتحاور أو اندغام أو مجرد تراسلٍ وتجانسٍ. تسهيلاً للتناول والدراسة سنبيّن مكونات هذه الموضوعة الخطابية "الذات الآخر" وفق ما يلي: 1-الذات في وعي الذات الصراع الحضاري الداخلي)). 2-وعي الآخر والمواقف المتباينة منه. 3-الذات في منظور الآخر تبادل المواقع)). 1-الذات في وعي الذات: الصراع الحضاري الداخلي)) الانتسابية: إن مقاربتنا لوعي الذات عملية تحتاج إلى إدراج القضية ضمن سياقها التاريخي والأيديولوجيّ، إذ لابد من العودة بها أو إرجاعها إلى عمقها الذي يحدّده هذا السياق، لأنّ هناك استمراراً سببياً في حركة التاريخ المادية يُفسّر الظواهر اللاحقة اعتماداً على الظواهر السابقة. بإجمال وباختصار يمكن القول: إن الحضارة العربية بتاريخها الطويل وأحداثها المتباينة بين طرفي القيمة الأمجاد- الانهزامات) قامت بصوغ وعي الذات المعاصر وفق مجريات واقعها وعالمها الفائتين، سواء في ذلك ما هو حضاري وما هو ثقافي وما هو فكري واجتماعي. وما هو في النهاية سياسيّ، ولكنَّ هذا لا يعني أن التاريخ الفائت المنقضي هو المحدِّد الوحيد لآفاق المستقبل، إذ تضاف إلى كونه أحد المحددات الرئيسية محدِّدات أخرى آنية معاصرة ستظهر في بحثنا حول مستجدات العالم المعاصر وحول مفهوم النسبية الآخر في وعي الذات، والذات في مفهوم الآخر). رؤية الذات: الأفق الحضاري)) 1-صراخ في ليل طويل: "البحث عن بدائل" ينفتح الخطاب على هذه المقولة بمناقشة اختبارية للتحول الذي طرأ على البنية الحضارية للمجتمع العربي، ويعرض رؤيته للذات ضمن فرضيّة التقدّم والتّطوّر، ويناقش هذه الفرضية متكئاً على تحليل مجموعةٍ من القيم التي تنتمي في عُرْفِهِ إلى الفرضية الرئيسية التي يطرحها. -القيمة الأولى التي يحللها الخطاب: الانحياز نحو أحد مكوني الإنسان "الروح والجسد" تحت عنوان التقدم والتطور، ولأن الرؤية التقليدية أي السائد في العالم) هو تغليب الرّوح بتأثير من طبيعة النفس) الحضاري وبتأثير من التراث الغيبي الديني سواء أكان المسيحي أو الإسلامي) والغيبي الذي تراكمه الذاكرة الحضارية الشعبية)؛ فإن التحول عن هذا السائد لابد أن يكون إلى النقيض الأيديولوجي أي إلى تغليب الجسد على الروح والاستعداء على الرؤية السابقة، وهنا ننتبه إلى موازاة في الدلالة بين الخطاب، والواقع في فترة الانقلابات الجذرية في التوجه إلى القيم وطرحِ النقائض دائماً بدائلَ أيديولوجيةً، الفترة التي كان فيها مجتمع المثقف العربي يتفتح على ذاته أولاً، ثم على العالم ثانياً، ولكنّ هذا التحوّل، بل التساؤل التجريبي حول القيم مشروط بمجتمع المثقف، فالفترة التي كتبت فيها الرواية لم تكن تسمح بتحوّل إيديولوجي شامل على مستوى الكليّة الاجتماعية: لقد اكتفينا من القرون المظلمة التي كان يعد الجسد فيها عدواً للإنسان: لقد حان لنا أن نجعل الروح عدوّنا إذا كان التقدم الآلي هو الذي يؤكد على الجسد؛ فأنا من دعاة التقدّم الآلي، إني أضيق ذرعاً بكلّ ما هو متأخّر حيثما يفتقد المرء التقدم الآلي، يجد الفقر والقذارة، ومكافحة المَرْءِ فقره تشغله عن جسده، إلا ما كان غريزياً حيوانياً فيه، فيكسو كفاحه بثوب من الرّوحانية، ويعظّم فقره بعباراتٍ دينيةٍ، ويموت أخيراً ميتة الحيوان من الجهد والإرهاق، دون أن يعرف دقائق الحسِّ واللذة))(1) . يتخذ مفهوم التقدم والتأخر دلالة زمنية صِرْفاً تعتمد في التقسيم خطيّةَ الزمن الأفقية، وفي مستوى آخر يناقش الخطاب مفهوم التقدم برصد نتائجه السلبية، بل يَعُدُّه مصدر انهيار القيمة الرّوحية؛ لأنه خَلَقَ الفراغ في حياة العناصر الاجتماعية؛ لذلك فنظام العالم الجديد، بمفهومه المتقدم، ضدّ الإنسان وضدّ قيمه الرّوحية ومفهوم الإنسان ومكوناته في عالم الشرق هي القيم التجريدية التي تُعَدُّ ملحقاتٍ مكملةً لعالم الرّوح، فالموازاة الخطابية الثانية تُظهر الرّدّ النقيض على مقولة استعداء الجسد: والفراغ عدوُّ الله. إنه من ملحقات الثروة والتقدم، والنموُّ الروحيُّ لا يصاحب هذا أو تلك إلا نادراً))(2) . إذاً؛ فالتقدم ضرورة مادية، بل حدث ماديّ في حياة البشرية لذلك لابدّ من الانصياع الطوعيّ لقانون التطور وإعطاء الجسد قيمة القانوية المتسقة مع طبيعة التطور، لأنه التّجلّي المادي للإنسان) وفي الطرف النقيض القانون التقليدي الموروث الذي يجعل الإنسان تجلياً روحياً تجريدياً وحسبه، وفي مثل هذا التعارض الفكري تنشأ مناظرة في القيم، مناظرة اختبارية يبدو أنها لم تنتهِ على مستوى الواقع المرجعي، إذ يُسْتَشف ذلك من الحوار الذي يقترب من الاستعراضية الذهنية للأفكار، ومن خلال تعدّد المصادر المتناقضة، فهي ليست حدّين يمكن الاستنتاج الواضح من تعارضهما وإنما هي مجموعة حدود أقلّها ثلاثة والثالث في مثل هذه القضية محاولة للمصالحة، بل للبحث عن معادل ثالث للمفاهيم وربما يكون هذا المعادل هو التمخّض الذي انجلت عنه عملية الصراع بين القيم، وإن كان مازال في بداية تبلوره، ولم يحقق بعد وعيه النهائي ولم يتوصل إلى اطمئنانه الواقعي؛ لأنه يفتقر إلى وعي نستطيع أن ندعوه وعياً حديّاً مطلقاً) وفحوى المُعادِل الذي يتمخّض في واقع الخطاب، رؤية العالم رؤية موضوعية شمولية، والبحث فيه بعلمية بعيداً من الرؤية التقليدية الجانبية: إنك تخلط بين الثّقافة وبين التقدم، بين إرهاف الحسّ وبين المال، فإذا كان التقّدم بالآلة واختراعاته يتيح لنا متسعاً من الوقت للعناية بالجسد؛ فإن ما أخشاه هو ألا تكون إلا عناية سلبية، يطلب فيها المرء اللذة من الخارج وهو مستسلم لها، دون إعمال مواهبه إلى أن يصاب بذلك المرض الرهيب: الضَّجَر، والضَّجَر بدوره يعطل الجسد فيقع المرء في دائرة خبيثة.. ويقول: سئمت الشرب، وسئمت الكتب، سئمت النساء، سئمت السّينما.. غير أنّ اليد هي التي تخلق وسواء أكان خلقها خندقاً، أم شجرةَ تفاحٍ، أم تمثالاً فإنه خلق عضليّ.. وهو منقذ الإنسان الوحيد)) ص38و39. ويرتبط مفهوم التقدم بالمدينة وتبقى مقولة الجسد والروح هي المقولة التي تفحص هذا المفهوم وتُتخذ مثالاً تحليلياً له، وتتوصل عملية الفحص هذه إلى جزء من مقولات سابقة عرضها الخطاب في سلبية نظام التقدم المدني الذي يفقد الإنسان بعديه: المادي والروحي، ويثبت الخطاب بل يبرهن على مقولته بإعطاء أمثلة عن مقاربة الواقع: أيُّ هذرٍ هذا الذي يتفوه به أهلُ المدن يتحدثون عن ملذاتِ الجسد وهم لا يعرفون منها عُشْرَها؟ لقد فقدوا ما كان لديهم من عزيمة روحيّة ففقدوا بالتالي حيويتهم البدينة، وليس ما تبقى لديهم إلا حثالة من الطاقة إذا قيسوا بأبناء القرى وبعض الفقراء. فبالإضافة إلى ما عند هؤلاء من النشاط العضلي يكادون إذا ما فكروا في الله أن يبلغوا حدَّ التصوّف)) ص 39،40. يُعيد الخطاب، ضمن حوار التضاد والتناقض، المقولة إلى أسباب ندعوها بتحفظٍ طبقية) كما فعل في البداية عندما عرض التقدم مجاوراً للطبقة التي تمتلك الآلة و التأخر) في مصطلحه) جعله مجاوراً للبطقة التي تمتلك القدرة على اختلاق المعوّضات عن التقدم الآلي بالروحانية وتعظيم فقرها بعبارات دينية، ولكن العودة الآن هي محاولة للبحث عن إنصاف طبقي ودحض للمقولة السابقة من خلال منطقها ذاته، فإذا كان التقدم يصرُّ على الجسد، والمدينة بتكوينها قد تبنت التقدم الآلي؛ فما منجزاتها التي منحتها للجسد؟ لاشيء! لقد أفقدت الإنسان ما كان لديه من عزيمة روحية فأفقدته حيويته البدنية. إن الخطاب يعزل مقولة التقدم والتأخر) عن سياقاتها ويتناولها دون مرجعية اجتماعية أو مرجعيّة تاريخيّة أو البحث عن خصوصية المقولة في المجتمع العربي؛ فهو يدرسها، بل يتناولها تناولاً آنياً في الفهم والتفسير؛ فالمرجعية الاجتماعية، وخاصة الفهم الطبقي لتكوين الكلية الاجتماعية، هي التي توضح مفهوم التفارق الذي يعرضه الخطاب في المجتمع، إنه يُحَمِّل التقدّم المسؤولية المطلقة عن التفارق الطبقي) غير منتبه إلى أن الطبقية التي تمتلك وسائل التقدم الآلي هي المسؤولة عن هذا التفارق، وهي التي تكرّسه، ولكننا لا نستطيع أن نحمّل الخطاب عبء هذا الوعي، لأنه ينتمي إلى مرحلة تاريخية ربما لم يكن قد تبلور فيها المفهوم الدقيق للوعي الاجتماعي الطبقي: وهكذا هجرنا التلال والوديان والكروم، إلى الحيّ المظلم بما فيه من بيوت كالقبور ومراحيض فائضة وهواء ملوث، فشاهدت التقدّم من الأسفل شاهدته غريباً عنه، ثم ضحية له، أيّ تقدم وأيّ معرفةٍ لملذات الحسّ فبعد أن قضيت السنين أقرأ الكتب على ضوء مصباح النفط، أنام أوّل الليل ثم أفيق في الساعات الأولى بعد انتصافه، وقد هجع الحيّ، لأعود إلى مصباح النفط والمطالعة من جديد)) ص40. يتوضح من هذا النص أن الطبقة التي تمتلك التقدم الآلي هي التي تمنع انتقاله إلى الطبقات الأخرى حتى ولو انتمت معها إلى المدينة ويبقى الانتماء مكانياً وتحتوي المدينة من جديد النقيضين التقدم والتأخر) بمفهوم الخطاب) وتفقد المدينة وحدانية التصنيف والتوصيف وتضاف إليها دلالة جديدة وعناصر تكوينية أخرى وتنتفي المساواة بينها وبين التقدم، لذلك يبحث الخطاب عن مخرج من هذا التناقض من أجل الوصول إلى الصورة النقية للمساواة. المدينة=التقدم أو التقدم=المدينة ويكون ذلك بالإبداع والخَلْقِ والحركة التي تنتجها الأذهان الصحيحة؛ لأنها تمنح عندئذ نقاءها وصحتها للمدينة: إن المدينة في حاجة إلى أذهان صحيحة دينامية تخلق وتبتدع، فتفعل في حياتنا فعل الشمس والهواء)) ص64. * ويتوجه الخطاب إلى قيمة أخرى ليعالجها ويبين- وفق وعيه التاريخي- آثارها ودلالاتها في المجتمع العربي ومدى ارتباطها بمفهوم التقدم والتأخر بشكل استنتاجي ويرصد الانحياز نحو أحد مكوني الزمان الحضاري الماضي والمستقبل)) والقيمة الأولى التي يحللها القيمة التقليدية، بل التي تحولت إلى تقليد في الحركة الاجتماعية والحضارة العربية، ورؤية الاستلاب والانكفاء إلى الماضي المفترض الحضاري الإيجابي) بكل قوة، وعدم الاكتفاء بذلك وإنما الامتداد بهذه الرؤية إلى تسخير الراهن بكل حرصه وضبطه وفق إيقاعات هذا الماضي وتجاوز حركة الراهن في طموحه ونزوعه إلى المستقبل وهي بذلك حرب على المستقبل سواء أكانت حرباً واعية أم حرباً عمياء، فعنايت سليلة الأسرة الإقطاعية تغلق عالمها الرّاهن على الماضي وتقوم بمحاولةٍ فاشلةٍ من أجل ترهين الماضي، وذلك بكتابة تاريخ أسرتها بكل تفصيلاته وتمفصلاته وتَنْذُرُ حياتها وتُغَيِّب أنوثتها من أجل ذلك: لم أعرف في حياتي شخصاً مثلها يضحي بنفسه ويمحو شخصيته من أجل مجد أسلافه منذ أن وعيت وجودي.. لا أذكرها تفكر في شيء إلا آل ياسر، آل ياسر والفاطميون، آل ياسر والعثمانيون، آل ياسر ونابليون، آل ياسر ومحمد علي باشا)) ص78. ثم يتدخل الخطاب في طرح سؤال مهمٌ على مسيرة ترهين الماضي، فحوى هذا التساؤل أنه هل من المستغرب أن يعنى الإنسان بتاريخ أسلافه؟)) ص78. هذا التساؤل تدخل تصحيحي أو محاولة للإجابة عن إشكالية التساؤل الأول حول الاستلاب، إنه محاولة لتجاوز كلية السلب التي طرحت في التساؤل الأول، وهو سؤال محمّل بقدرة وعي إيجابية تريد وعي الماضي وليس بالاستلاب وإنما بالعناية). وتبقى السّمة التي تحدثت عنها في الانتقال إلى النقيض الأيديولوجي مستمرة في الخطاب ويأتي النقيض ليلغي نقيضه هنا أيضاً في معرض هذه القيمة. وتأتي ركزان أخت عنايت لتنسف كل الاهتمام بالماضي وتغلق عالمها الراهن دونه بحثاً عن المستقبل النقي من أي شائبة من شوائب الماضي، ويكون الرَّاهن مرحلة الانتقال بين الماضي الفائت السلبي) والمستقبل الآتي المفترض الإيجابي). كان التفكير في هذا الأمر في الماضي يزعجني، أما الآن فإنني أَمُجُّهُ وأُبْغِضُه ولا تَظُنَّ أنني أجهل الحجج التي قد تحاول بها أن تدافع عنه: خطورة التاريخ، تفصيل الوقائع، الاستنارة الذهنية، العزة الوطنية، القيم الثقافية، ولكن لن يهمني شيء من ذلك بعد اليوم، فقد تسمم ذهني بعدوى من عنايت، فسمحت لنفسي مثلها بالسقوط في حفرةٍ من الماضي تلتهمني: غير أنني كافَحْتُ وصارَعْتُ، إلى أن شعرت ساعة موتها بأن الحفرة تلفظني فأعود إلى الحاضر إلى الحياة إلى الحياة.. أقترح أن أحطم الماضي)) ص79و80. يجب أن نقضي على بقايا الموتى قبل كل شيء)) ص86. إن وعي الخطاب لمقولة تحطيم الماضي يتمتع بعمق استثنائي إذ يفترض أن هذا التحطيم للماضي في جزئه السلبي يأتي من داخله وربما يمتد هذا الوعي إلى الرمي إلى مقولة اجتماعية طبقية دلالتها أن الطبقة الإقطاعية التي تنزع إلى إحياء ماضيها الذي يشكل السلب في النزوع إلى الماضي، يأتيها التحطيم من داخلها ولكن هذه الثورة على الماضي الإقطاعي) تأتي متأخرة ولا تكون إلاّ بعد انتهاء ممثلة الدعوة إلى الماضي عنايت). وخاتمة هذا الصراع بين الماضي والمستقبل تكون لصالح المستقبل النسبي، فالخطاب لم يوضّح المنتصر الحقيقيّ بدقة، وعرض الماضي على مستويين الماضي الأول هو ماضي آل ياسر) وقد تحطم وانهار على يدي ركزان والماضي الثاني هو راهن أمين محور الخطاب)، وهو الذي يتمثل في حبّ أمين سلافة بنت سليمان شنوب البورجوازي، إذ يقوم أمين بالعمل في مخزن سليمان)) قبل أن يعرف ابنته ويترك العمل بعد ذلك ثم يلتقي سلافة مصادفة ويحبها ويتزوجها بعد صراع مع والديها يؤدي بهما إلى الزواج رغماً عن الوالدين، ولكن سلافة بعد فترة وجيزة تهرب من بيت أمين دون أن يدري عنها شيئاً، وتعود بعد سنتين من الغياب ليجدها، فجأة أيضاً، تشاركه فراشه، فيقوم بطردها والتخلص من هذا الماضي، ويحرص الخطاب على التوازي الزمني) و التوازي الموقفي) بين موقف ركزان من ماضيها وموقف أمين كذلك ففي اللحظة ذاتها التي تقوم فيها ركزان بتدمير قصر آل ياسر يقوم أمين بالتخلص من سمية التي تعني ممثلاً لطبقة اجتماعية معينة. نستشف من هذه المسألة أن رؤية الماضي التي ينفيها الخطاب أو يستنكرها هي الرؤية التي تعتمد الانهزام قانوناً وتعد الاستلاب للماضي نظامها الرئيسيّ، فالماضي الأول لابد من أن ينهار؛ لأنه لا يتوافق مع سيرورة العالم سيرورة التاريخ، والماضي الثاني الذي يشكل راهناً بالنسبة إلى الماضي الأول) لابدّ كذلك من أن يتحطم؛ لأنه قائم على تعارض في القيم، وهو نتيجة قسريّة لمحاولة دمج هذه القيم المتعارضة، وينغلق الخطاب على طروحاته السابقة تاركاً خاتمته دلالة مهمة على مراميه وامتداداته وطموحاته التي كان يؤسس لها ويرمي إليها من وراء انفتاحه: كانت شوارع المدينة تمتد وتتشعب أمامي تملؤها جموع الناس، ولم يكن من العسير عليّ، حين حدقت في عيونهم أن أدرك أن الكثير منهم كانوا هائمين على وجوههم كما كنت هائماً لسنتين مديدتين يبحثون عن نهاية لليل طويل بل وبداية لحياة جديدة)) ص104 رؤية الآخر في صراخ في ليل طويل: إن مقولة التقدم والتأخر التي طرحها خطاب صراخ) مقولة نسبية بمعنى أنها لم تكن لتوجد لولا نسبتها إلى مفهومات خارجة عنها بل بدقة أكثر، لولا نسبة المجتمع الذي أنتجها إلى حضارة أخرى؛ لذلك كان مقولة حتمية الظهور في مرحلةٍ مثل مرحلة صراخ)، إذ بدأ الانتباه إلى المفارقة الحضارية الهائلة بين ما سُمّي بالعالم المتقدم وما تعانيه الذات) من تأخر، وحدثت صدمة عظيمة للوجدان العربي بعد اصطدامه بالقوة الجبارة للغرب، وهو لم ينس بعد، على الرغم من قرون الظلام التي عاشها قبل هذه الحقبة، أنه يشكل أفقاً حضارياً قائداً ودافعاً بمسيرة التاريخ إلى مطامحها. تناول خطاب جبرا هذه المقولة مقولة برهنة وتمثيل وهي مسوقة في سياق غير مقصود لذاته تطرح مفهوم التقدم والتأخر في مستوى التفارق الاجتماعي بين الطبقات فالأجزاء الفقيرة متأخرة) والمتقدمة هي التي تمتلك الآلة تماماً كما حدث في رؤية الذات، والخطاب يعمد إلى الفصل الحاد بين عنصري المجتمع طبقات سفلى متأخرة) ويتهرب من التسمية الأخرىالطبقات العليا المتقدمة) ويمعن في وصف الطبقات الأخرى بالأوصاف الهجائية سفلى، متأخرة) على الرغم من أنه يوحي بالتعاطف معها لأنها مصدر إنتاج للإبداع والمبدعين. ويوحي إضافة إلى ذلك باجتناب التعاطف مع الطبقة التي تعتمد في تسيير حياتها على ضغط الأزرار: غير أن اليد هي التي تخلق وسواء أكان خلقها خندقاً، أم شجرة تفاح أم تمثالاً فإنه خلق عضلي... وهو منقذ الإنسان الوحيد)) أما في العالم المتقدم فالظاهر أن ذلك الضرب من العمل مقصور على الأجزاء المتأخرة من كل بلد: القرى، والفقراء والطبقات السفلى، لأنها إن لم تشتغل تمت، أما اليد التي تضغط على أزرار كهربائية في بيوت ملأى بالخدم فقد نسيت الحاجة إلى الخلق. وأحسن ما تقوى عليه، في جو من الاستنارة العلمية والفنية، هو التمييز بين الإحساسات اللذيذة وأسوأ ما تقوى عليه هو تحسس الأفخاذ أو عند الحاجة استعمال المسدس، ولذلك فإني أعتقد أن القرى والطبقات السفلى من الشعب تنتج السواد الأعظم من المبدعين في المدن وإن لم تعرف أسماؤهم، أما ذوو الفراغ، أما المتمتعون بثمرات التقدم، فهم مرتع السأم والضجر)) ص38،39. صيادون في شارع ضيق: "الذات والآخر": كتب جبرا إبراهيم جبرا روايته "صيادون في شارع ضيق" بالإنكليزية وظهرت في إنكلترا عام 1960)) ص8. يصرح جبرا بهدفه من وراء العمل فيقول: شعرت أنني أريد أن أكتب رواية عن فلسطين وبغداد أثناء فترة 1948-1950 والتي شاهدتها بعيني وأحسست أنني أستطيع أن أقول ما أريده بالإنكليزية، وأن لدي هماً يجب أن يصل إلى العالم، وأنني لو كتبت هذا الشيء بالعربية ربما لم أصل إلى عدد قليل من الناس، بدأت أكتب رواية "صيادون في شارع ضيق" بالإنكليزية وكنت أشعر بمتعة هائلة جداً لأنني أستطيع أن أكتب بلغة أخرى بلغة الآخر) أكتب بحيث أنني سأحقق عملاً ينشر في الخارج وفي ذلك تحد لأصحاب تلك اللغة))(3) . إن هذه الرواية مخطط مسبق، وقد كان الكاتب يضع في حسبانه الإبداعي مقولة الذات والآخر بل يقوم بتخطيط عملية الإبداع من أجل هذه المقولة، فتشكل لديه الهمّ الأول، والأكبر، وهذا ما يفسر الاهتمام الكبير والمناقشات الهائلة حول رؤية العالم وحول الآفاق الحضارية الداخلية للذات وعلاقتها بالآخر ورؤية الآخر نفسه للذات. 1-رؤية الذات: التقدم والتطور، مواقف متباينة: الموقف الأول من مقولة التطور والتقدم موقف سلبي يتناول المفهوم باجتزاء إحدى دلالاته، ويُكوّن هذه الدلالة بمفهوم غرضي ويتوجه نحوها بطريقة هجائية: لعن الله التطور، فكل ما يعنيه التطور هو أن النساء سيحصلن على سلطة أكبر مما في أيديهن الآن، سلطة أكبر على الرجال، سلطة أكبر من أجل فعل الشر)) ص182. ووفق المفهوم التقليدي السائد حول الرجولة المعنى الإيجابي للحضارة) والأنوثة المعنى السلبي) يقوم ممثل هذا الموقف بالحكم على مقولة التطور من منطلق تجنيس الحضارة: نحن نتطور من الرجولة إلى الأنوثة، هذا كل ما في الأمر ونفقد خلال ذلك حريتنا الكامنة فينا للمؤسسات والزوجات والأفكار المجردة، كل الأشياء تضحي أنوثة مخنثة)) ص182. لكن الخطاب يعرض المعادل لهذا الموقف، المعادل الذي يتناول المقولة من جانبها الإيجابي بل ويعرض مفهومها الصحيح والأمثل على النقيض من الموقف التحريفي الذي عرضه سابقاً. لكن التطور يعني أيضاً بيوتاً أفضل، أطفالاً أصح، شوارع أنظف وباختصار حياة أكثر امتلاءً)). يتناول مفهوم التطور هنا في الخطاب معاني حضارية خارجية أي أنه يدقق الأشكال دون أن يتطرق إلى المستويات الأكثر عمقاً في التطور في نوع العلاقات الحضارية على كافة المستويات الاجتماعية والسياسية ولكنه لا يقتصر على ذلك وإنما يتجاوز هذه المرحلة للبحث في عمق المأزق الحضاري العربي ويقارن بموضوعية واعية الماضي العربي المضيء والحاضر العربي المتهافت والمتراجع، يرصد بعض الأسباب التي أدت إلى هذه النقلة الحضارية هذا التحول بين الحضارة بمفهومها الإيجابي والتخلف وذلك بوعي عميق لحركة التاريخ وتعاقب الأدوار الحضارية، ورداً على هذه الرؤية، مع تحميل كلمة الرد معاني متناقضة بين السلب والإيجاب، جاءت رؤية مجاورة لها، ولكنها توصلت إلى قراراتها في شأن المدينة بمعاينة موضوعية للواقع: لا أعرف سبباً يحدوني للدفاع عن المدينة ضدّ تهجماتك يا توفيق فأنا أكرهها مثلك. ولكن كما ترى، حين تجتمع أعداد كبيرة من الناس فكيف يمكن تفادي التحول إلى كيان اجتماعي معقد تتوقف فيه القيم عن أن تكون سوداء أو بيضاء، بل تكتسب تدرجات لانهاية لها من الألوان)) ص181. تظهر في هذا النصّ أزمة المثقف في التعامل مع العالم الواقع) مع وجود حتمٍ قَدَر) هو، في منظور الخطاب، الشكل القسريّ للمجتمع نتيجة للاجتماع القسريّ لعناصره أيضاً، وهذا ما يؤدي إلى الاختلاط القسري في القيم، إن نظرة المثقف هذه إلى عالمه تشير إلى أنه يعلن عجزه أمام الواقع و لا يطرح بدائل تصحيحية أو ثورية، ولكن رؤية الخطاب هي التي توخت الشمول في عرض مكونات الصراع والبحث عن تلك البدائل. عن المستقبل " نحن بداية عصر جديد ما نحن بالرومانسيين لن نعود للطبيعة أو الصحراء أو القبيلة.. من هنا نبدأ: من قلب المدينة، بوثبة إلى الأمام. نحن نحب المدينة لكنها كائن مريض، وعلينا أن نشفيها بعد أن دام مرضها قروناً)) ص190. هذا هو الجزء المتمم للرؤية الواقعية للمدينة في آفاقها المتعددة وهو الرد على مقولات الانهزام أمام واقعها. ويبدو أن هذه الثنائية التقدم والتأخر)) كانت هاجساً حضارياً للروائي أولاً وثانياً للمثقف العربي بل لطبقة) المثقفين على الرغم من المواقف المتباينة المتناقضة وكانت ملحقات هذه الثنائية وعناصرها كالمدينة) وآثارها على القيم السائدة: كالصراع بين الروح والجسد) هي أول الهواجس وأهمّها، وهذا من الإشارات المهمّة إلى التحوّل أو خلخلة بنية القيمة على الأقل بطرح التساؤلات حولها، لذلك تتكرر هذه المقولة، ويتكرر النقاش حولها مرتبطاً بالمقولة الرئيسية التقدم، التأخر، المدينة): أنت تدعي أن روحك غير معذبة لأنك لا تبحث عن رخاء ثمنه نكبة ممكنة أما حقيقية الأمر فهي أنك لا تملك روحاً لتتعذب، فالفلسفة التي تؤمن بها تقوم على غياب الروح...)) ص207. إذن فأنت تعتبر جميع شبابنا المتمردين في المدن والريف واعين لهذه الروح وإنهم لذا معذبون؟... فأجبته: نعم!)) ص207. من هذه المقاربة العميقة للواقع الروحي والثقافي والحضاري للإنسان العربي تنبع أهمية الخطاب الذي يقدمه جبرا وهو يسهم إلى جانب كونه قدرة توثيقية للواقع الفائت) في استمرار البحث والنقاش حول هذه القضايا ويسهم أيضاً في بلورتها وفرزها والإيحاء باتخاذ موقف مجاور لإحداها ومجانب للأخرى، وربما يحاول الخطاب في النهاية الإيحاء بالاكتفاء بالموجودات الثقافية والروحية في مجتمعه ويصور نوعاً من غربة الوافد الثقافي الذي لا ينشأ أصيلاً ولا تحتمه طبيعة المجتمع مجتمع الذات: أعطتني حديثاً كارل ماركس لأقرأه. الحقيقة أنها أعطتني كارل ماركس والكتاب المقدس معاً. وقد وجدت رأس المال مستحيل الفهم، فأخذت أقرأ الكتاب المقدس لو خلا هذا الكتاب من أسفار إرميا وحزقيال وأمثالهما لكان كتاباً ممتعاً حقاً)) ص77. لذلك نقول: إنه لم يكتف بالموروث الثقافي الروحي إنما دعا إلى تعديله ليخلو مما لا يناسب الواقع الراهن وفق منظوره. الحل السلطوي؛ حلُّ القمع، الواقع التنفيذي الوحيد): بين الحلول التي يقترحها الخطاب في المعرض الأيديولوجي الذي يقيمه حل السلطة) أو الحل السلطوي) وهو الحل الوحيد ربما) الذي يقف منه موقفاً معادياً صريحاً، فعلى مساحة الرواية نجد تعاطفاً واضحاً مع الشبان الذين يبحثون عن التغيير والذين يؤمنون بعقيدة التغيير: هم هنا يرتابون بالشباب الذين يحسنون استغلال عقائدهم، وما إن يتشبث المرء بآرائه حتى تنصب عليه اللعنة)) ص122. ربما يكون الحل السلطوي حل القمع الحل التنفيذي الوحيد في واقع المجتمع العربي، وهو إذ يعرض عناصره التفصيلية يقوم بعرضها وفق إيمان واقعي مستند إلى قوة تنفيذية قادرة أن تحول القرار إلى واقع بسهولة، لذلك لا تجهد كثيراً في البرهنة على مقولاتها ورؤاها كما تفعل الفئات الثقافية المتباينة، لأنها لا تحتاج إلى تلك البراهين، والبرهان الوحيد هو القمع: قلت لوزير الداخلية قبل أيام أن عليه أن يبني مزيداً من الجوامع مزيداً من مراكز الشرطة، خشية الله وخشية السلطة هذا ما نحتاجه جوامع ومراكز شرطة. نحن شعب صعب المراس.. صعب المراس جداً والجوامع ومراكز الشرطة هي الدواء الوحيد لمرضنا)) ص929. إن ما يميز الحل السلطوي إلى جانب القدرة على التنفيذ قدرة أخرى على حسن استغلال الواقع وبراعة استخدام الأفكار، فقد ربط السلطة الدنيوية بالسلطة الغيبية وهي معادلة ناجحة لأن سلطة الغيب ذات تأثير كبير في المجتمع الذي يوازيه الخطاب، وسلطة الغيب ستار يمكن من ورائه توجيه العصا وتسيير "قطعان الخوف" وفق مشيئة الحل السلطوي ويقف هذا الحل من الإنسان ككائن له خصائصه وعوالمه موقفاً معادياً، فيلغي كل قدراته الفطرية التي تحمل منازعه نحو الحرية وكل قدراته التي يكتسبها ويطمح الحل إلى خلق مساواة قطيعية بين قطعان الحيوان وقطعان البشر بالخوف: ماذا يهم شعور الحيوان ما دام ملجوماً؟ كل هذه المشاغبات والتمردات من قبل الطلاب وأشرار المدينة لا تؤدي إلا إلى الأذى، وما لا أفهمه هو أننا كلما زدنا تعليم شبابنا وشاباتنا ازدادوا جموحاً وعصياناً)) ص120. من الطبيعي أن نسمع مثل هذا الخطاب من ممثل الحل السلطوي لأنه ملفوظ يندرج ضمن نسقه ويتسق وطبيعته، فالعداء نحو دوافع الإنسان للتقدم ليس خارج عن ماهية السلطة العربية والحل السلطوي المتناقض في توجهه نحو الإنسان والعالم وذلك في سبيل خدمة المصلحة السلطوية. أنت نفسك لا تذهب إلى جامع إلا فيما ندر... وماذا يهم ألم أبن جامعاً جميلاً جداً في السنة الماضية)) ص121. يتضح، مدى التناقض، ويعرض التناقض ذاته صارخاً مبيناً أن الوسائل تستخدمها السلطة ليست إلا مسالك غرضية تسخرها لتنفيذ مطامحها وتصبح السلطة الدينية، سلطة الجوامع لقمع الإنسان ولجمه وفق مخططات سلطة مراكز الشرطة. كانت البداية الأولى في سياق الهزائم العربية الغزوة البربرية للتتر التي كانت فاتحة كبرى لتوالي التداعيات في الحضارة العربية: لقد تداعت بغداد قبل أن تظهر فيها بوادر نمو جديد وتهافت القرميد الناعم الذي شيدت منه البنايات العظيمة أثناء العصر الذهبي، إلى تراب منذ قرون. واستعادت الصحراء لنفسها تلك المساحات الشاسعة التي كانت يوماً ترويها السواقي ويحس رائيها أنها جنات عدن. أي بنيان عظيم كانت مجزرة هولاكو ستبقى عليه بعد أن نهبت جيوشه الغازية المدينة، وسودت مياه دجلة بحبر المكتبات التي ألقيت فيها، ثم حولتها حمراء بدماء الآلاف الذبيحة؟ كل ما استطاع الحكام الذين أعقبوه أن يفعلوا هو الاحتفاظ بأجزاء بغداد معاً ضد قسوة النسيان والعدم كأن بابل لم تعش ألف سنة قبل أن أضحت رابية من الأطلال، أما بعد سنتها الألف بزمن طويل، فقد تنفست فجأة أنفاس الحياة والعزيمة؛ وصلت جذورها إلى أعماق سحيقة ثم أصابت النفط وأخذت البراعم بالإيناع تحت الشمس))ص46. قد يتبادر إلى الذهن أن البحث في مثل هذه القضايا يفقد الخطاب الروائي أدبيته ويدنيه من الدراسة البحثية لكن جبرا يستطيع استيعاءها ويدغمها في البحث الروائي وهي قضايا خطيرة في سلم الارتقاء الحضاري العربي)) يكتسب بها الكاتب تميزه الروائي وتشكل لديه دلائل روائية متقدمة، ويضطلع الفن الروائي بوظيفية أدبية لا تتيسر إلا للأدب العظيم، إن وعي هذه النقطة بل هذا المفصل التاريخي بعناصره الحضارية وإدراجه في خطاب أدبي يستطيع تَحَمُّلَهُ دلالةٌ خطابية ومناقشته وفق تصور حضاري متطور يمنح الخطاب ويمنح الكاتب موقعاً متقدماً في معالجة الأزمة الحضارية العربية. يدقق الخطاب في العناصر الحضارية التي ألغيت بسبب الغزو المغولي لعاصمة الدولة العربية، فقد انهارت المظاهر الحضارية وانحسر العمران وتقلصت المساحة الخضراء لتحل محلها الصحراء، ودمرت أهم مصانع الحضارة المكتبات) وأحرقت وأبيد كثير من البشر.. إلى درجة ظهرت كأنها لم تكن يوماً حضارة عظيمة سادت العالم. ولكن هذا الأمر لم يستمر بمأساويته تلك وبدت بوادر الانتعاش مرة أخرى في الظهور خاصة مع مجيء الحقبة النفطية. ويحاول كذلك إظهار النتائج المستقبلية التي أحدثتها الهزائم والغزوات الخارجية: كافحنا خلال سبعمئة سنة أرضاً غير معطاء، نعم عندنا نهرانه عظيمان، ولكن شبكات الري حطمتها الموجات المتعاقبة من الغزاة حتى أنهكت أرضنا وتعلم شعبنا أن يقبل عبودية لا نهاية لها، جاءنا حكام من الخارج مع حشودهم واكتسحوا البلد وجلبوا معهم خيراً قليلاً وحيوية أقل. وفي النهاية أوشكت حتى آثار المفاخر التاريخية أن تمحى، وتقلصت مدينة العباسيين العظيمة حتى أضحت مكاناً قميئاً تخنقه من كل أنحائه الأجمات التي لا تؤوي سوى الأفاعي واللصوص))(4) . يُرْجِع الخطاب أسباب الرَّيْث الحضاري العربي إلى أسباب اقتصادية كانت نتائج لأسباب سياسية تمثلت في الغزو الخارجي أو المغولي الذي تعرضت له عاصمة التحضر العربي في نهاية العصر العباسي، ويبقى في إطار البحث في الأسباب ويظلّ العامل الخارجي عاملاً مهماً في التأثير، ويتدرج إلى حقبة الغزو الثانية وهي الحكم العثماني ويظهر الصدمة الحضارية التي أصابت العرب بعد انفتاحهم على الغرب وصحوتهم المفاجئة التي كان للثقافة فيها الأثر الأكبر؛ لأنها هي التي كانت معبر الانفتاح على العالم والاطلاع على تقدمه وعلى أيديولوجياته: نحن استيقظنا على خبطة قوية، واكتشفنا تقدم الغرب المادي، أيديولوجياته ونظرياته السياسية، وأصابنا الرعب من ركودنا، لهذا أردنا الانطلاق، الجريان، الحركة... المهم أن صحوتنا كانت صحوة ذهنية جاءت مع بداية القرن حين فتحنا أعيننا فأصابتنا هزة عنيفة، كان الفقر والمرض قد دمرانا.. هذه المدينة التي كانت تفاخر بجامعتها العظيمة حين كانت أوربا تغط في الظلام لم تكن قبل خمسين سنة أكثر من بضع مدارس بدائية، غير أن السنوات الخمسين الماضية، كانت سنوات غليان فقد نفخ مثقفو لبنان وسوريا في العرب في كل مكان روح التجديد قبل نشوب الحرب العالمية الأولى بقليل، ولم يتم ذلك بسهولة إذ أن العثمانيين شنقوا الوطني بعد الآخر لكن كل جثة تدلت من على المشانق في ساحات بيروت ودمشق أشعلت فينا المزيد من الكبرياء والتصميم))(5) . إن وعي الذات كان يتخذ منحيين في المقارنة والنسبة، فإذا نسب الحاضر العربي إلى الماضي العربي يظهر تباين حاد في السلوك الحضاري لصالح الماضي، وإذا كانت النسبة إلى حضارة الآخر كانت الصدمة الحضارية، وكانت محاولة تحريك هذا الرّيث تزداد صعوبة كلما ازداد وعي الضرورة للخروج منه، وتوقف الأمر عند هذا الوعي وبقى وعياً ذهنياً لوجود معيقات إضافية ضد تنفيذ إرادة التطور والتقدم أهمها نشوء نظام للعالم يعتمد في سلوكه على توازن القوى تحت سيطرة القوى العظمى ولذلك وقع العرب، الذين وَعَوا ضرورة الخروج من تخلفهم، فريسة للصراعات الدولية التي تحدد مصائرهم وفق منطق توازن المصالح الذي ساد بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبعد أن تم تقسيم العالم إلى منطقتي نفوذ تَمَزَّقَ الوطن العربي بينهما. الآن ترى بنفسك، وقعنا في شرك سياسة توازن القوى، سياسة النفط، سياسة الشرق والغرب)) ص71. يلحظ الدارس عمق رؤية الخطاب التي أظهرت هذه المفارقة على الرغم من أن السائد السابق هو الادّعاء بأنّ هناك استقلالية للوضع العربي عن مركزي القوة السائدين، ويضطلع بقدرة انفتاح على المستقبل، ليعي أن سياسة النفط وسياسة الشرق والغرب بمفهوم الغرب لها هي التي ستحدد مستقبل العرب ويرصد مجموعة أخرى من الأسباب ضمن شموليته وبحثه عن التشخيص الدقيق لفحوى الانهيار الحضاري العربي مضيفاً إلى الأسباب السابقة سببين أولهما القوى التي تعارض الانطلاق والحرية وتساعد على تثبيت التخلف ودعم العناصر الحضارية المريضة بل دعم العناصر اللاحضارية اجتماعياً وسياسياً وثقافياً ويؤكد على العلاقة الوطيدة بين العدوين الخارجي المتمثل بالآخر) والداخلي المتمثل بالقوى الترجيعية أو القوى التابعة للعدو الخارجي وذلك ضمن وعي موضوعي معافى للواقع ورؤية ينتفي فيها الحلم الزائف ليحل محله الحلم الذي يتكئ إلى معطيات موضوعية فاعلة في خلق هذا الحلم. ألم نحقق شيئاً بعد.. الحرية على أية حال، ليست بالأمر الهين، ... بعد كل تلك القرون من العبودية بالضبط عبودية مزدوجة للأسياد الأشرار القادمين من الخارج وللقوى المريضة في الداخل، وكل من هاتين العبوديتين ترتبط بالأخرى ارتباطاً وثيقاً)) ص72. ويستمر الخطاب موجهاً عنفه ضد عوامل الرّيث الحضاري إلى أن يصل إلى العامل الأهم في تاريخ الحضارة العربية وهو إيجاد العائق الرئيس في وجه أي تقدم عربي وهو إسرائيل) الصهيونية ويحمل الخطاب الآخر) مسؤولية وضع هذا العائق الحضاري. بل إن الوضع سيزداد سوءاً بعد أن زرع الغرب إسرائيل على بابنا)) ص72. يعود الخطاب بعد إجمال الأسباب إلى محاورات تفصيلية بين ممثلي المواقف ويعرض رؤاهم حول الخروج من المأزق الحضاري العربي وهو بذلك يصور المأزق الأيديولوجي للأيديولوجيات العربية التي طرحت أمام المأزق الحضاري حلولها التي لم تتعد النشاطات الفوهية): الذات رؤية المستقبل: الحل الأول: "العودة إلى الصحراء" الخطاب السلفي. في مناظرة للقيم على عادة جبرا في حواراته التي يجعلها مؤتمراً تشريحياً للواقع العربي ويطرح فيها حلوله، يقوم ممثل الدعوة إلى العودة إلى الصحراء توفيق الخلف) بعرض براهينه وقياسها على الواقع وفحص العالم في شتى مفاهيمه وفق منطق خاص أنشأه وجعله قانوناً أيديولوجياً ونصب نفسه مبشراً به، يدعو من خلاله إلى العودة إلى قيم الصحراء لأنه يرى فيها قيم الإنقاذ. فالشَّرَف والشجاعة هما الفكرتان اللتان تحققان الصحة وكذلك الصراع بين القبيلة والقبيلة يحقق الصحة واليقظة وهذا يستدعي عداءً قوياً للمدينة وقيمها: إن العرب ما ضاعت ريحهم إلا عندما استقروا في المدن التي فتحوها... ما الذي كان مصدر قوتهم أول الأمر؟ الصحراء معقلنا وحصننا، خبزنا وماؤنا وما الذي سيعيد للعرب إذن بأسهم وعزيمتهم؟ الجواب واضح: العودة إلى الصحراء. العودة إلى خشونة الصحراء وسنتها الأخلاقية العودة إلى فكرتين أوليتين الشرف والشجاعة، العودة إلى الصراع القديم بين القبيلة والقبيلة لكي نبقى على صحتنا ويقظتنا، وهناك لن نستخرج القصص من أحلام أفراد مخنثين خائبين يحسبون الحب أعظم مكتشفات الإنسان ومع ذلك لا يحصلون على ملذات الحب كلها))ص98. إن هذه الدعوة تطرح مفاهيم نسبية كالشرف والشجاعة وتقصرها على الصحراء وهذا يعني أن يفهمها وفق المفهوم الصحراوي وكذلك تطرح مفهوم اقتتال القبائل كحل صحي. إن فحص هذه الفرضيات وفق منطق الحلول يجعلنا نستنتج أن الدعوة تريد أن تتجاوز وتلغي التراكم الحضاري الهائل التي اكتسبته الحضارة العربية في تاريخها الذي يمتد قروناً حضارية طويلة وتريد إعادة قانون القبائل المتناحرة ليواجه عالماً في القرن العشرين، وهي تسير وفق قانون ما قبل الحضارة خاصة ما قبل الصعود الأيديولوجي العربي وبناء الدولة العربية، وهذه السلفية التي يعرضها الخطاب سلفية نادرة وخارجة عن النظام السلفي التقليدي الذي ينزع منازع عقيدية أخرى كالعقيدة الدينية ويصرح بذلك الخطاب نفسه: من شأن عقيدتك هذه أن تدمر كل ما قام به الإنسان من عمل خلاق لأنها مبنية على أحد تلك المبادئ الدينية التي لا تتفق حتى مع الإسلام)) ص190. * هذه النظرية الحلّ) تتخذ موقفاً عدائياً جذرياً من المدينة ومن عناصرها ومكوّناتها ومن كلّ ما تنتجه من فنّ وعلم وحضارة. إن القصص والرسم والموسيقى إلى آخر ما هنالك من خزعبلات حياتكم الخانعة ليست إلا من اختلاق المدينة... لا حاجة بكم إلى تشجيعها لأن المدينة ستفعل ذلك مهما حصل أنت تعلم أن المدينة تعني التردّي.. إنها تعني المرض، والفن نتيجة هذا الفساد؛ إنه الغاز السام الذي ينفثه هذا المستنقع الفسيح الذي يدعى المدينة... كل فنان بالطبع كل كاتب قصة كل روائي إنما يطعن بخنجره المسموم جسم الحياة السليم))ص96. إن فحوى هذا الموقف من المدينة هو تجريد العالم من كلّ مقوماته وردّ الحياة إلى طفولة البشرية بل تجريدها من أي طموح لها في المستقبل؛ لأنها بعيداً عن المنجزات الإنسانية الفن، الأدب) تبقى في مرحلتها الجنينية ولا تسعى نحو الأمام، وذلك حكم مؤكد بالفناء. ويعرض الخطاب، كما فعل في صراخ، من نتائج التمدن فقدان الطاقة الروحية والجسدية الحقيقية وهذا كلّه مصدر الفنّ في وعي هذه الدعوة. ليس فيكم ذرة من الإيمان، هذه هي بليتكم كلّكم تنضحون كلاماً ولكن لا ذرة من الإيمان في كلامكم))ص99. قاعدين على مؤخراتهم.. يتململون يضجرون يصيبهم الإمساك يصيبهم القلق ثم تصيبهم العنّة، والعنّة متفشية فيهم حتى غدت الغالبية من نساء المدن مساحقات أو متهتكات، لأن أزواجهن عاجزون عن تمتيعهن)) ص96. ثم يأتي أصحابنا أهل الفن ويستخرجون من أمراضهم وعنتهم أحلاماً من رقة، أحلام؟ لا بل قيء أتريد حضارتكم؟ إليكم القيء)) ص97. هذه المقولة نجد لها شبيهاً في صراخ) في أكثر من تفصيلاتها ولكنها تعرض هنا ضمن نظرية سلفية متكاملة، وهذه النظرية هي رؤية في تفسير الواقع العربي نجح الخطاب في أدائها وفي موازاة الواقع لتشكل واقعاً افتراضياً مهمّاً، متكئاً إلى واقع حقيقي. الحل "الثوري" العنف المشروع)): كان هذا الحل نتيجة تفاعلات عنيفة وعميقة في بنية المجتمع العربي وفي تفاعلاته الخارجية مع القوى التي تنافسه في الوجود، وقد تراكمت أساليب العنف المعادي ضدّ الأمة العربية وتعددت القوى المنافسة لها ساعية إلى السيطرة ومحو وجودها؛ لذلك لابد من البحث عن أدواتٍ للمحافظة على الوجود هي أدوات العنف الثوري المشروع: طيلة ثمانية قرون رهيبة كنا مستضعفين تتقاذفنا الأرجل، فلنتحمّل بعض الوقت علينا أن نُشَرِّع، علينا أن نتعلم مواجهة الرصاص، لقد تغنى شعراؤنا بالدّم والنيران وهي تمزق الأجساد. ولو تأخرت كارثة فلسطين عشر سنوات من هذا التاريخ لمّا حدثت إطلاقاً، إذ سنكون حينذاك قد تعلمنا كيف نحرك حيويتنا كيف نستثيرها، كيف نوجِّهها ضد أيّة قوة معادية في العالم)) ص147. إن الوعي العربي لكارثة فلسطين ربما يكون السبب الرئيسي في وعي العنف ووعي المأزق الحضاري الذي سيطر منذ ذلك الوقت على أي حركة فلم يعد هناك مجالٌ لاستثارة الحيوية الحضارية في الأمة بسبب المعيق الرئيسي "الكيان الصهيوني" والفرضية القدرية المطروحة في إمكان الوعي خلال عشر سنوات فرضية مناقضة لمقولة الوعي ذاتها بل مناقضة لمنطق الوعي في الخطاب وفي الواقع فالسنوات العشر زمن الوعي العربي) الذي نما نمواً بسرعة الزمن الضوئي ليست إلا المساحة الزمنية التي تلت الكارثة، وجعلت الوعي يتطور وينمو بفعل الحدث الكارثة، وليس بفعل التطور الطبيعي للوعي، ولكن هذه الفرضية ليست عزاء، ولا تعني شيئاً في قاموس الحدث الواقعي، إذ لابد من البحث عن بدائل لخلق الحلّ: يا للعزاء ماذا سنفعل من أجل فلسطين الآن؟)) ص147. الإجابة عن هذا السؤال تؤدي حتماً إلى الوصول إلى حل العنف. هذا سبب آخر يدعو الناس، والطلبة، وكل شخص إلى أن يتحركوا وفي حركتهم شيء كثير، أقول لك ولكن ليس هناك سبيل، لكم أكره الرعاع... إنهم وحش مخيف ولكن هذه الطريقة التي تؤكد طاقة الحياة إرادة الحياة نفسها بها. فليبارك الله الوحش المخيف)) ص147. لا نستطيع استيعاء موقف الخطاب من الجماهير فهو على الرغم من أنه يَعُدّهم الأداة الرئيسية في الفعل الثوري إلا أنه في توجهه التوصيفي لهم يتوجه بطريقة هجائية ويوصفهم بالرعاع) لذلك نستطيع أن نصف الخطاب بالقصور في فهم عملية الثورة لأنه يراها عملاً وحشياً مخيفاً ولا يسوغ مثل هذا العمل إلا من منطلق تفلسفي بعيد من مفهوم الثورة بمعناها الأكثر عمقاً والذي يعني الفعل الواعي في العالم الفعل الذي ينزع إلى إعادة حركة التاريخ إلى مطمحها الذي وجدت من أجله إلى الارتقاء بالإنسان من أجل الإنسان. ويعود الخطاب ليؤكد هجائيّته ضدّ الجماهير ويحمّلها مسؤولية كبيرة وخطيرة، فهو يرى أنها السّبب في ضياع فلسطين، ونحن نستغرب باندهاش هذا الموقف خاصة أنه لم يتوجه إليه بالنقيض أو بطرح تساؤلات حوله وإنما أوحى إلينا بأنه يتبناه؛ لأن الذي يعرض هذا التصور هو محور الخطاب وممثل جبرا في الرواية جميل فران): اعتمدنا دائماً على الرّعاع بدون فائدة، وهذا هو سبب فقدنا للجزء الأفضل من فلسطين، إن البندقية الواحدة في اليد المدربة لأفضل من ألف رجل يصرخون بالشعارات في الشوارع)) ص147. ولكن المشكلة متكاملة لايمكن تناول مكوّن من مكوناتها أو أيّ عنصر من عناصرها مستقلاً بذاته، وهذا هو منطق الإشكالية، فالبحث عن الحلول وخاصّة الحلّ الثوري لايكون بحثاً في الفراغ، والبندقية التي تَفْضُل ألف رجل يتظاهرون ليست في متناول اليد بمجرد اتخاذ قرار ذهني بأفضليتها؛ إنها تقنية من إنتاج المعسكر المباين والمعادي، فالحصول عليها يتطلب أثماناً مناسبة وهي منافية بل تعارض فحوى الثورة والعنف الثوري، إذاً فالمسألة مرتبطة بمقولة التقدم والتأخر العنصر الرئيسي من عناصر الإشكالية التي تشكل عمق المأزق الحضاري العربي: سنحصل على البنادق أيضاً... من أين؟ من أمريكا؟ روسيا؟ لن يعني ذلك أكثر من وضع أنفسنا تحت رحمة من يعطينا السلاح، انظر إلى جنودنا ومتطوعينا في فلسطين.. ماذا يمكننا أن نفعل غير ذلك لا أعرف فما لم نصنع نحن أسلحتنا)) ص147. ويستمرّ البحث في هذه الإشكالية بطرح التساؤلات التي تكون إجابتها إشكالية جديدة لا حلول لها، وهذا هو عمق التأزّم الذي تركه الخطاب الحالي مشروعاً مفتوحاً، ليعود إلى إشكالية في خطاب آخر. وكذلك فإن الواقع متكأَ الخطاب لم يتمخضْ عن آفاقٍ جديدةٍ تساعدُهُ على الخروج من محنة الإشكاليات تلك: من أين نحصل على الخبرة على الفولاذ، على المواد الضرورية؟ سيكون علينا أن ننتظر قرناً آخر... ونحن لا نستطيع الانتظار)) ص149. الواقع والطموح هما طرفا التعارض الأول في أقصى انهزاماته وفي أقصى انسداد أفقه والثاني في أقصى نزوعه نحو التغيير ونحو مغادرة الرّيث الحضاري، والتخلص من جميع المعيقات على المستوى الحضاري العودة إلى القيادة الحضارية وعلى المستوى السياسي الخارجي مقاومة الاستعمار و الكيان الصهيوني) والداخلي التخلص من الدكتاتورية العربية الحاكمة، وعلى المستوى الاجتماعي إعادة بناء المجتمع وفق التغيرات السابقة على كافة المستويات، كل هذه الطموحات وما ترمي إليه من دلالات حضارية تجعل الحس العربي يغترب عن العالم و يتشرّخ) ويتمزق ويتوصل إلى لا جدوى الكون والعالم ويفقد تواصله مع القيم ويبحث في النهاية عن حلول تدميرية. لو تدري ما أتمناه لشوارعنا التي أعشقها، لو تدري فقط أتمنى لو أراها، وقد انقلبت رأساً على عقب، وبيوتنا قد تهدمت وخوت، ونساؤنا قد ملأن الأزقة عربدة والدّم يجري حتى الركب. لا صحراء ولا مدن، ولا فن للشعب ولا مباغي ولاحفلات عشاء. لا شيء سوى فوضى صارخة، وعبد القادر(6) يرفع غليونه بين أسنانه الصفراء ليغُبَّ من بول الشعب، وسلمى تصب نبيذها الفرنسي لعشر جيف حولها وأنا أنعب بقصيدتي الأخيرة فوق الخرائب)) ص106. هذا المشهد الخرائبي لمدينة المستقبل العربي ليس إلا صورة عكساً للواقع النّفسي للروح الحضاري المضنى للإنسان العربي الذي يطمح إلى أن يخلق التوازن الإنساني والحضاري في مجتمعه وفي روحه، ولا يبتعد هذا التصور وهذا الانفعال بالعالم من خصوصية الرؤية الشاعرية التي ترتدّ مدّمرةً العالم عند حدوث أيّ خلل في عالم الواقع، والخلل في عالم الواقع العربي على كافة المستويات لا يمكن رصده، فلنتصور ردّة الشاعر على هذا العالم: لا يا توفيق لا أريد تحفك الجمالية، ولا أريد من عبد القادر، وهو يُقَوِّد للفقراء والأميين، إع.. أريد.. أريد السماء مطبقة على الأرض والناس ممسكين بأحشائهم يئنون، وصفوف الشرطة يصوبون بنادقهم على رؤوس النساء، وأنا وأنت والآخرون نقبع على ركام الشوارع كالغربان)) ص107. نود هنا أن نشير مرة أخرى إلى الهجائية المقذعة التي يوجهها الخطاب إلى مجموع الشعب وإلى الفقراء والأميين هؤلاء الذين يفترض أن يكون لصالحهم لأنهم هدف التوجه الإيجابي وأكثر فرضياته ينشئها ليقدم حلاً أو أكثر من أجلهم، والذي يُوَجِّهُ الخطابَ، كما تصوره الرّواية، شابٌّ ترك أسرته بعد صراعٍ، والتجأ إلى أحد الأحياء الفقيرة ليعيش هناك ويساعد الفقراء، ويبذل كلّ ما يحصل عليه من أجلهم، ونعلن الاندهاش من هذا التناقض بين السلوك الفوهي للشخصية وبين السلوك الفعلي. الذات رؤية الماضي والحاضر: مدخلاً إلى البحث في مقولة الماضي والحاضر يُطلق الخطاب حدّين متناقضين ظاهريّاً في توصيف الواقع، الحدّ الأوّلُ يعتمد نسبة الذات إلى الآخر) الذي يعي تاريخ الذات) أكثر من أبنائه: بلغ انغماسنا في الحاضر أننا نجهل كل شيء عن ماضينا)) والحدّ الثاني: يعتمد نسبة جزء من الذات إلى جزء مكوّن ثان فهو يرصد الواقع من منطلق مغاير للحد الأوّل، وربّما يكون في مقاربته للواقع أكثر تعمقاً بلغ من انغماسنا في الماضي أننا نجهل كل شيء عن حاضرنا)). قد يظهر تناقض في هاتين المقولتين ولكنه يبدو لنا تناقضاً ظاهرياً فالأولى تطرح الانسلاخ عن الماضي وفق وعي معين للماضي يشير إلى إدراك الماضي في نقاطه المضيئة والثانية تطرح الانسلاخ عن الحاضر وفق مفهوم انهزامي إلى الماضي بمفهومه الاستلابي؛ لذلك فالتناقض في العمق لكلتا النظريتين غير صحيح، وتكاد كلٌّ منهما أن تكون مكملة للأخرى. ثم تأتي بعض المواقف التفصيلية التي تنتمي إلى المقولتين. أ-الاستلاب للماضي: كما رأينا في صراخ) تعود هذه القيمة للظهور ضمن سياق هائل من المقولات، وتتخذ لذاتها مكاناً في الحسبان الروائي وهي استنساخ شبه تام لقيمة "صراخ". ما دمت حياً سأتمسك بتقاليد عائلتي، لعلك لا تعرف أنني سليل أسرة من الأدباء، وأن بعض أجدادي كانوا من حكام هذه المدينة)) ص117. لكن المساحة التي تُفرد في الخطاب لهذه المقولة ضئيلة وربما يكون ذلك لأن الكاتب استنفد النقاش في هذه المقولة في "صراخ" أو ربما لأن هناك مدعمات أو بدائل حلت محلها، وهو ما درسناه في حلول التأخر والتقدم ومفاهيمها. ب- الماضي النقاط المضيئة: تأتي بعض الالتفاتات إلى الماضي التفاتات وظيفية تخدم مفهوم التقدم والتطور، وتكون هذه الالتفاتات متكأ حضارياً للحاضر في سبيل سعيه نحو المستقبل: في شارع الرشيد يكمن جوهر مدن التاريخ كلّها، ونهر دجلة الذي يشطر المدينة شطرين متناسقين يحمل في جريانه الوئيد المترامي ذكرى حضارات عمرها آلاف السنين والشارع والنهر يتوازيان كالمادة وصورتها)) ص69. تلك الثيران المجنحة و "الأرواح الحارسة" الصخرية المنحوتة على شكل عقبان تزين أبواب مدينة كانت مركز امبراطورية فسيحة في يوم من الأيام)) ص312. جـ- حاضر الرَّيْث الحضاري: ويأتي توصيف الحاضر مظهراً التباين بين النقاط المضيئة والرّيث الحضاري للحاضر: غالباً ما أفكر أننا لم نتقدم رغم كل ما حصل من التبدل في حياتنا)) ص118. نحن راكدون يا سيدي، وليس لنا أن نخدع أنفسنا بالسينمات والثلاجات فنحن لم نصنع شيئاً منها. نحن نستوردها فقط. إلا أننا نأمل أن تتمكن كلياتنا من إبداع بعض هذه الأشياء أشياء الرّوح على الأقل)) ص119. إن استيراد التقنية في مفهوم الخطاب، لا يعني التقدم وإنما يصفه بالرّكود وهي توصيف دقيق لحالة الرّيث الحضاري العربيّ يشير إلى التبعية الحضارية لمنتج التقنية الغرب)، والإشارة الأهم إلى أن الريث توصل إلى أمور الروح التي تعد في الأصل من نتاج الحضارة العربية ذاتها، وهو مُكَوِّنٌ من أسس تكوينها، ويعرض الخطاب مقولة خطيرة في توصيف العرب) كأمة، فالمقولة إذ تحاول الإيحاء بإنصافهم؛ فإنها تتوجه إليهم بصفة هجائية هي أنهم غير أكفاء)، وهي صفة تفقد المستقبل جدواه فعدم الكفاءة يلغي القدرة، والقدرة هي الفعل في الحاضر من أجل المستقبل لا تقل لي: إن العرب مثاليون، إنهم عمليون ومنطقيون. ولا تقل لي: إنهم عاجزون! إنهم غير أكفاء، وهناك فرق شاسع بين العجز وعدم الكفاءة)) ص 168. (1) صراخ 37 (2) صراخ 37 (3) جريدة الحياة سبق ذكره. (4) صيادون ص70-71 (5) صيادون ص71-72 (6) عبد القادر شخصية في الرواية تعتمد الرؤية الماركسية منهجاً لتحليل الواقع |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |