مُضمرات النصِّ والخطاب في عالم جبرا إبراهيم جبرا الروائي - سليمان حسين

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

الذات الصراعات الداخلية:

1-حول مفهوم الأدب والفن ووظيفتهما:‏

لا يخرج ما يعرضه الخطاب عن نطاق الصراع الفكري الذي دار ومازال، أكثر الأحيان حول مفهوم الأدب ومفهوم الفن ووظيفة كلٍّ منهما وهدفه الذي عليه أن يتوجه إليه، وذلك انضباطاً وتمشياً مع المذاهب الفكرية التي ظهرت وسادت في الفترة التي يوازيها الخطاب وانضباطاً مع المقولات التي نوقشت آنفاً كمقولةِ مغادرة التأخّر والتخلّف مثلاً. ويفرض ذلك نظرة إلى الفكر موازية بالرؤى والإحساس.‏

إن السعي إلى تحديد مفهوم دقيق لوظيفة الأدب ظاهرة ربما تكون جديدة على التاريخ الأدبي العربي، ولكنها في الأدب المعاصر اتخذت منحى غرضياً في تحديد الهدف الذي يرمي إليه الأدب حتى انتقل الصراع حول وظيفة الأدب إلى صراع أيديولوجي بين الأيديولوجيات وتجاوز أكثر الأحيان أدبية الأدب وعدها أمراً لا يستحق الالتفات إليه.‏

وهذا ما جعل الخطاب يعرض بعضاً من النقاشات حول هذه القضية: الرؤية الأولى التي تفحص وظيفية الشعر تشير إلى وظيفة الشعر الذي يستخدم العنف وسيلة، وهذه الوظيفة يطرحها ممثلو الحلّ الثوري؛ لأنهم يرون فيها فحوى دلالة الشعر، وفحوى الفعل في العالم، ولأنهم ينظرون إلى كلِّ شيءٍ من عناصر الكون في ضوء أدائه الوظيفي الذي يساعد في تحقيق حلمهم.‏

تذكر أن عصر الورود والفجر النديّ قد راح وولّى. إننا نريد شعراً خشناً آكلاً يستفز سامعه بل يغضبه)) ص90.‏

يعقد الخطاب كعادته، مؤتمراً للحوار حول وظيفة الأدب والفن وخاصة الشعر ويحدده من خلال ذلك.‏

رؤية الآخر:‏

يحدّد الخطاب مفهوم الآخر منذ البداية في خطين الأول منهما الآخر) المباين الحضاري، وهو في صيادون) الغرب، ويتمثل الغرب بإنكلترا التي كانت تحكم فلسطين والعراق المرجعين الجغرافيين للخطاب) وليس هذا التمثيل تمثيل اقتصار وإنما هو تمثيل توضيح، والخط الثاني هو الآخر العدو الصهيوني) الذي دُرس منفرداً نظراً إلى خصوصية هذا الآخر والخصوصية تناوله في الخطاب.‏

يتعدد ظهور الآخر في صيادون إما مُجَسّداً في وجدان الذات وخياله وإما فاعلاً موجوداً في الواقع:‏

1-الغدر البريطاني: من المعروف أن بريطانيا التي كانت تستعمر فلسطين قد وعدت العرب أثناء حرب 1948 بالانسحاب من مستعمراتها وتسليم المواقع للجيش العربي ولكن الذي حدث أن القوات البريطانية بدأت تنسحب وتترك مواقعها للإرهابيين الصهاينة ويصور الخطاب ذلك ووقعه على أبناء فلسطين، وتكون الصورة هي الصورة الافتتاحية لظهور الآخر الذي يشكل عدواً من نمط خاص.‏

لقد لعب الإنكليز لعبة قذرة جداً.. ولكنهم لم يكونوا وحدهم وألقى نظرة على الأمريكي الجالس إزاءه)). وفجأة وجدتني شديد الوعي لصوت.. صوت غريب ملؤه العداء...)) ص154.‏

2- الآخر مفترض إيجابي، واقع سلبي) نقطة مفصلية تحمل دلالات كبيرة هي أن الغرب مسيحي والمكان الذي يتوجه إليه بالعنف له المنزع العقيدي نفسه بل هو مصدر المسيحية وهو منشؤها، فماذا تعني هذه المفارقة هل التوجه الغربي نحو العرب بالعنف له علاقة بالعقائد، يحلل الخطاب هذه المقولة ببراعة ويستنتج نتائج مهمة في فهم العلاقات الحضارية بين الذات والآخر:‏

يبدأ الخطاب بتساؤل ينم عن عقلية بسيطة في أدائها: أنا لا أفهم الغرب، فالمفروض أنه مسيحي ولكن انظر إلى ما يفعل بالمسيحيين وبأرض المسيح.. كيف يفعلون ذلك بالمدينة المقدسة كيف يسمحون للقدس بأن تتهدم تحت أقدام الإرهابيين الصهاينة)) ص25.‏

ثم بعد هذا التساؤل يقوم بتحليل مفهوم الغرب للمسيحية والمسيح ومفهوم المسيحي ابن الأرض التي أنجبت المسيح: أفكر بالمسيح كرجل يسير في شوارعنا بوجه ناحل ويدين جميلتين، أفكر به واقفاً حافي القدمين على حجارة شوارعنا وهو يدعو البشرية كلها لحبه وسلامه، وعندي أن المسيح جزء من هذا المكان، ولكن أتعرف كيف يفكرون به في الغرب؟ هل تظن أن مسيحيتنا تشبه مسيحيتهم؟ وحين ينشدون المزامير عن القدس هل تظنهم يقصدون شوارعنا بسقوفها المعقودة وأزقتنا المرصوفة بالحجارة وتلالنا المدرجة؟ أبداً لقد أمسى المسيح عند الغرب فكرة، فكرة مجردة ضمن مشهد، غير أن المشهد فقد كل معناه الجغرافي، الأرض المقدسة عندهم أرض في عالم الجن، لا يقصدون مدينتنا. قدسهم وقدسنا نار جهنم، مدينة بلا سلام كذلك لم تعد قدسهم مدينة المسيح، بل مدينة داود، فماذا يهمهم إذا تهدمت بيوتنا وحولت أبواب مدينتنا إلى مذابح؟ لقد سرقوا مسيحنا ورفسونا في أسناننا)) ص26.‏

ينظر الخطاب بعمق مدهش في تفصيل علاقة مسيحيي فلسطين مهد الرسالة) بمسيحيي أروبا مستوردة الرسالة) والفرق واضح بين الأصل والفرع إضافة إلى التحول الذي أدخل على الفرع، فلم يعد له علاقة مهما يكن نوعها بالأصل لقد انفصل الواقع الذي تشكله المسيحية والمسيح في ذهن الأوربي عن كونه واقعاً أرضياً وتحول إلى متخيل في عالم لا وجود له، وصار المسيح كائناً مجرداً منفصلاً عن منشئه وحتى عن تكوينه البشري وتحولت أرض الرسالة من مكان واقعي حيّ إلى مكان أسطوري متخيل بينما ظل مسيحيو فلسطين يرون في المسيح حقيقته كإنسان باحثٍ عن الحبّ لينشره في عالم الشر، وبقيت القدس بيوتاً يحيا بها أتباع المسيح بشراً مزودين بحبهم الذي منحهم إياه؛ لذلك من هذا التناقض، يمكن أن ينشأ التقاء. لأن القاسم المشترك الذي يُفترض أن يجمع أصبح مصدر تمزيقٍ، لأنه لم يعد واحداً، فمن الطبيعي أن يَقْدم مسيحيو أروبا غزاةً إلى قدس المسيح، وأن يدعموا الصهاينة المجرمين لكي يظلوا مسيطرين على المسيح وعلى قدسه، في هذا السياق يظهر النص انتباهاً مهمّاً وهو أن القدس في أذهان الأوربيين تحولت عن كونها مدينة المسيح إلى كوها مدينة داود، ولذلك دلالة في أن مسيحية أوربا اندغمت باليهودية بل تخلت عن ارتباطها بالمصدر وبقيت تحمل الاسم دون أي دلالة، وهم بذلك كنتيجةٍ حتمٍ ينتقلون إلى المعسكر المعادي للمسيحية والمسيح، اعتماداً على جميع النتائج السابقة يتوصل الخطاب إلى مواقف وارتكسات رداً على هذا التحول لدى الآخر):‏

منذ ألف وخمسمئة سنة والمسيحية دين للأوربيين دون غيرهم، فما علاقتنا نحن العرب والآسيويين وسكان شرق البحر الأبيض المتوسط بها؟ لقد بدأت عندنا، ولكن اليونان والرومان أخذوها منا، وكل مابقي لنا منها مجموعة بالية من الطقوس لم نضف إليها شيئاً طوال ألف سنة. وما هو الدور الحضاري الخلاق الذي لعبته مسيحيتنا وسط عالم إسلامي؟ كان يجب علينا بعد القرن الثامن أن نُسلِّم أنفسنا لقوى الإسلام الجديدة تسليماً تامّاً لا جزئياً كما فعلنا؛ وعلى هذا فإننا لم نتمتع بالفائدة الكاملة لانتمائنا إلى أرض أجدادنا... كما لم نميز أنفسنا بخلق مدينة عظيمة أو حتى تنبع من معتقدنا، كانت أوربا دائماً تخشى الشرق المسلم. ولكن المسيحيين فيه، المتطلعين دائماً إلى أوربا حتى آلمتهم أعناقهم من كثرة التطلع، لم يحصلوا إلا على ازدرائها المتساهل، وهذا هو السبب الذي سيترك الغرب من أجله مدينة القدس وهي تتهدم تحت أقدام الإرهابيين الصهاينة، لا تتصور، ولو للحظة يا أبانا أنهم يكنون لك أي قدر من الحبّ، أنا أقول لك إنهم أخذوا مسيحنا منا ورفسونا في أسناننا)) ص26،27.‏

هذا النص عمق تحليلي في علم الحضارة وفي تحديد فحوى السلوكات الحضارية وتحديد متعلقاتها ونتائجها، إنه إعلان قطيعة ضد الآخر المباين ومحاولة الانتماء إلى العالم الحضاري الروحي) الذي ينتمي إليه الكاتب جغرافياً وتاريخياً، وهو كذلك توجيه للعنف المشروع نحو العنف العدواني يناقش الخطاب مدلول الانتماء، وفق مقاييس نستنتجها من النص السابق أولها: الانتماء التاريخي بمعنى الممارسة التاريخية الفعل) لهذا المدلول، فالمسيحية التي استأثر بها الأوربيون انفصلت عن مصدرها في الفعل وانتقلت إلى محيط حضاري آخر، وكان هذا الانتقال عنوة ولم تعد في منشئها فاعلة، فقدت نشاطها الجوهري وتحولت إلى مجموعة من الطقوس الشكلية، لأنها في محيط استلم الفعل وأقصاها جانباً. وثانياً التطوير: والمسيحية في العالم الإسلامي أقلية فلذلك لايمكنها أن تخلق أي تميز أي تطوير في استقلاليتها المدنية، لذلك بعد هذه المناقشة لوضع المسيحية في الشرق المسلم وجد الخطاب أنه لابد من الاندماج بالعالم والذوبان فيه ليتحقق التوازن والاستقرار للانتماء؛ لأن المسيحيين يتطلعون إلى أوربا كمتكأ حضاري وروحي ويُقَابَلون منها بالإزدراء؛ لأنهم جغرافياً ينتمون إلى الشرق المسلم، وهم كذلك لا يحسون بعمق الانتماء الروحي إلى حضارة الشرق المسلم، وهذا مصدر الخلخلة والاضطراب في وضعهم الحضاري، وينتهي الخطاب إلى أن مفهوم الذات والآخر هو إلى جانب كونه أساساً حضارياً روحياً فإن له أساساً حضارياً جغرافياً.‏

ليس عادياً أن نقرأ خطاباً ينتمي إلى كاتب عربيّ ونجده يتعامل مع الأيديولوجيات السائدة بهذه الجرأة، خاصة أن هذه الأيديولوجيا هي أيديولوجيات من المحرمات تعرض مقترفها إلى أحد مصيرين: الإنهاء أو النبذ؛ وهذه القدرة العميقة في فهم فحوى العلاقات الحضارية والتاريخية وفهم آلية حركة التاريخ والتخطيط لها، تنتمي إلى الدّراسات المختصة بعلم الإناسة والحضارات التي تناولت المجتمع العربي وهذا ما يجعل من جبرا مفكراً حضارياً، آثر أن يكون فكره محمولاً أدبياً، ربما لإيمانه بقدرةٍ أكبر للأدب على الإيصال أو لطبيعة نظرته إلى الإبداع الفكري والأدبي.‏

تجليات أخرى لرؤية الآخر:‏

يتمثل الآخر في جزءٍ من أجزاءِ وعيه في الوجدان العربيّ بأنه سلطة ممتدة تخطط للمصائر وتوزعها؛ فأي استحضار لصورة الغرب في الذاكرة العربيّة يستدعي استحضار صورة لجهازٍ منظمٍ محكم، مجهّز بالمعرفة وبأدواتها، وهو قادر قدرةً فائقة أسطورية) حتى في ذهن المثقف الذي يفترض أن يكون مسلّحاً بوعي خاصّ.‏

الله يدري راح يكتب تقرير بكل اللي صار للسفارة)) ص52.‏

لا تَدَّعِ الجهلَ بينما أنت تعرف ككل إنكليزي آخر سياستَنا أكثر مما نعرف نحن،.. ضحك برايان وقال: ما أكثر ما ينسب لنا من الحكمة قدر أكبر مما يمكن أن نحلم به)) ص72.‏

لا يخرج هذا الموقف في جوهره عن موقف العداء للغرب للآخر) ويتخذ العداء شكلاً آخر شكلاً صريحاً يعيد الأسباب إلى علاقات المستعمر والمستعمَر.‏

النفط على حذائي أنتم لا تهتمون بنا إلا بسبب النفط)) ص71.‏

وهذا وعي متطور في الخطاب لعلاقات الذات والآخر على النقيض من العداء الأعمى الذي كان يتبناه بعض المثقفين في المجتمع ويستخدمون خطاباً ارتجالياً يتحول إلى عداء فوهي أكثر الأحيان؛ لأنّنا نجد سلوكاً آخر لهم يسقط هذا العداء ويسقط مدعيه في تناقض فادح؛ لأن منشأ هذا العداء ليس تناقضاً جوهرياً مع الآخر؛ وإنما هو تناقض في الأشكال وتناقض يعتمد النزوع إلى الاختلاف والمباينة فحسب: أنت على الأرجح درست في الخارج، والذين تلوثوا بالفكر الأوربي لا يستمرئون عقيدتي)) ص98.‏

جميل، جميل كان الله في عونك، لقد لوّث التعليم الأجنبي ذهنك)) ص185. ويأتي الموقف النقيض ليشير إلى هذه العدائية الهشة: ما يزال بي ثمة موضع صغير للشك، خاصة حين يكون ما نحصل عليه من أوربا امرأة جميلة، إنني أعرف ماذا يعني احتواء امرأة مثلها ولو لخمس دقائق)) ص188.‏

لابد أن تمييع المواقف واضح في هذا القرن، وذلك بطريق تجنيس) العلاقات الحضارية ويقوم الخطاب باستشراف رؤية حضارة الآخر وفق مقاييس روحية تُعَمِّقُ فيها بعيداً لتغوص في أغوارها لتسير كنهها وتتوصل إلى إنها حضارة غير سعيدة، بل حزينة جداً لماذا؟ لأنها مهووسة بالألم ويملأ ظواهرها الموت.. ولا تنس أن المأساة فنّ غربيّ نحن قد نكتب قصيدة حزينة أو مرثاة. ولكن في الغرب يجب تمثيل الأمر كلّه على المسرح والموت يجب أن يُرى ويؤله، حتى أنيتا وهي من فيينا توحي لك، حين يستبد بها الشبق والشهوة بهوسها بالألم أو الموت..)) ص188.‏

لم يتوقف الخطاب عند دراسة الآخر في علاقته بالذات فقط، وإنما حاول استكناه الرّوح والنفس الحضاريين للحضارة الغربية وهي خطوة أخرى على طريق معرفة الذات؛ لأن مقولة الذات كما أسلفت نشأت مقولة نسبية في أحد جوانبها وهو الجانب الأهم، وبذلك يتوجه وعي الخطاب إلى وعي أزمة الآخر أيضاً، لأن في ذلك إضاءة ورفداً لوعي العلاقة بين الذات والآخر.‏

وعي الآخر للذات:‏

إضافة إلى الخطوات الجريئة التي توجّه بها الخطاب إلى مطامحه الدلالية قام بخطوة أخرى يستدعي فيها ممثلاً من ممثلي الغرب(1) ليكون شاهداً حياً على مجريات واقع الذات.‏

يختار الخطاب افتتاحية إدهاشية لسلسلة وقائع الواقع ومجرياته التي يتوجه إليها الآخر إذ يعرض التباين الأقصى في المفاهيم الاجتماعية بين الذات والآخر، ويصدم بهذه الحادثة الإحساس بالقيمة؛ لأن القاضي الاجتماعي حَكَمَ بسهولة على مظهرٍ من المظاهر وأصدر الحكم بالقتل ونفذ في الوقت ذاته.‏

الافتتاحية الصدمة هي حادثة مقتل عزيمة ابنة مدير الفندق الذي يسكنه جميل محور الخطاب) وعلى باب غرفته تماماً يقوم أخوها بطعنها بالسكين حتى الموت، لأنه رأى بطنها زائداً عن حجمه الذي يراه طبيعياً متوهماً أنها قد ارتكبت الفعل المرفوض وفق قانون السائد الاجتماعي، لكن المستغرب أن ممثل الآخر لم يعلّق على حادثة الشرف هذه وإنما جاء التعليق من داخل الذات نفسها.‏

يبدو أن الكاتب لم يهتم كثيراً لارتكاس الآخر نحو هذه القضية وإنما أراد أن يكون الآخر شاهداً وطرف نسبة، واستخدمه في هذا الوضع لتعميق المفارقة والتناقض؛ لأنه لو عرضها دون وجود الآخر ولو شكلياً لكان تسجيل الحدث طبيعياً وهو حالة تقليدية في مجتمع الذات قد لا تؤدي وظيفة خطابية مهمة.‏

يتميز وعي الآخر لعالم الذات في بعض الأحيان بتقدير موضوعي لقدرة الذات الحضارية في مستواه الفائت.‏

لا أظن أن بلداً يمكنه تصميم حمام عمومي كهذا بلد بربري)) ص51.‏

ولكن هذا التقدير يفقد أكثر الأحيان موضوعيته ليخلق من العالم الذي يتوجه إليه عالم الذات) عالماً وهمياً ليجاور به حضارته التي أفقدته كثيراً من عناصره الإنسانية فيلجأ إلى التعويض في عوالم أخرى خارجة عن عالمه.‏

لقد سادت في الغرب نظرة إلى المدينة العربية خاصة مدينة بغداد تتوهمها مدينة ألف ليلة وليلة مدينة الأحلام والمكائد السياسية والنسوية ولا تعي حقيقتها التي وصلت إليها عبر تراكم التأزم الحضاري وعبر انتقال حركة التاريخ من طور إلى طور: كان عدنان يريد برايان فلنت أن يتعرف على بغداد من الداخل لا مدينتك الخيالية التي تغص بالشيوخ والحريم بل المدينة الحقيقة الفقيرة، المليئة بالناس الذين يجوعون ويحبون ويكرهون ويقتلون)) ص71.‏

هذه الرؤية الوهمية التي تستوعي المدينة العربية وفق وهمها الذي شكلته عبر مداخل كثيرة، أحدها- وربما يكون أهمها- المدخل الاستعماري الذي يخدم توجهات الدوائر الاستعمارية الغربية، ويظهر ذلك من خلال محاولة تغطية الظواهر الحضارية السلبية بغطاءات ذهنية تزيينية بل تزييفية لفحوى الواقع، وهذا ما يوصّف التباين في الرؤية، التباين الشديد في تَوَجُّهِ كلٍّ من الآخر والذات نحو الذات؛ فالآخر ينظر إلى وقائع الواقع من خارجها يتعامل معها مكتشفاً ومسيطراً على حسّه الحضاري نحوها؛ لأنها لا تعنيه مباشرة ولا تشكل جزءاً مهماً من نفسه الحضارية، فلذلك سيراها مغترباً عنها بالمعنى الانتمائي الحضاري ويحمل مكتشفاته ويغادر الجزيرة التي وجد كنزه عليها).‏

لن تعرف شعورنا بهذا الصدد يا برايان، قد تكون مؤرخاً بارعاً أو آثارياً رائعاً قد تستطيع أن تخبرنا عن ملوك سومر وآشور، عبر المعارك التي خاضوها، والقصور التي شيدوها، والمدن التي أزالوها من الوجود، ولكن الأمر عندك في نهاية المطاف ليس أكثر من مغامرة جمالية، إنه خارج حياتك يمكنك أن تستمتع به بهدوء وأن تنظمه ضمن أنماط تاريخية. وستذهب في النهاية إلى إنكلتره وتتذكر كل شيء. كتجربة كاكتشاف كإنجاز ذهني. ولكن بالنسبة لنا. يا الله كم هو مختلف)) ص135.‏

ظهر أن برايان فلنت يحب كل شيء يراه حتى القمامة في شارع الرشيد وعلق عليها بقوله: إنها على الأقل أصيلة. ليس ثمة تشويه للحقائق هنا. الكمال والنقصان معروضان أمام أعين الجميع والقمامة جزء أساسي من الإنسانية. عندما لايكون الناس كلهم آلات صماء، فإنهم يميلون إلى التراخي بعض الشيء، وعدم الاهتمام بما يخلفونه وراءهم طالما أن مهمة الحياة قد أديت يخيل إلي أن أمثال هؤلاء الناس فقط هم القادرون على الشعور بالعواطف اللاهبة تلك العواطف التي قد تكون كلها عذاباً ولوعة قاتلة الحياة هي من خلقهم هم: هم يصنعونها ولا تصنعهم هي)) ص52.‏

وفق منظور العلاقة غير المستقرة وغير المتكافئة بين الذات والآخر وكذلك وفق أزمة الثقة المتبادلة خاصة انعدام الثقة المسوغ من الطرف الأضعف الذات)، يمكن فحص النص السابق والتوصل إلى أن الدلالة التي ربما تكون الفحوى الدقيقة للخطاب، محاولة فلسفة تخلف الآخر وتجيير هذا التفلسف السفسطائي) لصالح تثبيت الواقع والإقناع بجمالية الحالة ووضعها ضمن سياق تجريدي يشكل المسيطر الثقافي، وهو ينزع هذا المنزع لأنه يتوجه بالخطاب إلى الطبقة المثقفة، ويظهر ذلك واضحاً في التوجه إلى المنتجات السلبية للذات في أسوأ مظاهرها ويتناولها وفق مفاهيم تجريدية عُلْيَا شكّلت، وماتزال، جوهر الصراع الفكري العربيّ فلا ينظر إلى أصالة الحياة العربية إلا من خلال القمامة) وينشئ فرضيةً حضاريةً على هذا المفهوم ويبين للطبقة المثقفة القائدة) أن هذا المظهر نتاج العافية الإنسانية ودلالة على أن الإنسان مازال يؤدي وظائفه الطبيعية بل مازال هو المسيطر الحقيقي على مجريات حياته، فمن الطبيعي اعتماداً على هذا المفهوم الغَرَضي) أن تُعْرَضَ القمامةُ علناً في شارع الرشيد؛ لأن الكمال والنقصان معروضان أمام أعين الجميع وتتنوع مستويات الحكم الحضاري الذي يطلقه الآخر استناداً إلى المنطق السابق الذي عرضناه ومن المنظور الذي يحاور المصالح الاستعمارية والعنصر الأهم الذي يعد قوام المصلحة الاستعمارية في التاريخ المعاصر هو النفط فقال برايان: ولكنها عن مدينة بغداد) آخذة في الانتعاش هذه الأيام. هل أقول: شكراً للنفط)).‏

ويصور الخطاب مدى حساسية الموقف) من هذا العنصر من خلال ارتكاس الذات ويكون الردّ على مقولة الآخر بخطاب العنف: فرد عدنان وقد استثير: النفط على حذائي، أنتم لا تهتمون بنا إلا بسبب النفط، ولكننا لم نعرف أهمية النفط بالنسبة لنا إلا حديثاً)) ص71.‏

ويظل الآخر معتمداً منطقه الوحيد في التوجه مُرْجِعَاً القضايا جميعها أو أكثرها إلى مرجعيّة اقتصادية مشيراً في بعض الأحيان إلى مكوناتٍ مرجعية أخرى.‏

لكن لا يمكن أن تنكر يا عدنان أنكم قد بدأتم الآن تتمتعون بالحرية)) ص71.‏

ويشير الآخر ضمن وعيه إلى الحالة الفكرية للذات إشارة تنبئ بقصور هذا الوعي عن إدراك العمق الحضاري بشموليته والاكتفاء بالتعاطي، كما اقترن سابقاً، مع العناصر التي تحاور مصالحه. إذن فالعَرَب يذكرون أفردويت في شعرهم)) ص102.‏

زارنا أمسِ قسٌ منهم يُدعى روفس فقال لي بلهجة تقرب من لهجة الاستهجان أرى أنك مثقف)) ص104.‏

يختتم الآخر مقولاته بمقولة الإدانة للذات غير المنظمة على الرّغم من تراكم القوى الفعالة التي يمتلكها وبتعبير آخر الإدانة بسبب تراكم) القوى الفعالة بمفهوم التراكم السلبي.‏

يبدو أن القوى الفعالة في حياتكم هي من الكثرة بحيث تتصادم ويؤدي بعضها ببعض إلى اللاجدوى)) ص72.‏

وعي الآخر: مظاهر وتجليات في الذات: الاستلاب‏

نتيجة للعلاقة التي لم تتخذ شكل القطعية النهائيّة بين الغرب والعرب، على الرغم من العداء التقليدي الذي يكاد يكون من طرف واحد وأقصى ارتكسات الطرف الثاني لا يتعدى ردودَ أفعالٍ أكثرُها مخفقٌ في الوقوف في وجه المعادي وإيقافه، فكانت مجموعة من أنماط العلاقة تبقى كوسائل ديمومة للعلاقة بين الذات والآخر، وذلك تبعاً لطبيعة العلاقة بين القوى والضعيف التي كانت تولد واقعاً جديداً، أو تولّد بعض التّحولات في بنية الحياة لدى الطرف الضّعيف: كانت العباءة العربية والبدلة الأوربية تتحركان جنباً إلى جنب، وكانت عربات الخيل تجري إلى جانب سيارات البويك والكاديلاك)) ص29.‏

في هذا المجتمع تآخت مظاهر التقدّم الحضاريّ الشكلي. ومظاهر التأخّر مع الانتباه إلى نسبية هذه المفاهيم، ولا يقتصر هذا التآخي على المظاهر الخارجية الشكلية، وإنما يتعدّاه إلى مستوى القيم فحُسين عبد الأمير) الشاعر يعشق بغياً على ما في هذا الأمر من إهانة اجتماعية وعار يمكن أن يلحقه، وفق قانون السائد الاجتماعي، ولكنه يعتبر هذه المسألة حالة طبيعية وهي قانون سائد ويطرح مثالاً داعماً من حضارة الآخر: إذن فأنت تعشق بغيّاً؟ فكرة أصيلة فقال... لا، أبداً هذا أمر شائع في تاريخ الأدب وأنا دائماً أذكر بودلير الذي كتب القصائد عن تلك الزنجية الفظيعة)) ص35.‏

إضافة إلى ذلك، فإن أكثر المثقفين الحائزين شهاداتٍ عليا قد درس في جامعات الغرب، "كيمبردج" و "أكسفورد".. وبهذا تبقى الذات تابعة في أفقها الحضاري للآخر.‏

كلُّ أستاذ يميل بسبب غيرته على مركزه الأكاديمي للإفراط في تقدير النظام الخاص المتّبع في الجامعة التي خرجته، فكنت تلقى أسماء بيروت وآيوا وأكسفورد وكنساس وشفيلد ولندن والقاهرة.. بحماس شديد)) ص42.‏

وتتوصل العلاقة مع الآخر في تطوّرها إلى الاستلاب الحضاري واعتبار النموذج الأوربي في الحياة وفي جميع السلوكات هو النموذج الأمثل لذلك تقوم الطبقة البورجوازية المقلَّد الأمثل: اللغة الإنكيزية هي لغة الحديث، كل أولئك الناس من كبار الموظفين ورجال النفط)) ص67.‏

فالكلّ يتكلم الإنكليزية في الفنادق الراقية)) ص132.‏

مقولة الانسلاخ القومي:‏

ساد في الفترة من بداية القرن وحتى الرّاهن المعاصر مصطلح الانسلاخ الطبقي الذي يعني مغادرة شخصٍ فرد أو فئة اجتماعية أو مجموعةٍ طبقتها واللجوء أو الانتماء سلوكاً وفكراً إلى طبقة أخرى مباينة أو طبقةٍ نقيضٍ، لكن على الرغم من وجود الانتقالات منذ القدم وتحوّلات بين القوميات لم يظهر في حدود ماأعلم مصطلح دال يستوعي هذه الظاهرة، ولذلك استعرت المصطلح من مفهومه الطبقي وأطلقته على المفهوم القومي الحضاري وأرجو أن يكون دقيقاً في الدلالة على الأقل في إحاطته بالمفاهيم التي يطرحها الخطاب.‏

يدخل الخطاب، كما حدث أن فعل أكثر من مرة، مناطق تداخلات إنسانية وحضارية حرجة ووعرة ويُداهم تمفصلات تعد اكتشافات جوهرية في عُمْقِ التّداخل والتقاطع، ولنقل التآخي بالمعنى الشقيقي) بين المناطق الحضارية؛ فإذا أخذنا مثالاً على هذا التقاطع المنطقتين الحضاريتيين العربية والغربية نجد مايمكن أن ندعوه هجونة) ولكن هذه الهجونة أحادية تعتمد نمط الاستلاب في جزء كبير منها سواء أكان الاستلاب بوعي أم بغير وعي: أنت رغم كونك مسلماً نتاج الحضارة المسيحية أنت مولود هجين حتى أنت، وأنت يا جميل أنت مسيحي في الواقع- إنما تبحثان عن أشياء لا تستطيعان تحديدها أنتما وأمثالكما يتلبسكم الهوس، كالحضارة الأم التي أرضعتكم، أنتم تحسبون أنكم منهكمون في بحث عظيم عن التحرر بينما أنتم مسوقون في الواقع أمام شهوة تحطيم الذات التي تتقنع بمصطلحاتكم الأجنبية لقد فقدتم راحة بالكم انظر إلى بغداد الآن إنها تتسم تدريجياً بنفس الداء. أما نحن البدو ورجال العشائر فقد وجدنا ما نحتاج إليه. وما نحتاج إليه هو عندنا منذ قرون..)) ص89.‏

تأكد أنت نتاج الحضارة المسيحية التي يتلبسها والموت)) ص210.‏

لقد استطاع الخطاب تسجيل انتباه عميق محمّل بالدلالة؛ أولاً: على الأفق الحضاري الواسع لمنتجه، وثانياً: على قدرة جبارة على إدراك المواقع المشتركة، وإدراك حركة الانتقال بين الحضارات، وهي نقطة مهمة وخطيرة في الحسبان التاريخي، وقد نوقشت من منظور مختلف في بداية عصر النهضة العربي، إلا أن جبرا تناولها بمفهوم حضاري دقيق بعيداً من البحث في الأشكال والمظاهر.‏

إن المقياس الذي ينسب إليه الخطاب هو الانتماء الديني ولكن ليس الانتماء التاريخي المُكتسب الوراثيّ إنما الانتماء الفكري المكتسب الاختباري الذي يعي الإنسانُ من خلاله العالمَ ويدركُهُ وفقَ التصوّرات التي استقرت في ذاته، فالمثقفون العرب الذين يستقون إدراكهم من منجزات الحضارة المسيحية هم مسيحيون، ولو كان انتماؤهم الوراثي إسلامياً، وهم بذلك ينسلخون من قوميتهم الحضارية المرتبطة بالإسلام إلى قومية حضارية أخرى مُباينة هي حضارة الغرب المسيحية والانتماء يتحدد بالسلوك الذي يميز الغرب المسيحي المصاب بالهوس والبحث عن تحطيم الذات وعن الموت عن اللاجدوى واللاهدف) عن الشرق المسلم الذي وَجَدَ ما يبحثُ عنه، وَجَدَ هدفَهُ منذ قرون وهو كما يُستنتج من النص السابق الإسلام).‏

الذات والآخر في السفينة؛ الوعي الشاعري:‏

مقولة التقدم: المقولة الهاجس، والاهتمام الحتمي والافتتاحية التقليدية لكلية الخطاب عند جبرا تظهر مرة ثالثة في مبحث الذات والآخر ويمتد ظهورها هنا في مساحة الزمن نحو العمق التاريخي نحو البداءة الحضارية. زمن البدء بحلم الحضارة ليفحصها وفق النظرة الشاملة إلى العالم وإلى الكون ووفق منظور ثالث بل منظور جديد الوعي الشاعري الوعي المطلق):‏

أتدري كان الإنسان البدائيُّ الذي يعيشُ على القنص في البراري أكثر حظاً منا، كلّ يوم لديه اختيار أكيد، مجابهة للخطر، وهو دائماً على شفا الكارثة. وما بقاؤه إلا نصرٌ يتجدد كلَّ يوم: أما بقاؤنا؟ ها إننا نبقى رغم أنوفنا. إنه بقاء سالب منفعل تعودنا أن نرضى به. ولا هو نتيجة لفعل منا. بحيث أصبحنا قادرين على العيش عيشة آلية، ما علينا إلا أن نحرك أذرعنا وأقدامنا مسيرين بالطبع فنأكل- أي شيء- نشرب وننجب الأولاد ونسعى والرأس قبل القدم إلى الحفرة المحتومة هذا هو التقدم.. أشبه بتقدم الحالة المرضية... أما أنا فأوثر الحياة البدائية: لا أصدق أحداً، ولا أدعي الصدق لأحد)) ص19.‏

وهُنا يظهر بعدٌ توصيفيٌ أحادي التّوجّه نحو التّقدم هو التوصيف الهجائيّ الذي يتناول العالم الراهن والفائت من منظور أكثر شمولاً خارج نطاق الذات والآخرة، وإنما يتخذ تصوّر الذات معزولاً مرئياً في شمول العالم ضمن الحسّ الاغترابي، وينطوي مفهوم التقدم على مفهوم الفعل في العالم والانفعال به. وفقدان هاتين العمليتين المتلازمتين يعني فقدان التقدم في مفهوم الخطاب، ويحكم على التقدم الراهن حكماً يَسْلُبُه فيه صفته كفعل إيجابي بل يوصّفه توصيفاً لا يمكن أن يترك له مجالاً للتعبير في المستقبل؛ لأنه يتقدّم نحو السلب كتقدمِ الحالة المرضيّة.‏

بين السّلطة والاستبداد؟ بين السلطة كرعاية. والسّلطة كاستغلال، السلطة كتنفيذ لإرادة الأمة والسّلطة كتنفيذ لإرادة العُشْر الواحد كان التاريخ دائماً كذلك. التاريخ، كما يقول البعض هو قصة صراع الحرية مع الطغيان، صراع الروح مع المادة، ولكنني أرى أن كميّة الطغيان في أية فترة في العالم، تساوي كميّة الطغيان في أية فترة أخرى وهكذا الحرية على الأرجح.. بلد تزيد فيه الحرية، وبلد آخر يزيد فيه الطغيان فئة تنطلق وفئة تتغلق، وهلم جرا...)) ص123.‏

قليلون هم الطغاة الذين يعترفون بأنهم طغاة.‏

* إلا العباقرة المجانين منهم كاليغولا، نيرون، الحجاج.‏

* ونحن أين مكاننا من ذلك كله يا سيدي.‏

* مرة هنا ومرة هناك. في الواقع، إننا، لا نحن فقط بل الإنسانية كلُّها تدور في حلقات مفرغة؛ تحلم الإنسانية بالمساواة المطلقة وتقوم ثوراتها في كل جيل وتبقى المساواة حلماً رغم هذه الثورات كلّها ولكن التاريخ يستمر صراعاً بين الحرية والطغيان)) ص124.‏

ربما يكون هذا الاقتحام الخطابي باتجاه السلطة ومفهومها أعنف توجه وأقوى على مدى مساحة الخطاب الذي يقدمه جبرا ولا نجد مثل هذا العنف حتى في الرّواية اللاحقة التي تعدّ التتويج الإبداعي لحركة الفعل الرّوائي منذ صراخ وهي "البحث عن وليد مسعود" يعود البحث في ماهية السّلطة وفي واقعها إلى العمق التاريخي، إلى جذور المجتمع الإنساني الذي أنتج السلطة وطوّرها لتفقد مفهومها الحقيقي، وتكتسب بفعل انحراف توجُّهها مفهوماً سلبياً طابَعُهُ التحوّل من السلطة إلى التّسلط ويعودُ ليستنتج النظام الذي يحكم العالم والقانون الحتميّ الذي لابدّ منه قانون الصراع مرّة أخرى بين المتناقضات، وهو القانون الاجتماعي الحضاريّ الكونيّ الذي استنتجه سابقاً، ويبقى في إطار نتيجة هذا الصراع وهي سيطرة التسلّط والطغيان والشر وانحسار الخير والحرية. وينزاح الخطاب قليلاً عن دلالاته السّابقة في وعي مقولة الروح والجسد التي عرضت فيما سبق من البحث، يتمثل هذا الانزياح بالانحياز التامّ لصالح الرّوح لكنّ المفاهيم والمصطلحات هنا تمتد إلى عمق دلاليّ.‏

ويَظْهَرُ العداءُ نفسُه الذي أظهره الخطاب سابقاً للمدينة؛ ولكنه الآن هنا يتخذ طابعاً مطلقيّاً بعيداً من المناقشة التفصيلية في عناصر القضية ومكوناتها؛ المناقشة التي طغت على "صراخ" و "صيادون" و لايخرج هذا عن طبيعة التّوازن الخطابي "للسفينة" ولا عن القانون النفسيّ الذي ينتظم مجتمعها النفسيّ؛ قانون الولوج إلى عمق عالم الحسّ بخلق موازيات لغوية مطلقيّة متوازية مع الحسّ الفجائعيّ المطلق في واقعٍ مطلقِ السَّلب: الإنسان الذي تحاول المدينة أن تستعبده)) ص21.‏

لذلك فالإنسان الذي نظر إلى العالم فوجده كرةً مليئةً بغاز سام خبيث الرائحة تفشى رويداً تحت أنفه، فركلها بقدمه إلى حيث ألقت، وأكد بذلك على أنّه يرفض)) ص127.‏

إنسان لا يستطيع أن يستوعب أو يستوعي العالم من حوله فيجد الحل في الاغتراب عن العالم والهروب الذي يتمظهر في أشكال مختلفة ربما يكون أحدها الرّفض بمفهوم الخطاب: لأنني بدأت أرى أن للهرب أشكالاً لا تحصى. وأن مأساتنا الحقيقية هي أننا ذهنياً هروبيون. كلنا شعراء وإن لم نقل الشعر تُغرينا الأخيلة فنلحق بها، حيثما تأخذنا وتبقى الحقائق الفعالة وراءنا)) ص130.‏

ربّما يكون الخطاب في السفينة ردّاً على الغائبات الخطابية الدلالية التي قصّر بها خطاب "صيادون" فيأتي بمتممات المواقف التي لم يتخذها سابقاً؛ فمثلاً الموقف المباشر من السّلطة، الغائبُ سابقاً، بل كي نكون أكثر دقّة نقول: إن الموقف الفوهي المباشر في توصيف السّلطة وتوجيه العنف اللغوي نحوها لم نجده واضحاً جداً في "صيادون" على الرغم من العداء الواضح في مجريات عالم الخطاب بين السّلطة كمؤسسة قمعية ينظمها القمع وبين المثقف كفرد غير منتظم في أيّ مؤسسة سوى المؤسسات الوهميّة التي تنشأ في ذهنه، وهي مؤسّسات اعتبارية لا وجود لها في الواقع وهي "متجذّرة" ذهيناً؛ كالمؤسسة الثقافية مثلاً، التي تتنافس فيما بين عناصرها التنافس الذي يُفضي آلياً إلى الإخفاق في المواجهة. لكن هذا الموقف يتضح في الاقتحام الخطابي التالي:‏

التحدي الأهم بالنسبة لي هو السّلطة، السلطة كشِرْعةٍ اتفق عليها البشر منذ أيام السّومريين والفراعنة. أين الحدّ الفاصل)).‏

وينتقل الخطابُ إلى بحثِ قضايا جوهريةٍ، بل قضايا تشكل المكوّنات الرئيسية لمفهوم التقدم، والأصح التغيّر، ويدعوه الخطاب "التحرك نحو المستقبل" ولكنه ينتبه إلى أن هذه القضايا مرتبطة بالأفراد وليس بالجماعات، وعندها لن تكون مثمرة كما يرتجى، فالصراع يعدُّ قضية مهمّة في نظر الخطاب ودليلاً أهم على ديمومة الحيوية واستمرار التحرك نحو المستقبل ومغادرة الرّيث الحضاري، إلا أنَّ هذا الصّراع قَيْدُ الفردية: الصّراع لابدّ منه. إنه الدليل على أن الأمة حيّة. عندما تتحجر الأمة، وتجف قوة الصّراع، تبقى إرادة الأفراد؛ فإذا ظهر أفراد يستمرون بالصراع في آرائهم، في تجاربهم؛ فإن الأمة لها أن تأمل في التحرّك نحو المستقبل من جديد في حياتنا مازال الأفراد هم المصارعون)) ص124.‏

ويتدخّل الخطاب في طرح تساؤل حول مشروعية القانون الكونيّ الذي يطرح ثنائية الخير والشر كتلازمٍ حتميٍّ، وفي طرح تساؤل آخر حول اعتدال هذه الثنائيّة؛ فهو من خلال اقتحام الواقع وتفحّصه، استنتج أن المعادلة الثنائية تميل بشكل تامّ وواضح إلى طرف الشر، وهذا ما يدعو إلى قذف التساؤل الأكبر في وجه الكون: ما جدوى الكون عندئذ وما جدوى الوجود وعلى الأقل وجود الإنسان، وبالتالي ما هي إمكانية قيام حضارة على وجه الأرض في المجتمع البشري مادام الشر هو المسيطر على العالم، والامكانية الوحيدة المسيطرة عندئذ هي إمكانية العبودية والاستعباد: وأي صراع! صراع في عالم من الشر يقولون: إن الخير إذا لم يكن إزاءه شر يتحداه لا توجد حضارة، عال. ولكن الشر إذا بقي ممسكاً بالخير من خناقه أية حضارة ثمة ممكنة؟ إنه عالم التجسّس والقذف والشتيمة، عالم العبيد)) ص124.‏

* المرحلة الثانية: بل الطور الثاني من خطاب جبرا طور متقدم من أطوار وعي الذات في مستوى الموضوع المعالج وكَمَّهِ، وفي مستوى العمق ونوعه، والانتقال الذي طرأ في "موضوعة الذات والآخر" بين صراخ) و صيادون) انتقال حادّ في ارتقاء المعالجة والتناول، إلى درجة أن صراخ لم تكن إلا تمهيداً تمثيلياً طرح بعض الأمثلة، وتحول هذا التمهيد في "صيادون" إلى بحث متعدّد في العلاقات الحضاريّة بين الشرق والغرب والعلاقات بين الماضي والحاضر والعلاقات في الحاضر التي شكّلت صراعَ النزوعِ؛ إما إلى الماضي وإما إلى المستقبل، فكان الخطاب بذلك رسالة في البحث الحضاري موجهة إلى الآخر بلغته، وقد شكّل ذلك في وجهه الآخر خطورة حضارية قومية في المعرض الفكري والاجتماعي للذات) فقد يعدّ ذلك وثيقة جاهزة لمجريات واقع الذات تقدم للآخر الذي ينتمي إلى الطرف المعادي، إلى ذلك لم يكن الخطاب واضح العداء والتحدي للآخر المعادي على الرّغم من عرضه الجريء حول مسيحية الشرق ومسيحية الغرب، وإنما كان محكوماً بالواقع أكثر الأحيان حتى في "الحلّ الثوري" لم يتقدّم بغير عنوان عامٍ هو التغيير والبحث الغائم عن البدائل.‏

مساحات دلالية مباينة لما رأيناه سابقاً، فالرّوح المصطلح الذي كان ينتمي إلى الثنائية التقليدية [الرّوح والجسد] وفق المفاهيم الغيبية للروح) أصبح في خطاب السفينة دلالة إنسانية حضارية سلوكية، وارتبط بمفهوم الحريّة، والجسد المصطلح الدنيوي الذي كان طرفاً في حدّي الصراع الدائر حول هذه الثنائية فَقَدَ تكوينه اللفظي ودلالته اللغوية الخطابية وانتقل إلى مصطلح أعم وأكثر دلالة على كليّة محتويات العالم هو المادة) وحُمِّل المصطلح الجديد دلالة سلبية، بل حمل الدّلالة السلبية العظمى في مرحلة التاريخ الإنساني المعاصر الذي وعى بدقة هذه السلبية الطغيان) ويطرح الخطاب هذه المقولة في مرحلة كان مصطلح المادة المصطلح السائد، بل مصطلح السّلطة العظمى في مضمار الفكر الإنساني الحديث إذا بنى العالم المعاصر في أكثر تجلياته على هذه المقولة المادّة).‏

التاريخ هو قصة صراع الحريّة مع الطغيان صراع الروح مع المادة)) ص123.‏

ويتلمس الخطاب موقع الذات في هذا الصراع، فلا يهتدي إلا إلى اللاجدوى والهباء "الحلقة المفرغة" والتراوح بين الحلم في المساواة وإطلاق الثورات في محاولة لتحقيق هذا الحلم الذي يحافظ على كونه حلماً دون أن يتحقّق ويستمّر العالم على طبيعته الصراع) بين السلب والإيجاب، وهذا لا يقتصر على الذات فقط، وإنما هو قانون الإنسانية جمعاء. والنتيجة الحتميّة لهذا الصراع الدائر دائماً انهزام الثائر المثقف الذي يطلق القوى الفعالة بل التي يفترض فيها أن تكون كذلك؛ فهي تتوجه في النهاية ضدّه، فتكون الحتميةُ الأخيرةُ انعزالَهم عن مجتمعهم وعالمهم انعزالاً يجعلهم في منظور أحد المفاهيم الفكرية ينتمون إلى فئة اجتماعية طبقة اجتماعية غير فاعلة، ينافي مصالحَها وكينونَتَها البحثُ عن الحلم الإنساني في المساواة؛ لذلك تسعى إلى الإبقاء على الواقع المتمايز وتبحث عن مثبتات له، وينتمي المثقف آلياً إلى هذه الطبقة بعد إخفاقه.‏

الذي يحدث في واقع الأمر.. هو أنَّ القوى التي يطلقها المثقفون لن تنصاع فيما بعد حتى لوسائلهم المتطرّفة. وإذا ثورتهم تنقلب عليهم. وإذا هم يُعزلون، وإذا هم يدرجون مع البورجوازيين والمثاليين والرجعيين وإذا في نهاية الأمر هم الهاربون)) ص133.‏

هذا في مستوىً من مستويات وعي المثقف للعالم والذات ولكننا نجد ردّاً ربما يكون مسانداً في جزئه الأول في المقدمات غير أنه في النتيجة يجد حلولاً مختلفة عن نتائج المستوى الأول بل يمكن أن نقول إنها محاولة لوضع حلول وإحلالها محلّ النتائج المنطقية السّابقة ويمكن أن تشكل ردّاً بعدياً على كل المستوى الأول.‏

المجابهة، الموت، الفداء، هذا كلّ ما لديّ أطرحه تجاه تخيلك وتعليلك)) ص133.‏

إن كلاً من هذين المستويين يطرح الحلول وفق منظوره الذي أَسَّسَ له سابقاً؛ فالأول يؤسس نظرته ونظريته على التساؤل حول المفاهيم، وما يزال يبحث عن معانٍ واضحةٍ لهذه المفاهيم معانٍ نفسية تلغي اغترابه عنهما وهو لم ينتم بعد إلى عالمها: ما الثورة؟ ما التمرّد؟ ما النضال؟ ما السّلطة؟ ما الفرد؟)) ص131. هذه كلّها بالنسبة إليّ أوّليات أسعى إلى تحديدها بوضوح)) ص131.‏

والمستوى الثاني يؤسس على متكآت روحية متناسبة مع ما طرح الخطاب سابقاً وهي الانتصار لمفهوم الروح الذي وازاه بالحرية، ومفهوم الرّوح لا يقام إلا "بالإيمان": المقولة المثالية) التي ستكرر كثيراً في خطاب السفينة‏

-والإيمان؟‏

* الإيمان بماذا؟ الإيمان لا شأن لي به‏

* إذن ستبقى مع الطغيان)) ص131.‏

لاشكَّ في أن الخطاب هنا يبدي تعاطفاً ترجيحياً للمستوى الثاني لأنّه يجهد في التعمية والضبابيّة على مفهومات المستوى الأول؛ لأن أيديولوجياه ربما تخالف أيديولوجيا منتج الخطاب الذي يُستشف أنه أقرب إلى مسألة الإيمان؛ لأنها مقولة متكررة في جميع خطابه وهي تشكل أفقاً للحلّ مُهِمّاً على المستوى الفردي خاصة، والجماعي عامة، والأيديولوجيا المخالفة هي: أيديولوجيا غنيّة عن الغيبيات، رياضيات، المُهِمُّ أن تحدد الكميات المعلومة والمجاهيل، فتنبسط المعادلة الصحيحة)) ص131.‏

وهذه الأيديولوجيا تبحث عن الحلول بالقيام بموازيات واقعية تستطيع خلق مثل هذه الحلول:‏

أفكاره فقد تبين لي أنها منصبّة على إيجاد تنظيم سياسي يجمع عدداً كبيراً من المثقفين العرب، ربما كانوا منتشرين لا عبر الأقطار العربية من الخليج إلى المحيط فقط بل في عواصم أوربا وأمريكا كذلك)) ص132.‏

الذات رؤية الماضي:‏

يبحث الخطاب في القيم الحضارية الإيجابية للحضارة العربية ويتوغّل في عمق هذه القيم، وفي دراستها تحت فاحصات غير تقليدية؛ أي يفحصها تحت أضواء ومفاهيم حضارية مبتكرة، فالسائد القيمي أن عصر ما قبل الإسلام مثلاً، عصر فاقد الحضارة لكننا نرى هنا أن مفهوم الحضارة مفهوم خاص تقليدي ليس كما يعرضه الخطاب، وفق مفاهيم إنسانية الحسّ والروح وعناصر هذا المفهوم الخاص هي النضج والعنف: نضج الحس والروح وعمقهما معاً.‏

وكذلك يمثل لهذه الرّوح من الشواهد الحضارية العربية القديمة في الأندلس: في أي طرف أقصى كان عرب الأندلس في عصر زرياب وأين كان العرب في عهد الرشيد والمأمون؟ هل في الحضارة من "وسط"؟ حتى امرؤ القيس الجاهلي، إذا لم يكن من خلق راوية خصب الخيال، هل كان إلا في إحدى قمم الحضارة، حيث النضج والعنف يتبادلان ويتكاملان؟‏

شعره، غزله، ليله، حصانه، كلّها شواهد على قمة من نضج الحياة والحسّ والنزعة وعنفها جميعاً)) ص198.‏

لا يستطيع الخطاب أن يستوضح معالم الذات وخطوطه وتكويناته وعناصره، كما رأينا في أكثر من موقف، إلا بطرح الموازي للذات وهو الآخر، وكأنه، أي الخطاب، لا يمكن أن يجابه الذات، وهو يحاول مقاربتها، حتى الإيجابية، إلا بموازاتها بالآخر، وهنا نلمح محاولة خطابية فحواها الإيحاء بالتكامل الحضاري في القضايا الإيجابية، ويبقى الإحساس نحو الآخر بالنقص حتى في لاوعي الذات: فلأعد إلى فرانشكو سليمينا في الغد سأذهب أبحث عن رسومه العملاقة سأحمل إليه أنفاساً من امرئ القيس، وخواطر بغداد، من إمكانياتها التي لا تتبلور نهائياً ولكنها في تفجر دائم رغم مآسيها سأحمل إليه شيئاً من حبي النازف، وجذوري العشائرية، ونزعتي الفدياتية الحديثة سأجابه عالمه المنظم الصاخب المتكامل بظلماتي الصاخبة اللا متكاملة سأجابهه بهربي، وأنا أحمل بين جنبيّ حصناً من أطراف البادية إلى القلب من مدن الإسمنت والفولاذ)) ص198.‏

ويبقى الآخر حاضراً ليشهد انهزام الذات فاللاوعي الذي يخزن الآخر في راقاته يستخرجه إلى السّطح في أوقات الحاجة خاصة عندما يتعلق الأمر بالبحث في قضايا الحضارة التي يستدعيها دون رقابة‍! المقارنة بين المفترض الإيجابي المتقدم الآخر) والمفترض السلبي المتأخر الذات) ويمكن أن نسوق مثالاً آخر يتعلق بالسلوكات الحضارية، حيث يظهر الآخر مطلقاً في الإيجاب ويسقط عنه أي سلب وتتحول مقولة الذات والآخر إلى مقولة طرفاها السّلب المطلق والإيجاب المطلق على الرّغم من أن الآخر الغرب) خاصة في مرحلة خطاب السفينة) كان في هذه المعادلة يتوجه نحو الذات) العرب) بالعنف، وكان الصراع على أشده، لكننا لا نلمح مثل هذا، ويظهر الغرب جامعة ومدرسة للثوريين الذين يذهبون ليتأملوا في مفهومات الثورة والنضال والتمرد والسلطة ثم يعودون إلى أوطانهم ويقومون بالفعل: فالمثقفون الثوريون يبلورون تفكيرهم اليساري، على الأغلب في العواصم الرأسمالية إنهم أصلاً لا يستطيعون الحياة إلا في جوّ من الليبرالية التي تتيح لهم الكتب واللقاءات والدراسة والتنظيم بحرية وسخاء لما في تلك العواصم من بحبوبة فكرية وضمانات قانونية)) ص132.‏

تمثل هذه الرؤية نوعاً من الاستلاب نحو الآخر الذي يظهر في شتى تمظهراته منقذاً على مستوى جميع الحلول حتى الحل الثوري.‏

الذات الرؤية العشائرية:‏

البؤرة الرئيسية في هذه المقولة ذات منحى اجتماعي أي ذات بعد واحد يتطرق إليه الخطاب وهو الفعل الاجتماعي السائد القتل والثأر وما يستدعيه هذان الحدثان من توابع اجتماعية أخرى كالتشرد الأسري وكالانفصال العائلي إذا كانت هناك قرابة بين المتقاتلين، ويحاول الخطاب تبئير هذه القضية الإشكالية الاجتماعية من خلال تفجيرها في اللقاء الذي يحدث خارج نطاق الرقابة العشائرية بين لمى عبد الغني وعصام السلمان اللذين ينتميان إلى عائلة واحدة) في لندن ويعيشان بحرية دون أي عوائق لكنهما عندما يعودان إلى بغداد تحدث الكارثة يكتشفان أنه لايمكن أن يستمرا في علاقتهما ولا يمكنهما أن يتزوجا لأن والد عصام قتل أحد أعمام لمى وتظهر هنا المحاولة من الخطاب عرض القضية في موازنة بين الذات والآخر، ففي لندن موطن الآخر كانت الإمكانيات جميعها متاحة بل تخلّص عصام ولمى من كثير من القيود التي يحملانها من موطنهما وتظل المقارنة دائماً قائمة بين الذات والآخر وفق معادلة السلب والإيجاب وتظهر مفارقة مأساوية أعمق في حياة الذات.‏

المأساة أنهما من عشيرة واحدة وابنا عمومة)).‏

إذاً فالقضية ذات ارتباطات وذات أبعاد أخرى ربما يكون عمقها إلى أبعد من مرحلتها التاريخية وربما تعود إلى أسباب أخرى سياسية وحضارية، على أننا لانجد إشارات إلى الواقع العشائري في المسائل السياسية على الرغم من أنّ الواقع السياسي العربي يعاني بشدة من هيمنة العلاقات العشائرية على السياسة ومجريات الحياة السياسية وكذلك غابت المحاورات الفكرية التي تعتمد الرؤية العشائرية والتي رأيناها في صيادون) بممثلها توفيق الخلف) وهي في واقع الحياة الفكرية العربية تقود مسيرة التفكير العربي، وهذا ما يمكن أن نطرحه تساؤلاً على خطاب السفينة) الذي تحول من خطاب العشيرة الفكري إلى خطابات أخرى فوق واقعية).‏

رؤية الآخر للذات:‏

1- على المستوى الإنساني الاجتماعي: يصور الخطاب في مفارقة ساخرة بمرارة نقطة اللقاء بين العنصر الأنثوي الذي ينتمي إلى الآخر والعنصر الذكري الذي ينتمي إلى الذات، وهي دلالة سائدة في الرواية العربية دلالة "تجنيس" العلاقات الحضارية بين الذات والآخر يفسرها بعض الدارسين العرب نوعاً من الانتقام للخُصَاءِ الحضاري الذي تعانيه الذات وهذه العلاقة التي تعتبر في منظور الآخر خطيئة عابرة يمكن التكفير عنها بسهولة ويراها تجربة تعليمية.‏

ما كان بيني وبين نفسي سرٌّ مكتوم لا أكاد أحدث به نفسي تعابثه أنت وكأنك تعابث طفلاً بريئاً تجعل الحبّ لعبة والمضاجعة أكلة تفاح.. تصور جاكلين. نطقت بذلك وهي تعلم أنها ستظهر يوم الأحد القادم لأن تعترف لكاهن في الكنيسة، فيقول لها الكاهن لمن قلت ذلك؟ تقول: لعربي على ظهر السفينة، فيقول عليك بتلاوة السّلام عليك مئة مرة، و"أبانا الذي" مئة مرة. واحذري العرب بعد اليوم؛ لأن بينهم من يقنع بامرأة واحدة)) ص32.‏

إذا دققنا الفحص في هذا النّصّ؛ فإننا لابدّ من أن نتوقف عند مفهوم الآخر للمسيحية ولكن الآن بطريقة غير مباشرة وإنما هي استنتاجية، فعلى الرغم من أن العربي الذي توجهت إليه المرأة الأوروبية بالحديث هو مسيحي) إلا أنه يوصف بالعربي، لأن هناك فصلاً في مفهوم المسيحية فعندما يكون المسيحي لا ينتمي إلى الآخر، فإنه يسلب هذه الصفة المسيحية) ويُصَنَّف تصنيفاً آخر قومياً وفق منظور المصلحة الذي يسخره الآخر.‏

2-على المستوى التاريخي: تراود الخطاب لحظات التفات إلى الماضي وإن كان ذلك بطريقة غير مباشرة، ربما تكون هذه اللحظات تعويضية بالماضي المفترض المضيء عن الحاضر الواقع المظلم: وتواعدنا على لقاء في بيروت يعزف لي فيه لحناً خاصاً سيؤلفه جعل منذ تلك اللحظة يتردد في ذهنه وقال: سيجعله عربياً، لأن الإسبان و لوركا) معهم كلهم عرب)) ص239.‏

ويجعل الخطاب هذه اللحظات تعويضية آتية من الطّرف الآخر ليكون لها وقع أقوى تأثيراً ودلالة وينشأ تراسل واضح بين خطاب "صيادون" وخطاب "السفينة" في هذه القضية؛ فبغداد مرتبطة بالخرافة وبالعالم السحري الأسطوري بالمفهوم العامّ لكلمة الأسطورة).‏

وديع عساف راح في الحال يتغنى بعيون المها وعيون الظباء وعيون الأعراب الحدقات الواسعات، والحور، الشعراء والصعاليك والخلفاء.. وإميليا فرينزي سألتني عنها وفعلت بغداد ولمى في خيالها معاً: الجواري والحريم وبنت السلطان، وهل عشق السندباد يوماً؟)).‏

[الذات: الصحوة ووعي الآخر سلبياً العداء)] تداخل المستويات:‏

يَنْفَضُّ مؤتمر السفينة الذي انعقد لفحص كثير من الحلول رأينا منها الحل الاستلابي الذي كان يرى في الهروب إلى الآخر إلى أوربا) منقذاً له من واقعه: البَحْر خلاص جديد إلى الغرب إلى جزر العقيق إلى الشاطئ الذي انبعثت عليه ربّة الحبّ من زبد البحر)) ص5.‏

وكذلك يرى فيه مصنعاً للحلول يبلور فيه أفكاره، ومفاهيمه حول قضاياه ورأينا الانتحار الانهزام أمام الواقع... وحلولاً أخرى تندرج كلّها تحت مفهوم الهروب والالتجاء إلى الطرف غير الصحيح، وقد يكون هذا الالتجاء إلى الضفة المعادية.‏

وبعد انفضاض هذا المؤتمر، ولأسباب الفحص الكثيرة، يتوصل كثير من أعضاء مؤتمر السفينة إلى نقائض لمواقفهم السابقة تعبيراً عن صحوةٍ تُمَثّل وعي الذات الإيجابي وذلك بمؤثرات خارجية أكثر الأحيان بعد فحص إمكانيتها المخفقة والرجوع عن الهروب: أما كفاكم عشائريات متى سترضون بمواجهة العاصفة في سبيل ما تريدون؟)) ص238.‏

قد يكون هذا التساؤل نوعاً من التفاؤل يتشبث به الخطاب في سبيل الإبقاء على بقّيةٍ من روح المقاومة على الرّغم من أنه تساؤل لا يُلغي واقعاً متجذراً في الرّوح الحضاريّ العربيّ، ولكنّ الخطاب يفترض استجابة للاستنكار الذي أطلقه: بالطبع سأعود إلى بغداد... ألا ترى أن الموانع الأصلية مازالت قائمة)) ص238.‏

واضحٌ أن هذه الاستجابة استجابة حيّة؛ لذلك يسعى الخطاب) إلى تأكيدها وإظهار المفارقة الحقيقية بين البحث عن البديل في المجتمع المباين المخالف لمجتمع الإشكالية) ذاته.‏

نعم في بغداد حريتك؛ لا لن توجه إلا فيها، إنها لن توجد في الـ "هناك" الضبابي، الوهمي المغري، في أوربا أو غيرها هناك التلاشي في التفاهة هناك الهزيمة الحقيقية.. أتعلمين يا لمى أن عصام كان هارباً منك؟ أما أنا فأقول إنه كان هارباً من مدينته من أرضه وحريته لن تكون إلا في مدينته في أرضه)) ص237.‏

لهذا الإعلان الصريح للعداء نحو الآخر أهمية كبيرة فهو خلاصة تجريبية، وقد يحمل العداء بُعداً تنافرياً في فهم تكوين العناصر المؤلفة لمجتمع الذات ولمجتمع الآخر، ويبلغ وعي الخطاب للمكونات الحضارية المتنافرة ذروته في هذه النقطة والتنافر يجعل محاولة الانتماء إلى أحد الطرفين هزيمةً، هباء وتلاشياً؛ لأنه سيفقد مكوناته ولا يستطيع الاندغام في الآخر، لهذا فالحرية تعني المواجهة لا الهروب مهما تكن النتائج.‏

* ولم يأت هذا الموقف عارضاً أو طارئاً، وإنما أسس له سابقاً في الجزء المتقدم من الرّواية ووضعت له صُوَّةٌ لينبني عليها: اصطدمت بجاكلين وجهاً لوجه.. وصعدنا إلى السفينة معاً تبادلنا بضع كلمات تترنح بين العربية والإنكليزية والفرنسية.. لا أنا أجيد لغتها ولا هي تجيد لغتي فنتفاهم إلى حد ما، أو لعلنا نتفاهم، فتبقى العلاقة بيننا على شيء من الالتواء والتحفز.‏

مهما يكن فإن التفاهم صعب، حتى في أحسن الحالات هناك تساهل هناك تغاض، هناك عدم اكتراث. أما التفاهم الحقيقي فشيء نادر)) ص43 و 44.‏

مع أن هذا التباعد حتى في أسهل القضايا الإنسانية وأكثرها قدرة على التجاوز تجاوز المسافات واختصار المساحات الفاصلة؛ فإنه لا يمكن أن يتجاوز إلا في حدود ضيقة وضمن شروط التغاضي والتساهل أو عدم الاكتراث بمعنى أن التواصل الحقيقي لا يمكن أن يتم، أما ما يمكن أن ندعوه ضرورات تخلق علاقات ما؛ فإن هذه العلاقات هامشية لا يحدث فيها أي تداخل إلا تداخلات السطوح التي لا تولد بدورها أي نوع من الفاعلية أو التفاعل.‏

* واللاجدوى قانون سائد أيضاً في حياة الذات؛ لأن جميع الظّروف المحيطة، سواء ماكان منها بفعل الإرث التاريخي وما كان بفعل الأحداث الاجتماعية والسياسية المعاصرة: كنت أقول لنفسي سأذهب إلى بغداد بعد كل هذا وأُعَيَّنُ مُحَاضِرةً في كلية طلابها يطلبون الوظيفة أكثر مما يطلبون العلم)) ص162.‏

ولا يخلو الظرّف من دلالات طبقيّة ذات تأثير سلبي:‏

وسيكون لدي سيارة بطول القطار يدفع ثمنها أبي.. وسأبني بيتاً جديداً في المنصور فيه رخام من مقالع كرارة، ونوافذ بطول الجدران وارتفاعها وبركة صغيرة مبطنة بفسيفساء زرقاء سنسميها مسبحاً)) ص162.‏

وإذا حاولنا البحث في العوامل التي دعت إلى الاغتراب عن الآخر في خطاب السفينة؛ نجد أنها الاخلال في الثقة أي ظهور أزمة في الثقة بين الذات والآخر على إثر إخلال بمفهوم القيم العليا والقوانين الأخلاقية التي تربط بين أطراف العلاقات: توهمنا الصّدق في أمم العالم، وإذا نحن ضحية سذاجتنا. وقد عرفنا ذلك كأمة وعرفناه كأفراد. ولذلك فإنني كفرد ما عدت أكترث لما يقوله أحد، لا يهمني إلا إحساسي وحدسي)) ص17.‏

ويأتي التّقاطع بين طرفي معادلة الذات والآخر ذا طابع كريكاتوري)، لكنّه يحمل دلالة أكثر عمقاً، إذ يحدث تآخٍ محيّر في شخصية أحد ممثلي الذات، وهي شخصية للمذبحة، في مستوى يظهر التآخي شكلياً ولكن في المستوى الأعمق يبدو منطق الاستلاب أو ما يمكن أن ندعوه "الانسلاخ القومي".‏

لفت نظري هذا الشاب من بين العشرات من الركّاب؛ لأنه يشبه لورداً إنكليزياً متنكراً في زي أعرابي أو بالعكس. فرز إحدى الشخصيتين عن الأخرى صعب وغير ضروري)) ص42.‏

هذا التداخل فرز إحدى الشخصيتين عن الأخرى صعب) يحمل دلالتين مهمتين: الأولى تشير إلى أن مقولة الانسلاخ القومي ليست مقولة تنفيذية بالمعنى الكلي فهي- في رأي الخطاب- نوع جزئي من التحول وبالتالي فلابد من ملء الفراغ الجزئي الذي يتركه هذا التحول بمكونات مكتسبة جديدة من خلال الاندغام جزئياً بالآخر)، وهناك دلالة ثالثة يمكن الانتباه إليها وهي دلالة على إشكالية الشّخصية العربية المستلبة التي لا تنتمي إلى أي من المستويين الحضاريين العربي والغربي ولكن السؤال الذي يمكن أن يطرح: لماذا أطلق الخطاب الحكم بأن الفصل بين هاتين الشخصيتين "غير ضروري" والإجابة عن هذا السؤال قد تُحَمّله تناقضاً، فالمعنى الذي يمكن أن يُفهم من الحكم هو أن وضع الشخصية المتداخل وضع صحي بينما نرى سياق الخطاب يعرض العكس تماماً. على الرغم من تعدّد المواقف تجاه الآخر وتنوعها، لكنها في أكثرها تبقى على غير استقرار واضح ولا تستطيع تحديد موقف صريح متكامل مخطط له وربما يعود ذلك إلى السّعي إلى موازاة الواقع بصدق محتم؛ وهو ما يعني أن الذات غير متكاملة لتكون كلية متجانسة تستطيع اتّخاذ المواقف المتماسكة والمتجانسة؛ لذلك تأتي مواقف الذات متداخلة، فمن موقف العداء إلى الاستلاب إلى الاندهاش الحضاري: ما أروع الصخور التي هندسها ديدالس وهي مازالت بخرائبها تتصيّد أشعة الشمس قرابة أربعة آلاف سنة خلت)) ص30.‏

إن معجزةَ الحجر الأبيض هذه أروع ما بنى الإنسان في ثلاثين قرناً من عمارةٍ)) ص30.‏

ولا يقتصر الاندهاش الحضاري على منجزات الحضارة الغربية المادّية، وإنما يحدث الاصطدام من خلال لقاء المجتمع المباين، وهذا يُحْدِث صدمة بمعنى الاندهاش القيمي: في أكسفورد كانت القوارب على نهر الآيزيس تغريني ولا أركب فيها في الأسابيع الأولى، ثم نزلت فيها وكأنني أرتكب إثماً، وبعد كنت دائماً أبحث عن فرصة للنزول في القوارب إلى النهر هل كنت أتمتع بالإثم؟.. ألأن القوارب ملأى بالشباب الشقر الطوال والفتيات العاريات السيقان وذلك عيب نخشاه)) ص161.‏

يتحدد الآخر أيضاً في مفهوم الاندهاش بأنه وَسَط يضطرب بالحركة والاكتشاف والجنس)) ص160.‏

وذلك لأن الذات مباينة، فمقابل الحركة هناك الرَّيْث، ومقابل الاكتشاف هناك الاجترار والتكرير، ومقابل الجنس هناك الكبت ومن هذا التباين تحدث شرارة الصّدمة.‏

إن تبشير خطاب السفينة يتركز في رصده التباين الهائل في التوجه نحو العالم، وفي السلوك المتبع في التعامل مع مجرياته، فيما يلي سأعرض نصاً مطولاً ربما يعد البؤرة الخطابية في موضوعة الذات والآخر في خطاب السفينة: ما الذي نحن فيه؟ أي فردوس مجانين هذا؟ في هذه السّاعة بالذات ونحن في هذه القُمرة الصّغيرة نتأهب للخروج إلى البحر ثانية، وقد أرهقتنا الفلسفات والأوهام، ربما كان غيرنا... رحالة إنكليزي أو فرنسي، يقطع الرّبع الخالي مثلاً يغامر بحياته في رمال البوادي، محاولاً السيطرة على لغة تعصى على لسانه وحنجرته، ويجد متعة في شرب حليب الناقة بعد أن يغسل وعاء الحليب ببولها ما الذي نعرفه نحن عن صحارينا، والفيافي المفتوحة للمغامرين من خلق الله والمغلقة دوننا، عن البدو مثلاً من أمتنا، هؤلاء الذين يرسمون معالم الطريق وسط أوقيانوس الرّمال بكومة من الحجارة، كمن يرسم مسار هذه السفينة على الموج بفلينة عائمة.. هؤلاء المغامرون، هل يبحثون عن النفط ربما عن المعادن؟ ربما يمسحون ما أهمله حتى الله من أرض ليرسموا له خطوط طول وعرض شرقاً وغرباً على خريطةٍ ربما يخدمون أغراضاً خفية لدولهم! ربما‍‍! المهمّ هو أنهم يقذفون بأنفسهم في بوادي المجهول، ليعودوا بما يمكن أن يعلم ويحدد. وفي تلك الأثناء يكونون قد قارعوا الشّمس وعايشوا النجوم، وقهروا العطش، وعاشوا على حفنة من التمر، وهَرَّؤُوا بعض عجيزتهم على رحال إبل لم تُخلق لهم. ولا ريب أن بعضهم هارب من أمر ما. هارب من مجتمع لا ينسجم معه، أو امرأة يخشى زواجها أو راحة تنخز قلبه كالسّوس في الخشب. ولكن الهرب لديه الأصعب والأشق والأجدى.‏

خمس سنوات يقضيها رحالة بين الأعراب يتعلم لهجة من لغة لن يقرأها ولن يكتبها، ويعود إلى لندن أو باريس عودة قائد مظفر من معارك نائية ليصف طلوع الفجر على خيمة مرعز سوداء، وكيف تتلقى الحصى أولى الأشعة البنفسجية فتتوهج كاللآلئ، ملقية وراءها ظلالاً زرقاء طويلة... إنه يكتشف الإنسان في جوهره، وقد اغتنى بالله ونفسه عن كل شيء إلا الأقل الأقل: كلمة جميلة واحدة تطربه، وكلمة خارقة واحدة تلهبه. حيث المروءة تتبدى كل يوم، حيث الحياة هي الشجاعة المتجددة ولا يبقى للجبان إلا موته المتكرر. وفي النهاية يكتب الرحالة كتابه وينشره ونقرؤه نحن بلغته الأجنبية لنعرف شيئاً جديداً عن أنفسنا لنعلم أين بعضنا منا)) ص80-81-82.‏

استناداً إلى التميز الذي تحدثت عنه سابقاً في خطاب جبرا من تميز في الانتماء إلى الواقع "المرحلة التاريخية" الذي يوازيه الخطاب وتميز التطور(2) المرحلي بين رواية وأخرى) نجد في السفينة وعياً ذا طابع روحي مزود بطاقة مطلقية يركز فيها الخطاب على النَّفَس الروحي المطلق للإنسان العربي وخاصة الفلسطيني، لذلك جاءت الارتكسات مطلقية نتيجة للتناول المطلق فالهروب، والانتحار، والانهيار والتمرد على قوانين الناموس الاجتماعي والسياسي) جاءت في أكثرها تمردات انتحارية، ولذا كان وعي الذات هنا وعياً للسلب ومحاولة للدخول في عالم الإيجاب من بوابة المطلق الروحي بعيداً عن فهم فحوى الصراع، صراع القيم في العالم وصراع المكونات الاجتماعية والمورثات السلبية من التاريخ سواء العربي والعالمي.‏

تمثل هذه المرحلة من الوعي في خطاب جبرا وعياً شاعرياً يَتَوَجَّهُ إلى مكوّنات العالم وإلى تناقضاته، وهي مرحلة في التاريخ العربي المعاصر سادتها المطلقات الاجتماعية والفكرية واحتدمت فيها صراعات الأيديولوجيات، وتُمثل كذلك توثيقاً اجتماعياً للرؤية البورجوازية لطبقة المثقفين التي كانت تشكل جزءاً من القيادة الاجتماعية. لقد طرح الخطاب وعي الذات وعياً زائفاً منساقاً وراء الواقع منسحقاً به، وهو وعي منهزم وحاصِرٌ ومنحصر في الأفق الأحادي للذات إذ تتحول فيه الذات الجماعية إلى ذات فردية حتى في وعي الفلسطيني الذي يفترض أن يكون ذا توجه شامل ومدرك لخصوصية المأساة، وفي سلم الارتقاء التطوري لخطاب جبرا تشكّل السفينة هبوطاً وتراجعاً عن "صيادون" في قدرتها على الرؤية الموضوعية، ولكن الخطاب حاول ألا يصادر الأفق الأخير لمستقبل هذا الوعي، وإنما أبقى إمكاناً توقعياً وحلمياً كما يستنتج من سياق الختام الحدثي) لمجريات الخطاب الذي حاول بوساطة العودة عودة سكان السفينة إلى أوطانهم، ما عدا وديع عساف) الفلسطيني المحكوم بظرفٍ تاريخي خارجي استثنائي أن يفتح بوابته على المستقبل ولو موارِبةً.‏

(1) برايان فلنت سائح انكليزي يؤم بغداد ليتعلم فيها اللغة العربية أنا أدرس اللغة العربية وقد رغبت دائماً برؤية الأقطار العربية وأنا أنتظر ذلك اليوم الذي أستطيع فيه أن أقرأ القرآن بطلاقة العربي))‏

(2) استخدم التطور هنا كمصطلح مفرغ من حكم القيمة السلبي وهو ذو دلالة لغوية صرف‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244