|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:35 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الذات والآخر في البحث عن وليد مسعود: أ- التقدم والتأخّر: المجتمع الغيبي، المجتمع العشائري، المجتمع الزراعي. بأسلوب بحثي يُظهِر خطابُ البحث عن وليد مسعود) أسباب التأخير الحضاريّ العربي التي تتمثّل في كون جوهر المجتمع عشائرياً في نظامه وهو نظام سكوني محافظ ليس من قدراته الفعل نحو الأمام إضافة إلى كونه يقمع القوى الفعالة ليحافظ على تكوينه، وهي التي تشكل خطراً يقوّضه من جذوره). والتي تتمثل في كونه مجتمعاً زراعياً يؤدي الأغراض الطبيعية من أجل البقاء الطبيعي للكائن البشري، وهذا أيضاً ليس من الدّوافع نحو التطور والتقدم، ويحلل الخطاب الواقع الراهن لماهية الظاهرة الحضارية العربية، ويربطها بالظاهرة الغربية نافياً أن تكون لها ماهيّتها نفسها، وكذلك يعي نقطة مهمّة في فحوى ما ندعوه باليقظة العربية) ودخول المدنيّة، فهو يحكم عليها بالنقض ولا يعترف بوجود مثل هذه الحالة لأنها أقحمت عنوة من الخارج، وليس من داخل المجتمع، وربما أيضاً، لأنّها لم تكن في حسبان الاستعمار، فجاءت حالة مشوّهة، لاتتقدم إلا كتقدم الحالة المرضية) ولا تسمح بنشوء قوى فعالة مستقلة عنها تسهم في عملية التقدّم: إن مجتمعاً عشائرياً في جوهره زراعياً في أفضل الأحوال، غيبياً في معظمها لم يدخل المدينة إلا متأخراً وبعوامل تاريخية أقحمت عليه إقحاماً بدخول الإنكليز حكاماً في بلد أرهقهم وأرهقوه، لن يزعم أن مجتمعاً كهذا بعد الاندثار الذي حلّ به لأكثر من خمسة قرون طويلة، قد ثبت على قاعدة حضارية صلبة، بنيت عليها قواعد لاحقة صلبة مثلها. وبانعدام قواعد كهذه. وكان يقول: من السّخف أن نتصور المدينة ومجتمعها كأنهما قائمان في أقطار أوروبا ما بعد النهضة- وما بعد نشوء الطبقة البورجوازية وما بعد الثورة الصناعية- مجتمع خام موزع، مضطرب.مائع ينطلق في كل اتجاه ولا ينطلق في أي اتجاه)) ص43. ويأتي طرح الحل مباشراً بعد التحليل معتمداً إياه نتيجة منطقية للمقدمات التي عرضها فهو يريد لهذا المجتمع أن يحقق ذاته عن طريق العقل والحرية والإبداع)) ص43. وعلى عادة جبرا في خطابه عندما يطرح قضية يتناولها في أفقها الأعم الكلي ثم يفصّل فيها ويتناول عناصرها، يناقش عناصر مقولة التقدم والتأخر وفق عناصرها المكونة التالية: [التصنيع، التقنية، التكنولوجيا، العقلانية، الإبداع] ويتناول كذلك معيقات التقدم: [اللاعقلانية، الغوغائية] ويتساءل حول أهداف العملية ويحدد القيم وفق النتائج التي تتمخض بها: فجميع أنواع التصنيع مثلاً، عندما سندرسها في المجتمعات المتقدمة نجد أنها كانت أشبه بثورات فرضت على هذه المجتمعات من فوق، وأنها كانت من عمل أقليات عاتية لاتحيد عما صممت عليه، وتعتبر المشكلات كلّها قابلة للحل بالوسائل التقنية والعقلانية طلباً للتقدم)) ص44. لذلك فإمكانية فرض التقدم من فوق في المجتمع العربي من قبل الأقليات العاتية إمكانية متحققة قياساً بإمكانيته في الغرب، لكن الخطاب ينتبه إلى خصوصية المجتمع العربي وإلى البحث عن وصول نقي إلى التقدم الناشئ دون قهر أو قوة مفروضة: غير أن هذه العقلانية المفروضة من فوق تقلقله، لأن أصحابها من رأيهم أن يتصوروا أن المجتمع يمكن أن ينظم عقلانياً بمزيد من الدهاء والقوة، وأنه إذا وجدت عناصر لا عقلانية داخل المؤسسات الاجتماعية وجب عندها أن تتم السيطرة على هذه العناصر بحزم، وتغييرها حسب حاجتهم)) ص44. وهذا يسير بالعملية إلى التسلط والقمع، لأن هذه الفئات يمكن أن تتكئ على هذه المقولة وتسوغ كثيراً من مصالحها وأهدافها: ما هو الهدف النهائي لذلك كله؟ هل هو تهيئة الرفاه المادي للمجتمع حسناً، ولكن هل هذا كاف؟ وإذا سلمنا بأنه كاف هل سيحقق لنا الحضارة التي نطمح إليها؟ أو لن يكون ذريعة لتمرير أهداف خاصة لفئات تعطي الخبز للفم بيد، وتسلط المقرعة على العقل باليد الأخرى، كما حصل في فترات كثيرة من التاريخ... ثم هذه الوسائل القسرية المفروضة، ألن تنتهي إلى جعل القانون وسيلة لإرهاب المجتمع، لا لتنظيمه؟.. كيف إذن نوفق بين ما هو عقلاني وضروري وما هو لاعقلاني وضروري أيضاً)) ص44و45. ويبلغ التعميق في التصورات والتحليلات نتائج في البحث عن حلول يجب أن تنبع من الداخل من الإرادات التي تمثل بمجموعها هوية الأمة)) ص45. ولكن هذه الطروحات في مجملها سعي فكري مجرد... عن تجديد الأمة بذلك التحرق.. إلى إعادة النظر في الوجود العربي كله بمستوياته)) ص52. العنصر الآخر من عناصر التقدم التكنولوجيا التي تعني الفعل في الطبيعة والتعامل معها من منطلق عقلاني) ليس ممكناً، في مجتمع مثل المجتمع العربي، أن تكون قانوناً حتمياً يُعمل به في مسيرة الفعل الحضاري؛ لأن التكوين الموروث للمجتمع يفرز معيقات آلية تتولد تلقائياً من القوى الاجتماعية الفعالة) بالمعنى السلبي. التكنولوجيا كيف لها أن تفلح في أداء مهمتها مادام يقاومها موقف أساسي غير عقلاني من الأفكار، من الأشياء؟ التكنولوجيا هي معالجة الطبيعة بأقصى العقلانية، مع إبداعية خاصة، كيف نخلق الموقف العقلاني في مجتمع تعصف به الغيبية صباحاً ومساء، وتوقعه الغيبية فريسة سهلة لضروب من الغوغائية)) ص44. لا يعني اتساق المواقف السابقة أن هناك استقراراً في الموقف من لغة تحديد ماهية التقدم وإن كان خطاب "البحث" قد حسم الموقف لصالح التقدم ولكن الصراع يدور من جديد حول السبيل الأمثل في الوصول إلى الهدف، إلى التغيير، فبعض المواقف تنطلق في بحثها عن التغيير من منطلق الاستيراد التقني، وهذا ما أشار إليه الخطاب في البداية ورآه وسيلة غير مجدية. والبعض الآخر ينتظر القوى الفعالة الكامنة في الذات. والنظرية الأولى التي تعتمد التقنية وبالذات الكومبيوتر) رمزاً لها تطرح حلولاً جزئية، وهي حلول تبقي الذات في قبضة المنتِج الرئيسي للتكنولوجيا) أما الثانية، وإن كانت تحتاج إلى زمن وقدرة وتحولات أيديولوجية وفكرية واجتماعية هائلة، فهي الحلّ الأمثل الذي يجعل من الذات قدرة متكاملة متجانسة، بل يمنحها شرعية الاسم أمام الآخر. في الحوار التالي تظهر معالم هذا الصراع بين المفاهيم جليّة وتظهر دلالاتها وقدرة كل منها: أنت تفكر بالتغيير بموجب قوة تفرض من فوق إنه تغيير من عبودية إلى عبودية، أما أنا فأفكر بالتغيير بقوة تنبثق من الداخل من عبودية إلى حرية، من داخل الإنسان يا عامر. * لايهمني أن أغيّر العالم، عالم الناس، الكومبيوتر سيفعل ذلك عوضاً عني. * ولكنك بتعلقك بالكومبيوتر واستعماله، إنما أنت تغير العالم بمشيئتك إما إلى أفضل وإما إلى أسوأ، لا يهمك أن تغير العالم؟ لابأس ولكنك تعلم أن الأشكال إذا تغيرت، تغيرت مضامينها. كما تغير المضامين الأشكال بالضبط، أنا أعجب بالارتجال البارع الذي يؤدي إلى ارتجال أبرع وهكذا. عملية الشيء منه.. كالرسم أو الشعر: تبدأ بشيء من الوحي بشيء من الجنون، وينتهي إلى حيث ينظر الآخرون فيأخذهم العجب)) ص201و 202و 203. لا نستطيع أن نطمئن إلى استنتاج سنعرضه؛ لأن الكلام في الحوار السابق غير واضح المعالم والخطوط، فالحوار أغفل مفهوم الثورة بل غيّبه بالإيحاء بالتغيير وفق قوة تنبثق من الداخل، ولم يوضح ماهية هذه القوة التي تنبثق أهي قوة باردة عفوية بيضاء تتسم بالتحول النفسي أم هي قوة ثورية، وإن كنا نظن وفق سياق الخطاب وسياق هذا الموقف نفسه أن القوة المقصودة قوة التحول العفوي غير الثوري. والملاحظة الثانية على الحوار هي حول فرضية الكومبيوتر إذ تدعي أن الكومبيوتر هو الذي سيسيطر على العالم ويغير ويتحكم وهي نظرية فاشلة؛ لأنها تعتمد، كما عرض الخطاب، على وسيلة يمكن أن تكون في يد فئة اجتماعية ما، وهي التي تسيره وفق مشيئته، وهذه النظرية لاشك في أنها ذات منزع طبقي بورجوازي)، ومايؤكد ذلك النص التالي الذي يبدو فيه العنصر الاجتماعي الذي طرح النظرية باحثاً عن الحل الفردي يختار المظاهر الحضارية المجتزأة من سياقات حضارية متباينة ويخلق منها تشكيلاً) حضارياً يستحضره على مائدته العامرة وهو لا يرى التحضّر مساحة كلية يجب أن تغطي الكلية الاجتماعية وإنما يمكن أن يبني الحضارة وسط الخراب ولا ضير من تجاورهما. الحضارات كلها هنا على هذه المائدة، في نسائنا هؤلاء، في كلامك أنت وأنت في أصوات الفلوات والهاربسيكورد في المقام العراقي في لوحات جواد سليم وفائق حسن المعلقة على الجدران. أليس رائعاً أننا نستطيع أن نتذوق كل ذلك دفعة واحدة وقد جمعناه معاً من سومر، من فلورنسة آل مديتشي) من بغداد المأمون) من عصر الصواريخ المتساقطة على القمر والمريخ؟ كل ما عدا ذلك اتركوه وراءكم انسوه. القيم أن تكون حضارية أو لاتكون، التخلف لا يعالج؛ إنما أنت تتخطاه فلأكن مع الذين تخطوا التخلف قبل أن أقع ضحية مع الضحايا الأخرى)) ص204. واضح من هذا النص ومن الجملة الأخيرة ذاتها، الاجتزاء في فهم التحضر والتخلف وجعله قضية فردية، ويأتي الخطاب نفسه ليبين هذه النظرة الطبقية البورجوازية) معلقاً: لم يكن عسيراً على عامر أن يتخطى أو يتصور أنه يتخطى التخلف والمال لديه لم يعد مشكلة. فقد بدا أنه كلما أنفق ازداد دخله... بوسعه أن يدعي أنه يعمر عالماً مستقبلياً في وسط عوالم التخلف نفسها)) ص204. إن التخلف غياب حضاري، وكيف يكون الصعود الشاق إلى مسرح الحضور. حيث تتأطر الأفعال بالقيم ويحكم عليها بمقاييس العقل)) ص204. هذا رافد آخر من روافد التقدم في امتزاج القيم بالأفعال الموجهة بالعقل، وهو مفهوم للتقدم تفاؤلي لا يعتمد في النظرة المعطيات الموضوعية الواقع وإنما يتجاوزها بالحلم: والتقدم حين يكون تفاؤلياً يَعِدُ دائماً بضرب من الخروج من التاريخ كما نعرفه بضرب من الانطلاق إلى صعيد آخر من الحياة)) ص323. تتكرر الموضوعة الخطابية التي وردت في السفينة حول المقاربة بين إنسان العصر الأول ونصيبه الحضاري من الحياة وإحساسه العميق وإنسان العصر الحديث المثقل بأعباء القسر المعيشي، ولكنّ البحث عن وليد مسعود) تطرحه بتعديلات وإضافات على الموضوع الواحد الذي طرحته السفينة): أريد مراجعة الماضي كلّه، ماضي الإنسانية، منذ أن كان الإنسان يقتل الوحوش بيده، ويرقصُ بعد ذلك لإلهه الغاشم رقصة يُدَوِّخ بها الليل والنجوم إلى أن يقع على الأرض مغشياً عليه من التعب أريد الماضي موجوداً في الحاضر، لا لست أعني مجرد تراث... بل ما هو أعمق وأبعد وأهم، الأزمان كلّها، وهي تدفع الذهن بين مجاهيل الوعي واللاوعي متاهات الماضي في اتساع مستمر ونحن أصحابها كلّها، نحملها معنا ونحن نهيم على أوجهنا في فضاءات الزّمن الداخلية)) ص331. إن فحوى هذا الشّغف بالماضي ربما تعود في جذورها إلى ذلك الحنين إلى المفقود الإنساني الذي غادره الإنسان عبر تراكم الزمن، الحنين إلى الإيمان أو إعادة الارتباط بالآلهة، إلى جانب ذلك التوق إلى احتواء الزمن المفقود الذي تفلت من قبضة الروح الإنسانية، وغادرها في الأزل وأورثها قلق المجهول الفائت لتضيفه إلى قلق المستقبل المترقب، وهذا التوق والطموح إلى احتواء الزمن يذكر برؤية جبرا للزمن المكور أو الدائري بل بطموحه في تكوير الزمن واستدارته؛ لأن هذا التصور الزمني وقدة للخيال الإنساني ولِحِسِّه ولروحه الحضاريّ وهي أشياء تشكل مطامح روحية له تنبغي استعادتها. ويشكل الانفعال بالعالم بالمفهوم الإيجابي الفني مطمحاً كذلك من مطامح الإنسان المعاصر، وهو يحسد إنسان العصور السابقة على هذا التمتع الحسي الجمالي الذي كان يتلمسه حتى بطريق العمل بتحويله إلى تجربة روحية تتكثف فيها الانفعالات الحسية والجمالية لتحقق الإنسان وفي النهاية نجد منزع الخطاب في أي توجه له وهو منزع روحي يريد استرداد المفقود أو خلق تعويضات مقاربة: هناك أقوام بدائية إذا سألتها: لماذا تعمل؟ أجابت نعمل لكي نرقص أي لكي ننفعل حسياً وجمالياً، وجماعياً إنه تغيير من نوع ما ولو لساعة)) ص203. وتبقى هذه الرغبة مسيطرة، هاجساً يبحث عن حضوره وتحققه ويدأب الخطاب في البحث عن محققات وعن مقاربات للروح التي تعني التقدم والجسد الذي يعني المادة ويعني انحسار الحضور الحضاري بمعناه الحقيقي، ويجهد كذلك في إيجاد الدلائل والبراهين على هذه المعادلة انحسار الجسد أمام امتداد الروح، فلا يستطيع العالم الراهن وفق معادلة العكس على الرغم من أنها هي الحقيقة الماثلة في الواقع، وهذا اتساق في الرؤية في كلية خطاب جبرا الذي ما فتئ ينزع هذا المنزع ويصارع أي محاولة لتحويل مسار المعادلة الذي يفترض أنه المسار السوي: الإلهام هو أن تتلاشى فيما ترى... ولا أقصد فيما ترى بصرياً ورؤيوياً حلمياً، أي فيما ترى إضافة إلى رؤية العين كتجربة الفنان السومري قبل خمسة آلاف سنة. أتذكرين المنحوتات السومرية الغربية لرجال ونساء واقفين في كل منها تكون العينان متسعتين اتساعاً مذهلاً بحيث تملآن معظم الوحه، وتكحلان بالقمر الأسود تأكيداً على اتساعهما، لأن صاحبهما على اتصال برؤية ما، عميقة خارقة بينما تجدين يدي التمثال صغيرتين لحد التلاشي لماذا لأن اليدين الصانعتين هما التأكيد على وجود الجسد، والجسد في تجربة الفنان هنا يتلاشى، لأن العينين الرائيتين نافذتي الروح أصبحتا كل شيء وأصبح الجسد لاشيء هذا هو الإلهام.. يكاد يكون انتقالاً من حالة الأنسنة إلى حالة الألوهية)) ص221. هذا هو المطمح الذي يسعى إليه التحول من الأنسنة إلى الألوهة وبمعنى آخر عرضناه سابقاً هو إعادة الارتباط بالألوهية المفقودة وربما يكون من مسببات هذا الفقد التطور التقني الحديث التكنولوجيا) و الكومبيوتر) والماضي خلو من هذه المنجزات فهو مازال بكراً. لم يهتك بالأرقام والمؤسسات وهو بالشكل الطبيعي سيكون مطمحاً لأبناء الحاضر. إلى جانب هذا النزوع الروحي العالي نحو الماضي بطريقة تصوفية تتوحد بالزمن الذي يمتلك الروح وتريد استحضاره في الحاضر نجد محاولة أخرى من نوع آخر لخلق التجاور بين الماضي والحاضر ويتم ذلك في إطار التنازع بين الذات والآخر على احتياز الفعل الحضاري: أين يقع رجل كعامر ناجي عبد الحميد من بنية المجتمع في مدينة كبغداد؟ في كل مدينة من مدن الغرب الكبيرة هناك دائماً ثلاثة رجال أو أربعة من طرازه.. لهم قصورٌ أرستقراطية لم تزعزعها نظريّات وأساليب المساواة الاجتماعية المزعومة.. فيها إبداعات وغراميات وفضائح، وأفكار تتبلور في اتجاهات ومدارس وتقليعات لايكون الفنّ بمنجى منها ولا الأدب ولا السياسة... عامر ناجي عبد الحميد وأحد من هؤلاء، بل إنه في بغداد يكاد يكون وحيداً في مجتمع خاصّ لا يشبه في كيانه شيئاً من الكيانات المجتمعة المحيطة به، فهو ليس بظاهرة، بقدر ما هو شيء من عالم آخر أو ربما من عصر آخر. فبغداد وفي تاريخها العريق عرفت كل شيء عرفته حضارات اليوم ولعل عامر، إن لم يكن مستعاراً من باريس أو لندن فهو مستعار من ماضي مدينته هو، مدينته التي كانت قبل أكثر من ألف سنة حاضرة الدنيا في كل ما يفعله الإنسان أو يفكر فيه في وسط دسائس الحكم، وتمرّد الجند وصراعات أهل الدّين، كان هناك مَنْ يسمعُ في حجراته أروع الشعر أروع الموسيقى، أروع الجدل: كان هناك من يلتئم على مأدبته الملائكية والشياطين المؤمنون والزنادقة، الموالون والثائرون، على أن يتصفوا جميعاً بما يعجز أن يتصف به الآخرون من فتنة أو ألمعية أو لسان)) ص198. إن الحركة هي المطمح، والتّغايرُ والاختلاف هما دافعا الحركة، والحركة هي الارتقاء الحضاري، الصعود إلى مسرح الحضور) الحاضر يتصف بالتماثل والتشابه في عناصر الذات وهما مبعث السكونية ومُثبتاها. أمّا الموقف الثّالث من الماضي، فهو موقف انتقائيّ يَعْمد إلى الاختيار وتوصيف الماضي وفق رؤياه، والانتقائية هنا بمعنى الانتقائية الغرضية بالمعنى السّلبي، وهذا الموقف يوزع الماضي إلى خطيّن: الخط الأول مرفوض على الرغم من إيجابيته ويرفض الانتماء إليه ولكنه يختلق حداً جديد المفهوم. الماضي يتمثل في الانتماء الأسري وهي موضوعة خطابية بدأت في صراخ عنايت هانم وآل ياسر) وانتقلت إلى صيادون) عماد النفوي) ثم اضمحلت قليلاً في السفينة وكان تجليها وفق أبعاد أخرى مختلفة عن سابقتيها والآن في "البحث" تعود إلى الظهور بالعنف ذاته الذي ظهر في صراخ)؛ لأن هذه الموضوعة كان عنفها في ذروته في صراخ) وتأتي هنا مشفوعة برفض الماضي العام، الذي يشكل الانتماء القومي لصالح الأسري) في البداية من منظور الانتماء إلى عشائرية الطبقة الإقطاعية، ثم من منظور الانتماء البورجوازي: يرفض النظر إلى تاريخ أمته، قد يرى التاريخ كلّه يبدأ بجده، وهو يناقض العثمانيين عشوائياً في أواخر القرن الماضي ويتنامى التاريخ بالاحتلال البريطاني للعراق؛ إذ يبرز أبوه محارباً وطنياً يشعر أن كلَّ معركة يكسبها ضدّ الحكّام بدخوله السّجن أو بالإقامة الجبرية في بيته تدنو بالبلد من يوم تحرير يحلم به على غراره الخاص ولا يتحقق الحلم، عامر يعيش لحاضره، لحاضره فقط... بغداد تعني له داره التي ورثتها عن أبيه وجدّدها وحديقته الفسيحة.. بغداد تعني له مائدته العامرة ومطبخه العصري المزوّد بمؤن تكفي حيّاً بكامله في سنة مجاعة، ومجموعة خموره الفرنسية الألمانية وضروب الأجبان الفرنسية والإنكليزية والسويسرية والدانمركية)) ص198-199. ربّما يكون هذا هو مفهوم التقدم في رؤية الموقف الاستهلاكي) خاصّة أننا رأينا قبل قليلٍ مِنَ الصَّفَحات في معرض الحديث عن التقدم والتأخّر أن هذا الممثل المنتمي إلى موقفٍ من مواقفِ الذّات يرى إمكانية قيام الحضارة في أحضان التخلف والاستمرار فيهما متجاورين. فإذا كان مفهوم التحضر يظهر في بعده الاستهلاكي، فليس هناك إدهاش في المسألة وإنما يكون الوضع طبيعياً من نتاج الحتميّات، وهذه الرؤية تعتمد في وجودها على وجود الآخر، وهو المتجلّي الدائم في أي بحث عن ماهية الذات والولوج في عوالمه. وقبل أن ننتقل إلى فحص رؤية الذات للآخر نشير إلى بعض الرُّؤى الأخرى للذات خاصّة فيما يتعلق بالماضي، فبعضُ عناصر الذات تطرح تقصيراً في معرفة الماضي أمام معرفة الحاضر، وهذه المقولة أيضاً عالجها خطاب صيادون) وكذلك خطاب السفينة) وجاءت في صيادون) ذات بعدين متناقضين في علاقة الماضي بالحاضر والاستلاب من أحدهما. وفي السفينة) ارتبطت بالعلاقة مع الآخر والآن تأتي: ما أقل ما أعرف عن تاريخنا وأنا طالبة التاريخ)) ص234. ويتوصّل ممثلو الذّات إلى الإيمان باللاجدوى من الفعل الثّقافي ومن المواقف الفكريّة والسلوكية التي اتخذوها ضدّ مجريات المجتمع: ما الذي تلتزمه أنت؟ المجتمع؟! العقل؟ ومالذي التزمته أنا؟ الجماهير مالذي قضى كاظم عمره في التزامه على طريقته؟ إحلال البررلتاريا محل البورجوازية)). رؤية الذات من خلال رؤية الآخر تجليات الآخر في الذات): يناقش الخطاب موضوعة الثقافة والانتماء الثقافي إلى إحدى المنطقتين الثقافيتيين: ثقافة الذات أم ثقافة الآخر؟ ويهاجم الفرز الآلي السطحي وإطلاق الحكم النهائي بمجرد الاهتداء إلى مصادر الثقافة فإذا كان المصدر غربياً سواء أكان في الكتب أم في الجامعة؛ فالحكمُ على المثقف بالتغريب). وإذا كانت الثقافة تقليدية عربية دينية؛ فالحكم المجهّز لها الرجعية والسلفية: المقولة تزداد رواجاً يوماً بعد يوم، لأنها تلذّ للجلهة، المقولة مبنيّة على ما يبدو في الظّاهر أنه سيرورة منطقية: المرءُ حصيلةٌ ثقافيّة وبما أنّ الثّقافة مصدرها اليوم الكتب الغربية، أوالجامعة بمناهجها العلمية التي مصدرها الحقيقي هو أيضاً الغرب، فالمثقف حصيلة غربيّة أي أنّه لاصلة لفكره في أعماقه بطبقته وأرضه... وإذا كان مثقفاً ثقافة عربية دينية تقليدية؟.. سيقولون، ولا ريب أنه هو أيضاً حصيلة رجعيّة حصيلة فكرٍ سلفيٍّ مثاليٍّ يستنكف عن الطبقة والأرض.. نتيجةُ هذا المنطق أنّ الثقافة هي تقطيعٌ لصلاتِ الإنسان بطبقته وأرضه. أي أنها نوع من الجناية)) ص355. يندرج هذا التصوير الذي يعرضه الخطاب في المأزق الفكريّ والثقافيّ الذي يعانيه المثقف في مجتمع الذات، ونتيجة لهذه التقسيمات ولهذا الفرز يجري الصّراع الفكريّ الحادّ الذي يشكّل جوهر الصّراع الحضاري، ولذلك تكون النتيجة خُلّبيّة؛ لأنّها نتاجُ صراعٍ وهميٍّ غير منبنٍ على أُسس جادّة وعلميّة وموضوعيّة وإنّما هو صراع ارتجاليّ قد تكون أطرافه ليست على نقائض، ولكن على اتّفاق. رؤية الآخر: لا يبدو الآخر شديد الحضور على مساحة الخطاب، كما رأينا في السفينة) و صيادون) على الرّغم من وجود مسوّغ لذلك، وهو أن الشخصية الرئيسية بل أكثر الشخصيّات لها علاقة وطيدة بالآخر؛ إما من خلال الاتّصال المباشر بالدّراسة بين ظهرانيه وإمّا بالاطّلاع غير المباشر على ثقافته، ويبدو أنّ الخطاب استنفدَ هذه الرّؤية في السّابق. -الموضوعة /التفريعة/ الأولى: الآخر المُنْقِذ المتوقَّع خيبة الأمل) الفرز السائد في أيديولوجيا العالمين: الغرب والشّرق يمنح الشرّق صفة الرّوحاني والغرب صفة الماديّ)، لكنَّ الشرق الذي سيطر عليه وهم التفوق الغربي أخذ يرى خَلاصَهُ حتى خَلاصَهُ الروحيّ بالمعنى الغيبيّ الصِّرْفِ مهيأ في جعبة الغرب وما على الشرقي إلا أن يقطع المسافة الفاصلة ليصل إلى فردوسه الموعود، إلى أرض الأمل، غيرَ أنّه ما إن يطأ هذه الأرض يحسّ بأنه الجحيم، وعليه أن يتخلّى عن كلّ أمل: فلما أرسلت إلى إيطاليا لأدرس اللاهوت في دير سانتا ماريا دولوز في ميلانو حسبت أنني سأجِدُ هناك المنطق الذي سيبرّر حلمي الذي لم يتح لي أن أفهمه في الكهف بوادي الجمل. وإذا بي أكتشف أن ما أرسلوني لدرسه قد جعلوه وسيلة لتثبيت العالم لا لتغييره. أردت تغيير الأعماق، تلك الأعماق، تلك الأعماق التي بها سوف يخلق الإنسان بشراً جديداً. وإذا كلّ ما أراه هو العمل بجنون على مسح السطح وَرَدْمِ الأعماق. هكذا رأيت الجيوش العاويَةَ المحشوّة في الساحات تُراوح بأحذيتها الثقيلة، ثم تدفع دفعاً إلى مصير يُذهلني ويُغْضِبْني لم يفهم زملائي ما الذي يريده هذا الفتى العربيّ من فلسطين يؤمن بثوّار الجِبال التي جاء منها ولا يؤمن بجيوش روما الجديدة)) 186، 187. هكذا يكتشف المتمايز بالاصطدام الذي يولّد الصدمة من التّباين الحادّ بين عالميْ الذات والآخر: عالم يحاربُ في الجبال من أجل حريته وعالمٍ يُجَيّش الجيوش ليسيطر ويحكم والتغييرُ خاضعٌ لمشيئة هذه الحشود القطيعية. في ضوء هذا الفهم المتباين المقولة التغيير والتغير تُحدث صراعاً يكون فيها مُمَثِّل الذّات الأضعف، لأنه لا يحتمي بجيوش روما وإنما يحتمي بمقولات السّيّد المسيح، لا يحتمي يصلف الغرب ووقاحته وأحذية جنوده وبنادقهم وطائراتهم.. وإنّما يحتم بروحانيّة الشّرق، وهي غير مفيدة إذا حدث لقاء بينهما وبين جديد الغرب. انبرى لي أحدهم... وقال بحدّة: ماذا تعني بهذيانك هذا؟... إذا كنتَ تريد تغيير العالم، كما تدّعي، فانخرط في صفوف هؤلاء المحتشدين، الصّارخين في ساحة الدوومو)؛ لأنهم في طريقهم إلى تغيير العالم أو ابقَ مكانك تقرأ الكتب... وانتظر يوم القيامة،.... فقلت له: ولكنّ المسيح لم يحارب بأدوات القتل، انظر ما الذي استطاع أن يفعل باثني عشر تلميذاً مُعْدماً، أبرعهم صياد سمك من طبريا في قرنين أو ثلاثة غَيَّرَ العالم ولكنّ الإمبراطوريّة الرومانيّة الهَرِمَة عادت فالتهمت النصرانية واستوعَبَتْها وجمدت التغيير- فهزّ رأسه مستهزئاً بمنطقي، فأضفت: نَصَّبَت الإمبراطورية المسيح مكان قيصر، وجعلت منه قيصراً أبديّاً يحكمون باسمه، وعاد النّاس عبيداً من جديد لألف سنة أخرى، فصاح لي... حَنِقَاً: أي تأويل هذا للتاريخ، وللدور الذي لعبته الكنيسة القديمة فيه؟.. أهذا كلام يقوله مُريد للرهبنة في ديرٍ كاثوليكيٍّ... ثم أمسك بتلابيب جبّتي السوداء، وقد جحظت عيناه: أتعلم أيها المفكر، أنت تكفر بنعمة من آواكَ في ديرٍ إيطاليٍّ بعد أن كنت تتسكع جائعاً في قرية فلسطينية)) ص187و188. رأينا في صيادون) مناقشة حول رؤية الغرب للمسيحية ولمسيحيي الشرق، وكانت نتيجة هذه المناقشة الإدانة المطلقة للغرب، وهنا يحدث تنازع حول هذه القضية، وحول سلوك الغرب في تطبيق المسيحية يوجه ممثل الذات الإدانة الصريحة إلى مفهوم الغرب بإلحاقه بالسّلطة الدنيويّة بعد أن كان سلطة دينية، وتحوير ماهيّة المسيحية من سلطة روحيّة تسعى إلى تغيير العالم بطريق السّلام) إلى سلطة قمعيّة استعبادية تَحْكم بالجيوش واحتكار عرقيّ للمسيحية، ويسفر التباين بين الذات والآخر، ليس صراعاً حول مفهوم المسيحيّة بالذات، ولكنّه صراع بين نقائض أيديولوجية، طرفُها الأول غربٌ متسلّطٌ يسعى إلى السيطرة والاستعباد وفق قانون الشمال المتقدم المتفوّق، والثاني شرقٌ يسعى بوعيه وبلا وعيه إلى توازن في العالم بطريقٍ لا يمكن أن يتوافق مع سعي الطرف الأول الذي يراه الجزء الثاني من القانون "الجنوب المتخلف". وتأتي ارتكاسات الذات موقفاً سوياً ومناسباً ردّاً على طروحات الآخر، وهي تشكّل استمرار للموقف السابق عرضناه في السفينة وهو عودةُ ممثلي الذات إلى وطنهم بعد فحص إمكانية الخلاص لدى الآخر، وهنا أيضاً يحدث الشّيء نفسه يتمّ الفحص بالاصطدام العنيف، وهذا العُنْف لم نجده في السفينة) مثلاً أو في صيادون) ويأتي القرار بمغادرة الفردوس المتوهّم: قَرَّرت هَجْرَ الدّير، ولم يكن قراري نتيجة خيبةٍ في ما كنت أدرس فحسب، لقد بات بعد أشهر من الحيرة والقلق أمراً لابد منه، إن أردت الإخلاص لنفسي لوطني للعالم، إن أنا أردت الإخلاص لحريتي وحرية الآخرين: إن أنا أردت أن أستمرّ في سعيي نحو ذلك التغيير العميق الذي بات يثيرني ويعذبني؛ لأنني مازلت قاصراً عن إدراك أبعاده الحقيقية، وأنا في بلد غريب لا أستجيب فيه إلى ناسه ومشكلاته، ولا أستجيب فيه إلا للصّور والتماثيل والموسيقى؛ لأنني أشعرُ أنها جميعاً إنما تشير إلى بلدي إلى بيت لحم والقدس وطبريا، إلى فلسطين لسهولها وجبالها وينابيعها)) ص188. -الذات والآخر في عالم بلا خرائط): إن تناولنا لعالم بلا خرائط خطاباً روائياً، ندرس فيه موضوعة الذات والآخر يقدم بين يدي البحث معضلة، لا يمكن تجاوزها أو المرور عليها دون اكتراثٍ؛ فالرواية تأليف ثنائيّ، وبعيداً عن الحكم النقدي على هذه التجربة، يمكن أن نضع في الحسبان الدراسي المزالق التي نخشى الوقوع فيها، ولكن لكي نكون في مأمن نسبي من هذه المزالق نسوق مجموعة من المطمئنات البحثية بل من المسوغات التي تسمح لنا أن نحاول مقاربة الدلالات الخطابية: 1- فيما يتعلق بالتأليف الثنائي من حيث تداخل مستويات التعبير لدى الكاتبين يمكن أن نتعلل بأن جبرا بمجرد قبوله بصدور الكتاب بالاشتراك مع منيف يقرّ بأن هذا المنتج الإبداعي يشكل جزءاً كبيراً من عالمَه فإن لم يكن بمطابقةٍ تامةٍ فبنسبيّة كبيرة، وبأنه ينتمي إليه كذلك بالنسبية نفسها. 2-من خلال الفحص الانتسابيّ والنّسبيّ للمقولات التي طرحتها عالم بلا خرائط) وجدنا أنّ هناك تقاطعاً كبيراً بينهما وبين مقولات الرّوايات الأخرى في الخطوط العامّة وفي تفصيلاتها الجزئية، ولا يحدث الخلاف إلا في قضايا من الطبيعي أن يكون فيها خلاف كالخلاف الذي ينشأ مثلاً بين صيادون) و البحث عن وليد مسعود). -التفريعة الأولى: الماضي والحاضر: يأتي الخطاب على هذه المقولة إتياناً سريعاً ليظهر أن الحدّين الماضي والحاضر حدان مختلفان متباينان تبايناً فاصلاً، وربّما يكون ذلك لطبيعة المثال المطروح للموازنة بينهما الحاضر غير الماضي، غيره تماماً لا صلة من أي نوع بين الاثنين)) ص70. ويتناول الخطاب مقولة الماضي والحاضر من خلال طرح هذه المقولة لتُفْحَص في ضوء التغيير الذي حدث للمدينة ومن خلال المقارنة بين حاضر المدينة وماضيها، وهذا تطور للخطاب من حيث نقطة التناول ففي الروايات السابقة كانت مقولة التغير والتطور والتقدم تناقش من منظورات مجردة أو فلنقل لنكون أكثر دقّة ودلالة على ما نريد) من منظور الواجب) أي ما يجب أن يكون أما في عالم بلا خرائط) فالأمر مختلف إذ أخذنا الخطاب يتفحص التغيّر ويقارب الوقائع بعد أن كان يقارب الواقع، ويستنتج بل يرصد هذه الوقائع ويحكم عليها، وربما يكون هذا الظهور المختلف بل الطرح المختلف والنزول من مناقشة القضايا بمفهوماتها الكبرى المجردة بتأثير من الكاتب الشريك "عبد الرحمن منيف" الذي يتصف في خطابه بمعالجة القضايا وفق دراسة بحثية أقرب إلى الدّراسة العلمية التحليلية للجزئيات والإجراءات الوقائعية(1) في الواقع: لا تنظر إلى المدينة الآن، ما ترونه لا يمتّ إلى المدينة التي كانت في تلك الأيام حتى أخلاق الناس تغيرت، كانت الحياة عذاباً لايرحم)) ص72. رأيت عمورية تتسع في ربع القرن الأخير اتساعاً مذهلاً، فكأنني كلما تقدمت في السن ازدادت المدينة طولاً وعرضاً وفوضى من مئة ألف نسمة في أوائل العشرينات إلى نصف مليون بعد الحرب العالمية الثانية إلى قرابة ثلاثة ملايين نسمة اليوم)). هذه الدراسة الديموغرافية) السّكانية لتطوّر المدينة في تصوّري ليست من القضايا التي تعني جبرا كثيراً إلا في إطار تأثيرها على القيم والسلوكات البشريّة وتأثيرها على المقومات النظريّة التي كان يناقشها فهو يرى الأشياء في سياقها الكونيّ الشامل ويناقشها من منظورٍ حضاريٍّ أعمّ وأشمل وفق قانون القيمة الأعلى دائماً. على أن هذا الاهتمام هو من اهتمامات "منيف" ويؤكّد ذلك استمراره بدراسته السّكّانية والاجتماعية من منظورٍ ديموغرافيٍّ، فيرصد الحركة الاجتماعية داخل المجتمع ويوصّف النزوحات الاجتماعية التي تسمى في المصطلح السكاني "الهجرة" وبالذّات "الهجرة التقليدية" التي تحدث من الريف إلى المدينة والتي دُرِسَت كثيراً في الأدبيات الاجتماعية: والرّيف ينزف في اتجاهها المدينة) دونما رأفة، المطلّة، غسرين، عين فجار، العريشة الطيبة، المحمودّية هذه إنما هي القرى القريبة فقط التي غذّى أهلوها الجبليون عمورية حتى لم يبق في القرى إلا العاجزون عن الهجرة هذا فضلاً عن الذين هاجروا إلى أمريكا وغيرها)) ص79. هذه الدراسة لقضية الخلل في التوزع السكاني ينزع إليها دارس مُسْتَقِرّ) أي أنه ينتمي إلى مجتمعه نفسياً وروحياً وهو لا يعاني الاغترابات الكبرى الاغتراب عن الوطن) والاغتراب عن العالم) عن القيم) عن الكون) وهذا في تصوري بعيد نوعاً ما من عبد الرحمن منيف. وإن كان ذلك لا يعني أنه غير مغترب عن عالمه وعن وطنه وهو المنفي كما هو معروف، غير أن اغترابه مختلف عن اغتراب جبرا المغترب روحياً وكونياً والمنفي المجتث من جذوره الذي ينظر إلى كل شيء حوله بقلق وخوف وترقب وهذا لا يطمئن للبحث في قضية هجرة الريف إلى المدينة مثلاً لأنه في داخله مهاجر من ذاته من عالمه مهجر من وطنه، وأنا عندما أرجح أن لا يهتم بمثل هذه القضايا التفصيلية في حياة المدينة؛ فإني أتكئ إلى صوى موضوعية تؤيد ما أقول: أول هذه الصّوى مفهوم جبرا للإبداع، وهو أكثر الأحيان مفهوم شاعري حتى في معالجته لأبسط القضايا، وثانيها أن جبرا لا يعالج القضايا إجرائياً وإنما يُرجعها أكثر الأحيان إلى معلّقاتها الشمولية، ويُسقط عليها حِسَّه ووعيَه القلقين ويتناولها ضمن الكليات؛ فهو مثلاً يعمل في مجال النفط، لكنّه لم يأتِ على هذه القضية في أي من رواياته كتفصيل بحثيّ، وإنما بقي يعالج المسألة من خلال ارتباطاتها بالقضايا الكبرى علاقة الذات بالآخر) ومقولة التقدم والتأخر). يعود التوصيف الهجائي للمدينة إلى الظهور، ليَظْهَرَ قدراً ما مجهولاً يتحكّم بالحركة الإنسانية داخل العالم: وكادت القرى تفرغ من فلاحيها، وإذا هي تعمر، شيئاً فشيئاً، بأناس أغراب، لا يُعرف بالضبط من أين يأتون، الطبيعة تكره الفراغ. ولكنها تملأ الفراغ حسب أهوائها هي، لا أهوائك أنت. حركة عشوائية تموج في البلد كلِّه كأنما نحن في أول مرحلة من مراحل تاريخ قادم بالعجائب، أو في نهاية مرحلة نراها تبتعد في أحشاء أفق بعيد تحت أبصارنا)) ص79. والقدر الخارجي هذا جعل المدينة في وعي الخطاب مدينةَ كلِّ التناقضات، بل جعلها مدينة التناقض الأكبر، فهي في جوهرها تحمل كلَّ القذارات، وتختزن جميع أنواع الفجور، وتحاول أن تظهر على السطح مدينة الفضائل). هذه المدينة التي تربض على سفح الجبال وتمدّ نفسها برخاوة قاتلة في أنحاءٍ عديدةٍ حتّى البحر، وتحرص على أن تُغْلِقَ ذهنياً على نفسها الأبواب بعد غياب الشمس، هذه المدينة التي تتحدث بصوتٍ عالٍ عن الفضيلة، وتُعطي الفضيلة طابعاً علمياً يتحدّد بمقدار الرّبح والخسارة، وتفرحُ بخجلٍ كأنها تقترف إثماً وتحزن بفجور وتنظرُ بلا مبالاة، وبعض الأحيان بسُخرية، إلى الكثير ممّا يجري، كأنه لا يعنيها، هذه المدينة بفجاجتها ظاهرياً ولا مبالاتها باطنياً، والقذارة المعنوية التي تختزنها، وتلك القيم السائدة فيها جعلتني في مرحلةٍ من المراحل أعتبرها مسؤولة عن حالة الضيق، إذ لا يعقل أن يكون الناس على هذا القدر الهائل من الرخاوة والمداجاة وفساد النفس لولا الريح النتنة التي تهب على عمورية معظم أيام السنة)) ص80. الانتباه المهمّ السّابق الذي ينتبه إليه الخطاب انتباه علميّ، ربّما يكونُ على شيءٍ معينٍ من الدقة، وهذه الدراسة العلمية للظواهر جاءت جديدة على خطاب جبرا وهي دراسة أثر البيئة والمحيط الجغرافي في النفس) الحضاري والسلوكي لأبناء المدينة ولا ندري مدى مشروعية طرح مثل هذه القضية من وجهة النظر القيمية ففي منظور القيمة التقدم والتأخر) يبدو مثل هذا الطرح تسويغاً غيبياً للحالة السائدة على الرغم من أنه يحاول تناولها من منظورٍ علميٍّ ويصف التغيّر الحاصل في بنية المجتمع العربيّ بالزلزال). والنتائج الحاصلة من هذا الزلزال هي ثمرات التغيّر، وهذا يعيُدنا إلى رؤية خطاب البحث عن وليد مسعود) الذي رأى في التغيّر الحاصل نوعاً من القسر الذي أدى إلى ثمرات غير ناضجة وغير قابلة للنمو والتقدم: إننا كلّنا نحيا عقابيل الزلزال سهولنا أضحت جبالاً، كرومُنا أضحت مصانع، خيولنا تحوّلت إلى حافلات مكتظّة حارقة، وحكاياتنا القديمة ما عدنا نجدها إلا في أطروحات دارسين ينالون بها درجاتهم الجامعية)) ص80. وهو أيضاً قريبٌ من بعض مما دار في صيادون) حول التَقدّم والتأخرّ بل حول التغيّر الذي حصل في حياة المدينة العربية. وتستمرّ هذه الرؤية التي تصور المدينة كسلطةٍ غيبيةٍ مسيطرةٍ لا يمكن الانفلاتُ من قبضتها، وتُصوّر الإنسان حيواناً راضخاً يخضع لكلِّ معطيات الخارج، وليس في داخله أيُّ محاولة للفعل، فهو مُسْتَلِبَ أفرادهُ مشوه عاجز: كما لا يُعقل أن يكون الناس هكذا لولا أن المدينة لا تكف عن ترويضهم وإعادة تكوينهم باستمرار؛ لكي يصبح في النهاية هذه الابتسامات البلهاء التي تفترس الوجوه دونما معنى وتبقى بواطنهم أسراراً لا تخترق لو لم يكن الأمر كذلك، كيف أفسر هذه القوة الخارقة التي تَمْتَلكُها عمورية، والتي تُحيل الناسَ خلال فترة قصيرة إلى مخلوقات مشوّهة عاجزة. أقرب إلى الحيوانات المدّجنة؟ كيف أفسّر هذا التشابُهَ الذي يزداد ويترسخ بين أهل عمورية القدامى، وبين الذين جاؤوا من الأرياف)) ص80. من الغرابة أن يتناول الخطابُ الحركة التاريخية البشرية بهذه الطريقة، بل أن يقوم بإلغاء الحركة التاريخية البشرية ويعزل المدينة عن مكوناتها البشرية والاجتماعية، فجميع القيم المدينية) ليست إلا نتاج الاجتماع البشري، لكن الخطاب يجعل جميع منتجات القيم وجميع عناصر حركة المجتمع هي نتاج حركة خارجية. ويبدو الخطاب وكأنه مُوَكّل بدراسة جغرافيّة المدينة العربية وتوضّعها وأثر هذا التوضع هنا على الفعل الحضاري: فإنَّ تكوّن عمورية جبلية لا يعني تميزاً لها، لأن هناك مدناً أخرى كثيرة تنهض فوق الجبال فدمشق وعمان والقدس والجزائر ومدن أخرى كثيرة غيرها تكاد تشبه عمورية من حيث الموقع... إن أكثر مدن الشرق المطوقة بالصحارى والمياه ونتيجة الحرارة والبرودة تكون عرضة للتيّارات الهوائية، مع التيارات والرياح تحمل خيراتها) إلى هذه المدن، فتجعلها تغتسل في ذرات الغبار ليل نهار، وتحيل لونها إلى صفرة ثم لا تلبث هذه الصفرة أن تكمد تدريجياً بفعل القذارة والأجساد المتفسخة... أما الحجارة فأن تكون من الكلس الهش أو الغرانيت الصّلد، فلا يعني شيئاً في قيام مدينة من المدن، هل كانت عمورية تختلف كثيراً لو قامت في سهل من آجر مفخور أو مجفف في الشّمس)) ص81. إننا نعترض على الاقتصار على الدّراسة الجغرافية إذا أخذنا عالم بلا خرائط) رواية مستقلة عن كليّة خطاب جبرا، أما إذا نظرنا إليها كجزء منتمٍ إلى الخطاب؛ فإننا نعدّها إضافة مهمّة جدّاً في سياق سيرورة الخطاب وهي دراسة مكمّلة للدراسات السابقة في الرّوايات الأخرى وتكتسب أهميتها من زاوية النظر الخاصّة. رؤية الذات من خلال الآخر: ينحسر الآخر كثيراً في عالم بلا خرائط) ولا يتلامح إلا من خلال بعض عروض قليلة وطفيفة وضعت لاستيضاح الذات من خلال الفروق بين الذات والآخر ويرصد الخطاب هذه الفروق بطرح مثال يُبَيّنُ التناقضات، هذا المثال هو مثال تقليديٌّ في حياة الذات: دارسٌ يذهب إلى الغرب ويعود بمفاهيمه التي استقاها يحدث في داخله تفارق حضاري خاصة بعد العودة، تخلق له مشكلة التواؤم والتلاؤم مع المجتمع، يحدث الاغتراب. لمّا عدت من إنكلترا، وبدأتُ أعرض بضاعتي الجديدة، أفكاري وأحلامي، واقتراحاتي، وجدت أنني أختلف مع الآخرين بمقدارٍ كبيرٍ... خالي يجدني شخصاً غريباً... وكأنّ السنوات التي قضيتها زادتني جهلاً وضياعاً، يجب أن تعيش من جديد في هذا المجتمع لكي تتعرف عليه)) ص186. هذا إلى جانب قضية أخرى ترصد علاقة الذات بالآخر ورؤية الآخر الذات خاصّة أثناء نكسة حزيران عام 1967: إن الإهانات الصّامتة التي نتلقّاها في الغربة من العيون الباردة الشّامتة كانت أقسى من النابالم، وإن الأسئلة التي تبدو شديدة البراءة حول تطورات الحرب كانت مثل السكاكين التي تمزق الأحشاء)) ص187. إضافة إلى ذلك يحاول الخطاب إيجاد مجاورات إيجابية للذات على الرغم من أنها تنتمي في مفهوم التقسيم المُصطلحي إلى الآخر. أتدري أن الإيرلنديين والعرب يتشابهون، بل متطابقون؟ كلا الشعبين يحبّ الحريّة لدرجة الفوضى، وكلاهما مبتلى بنفس المحنة: الإنجليز)) ص170. -لم يكن الخطاب في عالم بلا خرائط) إذاً كامل الانتماء إلى عالم جبرا ولم يكن فيما يتعلق بمبحث الذات والآخر شديد الاهتمام، ولكه فيما عرضه قدرة فائقة في الإضافة والفهم والتحليل. أما خالي فيعتبر الشّعر الحديث نزوة، وأن العاجزين وحدهم هم الذين يقولون مثل هذا الشّعر وأن إصرارهم على النّطق بأصواتهم هم أبعد عنهم حرارة ووهج النطق القديم)) ص183. والشعر الحديث، أو ما تسمونه كذلك، ليس فيه أي شيء من الشعر، إنه مجرد كلمات فارغة وأقرب إلى الجنادب التي تقفز من مكان إلى آخر)) ص183. لكن هذا الصّراع قد يكون سطحياً بل صراعاً ناشئاً من سوء فهم بالذات من أنصار القديم ومصدره تعصّب أعمى؛ لأنهم عندما يلتقون بمثل هذا الشعر لقاء مباشراً، فإنهم يتفاعلون معه ويستسيغونه وعندما ينفضّ اللقاء يعود إليهم أثر الفكر الجاهز الذي كانوا يحملونه في أرواحهم قبل عقولهم كان خالي يحب شعر أدهم، رغم أن أدهم لا يتخلى عن طريقته في قوى الشعر، لكن خالي كان يعتبر أن شعر أدهم يختلف عن الشعر الحديث الذي يقرؤه في المجلات والصحف.. وبعد أن يسمع قصيدة من قصائد أدهم يقول بانفعال: هذا شعر رائع وبعد أن يزول الانفعال ويؤكد أدهم أن ماقاله شعر حديث يهزّ خالي رأسه مستغرباً ويضيف باندهاش طفولي، قد تكون طريقتك في الإلقاء هي التي توجد علاقة موحية بين الكلمات وتولد موسيقى من نوع ما وهذه الموسيقى قد لا يستطيع الإنسان تحديد مصدرها ولكنه يحسّها)) ص183. ولكنّ هذا الرّصد للصّراع لا يرقى إلى الصراع الذي رأيناه في صيادون) حول مفاهيم الشّعر وحول وظائفه وقدراته، وهو هنا في "عالَم" صراع ودّي، إذ ينتفي فيه مفهوم الصراع الفكري الحقيقي. الموضوعة الثانية التي يطرحها الخطاب في مفهوم الصراع هي مفهوم التاريخ إذ نجد فئتين متناقضتين في التوجه إلى التّاريخ وإلى فهمه الفئة الأولى: تحمل لها ذكر الحوادث وتركز بحثها على مدح الرؤساء والقواد رافعة حتى الغيوم ما يخصها ممعنة في إرخاء الستار على أعدائها، جاهلة أن ما يحدّ التاريخ ويفصله عن خطاب تقريظيّ ليس برزخاً ضيقاً بل ثمة بينهما سور ضخم)) ص286. وفئة تفهم التاريخ صدقاً لا تحمل البتّة السماح بالكذب، مهما كان طفيفاً أكثر ممّا يحتمل شريان الطفل عدم وصول الشراب إليه)) ص286. لذلك فإنه لَعَيْبٌ كبيرٌ أن يجهل المرءُ الفصل بين ما يتصل التّاريخ وما يتّصل بالشعر، وأن يدخل زخرف الشّعر على تاريخٍ مُقَام على الخيال والمديح)) ص286. هذا انتباه آخر مهمٌّ ينفتح عليه الخطاب، وهو يشكّل أزمة في الضّمير الفكريّ للأمّة العربيّة في فهمها التاريخَ، سواءٌ التاريخُ الماضي الفائتُ والتاريخُ الحاضرُ. -نتائج مبحث الذات والآخر: -وعي جديد إضافي يختاره الخِطاب في "البحث عن وليد مسعود" مفاهيم متطوّرة وأسلوبٌ علاجيّ متقدّم ولغةٌ بحثيّة موضوعيّة تُظْهرُهُ أقرب إلى المعالجة الفكرية العلميّة العميقة بالنسبة إلى طروحات الخطاب فيما سبق من الروايات؛ ففي "صيادون" مثلاً كان الأمر يتعلّق بالوصول الدقيق والفهم العميق للظواهر ولأسبابها، وفي السفينة يتعمّق هذا الجانب على مستوى الشعوريّ وعلى مستوى الوعي النفسيّ بمأزق الحضارة العربية، وهو مكمّل ارتكاسيّ لطروحات صيادون) بينما نجده المكمّل الأكبر قدرةً على التحليل، والولوج إلى أعماق الأزمة بموضوعية لا تخلو من الموقف؛ أي إنّها ليست حيادية، وإنما هي موضوعية انتقادية، ولا تتوقف عند هذا الحدّ وإنما تتجاوزه إلى البحث عن حلول من معطيات الواقع والحضارة الحديثة. -القضايا الحضارية المعالجة في الروايات: 1-العلاقات بين الشرق العربي والغرب وإشكالياتها في جميع المستويات والمواقف المتباينة من عملية الصراع. 2-الصراع الحضاري الداخلي ومكوناته الماضي، الحاضر، الثورة التكنولوجيا، صراع القيم والأفكار، القديم، الجديد، التقدم، التأخر، والمدينة و التمدين) والتمدن. (1) تظهر مثل هذه الظاهرة في كثير من رواياته "حين تركنا الجسر، الشجار واغتيال مرزوق، شرق المتوسط، شرق المتوسط مرة أخرى" |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |