|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:35 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الفصل الرابع مَبْحَثُ الاغتراب الاغتراب؛ مقدمة: ليس هناك مجال للادعاء بأن عصور الحضارة الإنسانية لم تكن تعاني معاناة عميقة من حالات اغترابية قاسية بشتى مفاهيم الاغتراب، ولكن العصر البشري الحالي، ربما يعد ذروة الخط البياني بتنوع المفاهيم وتنوع الحالات وبعمق التوغل في العالم الاغترابي والارتهان شبه المطلق له، وهذا ليس ناشئاً أو مخلوقاً اجتماعياً يشكل طفرة، وإنما هو ارتكاس حتمي طبيعي نتيجةً للوجود الاجتماعيّ والحضاريّ المتغاير عن الوجودات السابقة؛ لأن نظرةً سريعة إلى مُجريات العالم في العصر الحديث والمعاصر منه تَعرِض أمامنا صورة فجائعية جحيمية للعلاقات البشرية صورة فجائعية) لعلاقة الإنسان بالإنسان ثم علاقته بالعالم، وبالكون وعلاقته في النهاية بذاته التي تستوعي الوجود؛ وجودها وكل وجود حولها، وجود المؤسسة الاجتماعية ووجود مؤسسات السلطة، علاقته بالطبيعة ومنجزات التكنولوجيا، إضافة إلى أن العصر العربي الحديث و الراهن) لأنه جزء لا يمكن إزاحته عن العالم) لا يخرج ولو للحظة عن كونه عصر اغتراب بمفهوم الاغتراب الداخلي أي اغتراب بعض عناصره عن عالمها، عن عصرها وعن العناصر المكونة الأخرى والاغتراب الخارجي أي اغتراب العصر العربي عن مجاوراته في العالم وعن العصور العربية السابقة. -هذه المستويات المتعدّدة والمتفاوتة في مفهوم اغتراب العصر العربي الحديث و الراهن)، تدعونا إلى البحث أولاً فيما يمكن أن نسميه عناصر الاغتراب)(1) أو أنواع الاغتراب) وكلتا التسميتين تخضعان لإمكانية التعديل أو الإضافة أو الحذف، وتدعونا ثانياً إلى البحث في الدوافع العامة التي تؤدي إلى هذه اللوثة وهذا الاصطلاح ليس حكماً هجائياً) من أجل استيضاح المرامي الخطابية لخطاب الاغتراب الروائي، وكذلك البحث في سلوكيات المغترب وحلوله التي يتوجه بها نحو عالمه. إن الوصول إلى فرز دقيق في هذه القضية هو ضرب من الادعاء، وما سيقوم به الآن نتائج تأملات بعضها الأكثر في واقع ذات الباحث) النفسي والاجتماعي وعلاقته بالعالم، وبعضها الآخر تأملات في واقع الذوات الأخرى المحيطة به إلى جانب الاستعانة الكبيرة بالخطاب المدروس، لأنه يمنح مفاتيح مهمة للولوج إلى عالم الاغتراب، لذلك ربما يجد الفكر الناقد فيما سنعرضه نوعاً من التداخل في المستويات، وهذا التداخل ينشأ عادة كما رأينا في أكثر من مجريات البحث من الوحدة الفكرية والوحدة النفسية للمستويات المعروضة، وكذلك ينشأ- في تصورنا- من خلال الإيمان بكلية المستويات وشموليتها وكلية الحقول الفكرية والعملية التي تتناول العالم وشموليتها، فمثلاً لابد من التداخل بين مستويي الدراسة في قضية الذات والآخر وفي قضية الاغتراب؛ لأن بينهما علاقة سببية وتراسلات سلوكية وتقاطعات سيكلوجية من حيث النتائج ومن حيث المجريات، وكذلك لابد من أن يحدث التداخل بين الأنواع ذاتها؛ لأن ما رأيناه من علاقات سببية وتراسلات سلوكية بين مبحث الذات والآخر ومبحث الاغتراب نراه تماماً بل بتواشج أقوى بين مستويات الاغتراب وأنواعه وسلوكاته. 1-في الأنواع: 1-1 الاغتراب الطبقي: بحذر شديد نقول: إن المفهوم المحمول في هذا الاصطلاح يمكن أن يحده بدقة أكثر، دلالة مصطلح الانسلاخ الطبقي وهو العدول عن الانتماء إلى طبقة ما إلى أحد اتجاهين: إما إلى طبقة أخرى تناسب مطامح المنسلخ وإما إلى اللانتماء) وهو ما يمكن أن يكون أقرب إلى الاغتراب بمعناه الروحي. بتعبير آخر نطلق على هذا المستوى من مستويات الاغتراب مصطلح التحول الأيديولوجي) وهو دلالة دقيقة أيضاً. 1-2 النوع الثاني من الاغتراب هو الاغتراب الاجتماعي: يقوم فيه المغترب بالخروج الكلي عن نواميس السائد الاجتماعي بل يقوم بمناهضة هذه القوانين دون الاكتفاء بمغادرتها، ويقوم بمحاولة إسقاطها ويخضع ذلك لرؤيتين إحداهما سلبية والأخرى ثورية إيجابية هدفها تغيير القانون الاجتماعي وفق مفهوم الأكثر صلاحية وقدرة على التطوير). 1-3 الاغتراب المرضي السيكلوجي): يكون نتاج خلل سيكلوجي معين وقد يكون مرتبطاً بالعضوية، وهو خاضع لشكل العضوية المرضية وتحركها. 1-4 الاغتراب الديني: شكل ثان من أشكال التحول الأيديولوجي وهو انتقال من حالة دينية أو عقيدية إلى حالة مجاورة أو مباينة وقد يعني الاغتراب الديني نوعاً من الاغتراب عن الحس الديني الطافي على سطح الشعور والتحول إلى العمق الصوفي. 1-5 الاغتراب الحضاري: نتيجة للتفارق الحضاري بين المساحات الحضارية المتجاورة والتباين الحاد بين أحقاب العصور الإنسانية لكلية الحضارة الإنسانية عامة أو لشعب من الشعوب خاصة تحدث فجوة حضارية تؤثر سلبياً على أبناء الحضارة المتريثة وتقوم هذه الفجوة بخلق الانفصال الروحي والحضاري عن مكونات العالم والحضارة ومنجزاتها والتعامل معها عند الضرورة بحياد استهلاكي أو بعداء يعتمد النفي سلوكاً له، وكل التوجهات نحوها تكون عندئذ توجهات سلبية. 1-6 الاغتراب الكوني: يعد هذا النوع الاغترابي أهم الأنواع السابقة جمعيها، أولاً: لأنه قد يكون نتيجة سببية لها، وثانياً: لأنه ينتج من عمق فلسفي رؤيوي فاحص متفش في العالم؛ فعندما تعي الذات البشرية قدراتها وتعي مفردات عالمها الداخلي وعندما تبني موقفاً داخلياً يعتمد رؤيا ورؤية) وتتوجه بكل هذا إلى العالم وإلى فحصه بأدواتها التي أتقنتها، تدركه وتدرك تناقضاته وتعي مكوناته، ولأن الذات التي تقتحم العالم ذات متميزة قادرة، فإنها تحاول الفعل فيه وتحاول ترتيبه وفق موقفها الذي كونته، ولكن المحاولة عندما تكون فردية أمام سطوة العالم وأمام سطوة تناقضاته التي لا تقف عند حدّ، وإنما تدأب بصلف على أن تتراكم إلى درجة الإحساس بأن التناقض في العالم بل "الشرّ فيه" لازم تكويني في أصل الوجود، وكذلك الذات المبدعة لازم تكويني في الرد على هذه التناقضات لخلق التوازن الواجب ولكن هذه المعادلة تختل دائماً لصالح تناقضات العالم ولا تستطيع الذات الصمود واستمرار المواجهة) ينطرح العالم خارج الذات وتحدث المقاطعة النهائية بين الذات والعالم وهي نهائية، لأن العالم لا ينهي تناقضاته ويعود ليسير وفق مطمح الذات؛ لذلك تبقى القطيعة قائمة دائمة أبدية. 2- في مسببات الاغتراب: 2-1 المسببات السياسية: يستدعي الحديث في المسببات السياسية الإشارة إلى السلوكات السياسية الخارجية التي تمارس ضد الذات الإنسانية وتُكرهُهَا على مغادرة حسّها بالعالم، إن السلوك الرئيسي من هذه السلوكات هو القمع السياسي الذي تنتجه السلطة الدكتاتورية) خاصة ضد المثقف الذي يشكل الخطر الرئيسي على وجودها، لأنه الوعي الحقيقي المناقض لعماء السلطة وعماء دكتاتوريتها). 2-2 المسببات الاجتماعية: يفرز التخلف الاجتماعي الذي تفرضه مجموعة من القيم الثابتة بالمفهوم السلبي) مجموعة أخرى من القيم السلبية لتمارس ضغطها باتجاه التراجع أو باتجاه السكون والمحافظة وهذه القيم الثابتة تشكل ضغطاً ضد التقدم الذي تطمح الذات الإنسانية إلى تحقيقه في سعيها الحثيث إلى الأمام، وتسيطر على هذه القيم قيمتان رئيسيتان هما السلطة الاجتماعية الطبقية) و السلطة الاجتماعية العشيرية) ونظراً إلى تباين قيم الإنسان والإنسان المعاصر بخاصة وتمايزها عن هاتين القيمتين يحدث اغتراب للفئة التي تناهض السائد الطبقي والسائد العشيري، وطبيعي أن تكون الفئة المناهضة أكثر الأحيان هي الفئة المثقفة بالمعنى الحقيقي للكلمة)، لأن هناك فئة ثقافية) مزيفة تكون نتاجاً ومفرزاً من مفرزات التخلف الاجتماعي وتقوم جاهدة بتثبيت حالة التخلف؛ لأنها مساعد رئيسي على بقاء هذه الفئة وقد تكون الفئة نفسها سبباً من أسباب الاغتراب. 2-3 المسببات الحضارية: ربما يكون من المفارقة أن ننحي باللائمة على المنجزات الحضارية في خلق حس الاغتراب، لأن التوارد النظري الذهني لمفهوم الحضارة يخلق تصوراً إيجابياً بل يخلق أفقاً للحلّ، وتكمن المفارقة في هذه النقطة ذاتها، إذ من المفترض أن تكون منجزات الحضارة حلاً وخلاصاً للإنسان، ولكن الواقع الذي ينكشف هو أن هذه المنجزات تتحول إلى قيود تقوم بتكبيل الإنسان ومحاصرته. مفهومات الاغتراب، اتكاءات مرجعية: تغلب على الدراسات التي بحثت في الاغتراب(2) وفي فحواه؛ الأسباب والدوافع إليه، سيطرة الحس السيكلوجي على جميع مستويات التناول وآفاق التحليل والدراسة وتبدو هذه الظاهرة حتى في الأبحاث التي طغى عليها الطابع الفلسفي، وتميزت هذه الدراسات بكونها، في أغلبها عروضاً تحليلية وتفسيرية لرؤى الفلاسفة لقضية الاغتراب وندرت الدراسات الشاملة التصنيفية التي تحد المفهوم وتفصّل فيه دراسة منهجية، في الأنواع والحدود والأسباب. 1-في فحوى الاغتراب: ليس الاغتراب مَرَضاً كما أنه ليس نعمة، إنه ملمح رئيسي للوجود الإنساني))(3) . لقد ولجنا في عالم ينتظرنا فيه الاغتراب))(4) . إن الاغتراب انفصال بين الوجوب والوجود))(5) . في البدء كانت الوحدة... هذه الحالة التي تسبق الاغتراب))(6) . لقد فقد الإنسان اتجاهه أصبح في بُحْران، تشتت، وهو بفقدان الاتجاه فقد بوصلة النّجاة.. ونجد أن العالم -على حد تعبير عالم الاجتماع المعاصر سيمان- يتجه إلى الجحيم في سلة واحدة... ثم تستحيل السّلّة إلى مصيدة لا يعرف الإنسان منها فكاكاً))(7) . ما الذي يفقده الإنسان في الاغتراب وكيف يفقده؟ إنه وهو ينتج أشياءه إنما يفقد ذاته في شيءٍ خارجي عنه،... إن جزءاً من النّفس يتجه إلى الخارج، وهذا الجزء إذا وقف معادياً للإنسان سقط في التشيّؤ وأصبح الشيء الذي أنتجه غريباً عنه، أما إذا اكتشف في الشّيء المنتج ذاته؛ فلأنّه يكون قد ضاعف ذاته ويتّحد مع إنتاجه من جديد ويستعيد الوحدة السابقة، ولكن بعد أن يكون علا على الوحدة البدئية))(8) . ويحدُّ شاخت)(9) الاغتراب بمعنيين رئيسيين تنضوي تحت أحدهما تفصيلات وتفريعات: 1-المعنى الأول للاغتراب هو: الانفصال ص97. أ-فقدان الوحدة مع البنية الاجتماعية... ب-الاغتراب عن الذات... ص101. 2-المعنى الثاني للاغتراب بالتسليم ص105. 2-في حلول الاغتراب: إن الخروج من مصيدة الاغتراب يقتضي حلاً من داخل الاغتراب نفسه لقد ذهب شاخت) في كتابه الاغتراب) وهو يفسر موقف هيجل من هذا الموضوع إلى وجود نوعين من الاغتراب سماهما اغتراب رقم (1) هو الانفصال واغتراب رقم (2) وهو الاستسلام وقد أشرنا إلى ذلك آنفاً) والتقويض الأول يمكن قهره من خلال الاغتراب الثاني الذي يجنبنا العودة إلى الأول.. إذاً المغتربون هم الذين يحلون مشكلة المغتربين.. مع مراعاة أنه لا يوجد معنيان للاغتراب عند هيجل، بل هو اغتراب واحد جدلي... إنه حد أوسط بين طرفين/ لكنه حد أوسط جامع لكليهما بطريقة طردية لأن الوحدة بينهما مؤقتة وطرد أحد الطرفين دائم... الخروج من مصيدة الاغتراب لا يتم إلا على أرض الشمولية من خلال تجارب الحب) و التصوف) و الإبداع) و تحويل العمل إلى لعب)(10) . ويعرض جبرا تصوره للاغتراب ودوافعه وأسبابه وحلوله في كثير من كتبه النقدية وفي مقابلاته وقد رأينا في الفصل الأول مجموعة من الحلول التي سلكها أبطاله للوصول إلى الخلاص كان منها مثلاً الخلاص الصوفي بالغيب وبمكوناته والبحث عن الارتباط بالألوهية بوسائط تحولت إلى حلول بذاتها، وكذلك كان الفن والحلم والفعل) ثلاثية مندغمة متصاهرة لتشكل قدرة الخلاص والحل. ونجد إشارة صريحة إلى مسألة الاغتراب في كتاب جبرا تأملات في بنيان مرمري) عارضاً ماهيته وأسبابه: 1- في الأسباب: يشار بين حين وآخر إلى مسألة اغتراب المثقف بشكل أو بآخر فهو قد يكون مغترباً بغيابه عن الوطن، وقد يكون مغترباً وهو في قلب الوطن قد يغترب؛ لأنه ما عاد ينسجم مع تقاليد وأعراف بلده، مهما تكن أوضاعه السياسية هناك من يغترب بسبب من حسه القومي، بقدر ما هناك من يطلب الغناء في وطنه بسبب ذلك الحس بالذات))(11) . 2-في ماهية الاغتراب: كان الاقتلاع و لما يزل) هو ذلك العزل المتزايد للنفس والذهن يدفع ذوي الحساسية المفرطة الدافعة إلى ضروب من الإبداع أو التعبير عن الذات، إذ يدرك المرء أنه باكتسابه المعرفة، والقدرة على التعبير عن الذات وبتوصيله إلى رؤيا معينة يتحرك ذهنه مستمراً باتجاهها، إنما هو يكتسب تناقضاً مع مجتمعه يضطر عند نقطة ما من توتره أن يقتلع نفسه حتى الجذور من الأرض التي نما فيها وترعرع، ويمسي كالشجرة التي اجتثتها الرياح العاصفة، وأسقطتها على الصخور بكل فروعها وأوراقها. وليس لها أن تنتظر سوى الجفاف))(12) . 3- في الحلول: إضافة إلى الحلول التي أشرنا إليها سابقاً فإن جبرا) يتصور أن هناك حلين متعارضي الاتجاه يمكن أن يسلكهما المغترب وهذان الحلان هما خطان عامان في الحلول الاغتراب صمت أو إبداع))(13) . أولاً- في "صراع في ليل طويل": أ-تجليات اغترابية: الذات المغتربة التي يتوجه إليه الخطاب هي أكثر الأحيان ذات مثقفة متميزة تحمل وعياً يُفترض أن يكون مبايناً للساند وتتباين أيضاً المواقف الاغترابية التي تظهر بين سلوك وآخر وذلك بتباين الأسباب التي أدت إلى: 1-المرأة من الحبّ الفاشل إلى القلق الكوني):تشكل هذه التفريعة واحداً من أهم الأسباب التي أدت إلى اغتراب أمين سمّاع) محور الخطاب: أعلنتُ لنفسي: أنني والله معتوه، وإلا فكيف أسمح لنفسي بأنّ تنحَلّ وتتآكل لخيانة امرأة، وما الداعي لأن أرى بؤس الآلاف من سكان المدينة تتواشج خيوطه مع هزيمتي في الحب)) ص60. كما أسلفت في مقدمة البحث في الاغتراب، فإن محاولة المواءمة بين الحسّ والفكر التي يتوهم الإنسان أنها قدرة على خلق الاستقرار في حياته تنهار بسهولة بمجرد فقدان الحبّ بالخيانة: كان يأسنا يزداد عمقاً يوماً بعد يوم دون أن نفهمه بالضبط. ولكنه مع ذلك يأس له أسبابه خذ يأسي مثلاً. حالما استطعت أن أجدل حياة الذهن مع حياة الحسّ لأنعم بما يهيئه الوجود لنا من تنويع وسخاء. تمزق الهدوء والطمأنينة في حياتي باختفاء سميّة) ص44. ويخلقُ هذا الانفصال عن الواقع رؤى التشتت والهواجس وتسيطر رؤيا الموت في لوحة جحيمية حُلُمية يتبدى العالم من أثنائها جسداً شبقاً يبحث عن الموت: لقد مرضْتُ حتّى الموت: أجترّ جراثيم السماء، وأدوس عظام الموتى، وأرى الجماهير الجائعة تفترس ضحاياها بأنيابها وأحسُّ الموت يعتنق البر والبحر ويملأ الفضاء برائحة الأجساد المتفسخة، ويسقى الأشجار اليابسة من دم الشباب، الشباب والانحلال فالحب وانحلال الحب. الحب يغذي الموت، والمضاجعة رمز للموت والموت بلا عزاء يقهقه طوال الليل طوال النهار، طوال الأبدية)) ص61. في هذه اللوحة تتحول جميع رموز الحياة إلى بذور تُنْتِشُ الموت ويتحوّل الإنسان إلى كائنٍ خارج أي نطاق ارتباطي بالعالم، لا ينتمي إليه إلا بالجسد إذ يشغل حيزاً مكانياً فقط؛ أما نفسياً فهو معزول عن الانتماء لأن النتيجة الحَتْمَ هي الموتُ ولا عزاءَ، حتى العزاء الغيبي المفترض الله) يتحول في خيال المغترب إلى شامت يتربص بالإنسان وهذه الظاهرة ظاهرة شعرية تناولها خليل حاوي مثلاً فهو يقول: إله وأي إله كؤود يرود يرود الوجود يجر البريء إلى وكره ويضحك في سره وتتميز هذه الرؤية بعمق فلسفي فجائعي ساد في فترة زمنية خاصة من فترات التاريخ العربي، فإذا انتبهنا إلى فترة كتابة صراخ) وفترة كتابات حاوي) الشعرية نجدها متقاربة خاصة أن هذه الكتابات كانت من الكتابات الأولى لحاوي. 2-الاغتراب الطبقي الانسلاخ الطبقي): قد لايكون ما سنعرضه ذا دلالة دقيقة على الانسلاخ الطبقي لأنواع من التحول المؤقت، وقد أشرنا إلى قضية التحول الأيديولوجي فيما سبق في أمثلة اختيارية وعددنا مسألة الانسلاخ الطبقي من قضايا التحوّل، وليس ذلك في رأينا سوى حالة من حالات الاغتراب الذي يمكن أن ندعوه اغتراباً إجرائياً) وهذا التحول المؤقت هو محطة انتقالية، لأن العودة إلى الحالة ما قبل التحول تحدث ويرفض أمين سمّاع) كما رأينا ماضيه الذي يعد في مثالنا الآن راهناً: فإذا كان في المدينة، وريح التقدم الفني تدفعها إلى الأمام، إمكانيات للنمو والنشاط كما فيها إمكانيات للانحلال والموت، أليس من الحماقة ألا نرى سوى ما فيها من جَدْب وقُبْحٍ؟ لقد بدأت أرى جمالاً جديداً وأتذوق لذة ما كان لي عهدٌ بها في المدينة ما أسرع ما وحدتني جزءاً من طبقة اجتماعية جديدة وهل في الدنيا ما هو أسهل على المرء من نسيان أن الفقر موجود؟)) ص50. ويبدو أن الخطاب يريد أن يوحي بأن الاغتراب تكامل في شتى المواقف من مجريات العالم؛ فالاغتراب الكوني لابد من أن يؤدي إلى مكملاته الاغترابية كالاغتراب الاجتماعي: ولما رحت أشق طريقي بين الجمهور الدافق، أحسست بعزلتي التامة عن الإنسانية ومع ذلك، أولئك هم الناس الذين تأملت في حياتهم وأشفقت على مصيرهم والخوف والقلق كامنان في عيونهم)). مايُولّد مثل هذا التباين في موقف المغترب من الجماهير بالذات ربما يكون منشؤه ازدواجية الإحساس لديه فالإحساس الأول ينبع من رؤية البحث عن التغيير والبدائل والموقف الثاني ينبع من الرؤية الإنسانية بالمفهوم العاطفي مع مأزق الجماهير ومأساتهم وإذا التقى هذان الموقفان في ذاكرة نفسية لابد عندئذ من أن يحدث بينهما صراع وتنازع والنصر غالباً في هذا الصراع الرفض أي الاغتراب، ومن اللقطات البارعة التي استطاع الخطاب التقاطها بعمق وحس فلسفي عالٍ. مسألة وعي الحياة في وعي الموت وربما يكون هذا أيضاً مرجعاً إلى الحس الشاعري. إن ما أكتبه الآن هو مراثٍ: مرثاة لصاحب دكان- والثانية عن موت سائق.. المراثي الخمس تعالج نواحي الموت الخمس التي يعرفها سكان أية مدينة في العالم.. هل لاحظت أن المدينة مبنية على خوف الإنسان من الموت؟ فكأني بالإنسان يتأمل الموت فيعي الحياة)) ص70. أما البحث عن الحلول فلم يكن الخطاب مهتماً به؛ لأنه ربّما لا يؤمن بوجودها، ولكنّ هناك بعض الحلول والسلوكات التي قد تكون نوعاً من العزاء كالإبداع سواء الإبداع الدنيوي: أما الرواية فكنت أبغى منها ما أروّح به عن ضيق صدري كما أنني جعلت منها ذريعة للتعبير عما أريد قوله، إذ قَسَّمْتُ نفسي إلى أشخاص كثيرين، يمثّل كل منهم جزءاً من هذه النفس الملأى بالتناقضات)) 10. والإبداع الغيبي: أصغ يا أمين إلى كلمةِ الله تجد الدّنيا عامرة بالأفراح)) ويبدو أنه لايؤمن بالعزاء إلا بطريقة الكلمة. -صيادون في شارع ضيق: أولاً- في فحوى الأسباب: أ-الشرّ- توصيف العالم: يتصور الخطابُ العالمَ أحَاديَّ القيمة، وهذه القيمة قيمة سلبية الشرّ) وإن أي محاولةٍ لكسر هذا الطوق لن يُكتب لها النجاح: البشرُ مركبون من أنواع مختلفة من الشر، ولن يمكن لشيء في العالم سوى أشد نظم الحياة صرامة أن يُدْخِل قطرةً واحدة، مجرد قطرة واحدة من الخير في هذا المركّب)) ص81. ب- وتأتي المدينة بعناصرها ومكوناتها الاجتماعية والعقائديّة سبباً مهماً في الكبت والسيطرة: لقد كان عليّ أن أذكر نفسي المرة تلو المرة بأن في هذه المدينة الغريبة التي بُعِثتْ من جديد دوّامات من العادات والمعتقدات لن يسمح بأية نزوة شخصيّة وتهدد بالمحق كلَّ من يعترض طريقَها أو يحاول بحماقة أن يوقف سيرها)) ص87. جـ ويكون التأمل في سيرورة الكون، واجتهادِه في السعي نحو خرابِهِ ودمارِهِ سبباً رئيسيّاً قد يكونُ من أهم الأسباب التي تدعو إلى الاغتراب فإذا كانتِ المدينة سبباً حضاريّاً واجتماعياً معاً، وكذلك البحث في أصل تكوين الإنسان فإن الموت الذي تسعى إليه الحياة والعالم الذي يبحث عن خرابه ودماره والظلمة التي تعدّ أساساً في الكون تُشكل سبباً كونياً: بيد أنّ انتصار الموت على الحياة كان مفروغاً منه)) ص88. النهر يجري نحو المحيط، فأين تجري الحياة أظنّها تجري نحو ظُلْمةٍ أبديةٍ، المحيط إذن هو الظلمة هو الموت، أما النهر فالحياة)) ص112. إن النتيجة التي توصّل إليها تأمل الخطاب للعالم هي أن كل شيء يسعى إلى الموت إلى الظلمة. د-إضافة إلى المدينة كدلالة حضارية فإن العناصر الاجتماعية الأخرى ذات فعل قويّ في حياة المجتمع، فالنفاق الاجتماعي والسياسي والكذب الذي يسيطر على حياة المجتمع يقوم بخلخلة العلاقات وتغييب نظام الحقيقة، ونتيجة لضعف من يحمل الحقّ والخير والحقيقة أمام طغيان النفاق والكذِب يحدث اغتراب قسريّ نتيجة لاغتراب المجتمع عن قيمه. أُحِبّ الناس جميعاً عدا الإنسانية يمكنك أن تغفر لها ضعفها وبؤسها، ولكن ماذا تستطيع أن تفعل بنفاقها؟ ستجد حتى في أحقر الأحياء من النفاق ما يكفي عشرة من الدبلوماسيين. ماذا يستطيع أن يفعل الشعب ينمي نفاقه كمهنة نفاق خال من الفن، خال من الرشاقة، نفاق في السياسة نفاق في الصدّاقة، نفاق في الفضيلة في الدين..)) ص60. وتتكرر في الخطاب مقولات كثيرة حول أسباب الاغتراب كالمدينة ص204 وعناصرها الاجتماعية "الناس" ص208. وأكثر هذه الأسباب يترجّح بين هذه الأقانيم: المدنية ومكوناتها الاجتماعية بكل ما فيها من ضياع للأسباب التي رأيناها في مبحث الذات والآخر، والكون والتأمل فيه، والبحث عن جدواه وفحواه بالإضافة إلى الظرف السياسي العربي المعاصر الذي كان نتيجة لسياق من الظروف التاريخية المتلاحقة وإضافةً كذلك إلى العلاقة بين الذات والآخر. 2-ثانياً- في التجليات الاغترابية: أ-الاغتراب الجماعي تميز للخطاب): قد يكون المميز لصيادون) رصدُها اغترابَ شعبٍ كاملٍ، أولاً: غربتَهَ المكانيةَ عن وطنه وثانياً: اغترابَه الرّوحي عن العالم ومكوناته، وعن القيم الإنسانية وعن واقعه حتّى عن ذاته فالشعب بأكمله يعود إلى حالة البداية الإنسانية في البحث عن اللقمة وتواجهه حالة من القيم اغترابية لا يستطيع استيعاءها في ضميره الحضاري والقيمي فتهتز الرّوح الحضاريّة وتختل مقولة القيم في العالم ويظهر الإنسان من جديد خائضاً صراعَ البقاءِ الذي بدأه بدء الوجود البشري على الأرض إذ ترتد الإنسانية) إلى المرحلة البشرية الأولى وتغترب عن كل منجزاتها من القيمة والأخلاق، وكنتيجة منطقية وحتمية لمجريات التاريخ العربي الذي يحفل بالانتصارات الكبرى ويحمل وزر هزائم متعددة أثقلت الضّمير الجمعي للأمة العربية، وأورثته حِرماناً حضارياً واجتماعياً إلى أن وصل إلى الإحساس بالقنوط وأصبح الحزن سمة مميزة له. تناهت إلينا من بعيد.. نغمة طويلة حزينة.. كانت تنهدة طويلة "أوووف" طويلة منغمّة، متواصلة.. أتسمع؟ هذه آلام أمّة كاملة كئيبة الحرمان عندها ألَمَهُا الأبدي الوحيد)) ص49، 50. لذلك نستطيع أن نتساءل حول الرأي الذي طُرِح في الخطاب حول حضارة الغرب ودعاها حضارة حزينة(14) لأنها تبحث عن الموت، فماذا نقول حول هذه الحضارة العربية التي ورثت الحسّ تاريخياً ومازالت تتعاطاه إلى يومنا هذا بطريقتها الخاصة: في إحدى الليالي ملأ المدينة صوت جديد، كنت في سريري حينما أيقظني صوت ذهبي غريب يترنم بدعاء طويل كان ندباً على مقتل الحُسين الإمام الشهيد، وامتلأت الشوارع خلال الأيام العشرة التالية بمواكب الرّجال والنساء الذين يحيّون ذكرى آلام الحسين بن علي بأهازيج حزينة طويلة، وكما فعلوا طيلة الثلاثة عشر قرناً الماضية. ومن خلال نوافذ البيوت كان يُسمع نواح النساء وهُنّ يردّدن المراثي، وفي كثير من السّاحات والجوامع كانت جماهير من الرّجال والنّساء تمزّق الشَّعْر وتلطمُ الصّدور، وهي تصغي من خَلَلِ الدّمع إلى قصّة مصرع الشهيد الكبير تُروى شِعراً أو نثراً بالعامية والفصحى.. تذكرت كيف كان تموز قبل ثلاثة آلاف سنة يبكيه الشّعب هنا في وادي الرافدين، حين كان دجلة، "نهر النخيل" والفرات "نهر الخصب" يسمعان صرخات الصبايا في الشوارع بجدائلهن المرخية وصدورهن العارية بكاء على الإله القتيل الذي سينبعث مرة أخرى مع السنابل الخضراء والشقائق الحمراء)) ص63. الصّورة الأولى مشهدٌ لآلام الأمة الوراثية ورثتها بالاكتساب من جيل إلى جيل، من أجل التواصل الحضاري بين الماضي والحاضر، إن ذكرى الماضي تعود لتصبِح ذاكرة للمستقبل إذ يستنسخ التاريخ الماضي) روحَهُ ويعود ليقذِفَها في المستقبل، لقد واظبت الأمة ثلاثة عشر قرناً تحمل حزنَها على الحُسين الشهيد، ولكنها نسيت كل الأحزان ولم يبق لها إلا هذا الحزن، أو وربما تكون تلك الأحزان اختُزنت في اللاوعي الجمعي وأصبحت ذاكرةً للحزن تقتات الأمّة منها كُلّما احتاجت واحتياجاتها كثيرة ومتكررة، وهذا المشهد الأسطوري لإحياء آلام الحسين يعود بالذاكرة إلى التراث الحضاري لمنطقة وادي الرافدين ويؤكد مقولة التواصل الحضاري وعمق الارتباط بالماضي ودلالته الروحية لدى شعب هذه المنطقة إذ يستنسخ التاريخُ نفسَهُ هذه المرة في مشهد آلام الحسين ويعيد ذكرى تموز الإله الذي قُتِلَ وبُكِيَ ليعودَ ويُبْعَثَ مع السنابل الخضراء والشقائق الحمراء ولكن التساؤل الذي يمكن أن يُطرَح هو هل تُنتظر عودة الحسين، وبالحزن هل ننتظر عودة ما فُقِد، قد يشكل الحزن عزاءً لأبناء هذه الأمّة ويبدو أنهم يكتفون بهذا العزاء ويُراكمون عزاءاتهم بتراكم مآسيهم. وقد تكون هذه الرؤية عند جبرا في خطابه تميزاً مهماً عن المفاهيم الاغترابية التقليدية السائدة، مع التركيز على تجليات اغترابية فردية على المستوى النفسي والقيمي والاجتماعي والطبقي. ب-يتجلى الاغتراب في فقدان بعض القيم والقدرات الإنسانية التي تمنح الحياة نوعاً من الجدوى كالحب:حياتنا لاحبّ فيها جافة كالرماد)) ص127.وهذا نابع من سيطرة الشرّ على العالم، الشرّ الذي رصدناه سبباً من أسباب الاغتراب حتى أن الاغتراب نفسه تحول إلى شيء غير حقيقي، وهذا يجعل الإنسان مغترباً عن اغترابه. كلنا غرباء غير حقيقيين، لايمكن التوفيق بيننا)) ص223. جـ-وتأتي تجليات الاغتراب عبر مشاهد جحيمية يتحول فيها المرء إلى موجود من موجودات العالم لا يستطيع أن يقوم بأي فعل من أجل نفسه أو من أجل الآخرين وإنما يكون منساقاً غريزياً وراء قواه الداخلية العمياء؛ لأنه ميت بين الأموات: كنتُ أسخف إنسان حي. أبلع الغبار وامسح عرقك، وأفرغ حبك في المجرى وأجامع امرأة في الأربعين كلما اشتهيت، وتأمل أليس ذلك أنفع لك وأجدى وأنت ميت بين الأموات)) ص232. ويبقى هذا الهاجس مسيطراً، هاجس الموت والغثيان والإحساس باللاجدوى. أسرع، أسرع، عبر القاذورات، عبر الأسى، عبر الحدائق الخضراء المشذّبة قبل أن تغور ورأسك قبل القدم، في الحفرة التي لا مفر منها)) ص235. ثالثاً- السلوكات الاغترابية: ردّاً على التجلّي الأول اغتراب الشعب) لا نجد ردوداً بالمعنى الإيجابي إلا فيما نَدَر كمحاولات الجيش العربيّ للإنقاذ الفاشلة للدفاع وكذلك فإن ردود الشعب نفسه كانت سلوكات: نفسية هي الخوف والرعب والاستهجان، وهي نفسها سلوكات تصبُّ في الاغتراب، أما على المستوى الفردي في سلوكات الاغتراب، فالسلوك الأول يعتمد الإبداع الفوهي ردّاً كالشعر مثلاً ولكن الردّ يبقى نفسه اغتراباً لا يخرج في ماهيته عن فحوى الاغتراب: الشرفة المتداعية، هذا عنوان إحدى قصائد عدنان ما هي العناوين الأخرى... الحلم والموت، العِطْرُ الهَرِم، الطاحونة)) ص54. ولأن هذا السلوك الذي يُتوقع أن يكون حلاً، يفشل في العزاء والتعويض فيقوم المغتربون بالبحث عن حلول سلوكية أخرى سلبية، هي الانتحار ويلخص المقطع التالي الأسباب والتجليات والسلوكات الاغترابية: كفانا شعراً.... نحن أعمينا أنفسنا إزاء الشر والظلم اذهبي يا قصائدي يغذوك إلى الأبد دم حياتي القصيرة أسرع أسرع إلى قاع الجحيم عبر الماء والطين)) ص241. انتهى كل شيء يا حُسين، انتهى كل شيء كفانا جراثيم كفانا قملاً... نويت قتل نفسي نتيجة إحساسي بالخيبة واللاجدوى نتيجة عجزي عن طبع حياتي على كيان المدينة التي أحببت وموتي لن يكون احتجاجاً بل إعلاناً عن اللاجدوى.. سيعلمون أن عدنان طالب وحسين عبد الأمير) قد رأيا من المناسب خلال بحثهما عن الحياة والحرية، أن يموتا يحدوهما الأمل في أن يتطلع غيرهما أيضاً إلى الموت حي تُغريهم حياتهم بالقيام ببحثٍ مماثل)) ص240. -ويرسم خطاب صيادون) مجموعةً أخرى من الاغترابات أولها الاغتراب الطبقي الذي رصدناه في التحول الأيديولوجي، إذ ينسلخ عدنان طالب) عن طبقته البورجوازية ويلجأ إلى أحد الأحياء الشعبية الفقيرة ويقوم بأعمال لصالح الفقراء و المسحوقين، وهو كذلك مغترب مركّب، فإضافةً إلى اغترابه الطبقيّ يغترب عن السلطة ويصبح معارضاً قوياً، ويغترب كونيّاً ويحاول تقمّص دور الثائر النبويّ) ولكن دون وحي ودون رسالة خارجية، وإنما يصطنع لنفسه رسالته الداخلية الخاصة وكذلك نجد الاغتراب الحضاري إذ أن مجمل الذات) بمفهومها الذي طرحناه في مبحث الذات والآخر، يعاني من اغتراب قسريّ عن حركة الحضارة الإنسانية الحديثة وعن السياق الحضاري العربي عبر التاريخ ونجد إلى ذلك أيضاً اغتراباتٍ حضاريةً من نوع خاص، فحواها البحث عن بدائل حضاريّة مختلفة أهمُّها الاغتراب الاختياري الذي عرضناه سابقاً وهو البحث عن الحلِّ الصحراوي... وهناك اغترابٌ عن بعض القيم العشائرية، فمثلاً نجد توفيق الخلف) ممثلَ العشيرةِ والحلِّ العشائري) يتخلى لجميلٍ) عن سُلافة التي خطبها بطريقته العشائرية وتقوم سُلافة بالهَرَب من بيت والدها للحاق بجميل فران والزواج لتفتح بذلك أفقاً آخر للاغتراب الاجتماعي الذي يُتَوَّج باغتراب المبغى، المؤئل الحقيقي للنساء المغتربات عن مجتمعهن. السفينة: تطرح السفينة مستوياتٍ متعددةً لأسباب الاغتراب ولتجلياته ولسلوكات المغتربين: 1-في الأسباب: ليست الأسباب التي تطرحها السفينة بمنأى عن سياق الأسباب التي طرحها الخطاب في صُراخ) و صيادون) ويحدث ذلك أحياناً بإعادة صياغة العالم الاغترابي السابق وفق إمكانية لغوية جديدة تتكرر فيها الرموز اللغوية الاغترابية التي عرضها الخطاب سابقاً: 1-الفشل في الحب: وجدنا هذه المقولة في صراخ) مؤدّى إلى القلق الاغترابي الكونيّ، وهنا نجدها عنصراً مكوناً أساسياً في أسباب الاغتراب وهي في رؤيته العنصر غير المحتمل فعلى الرغم من تأثير الأسباب الأخرى: ولكن الغصّة الكبرى هي هذا الذي يعجز عنه التحديد هي أن تقع في هوىً صاحبتُهُ بين يديك ولا تنالُها. تنالُ ألفَ امرأة وتبقى تلك الغصة في حلقك، وتلاحقك الحسرة)) ص8و9. ونتيجة لهذا الحس الاغترابي تتحول المرأة والحب إلى كابوس: يقولون: إن الكابوس للرجل امرأة شبقة تهاجمه في الليل تريد امتصاص حياته، للذتها فيرى ما يرى)) ص78 المرأة فاتنة غادرة تُوقعنا هي وتنجو بجلدها)) ص54. ولا يقتصر الفشل في الحُبّ على الرّجل، ولكن المرأة تعانيه أيضاً: زواجُها دام سنة وبعض السنة ولم يترك لها ذكرى واحدة تناغيها سوى ذكرى منظر الجبل الأخضر الأزرق المتلألئ فوق بيروت وشعور بضرورة الهرب: لا ذكرى عاطفة، ذكرى بلد، لا ذكرى إنسان)) ص6. 2-المدينة: القهر الحقيقي الذي نجده على مدى مساحة الخطاب في أكثر تجلياته تكون المدينة سبباً رئيسياً فيه، وهي مقولة متكرّرة في جميع الرّوايات ولكن الاختلاف لابد من أن يكون في كثير من التفصيلات، وفي كمّ التناول، إذ يظهر في السفينة ظهوراً عارضاً: كيف ينتهي رجل إلى الوقوع بين مخالب الشيطان بعد أن قضى حياته في صراعٍ ظافرٍ معه. هذا ما تفعله المدينة)) ص54. -أحد الأسباب المباشرة التي يعرضها الخطاب في اغتراب الفلسطيني عن العالم وعن قيمه: هل كان في حاجة إلى أن أقتلع من جذوري ويُقْذَفَ بي بين الحوافر والبراثن بين لواهب الصّحراء وزعيق المدن البترولية، لكنّي أعرف ذلك؟ القماشة عريضة والسواد فيها كثير والبقع قليلة متباعدة... وأعود إلى آلام كآلام الصليب في مأساة تتجدد، فيقولون عنّي: انحطاطيّ ماكر يُناقض نفسه يعبد القرش ما عادت أرضه تعني له شيئاً، كأنهم يريدونني أن أحمل حفنة من ترابها في كيس من ورق في جيبي دليلاً على ألمي وأنا أحمل صخورها البركانية كلّها في دمي مع وحدتي ووحشتي.. نضمّ بين الجوانح الحبّ والوحدة ولا نريد أن يعرف محبونا بالذي نضم)) ص24. قد نستطيع أن نسمّي هذا النّوع من الاغتراب الاغتراب الفلسطيني) يتعرّض فيه لأطراف القهر: الطرف الأول الذي خلق هذا القهر، وخلق الاغتراب هو العدوّ، والطّرف الثاني هو الطّرف الذي تلقى الفلسطيني ليتهمه بالانحطاط والتخلي. -مقولة الخير والشر مقولة متكررة أيضاً؛ لأنها مقولة تشكل هاجساً كونيّاً حضاريّاً للخطاب، وقد ظهرت في حديثنا حول مفهوم الذات ووعي الذات)، والمفهوم الذي يظهر هو نفسه ما وجدناه في مبحث الذات والآخر) ويتمحور هذا المفهوم حول تكوين القيمة الثنائي الحتمي الذي لا يقوم الكون دونَه الخير والشر) كما يُعرضَانِ مُكَوَّنان متلازمان لحتمية الوجود: هل حقاً أن الخير لا يوجد إلا بوجود نقيضه، الشر... قالوا: إن صَلْبَ المسيحِ كانَ ضرورياً لخلاص البشريّة؟ ولكنّ صلبه ما كان ليتم لولا خيانة يهوذا الإسخريوطي. إذن ما كانَ خلاص البشرية ليتم لولا قبلة الخيانة! منطق مقلق)) ص53و54. يعدّ هذا سبباً قويّاً من أسباب الاغتراب، لأنّ النّفس البشرية عالية الرؤيا التي ترى العالم من منطق منظورها الذي لا يستطيع تصور الحتمية التي تجعل وجود الشر لازماً كوجود الخير، ونتيجة لهذه المعادلة، فالإنسان مخير بين حدين الصمت أو المقصلة: أنا أشعرُ أنّني في عالم فرض عليّ فيه الخيار بين الصّمت أو المقصلة، لماذا يتحتّم عليّ أن أردد ما كان يردده أهل القرون الوسطى: إذا كان الكلام من فضة فالسكوتُ من ذهب)) ص124. -وكذلك التأمل في جدوى الحياة الذي رأيناه في صيادون) وذلك من خلال طرح المفارقة بين الحياة والموت: هذه الأرض العريضة ما أضيقها. أصوات الموت تملأ الدّنيا)) ص74. تنتظم هذه الرؤية الاغترابية ثنائية مقاربة لثنائية الخير والشر: الحياة والموت. لعلها مهنة الطبيب، الجرّاح على الأخص، التدخل بشؤون الطبيعة بشؤون الله. ولكن المفروض أن الله لا يحب أذى الإنسان إذن فهي الطبيعة)) ص212. والتأمل في هذه الثنائية قد يؤدي إلى تآخٍ في روح الكائن بين الموت والحياة: شهوة الحياة وشهوة الموت قد تتحدان حينئذ في صدفة فذة، دون أن ينال أياً من الشهوتين شيء من الوَهَن)) ص117. ويعرض الخطاب مُجْمِلاً الأسباب السابقة تقريباً مضيفاً سبباً جديداً هو السبب السّلطويّ: السلطة وتناقضاتها، المال، المقتنيات، الزّواج، الأبناء، كلّها تمزّقنا باستمرار وفي النهاية نلجأ إلى عالم "فوغ" لا ألم لا تمزق وحلم قد يدوم بعض الساعة،... الجنون المطبق الذي هو نهاية الكثير من النّاس يولدون باكين، كما قال أحد الشعراء، ويموتون في زوبعة من الرّعب. وما الذي هناك بين الولادة والموت، سوى زوابع من الرّعب متلاحقة منها الخفيّ ومنها الظاهر، منها النفسيّ ومنها الجسديّ مع فترات الصَّحو كصحو الظهيرة في الصّحراء سماء لا تنتهي، وأرض لا تنتهي وصمت مليء بأحلام المتصوفين)) ص78. وبتوصيف مباشر يقوم أيضاً بإتمام عناصر العملية الاغترابية لتكتمل، والمعروف كما أشرت إليه سابقاً أن الخطاب ينزع في أكثر تناولاته إلى الشّمول والإحاطة والعمق للسيطرة على العالم بتوصيفه في الحياة غصّات كثيرة فيها الموت. وفيها المرض، فيها الخيبة بالأبناء وفيها الخيبة بالآباء- فيها الموت والقتل وخيانة الصديق. ولكننا نتحملها.. ما دمنا لا نستطيع الانتحار، ولابد من الادعاء بالجَلَد والبطولة في تحملها)) ص8. تجليات الاغتراب: العالم: الجحيم: عن كلِّ أملٍ تخلّوا، أيُّها الدّاخلون هنا، هذا ما كُتب على بوابة الجحيم... فقد كنت من "الداخلين هنا" عرفت الجحيم طولاً وعرضاً، الأمل ما عدت أعرف عنه شيئاً.. واليأس ما الذي يعنيه؟ الجحيم؟ وإذا خرجَ المَرْء من الجحيم يعيش المرء كابوساً متواصلاً...)) ص38. هذه الصّورة التي يرسمها الخطاب مستعيناً بالرّصد الثقافي أو ما يمكن أن ندعوه بالتّناصّ) تعطي تصوّراً واضحاً عن رؤية الخطاب للعالم الذي يتلخّص بكلمة واحدة هي الجحيم وما تؤديه الكلمة من إيحاءات تصويرية، والأمل الذي يعد جدوى العالم في الاستمرار ويمنحه مسوّغ الوجود، وإذا فُقِدَ الأملُ فَقَدَ الوجودُ مسوّغَهُ وهذا يؤدي إلى البحث عن إنهاء الحياة والوجود وهذا ما سنراه واضحاً في الحلول التي يقترحها الخطاب في موازاته للواقع، هذه الرّؤية الكليّة للعالم يمكن أن تكون عنواناً رئيسياً لمبحث الاغتراب ويمكن أيضاً أن نعنون به رواية السفينة لأنّ السفينة) شكّلت جحيماً حقيقيّاً لسكّانها الباحثين عن مخرج من جحيمهم الذي عاشوه قبل الاجتماع في السفينة وعقد مؤتمراتهم التجريبية لفحص إمكانيات الحلول ويبدو العالم وفق ما يلي: "الحياة مظلمة، النهار أسود كالموت، السفينة سجن، قفص، البحر وحش بغيض، الشمس سوداء...)) ص220. المواقف التفصيلية للاغتراب: 1-الوحدة: صفة اغترابية رئيسية يعرضها الخطاب بطريقة ترميزية فجائعية: في الصميم نحن وحيدون، حياتنا أشبه بالعلب الصينية: علبة داخل علبة، وتتضاءل العلب حجماً إلى أن تبلغ العلبة الصغرى في القلب منها جميعاً، وإذا في داخلها لا خاتم ثمين من خواتم ابنة السلطان، بل سرّ أثمن وأعجب: الوحدة)) ص23و24. إن ترميز العلب هنا دلالة سيكلوجية) في عمق الفعل الاغترابي مفرداتها الحصار، وعمق الفجيعة الإنسانية في اكتشافها النهائي الوحدة). 2-الالتحام بالمسيح "الرّوح المصلوب": يستعين الخطاب الرّوائيّ لإظهار الجانب من الجوانب الكثيرة للاغتراب بالخطاب الديني، ويجعله مُتّكَئاً تشبيهياً لإظهار عمق المأساة، وذلك لأنَّ المسيحَ المصلوبَ) الموضوعة الدينية الفجيعة) تشكل في عُرف الخطاب الحالة الفجائعية القصوى؛ معلّم السّلام ومعلّم الخير يُلاحَق ليصلب) والإحساس المطلق بالفجيعة في الخطاب لايمكن أن يُؤدي إلا بهذه التقنية التشبيهية: أجمل ما في الحياة حزين كبلادي والملائكة التي تحمل كؤوساً تملؤها من الدّم القاطر من يدي المسيح المصلوب جميلة)) ص19. ويستلذّ الخطاب المزج الصّهيري بين التراث الديني الرّمز الذي يمنح الواقع المُرَمّز له طمأنينة الكفاح ويهدّئ المعاناة ويجعلها نبيلة تطهيرية ليتحول الاغتراب إلى حالة أداء صوفيّ يبحث عن الالتحام بالعالم وليس الانفصال عنه: كان يوحنّا كما تَعْلَم يعيشُ في البادية عند البحر الميت، يعيش على الجراد والعسل شبه عار، وجهه ضامر، عيناه في اتساع الصحراء يرى رؤى ويتحدث بالرموز برزت فيه العظام، ومعمودية الروح القدس- معمودية النار، ضلوع صدره الناتئة تجابه المشاهد كالعصيّ الصّلبة.. أحياناً أراني مثله أراني كيوحنا المعمدان وجسده ينصهر بالنار التي تستقر في قلبه- صوت صارخ في البرية... صوت تصغي له الإنسانية كلها)) ص53. 3-الاغتراب الفلسطيني: بعد سقوط القيم الإنسانية في العالم وسقوط القيمة العليا الحقيقية) وسقوط الفلسطيني في دوامة الاغتراب أضحى الفلسطيني لاجئاً في خيمة. في هذه السفينة الصدق شحاذ، ناسك، كافر، طاغية ابن كلب لا نريده في الواقع كل من يدّعي أنه يقول لك الحقيقة واحد من اثنين: إما أنه واهم ولا يعرف، أو أنه كاذب على كل حال، وماهي الحقيقة؟ على كندرتك! قلنا الصدق حتى بُحَّت حناجرنا وأضحينا لاجئين في خيام)) ص17. وهنا في التعامل مع الاغتراب يتحول هم المغتربون على الانتهاء من ماضيه، لأنه يعني له الأسباب الاغترابية التي أوصلته إلى انسلاخه عن العالم فيصب اهتمامه في المستقبل في سبيل البحث عن حلول: لقد أصبح المستقبل لكل مسافر أهم من الماضي وغدت اللحظة الحاضرة الجرعة الجحيمية التي تخلط الأحشاء)) ص133. -الحلول وسلوكات المغترب: 1-الحل الأول الإبداع الحل الإيجابي): نعيد من جديد الإشارة إلى ميزة للخطاب عند جبرا، كنا أشرنا إليها سابقاً هي قدرته الفائقة على وعي مفردات القضية التي يتناولها إلى درجة يدخل في وهم المتلقي أن المؤلف يقوم بعمل مخطط منظم مرتب وفق مسرد يسير على منهج دقيق كما يفعل الباحث الذي يقوم بإنتاج بحث علمي إضافة إلى طفؤ وعيه دائماً إلى أعلى سطح العرض، وليس ذلك توصيفاً سلبياً وإنما هو إشارة إيجابية إلى قدرة جبرا على الامتداد إلى الأعماق وطرحها بوضوح وكأنها سطوح، في النص التالي يوصف الخطاب الحل الإبداعي بكونه عزاءً تسكينياً ولا يعني الحل الجذري الفاعل والموصل إلى الخلاص: محاولاتنا الإبداعية ليست إلا مُسكنات مؤقتة هي نوع من البكاء. ولكن لا شيء في الحياة يعوض عن الدموع السخينة الكبيرة)) ص18. ويحدّد الخطاب نوع الإبداع بدقة: ما معنى النجاة على كل حال؟ إلى أين نحن فارّون؟ أنا قد أفر إلى هذه الرسوم، أو أنكفئ على صمت يلازمني أياماً بطولها)) ص79. ويعمق في فهم العلاقة الجوهرية بين الفن والعزاء: فـ إذا لم يكن الفن متصلاً بجحيم النفس، فإنه لن يتصل بفراديسها، الفنانون الذين يستجيبون دائماً لما يريد الناس طراشون،، صباغون، بغايا)) ص75. إننا نرى أن هذه العزاءات ليست جسر الخلاص النهائي الذي يؤدي إلى خلق الطمأنينة والاستكانة لسيرورة العالم: ليس في الفن من حلول، المسألة هي المهمة أما الحلُّ، ففي العدد القادم الذي لن تشتريه" ص77. 2-الحلّ الثاني الوهم): إن مفهوم الوهم دلالة سيكلوجية) تنتمي إلى الحقل المعرفي المُسمّى علم النفس) لكن الخطاب يتناول هذا المفهوم من منظورات أخرى مضافة إلى منظار) البعد النفسي ويحلله بمقاربات حضارية ويرجعه أحياناً إلى مؤثرات غيبية في أساس الطبيعة، وهذا يعني أن مفهوم الوهم ليس محمولاً سلبياً؛ لأنه يتكشف عن دلالات إيجابية، كمفهوم الوهم الفنيّ المبدع مثلاً ويطرق الخطاب هذه الموضوعة بداية من مصطلح أحلام اليقظة) ليجعله مدخلاً لمناقشتها وتحليلها ويجعله ناتجاً طبيعياً من التراكم الكمّيّ لتجارب الإنسان في مسيرة الزمن. بعض التجارب يحملها المرء طي إهابه كالمرض، كقرحة لا تميت ولا تندمل، ويجابه المرء الأيّام والتجارب الجديدة... ويصبح الألم جزءاً من الكيان يعايش القلب والذّهن ويبدو أحياناً على نحوٍ يناقض المنطق والعقل، كأنه فَرَحٌ مقيمُ كلّنا عرضة لهذه الماسوكية العاطفية... فلم لا نتحايل عليها ونجعلها مصدراً للقصائد غير المنظومة التي تهدر في النفس على غير انتظار)) ص11. تتردّد هنا مجموعةُ من المصطلحات السيكلوجية) مثل الماسوكية) العاطفية و أحلام اليقظة) وإذا نظرنا إلى النص المقتبس سنجد أن الرّوح السيكلوجية) في التحليل هي السائدة واللغة المستعملة في مضمار علم النفس هي المسيطرة تجارب محمولة في الإهاب كالمرض، كالقرحة، الألم جزء من كيان الإنسان يعايش القلب والذهن، يناقض منطق العقل، فرح مقيم....) وهذا السلوك في التحليل ليس غريباً على خطاب جبرا، لأننا نجد كثيراً من هذه التحليلات النّفسية والبحث في أعماق راقات) النفس خاصة في البحث عن وليد مسعود) ويبدو أنه سلوك يؤدّي أغراضاً خطابية لدى الكاتب، ولكنه ليس السّلوك الأوحد الكافي لرؤية العالم الشّمولية التي يطمح إليها، نظراً إلى خصوصية الفن الروائي ولخصوصية المبدع. وربّما تكون هذه البداية في السفينة تأسيساً للتّحليل السّيكلوجي) في الرّوايات القادمة ولعلّ غيابَ مثلِ هذه التحليلات أو انحسارها فيما سبق عائد أولاً في صُراخ) إلى طبيعة إنتاج هذه الرّواية)، وهذا لا يعني غياب التحليل النفسيّ عن صراخ) تماماً، وثانياً في صيادون) إلى الطبيعة الغرضية التي دعت إلى كتابة الرواية. -تتطور صورة الوهم من أحلام اليقظة إلى خلق عالم بديل ومناهض لعالم الواقع قد يحمل الطمأنينة وقد يحمل نقيضها، ولكنه يبقى أكثر عمقاً من عالم الواقع؛ لأنه عالم اختياري مخلوق وفق رؤية المغترب وعمقه الإنسان والروحي: كلنا فينا شيء من الجنون بأقدار متفاوتة، ننسحب من الواقع المزري إلى عالم خبيء في الداخل مليء بكل ما نشتهي وأحياناً بكل ما نرهب، كالمجاذيب... العالم الذي ننسحب إليه في نظري ربما كان أعمق حقيقة من عالم الواقع)) ص74. ويحمّل الخطاب المسؤولية في خلق الوهم للطبيعة التي تحاول خلق التعادل في الأشياء: الوهم تفرضه علينا الطبيعة نفسها فرضاً. ما النوم؟ إنه انسحاب إلى الداخل إلى الظلمات الطرية اللذيذة. فالوهم أخو النسيان، والنسيان بلسم الجراح، إلى أن تفاجئنا الكوابيس وهنا بيت القصيد)) ص75. ويترجّح النظر إلى الوهم بين عدة مستويات ليصل إلى الدلالة الإيجابية الصرف دلالة الخلق والإبداع جزء كبير من الحضارة ما هو إلا تنظيم الوهم والتمتع بالوهم والاغتسال بشلالات الوهم، ولكن تبقى الكوابيس هي الخلاقة الحقيقية في النهاية)) ص75. ويتوصّل الخطاب إلى لقطة جوهريّة في فهم الحالة الاغترابية ويحكم على الحضارة الحديثة برمتها بأنها حضارة الفنتزة) والوهم: مصيبتنا أننا نحاول رفض الحضارة إذا كانت حضارة وهم ولكننا جزء من حضارة الفنتزة رغماً عن أنوفنا إلى أن يفاجئنا الكابوس)) ص75. -ويُغرق في البحث في الرّاقات العميقة للنفس باحثاً عن البعد الاغترابي مصوراً الوهم مرتبطاً بقضايا مكمّلة وطارحاً الحلّ الوهم) قدرة مسيطرة. بل قدرة تعني أقصى حالات الجدوى، فدون وهم ليس هناك متعة، والمتعة هي التي تمنح العالم جدواه وتسويغ وجوده: وأنا كالأبله مأخوذ بما أرى، ربما أتوهم، أحاور الله والشيطان معاً. قد تقولان المسألة جنسية على طريقة فرويد، المحرومون جنسياً يتوهمون أنهم جبابرة الكون أو حشراته- لقد أصبحت المسألة حياتية ضرورة من ضرورات البقاء، يبقى الوهم أمراً لا محيد له عن... الفناء كله وهم، الطيبات كلها وهم: ارفع الوهم، تضمحل المتعة الأخيرة)) ص80. وعندما يفر الإنسان إلى الوهم ولا يستطيع أن يجد عزاءه فيه يبحث عن الحل السلبي؛ الحل الذي يكسر الحاجز بين الحياة والموت الانتحار). أين يهرب الإنسان...؟... إلى الموج، ولكنّ عيون الحسّاد يقظة، سينشلونه من الموج ويفرغون الماء من جوفه ويعيدون إليه عافيته لكيما يعاقبون)) ص92. ويعرض الفلسطينيُّ حلَّه في مواجهة عالم الاغتراب هذا، ويمعن في التأكيد عليه إلى درجة اندغامه في حلّه ليتحوّل في النهاية مغترباً حتى عن حلّه، وفي مناقشة اختبارية) أخرى من المناقشات السائدة عند جبرا بين ممثل حلّ الانتحار وبين الفلسطيني، يجري تحديد الحل: (1) الاصطلاح عناصر الاغتراب) يحمل الاغتراب كلاً متكوناً من مجموعة من العناصر كل منها ينضوي تحته وهذا إذا بحثنا مثلاً في علم النفس يدل دلالة غير التي تقصدها إذ يعني عندها المستويات النفسية للاغتراب أو الراقات النفسية وتوضعاتها في النفس أما نحن فنميل إلى الاصطلاح الثاني وهو أنواع الاغتراب) على الرغم من حاجته إلى الدقة في الدلالة فهو يفترض أن هناك مستويات متمايزة من الاغتراب لا تتقاطع فيما بينها، وما تقصده في مفهومنا للاصطلاح هو وجود تقاطع رئيسي جوهري بين مستويات الاغتراب هو حس الفقد والغياب والانفصال بين المغترب ومتعلقاته) مع وجود تباينات في ماهية هذا الحس بين المستويات. (2) ينطبق هذا الحكم على الدراسات التي وقعنا عليها في المكتبة العربية المترجمة والعربية هي قليلة. (3) كوفمان في مقدمته لكتاب شاخت. (4) الإنسان والاغتراب ص36 (5) نفسه ص37 مجاهد عبد المنعم مجاهد سعد الدين للطباعة- دمشق 1985 (6) نفسه ص 27. (7) نفسه ص28 (8) نفسه ص30 (9) الاغتراب رتشارد شاخت ترجمة كامل يوسف حسين- المؤسسة العربية للدراسات - ط1- 1980 (10) الإنسان والاغتراب، مجاهد عبد المنعم مجاهد، ص35 (11) تأملات في بنيان مرمري ص44 (12) نفسه، ص45 (13) نفسه ص44 عنوان المقال "الاغتراب: صمت أم إبداع" (14) الحديث عن هذه المقولة سيأتي في رؤية الآخر. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |