مُضمرات النصِّ والخطاب في عالم جبرا إبراهيم جبرا الروائي - سليمان حسين

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:36 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

-الردّ على معطيات الاغتراب:

إننا في حالةُ يُرثى لها- ولكنّ تغيير هذه الحالة رهنٌ بنا‏

-نتفاءل ونحن في طريقنا إلى المقصلة؟‏

-أتفاءل، لأن أمامنا مهمّة هائلة يجب أن ننجزها.‏

-والمقصلة؟ -نهدمها، لأن المهمّة الهائلة في انتظارنا؟‏

-نحن مسرعون إليه- أحلم؟- لابأس أن أحلم!.‏

-اربح عملية مجابهة للواقع- عملية إخضاع للواقع وهنا تعود.‏

-نخضعها -ما هي المهمة؟ -المهمة؟ -كل شيء: فلسطين والمستقبل الحرية... أنت تفكر بالخارج وأنا أفكر بالداخل)) ص117 و 118 و 119.‏

نستطيع أن نطلق على هذا الحوار عملية صراع)) بين الحلول، وواضح أن كلَّ حلٍ يستند إلى معطيات واقعية موضوعية تختلف عن الآخر، رؤيتان للحلّ مختلفتان باختلاف المنطلق: الأولى الانتحارية) تنطلق من وعي السائد الداخلي في المجتمع العربيّ والثانية المواجهة وإخضاع الواقع) تنطلق من وعي التهديد الخارجي، ولكنها أكثر شمولية لأنها تريد إلغاء الخارجيّ والداخليّ معاً. والحلول المطروحة سابقاً يمكن إرجاع بعضها إلى مرجعيات طبقية كحل الانتحار الذي يقوم به فالح) مثلاً المنتمي إلى الطبقة البورجوازية، وبعضها الآخر إلى مرجعية سياسية تاريخية، أما عن نتيجة الحلّ الأخير، وهو حل المواجهة، فقد كان على المستوى التنفيذي في السفينة ناجحاً نسبياً، إذ نجح وديع عساف) محور الخطاب في السفينة) في إقناع أكثر ركاب السفينة بالعودة إلى وطنهم، إلى حلّه التجريبي الأرض) وقد كانت التجربة الأولى ناجحة في السفينة: سأشق حنجرتي بالصّياح لكي يسمعني ربيّ لكي يسمع كلمات الشكر وكلمات الاحتجاج)) ص86.‏

-ظل خطاب السفينة في إطاره الذي رسمه لنفسه، من حيث السعي بالأفكار والأحاسيس إلى مطلقاتها، وظل ضمن السياق العام لكلية الخطاب عند جبرا، في عرض ثلاثة مستويات لمبحث الاغتراب الأسباب، التجليات، والسلوكات) أما في المسائل الجزئية التفصيلية فقد قام جزء الخطاب في السفينة بالتعديلات وبالتنويع وبالحذف والإضافة.‏

حدثت بعض التقاطعات التي لابد منها، نظراً إلى طبيعة البحث بين مبحث الذات والآخر ومبحث الاغتراب لأن الاغتراب في كثير من تجلياته وأسبابه وحلوله يصب في مبحث الذات والآخر.‏

الاغتراب في البحث عن وليد مسعود‏

1-في الأسباب:‏

أ-العالم التناقض الحتمي): الاغتراب التناغم الحلمي):‏

هذه المقولة تندرج في السياق الخطابي العام لجبرا، ضمن الخط البياني لتؤلف بين النقاط المتناثرة على مساحته، وهي تحوي، من التفصيلات المتعددة، ما يمنحها هذا التمثيل البياني للخطاب، لأن البحث عن وليد مسعود) ذروة بيانية) في مستويات الخطاب كافة خاصة في مفهوم الاغتراب.‏

ويُعَدّ هذا السبب الذي يعرضه الخطاب أهم الأسباب، وهو فقدان التوازن في العالم: كان وليد يبحث دائماً عن التوازن الذي تحدث عنه طوال حياته ولم يجده قطّ. كان يقول إن التوازن كلمة تقريبية، ولكنها تفي بالغرض قبل أن يخوض المرء في التفاصيل"ص13.‏

ثم يدخل الخطاب في تبيين هذه التفصيلات التي تجرح حسّ التوازن بل تجتثه أحياناً من الجذور.‏

"عالمٌ من الرّعب والقتل والجوع والكراهية، كيف تجد توازنك الذهني أو النفسي أو الجسدي أو الاجتماعي، سمّه ما شئت، دون أن تشعر بأنك تقف من الإنسانية على طرف بعيد؟ كيف تكون إنسانياً وتتخطى المشاكل الإنسانية؟ التوازن بالطبع كان سراباً"ص13.‏

نجد في هذا الامتداد نحو البحث في أسباب الاغتراب عمقاً يتوصل إلى فهم الفحوى الحقيقة والجوهر الأساس للاغتراب، لأنّ العالم: "عالم زَلق مُقَلْقَل في صعود وهبوط مستمرّين يتخطيان العقل والمنطق"ص14.‏

تتعدّد توصيفات العالم السّلبية الّتي تُشَكّل السّبب المهم في الاغتراب، فالعالم شرير لا يمكن للأخيار العيش فيه.‏

"من يريدّ أن يكون راهباً في هذا العالم الشرير؟"ص92.‏

وكذلك فهو قاس دون مسوغ وعناصره البشرية كائنات غيبية لا تفهم، وهذا ما يدعو إلى التساؤل حول هذه القسوة: إن كان لله مشيئة في إيجادها، وهذا السؤال الذي يُطرح في وجه الغيب يشير إلى حالة الاغتراب الحقيقية والانفصال التام عن العالم: "ما معنى تلك القسوة كلّها وهل لله مشيئة فيها كيف كان لنا أن نجعل الآخرين يفهمون نشوتنا الداخلية ومحاولتنا لتغييرهم"ص186.‏

العالم لا يفهم ولن يفهم ليس لي إلا أن أرفض عالماً لا يفهمني)ص287 ولذلك فإن العالم مليء بالنحيب)ص230.‏

الذي يصنعه الأشرار، إنّ هذا الفهم للعالم يستند إلى معطيات اغترابية ذات أبعاد متشعبة ربما يكون أولها وأكثرها وضوحاً هو البعد السيكلوجي) الذي يتصور الأشياء وفق منظور جارح للحس ومتفجع بالعالم ولعل هذا يعود إلى طبيعة الشريحة المغتربة كونها شريحة مثقفة تتفاعل مع العالم بعمق أكبر وتؤمن، بقوة وبجذرية، بطروحاتها البديلة فإذا انكسرت أحلامها في خرق الواقع القائم وفي خلق واقعها البديل يكون هذا المعبر إلى آفاق القلق ومغادرة الفعل في العالم في المجتمع وفي الذات أيضاً، ويعد انكسار الأحلام من أهم العوامل التي تدفع إلى حالة الاغتراب القسريّ: "يا مسكين يا جاهل إلى متى تبقى تحلم بالعبور إلى عوالم أخرى وما لديك إلا هذا العالم القاسي العنيد"ص27.‏

والإخفاق في تغيير العالم هو نوع من أنواع انكسار الحلم وانهياره: "منذ أن وعيت كانت المعركة أبداً هي نفسها: بيني وبين نفسي بيني وبين الآخرين بيني وبين العالم، معركة حب أردته لكل إنسان، فإذا أردت تغيير العالم بالحب يا للغرور وجب علي أن أغير الآخرين، وإذا أردت تغيير الآخرين وجبَ عليّ أن أغيّر نفسي، أردت أن أغير العالم على هواي، وأنا أنظر إلى الغـاديـن والرائحين من على شجرة تطل على الطريق، وتطل من ورائه على الوادي أردت للعالم أن يتغير وأنا جاثم بين أغصان شجرة آكل منها لوزها الأخضر"ص177.‏

يعي الخطاب هنا بمعنى دقيق مفهوم التغيير أولاً ويعي ثانياً مفهوم الاغتراب وعوامل الإخفاق التي أدت إليه، فالتغيير لا يكون وفق حلم من أحلام اليقظة يُجتر، إنما يجب أن يكون الفعل سيداً في عملية البحث عن التغيير وخلق البدائل، أما التغيير الحلمي الذي يبقى أملاً تصورياً وهمياً، فإنه يقود إلى الإحساس باللاجدوى) وربما يكون هذا الأمل الحلمي ذا منشئ غيبي في الاعتماد على الغيب، وفي البحث عن الحلول والتغيرات أي الاتكاء على القدر، وهذا أيضاً عنصر مكون للحلّ عند الباحثين عن البدائل في الخطاب، وعندما يخفق هذا الحلّ بعد الانتظار الطويل يكون البحث عن البديل، ولكن الأوان يفوت فيكون الاغتراب.‏

-يجري التأمل في العالم فيُرى مستنقعات للجثث الحية والميتة وخرائب يعج فيها الغثيان وتسكنها الغربان التي "تختصر العمر كلّه من أقاصيص كليلة ودمنة وحكايات لافونتين إلى وقائع الجثث التي ملأت الأرض حية كانت أم ميتة وأفعم النتن منها الخياشم وزكم أنوف أهل الفضيلة وأهل الرذيلة معاً.. أينما أنظر لا أرى إلا الغربان فظيع!" ص32و33.‏

وبعد اخفاق سيادة الحب على العالم: "ألا ترى ما أهزل الحياة وما أمحلها كنا نظن أن الحب سوف يخصب هذه البقعة الصفراء السبخة مثل هذا المطر"ص49.‏

وتنعدم بسبب ذلك كل القيم الإنسانية الإيجابية: "تريد أن تقول: هناك ثقة، حب، صداقة، فضيلة ما.. أما أنا فلم أعد أعترف بأي شيء من ذلك.. لقد دخلت أنا على حياتي فوجدتها قبيحة يصرخ قبحها لله في سمائه"ص57.‏

-ومن الأسباب المهمة في خلق حالة الاغتراب الجماعي لدى الإنسان العربي هزيمة حزيران عام 1967 إذ تحولت الكآبة التي سيطرت على المجتمع العربي بعد تلك الهزيمة إلى حالة من الهستريا) الجماعية التي تمثلت في محاولة الخروج من عنف تبكيت الضمير، ولكن هذا الخروج كان سلبياً إلى الاغتراب، والفاجع في الأمر أن الاغتراب دائماً يحدث في مثل هذا الأمر في النزوع إلى التماهي في الآخر بمفهومه الحضاري) والتماهي السلبي فيه فقط: "بعد انسحاق الهزيمة وكآبتها بسنة أو سنتين عم الطيش وعمت شهوة النسيان وعم الميني سكيرت، وعلا صخب الروك في كل مكان"ص237.‏

وتكرر مجموعة المقولات التي تصور العالم والحياة من جانبها السلبي: "في الحياة قبح، وعوز ومظالم"ص258 "الكون لا يعرف المنطق".‏

ويتوجه التوصيف الهجائي هنا إلى الحكم الاغترابي الرئيسي الذي ينقذف في وجه الكون اللامنطق).‏

-ماهية الاغتراب تجلياته التساؤلات تفضى إلى للاجدوى):‏

-الغوص إلى الأعماق بل الارتداد إلى العالم الداخلي للإنسان ومحاولة استنطاقه) أحد التجليات التنفيذية للاغتراب وإذا يحدث ذلك الارتداد والفحص والبحث والتساؤل ومحاولة التعرف على العالم مرة أخرى بعد الانشقاق وزوال الحبل السري) يتوصل المغترب إلى الإيمان بلا جدوى) الحياة والعالم والكون ويسيطر السواد والعدم والموت منعكسات روحية من نفس المغترب على العالم: "وفي الداخل سؤال يسمع كأنه صادر من أعماق بئر سحيقة: من أنا؟ من أنت؟ ما الذي أفعله هنا؟ من هم هؤلاء الذين حولك يضحكون في وجه الموت والمدينة يلتهمها الوحش عضواً فعضواً كل شيء أسود، عتيق هرم، والمطر يهطل مطر مطر مطر مطر مطر..‏

ولكن هذه الصورة القاتمة لا تبقى هي الصورة الدائمة المسيطرة لأن هناك مجالاً للخروج من هذا السواد والموت بالمطر).‏

"وتنبثق حياة رائعة واثبة في الأعماق ويتحول الأسود إلى أخضر والعتيق يرقص والهزم يلتهب نضارة"ض242.‏

وهذا نوع من الحل لكن إذا عدنا إلى سياق الخطاب للبحث في ترميز المطر وفي فحوى هذا الحل نجد أن له معطيات سياسية إذا كان وليد مسعود يقوم بعملية ضد العدو في لحظة الفصل بين سواد العالم ونهوضه.‏

ونجد هنا أيضاً حدين للموت الأول هو سعي الكون إلى نهايته إلى فنائه، والثاني هو الموت من أجل الإحياء من أجل إحياء الوطن: آه فلأمت إن كان لك بموتي أن تحيي يا مدينتي)ص242‏

-ومن أهم تجليات الاغتراب الحصار الذي يفرضه الخارج الواقعي على الداخلي النفسي، للوصول إلى فسحة من الضوء ضئيلة جداً على الرغم من إتساع العالم وكثافته، وما هذان الاتساع والكثافة إلا طريق ممتدٌ في التيه وفي العَمَاء، وتحكم المسيرة في هذا الطريق ثنائية التناقض التقليدية السلب والإيجاب).‏

"لا نكادُ نشقُّ طريقنا إلى الطرف الآخر من هذا العالم المكتظ حتى ندرك أننا من هذا الاتساع كلّه، لم نستضئ إلا بفسحة هنا وأخرى هناك وما طريقنا إلا طريق التيه، نتفحص الأفق نتلفت ذات اليمين وذات الشمال نعود القهقرى نستدير مرة أخرى، نتمعن في المعالم والرموز نستقرئ الآثار: إنها غابة من براءة وطيش، من إيمان وخديعة، من فعل ولا فعل من قاتل ومقتول -العدو من أمامكم والبحر من ورائكم" ص363.‏

وتتعمق حالة الاغتراب حتى تصل مداها الأقصى ويُعْلَن عن اللاجدوى النهائية، لأن الخراب والزوال هما قانون الكون، وذلك كله ضمن فهم صوفي لمسألة الكون في البقاء والزوال والموت: "يقال: إن أحد مريدي الحلاج سمع صوت الناي قادماً من بعيد فسأل أستاذه ما ذلك الصوت يا مولاي؟ فأجاب الحلاج: إنه صوت الشيطان وهو ينوح على دمار العالم الذي يتمنى لو يستطيع إنقاذه والشيطان ينوح قال الحلاج، لأن كل شيء إلى زوال وهو يود لو يعيد الحياة إلى كل شيء مضي.. ولكن البقاء ليس إلا لله وحده"ص267.‏

يصبح البقاء في العالم حالة سلب) قصوى والزوال هو الحالة الإيجابية هذا فيما يتعلق بالمخلوقات)، لأن الشيطان يسعى إلى بقاء العالم وفي بقائه استمرار لدوره وزوال العالم يعني زوال أي زوال الشر ويؤكد هذا مقولة الخطاب: "ما رأيت شريراً إلا وجدته يريد أن يعيش إلى الأبد"ص339.‏

-ويعرض الخطاب تجلياً آخر من تجليات الاغتراب يبين فيه كيفية تساوي القيم المُتناقضة بفعلها وبالإحساس بها إلى درجة انحسار التناقض بينها وغيابه وتلاشيه تماماً: التفاؤل، بالطبع يمكن أن يكون ضحلاً وتافهاً كالتشاؤم التفاؤل بماذا بالضبط؟"ص13.‏

قال الله: فليكن الحب فكان النعيم والجحيم وإذا الواحد يشبه الآخر فأحب الله كليهما)ص28.‏

هذا السلوك الخطابي في رؤية القيم سلوك صوفي ربما يكون مرجعاً إلى الفكرة الصوفية التي تقول: إن الله خلق الإنسان فأحبه وأغرم به).‏

-سلوكات الحلّ الاغترابي:‏

يبدأ البحث عن الخروج من مأزق الاغتراب بطرح تساؤل استشفائي متألّم من عمق الجرح:"أمَا مِنْ قرارٍ لهاويةِ الأحزان هذه؟!"ص110‏

ويجهد البحث عن مغادرة هذا العالم الشرير، ولو كان ذلك في الوهم في اللامحدود)، ومهما تبلغ التضحيات فلا بد من الوصول، ولكن ذلك يبقى أملاً ثاوياً في أعماق النفس لا يجد وسيلة للتنفيذ: "هل الجنة هناك وراء السماء حيث تلتقي السماء بالأفق ولو بلغت ذلك الأفق البنفسجي على الجبال الزرق لفتحت ثغره في السماء ودخلت منها الجنة، آه"ص27.‏

-يحيل الخطاب الأسباب الاغترابية إلى طبيعة العصر الذي يوازيه ويشير إلى إمكانية الحل لو أن المغترب عاش في عصر أسبق، لأن الحلول التي يطرحها مناسبة لذلك العصر، كالخلاص بالفن مثلاً أو بالدين أو على طريقة المتصوفة التوحد بالجمال: لو أنه عاش في عصر مضى لربما استطاع أن يتحدث عن إمكانية إيجاد التوازن في الفن، في الدين، في التوحد بالجمال بعبادته مثلاً على طريقة بعض قدامى المتصوفين"ص14.‏

بيد أن هذا الطرح لا يعني أن الباحثين عن الحل لم يلجؤوا إلى مثل هذه الحلول في الخطاب بل تركزت حلولهم في منحيين مهمين:‏

الحل الأول: 1-الفن: المثال الذي يطرحه الخطاب، أداة الحل الفن) هو الفن التشكيلي وربما يكون ذلك مثالاً جزئياً أراد به الإطلاق، يتصور ممثلوا هذا الحل أن الفن مصدر الحرية لأن الإبداع يبعث في المبدع أولاً وفي المتلقي ثانياً طعم التلذذ بالحرية: "الفن يشير إلى تحرر الإنسان في ساعات إبداعه ليعطي مذاق الحرية للآخرين للأبد، رسومك دليل واحد على محاولتك التحرر"ص328.‏

في هذا الحل يقوم الفن بوظيفة تسكينية وليست خلاصاً أبدياً "اللوحة جنتي الموعودة وتحقيق الصورة هو دخولي جنتي كل مرة من جديد أدخلها هاربة لاجئة ملتاعة، متمتعة بلذة كلذة الحب بخوف كخوف الموت"ص329.‏

إن الإحساس بالخلاص بطريق الفن يحمل في سلوكه قدرتين من الإحساس متناقضتين، اللذة والخوف: الجراح والبلسم: "وكان لنا في الفن تثخين للجراح، وبلسم لها معاً"ص330.‏

و"الفن ضروري للإنسان يعيد به التأمل في كونه وكيانه، في وَجْده ووجوده"ص330. ويلحق الخطاب الكتابة الإبداع) بالفن كحالة خلاص: "كنت أريد من رسومها ما أريده من كتاباتي أنا أو ما كنت أراه في كتابات وليد في السنين الماضية: مجابهة الإنسان للعالم، على نهجه الخاص، المجابهة الغلبة تأكيد لرؤيته الفذة التجلي الميتافيزيقي عبر المادة الحياتية"ص330.‏

إن الكتابة وسيلة للخلاص تتعدى هذه المهمة الوظيفية لتتجاوزها إلى مهمة أعلى في سلم الصراع إلى المجابهة من أجل الانتصار وتحقيق الغلبة فالكتابة إذاً عالم إضافي مبنيّ فوق عوالم أخرى أدنى، أولها عالم الواقع الذي يهزم ويدعو إلى الاغتراب ثم عالم الخلاص من الاغتراب ثم تأتي نهاية هذاالتطبق عالم الغلبة والانتصار على الاغتراب بوساطة الكتابة.‏

وإذا كان البدء بالكلمة) التي أعطت العالم معناه، فإن الكلمة هي التي تنهي العالم بانتهائها، لأن كلّ عزاء وكل خلاص يغيب ويتلاشى بغيابها: "وفي النهاية من كل شيء لا تبقى إلا الكلمات إذا لم تبق الكلمات لم يبق شيء، الفتنة، الهوس، القتل كلّها في الكلمات، البغضاء، السأم الانتحار الليلة المقمرة، الليلة المقضقضة، الليلة التي ترفض أن تنتهي، الليلة التي تذوب على الشفاه مبكراً وقبلات: كلمات..، قد تكون الكلمات لا لا، ونعم نعم، -.. ولكن إذا أوتي المرء قدرة المتنبي ستقض الكلمات مضجعة لا ألماً ولوعة فحسب، بل طرباً يمزق الجسد بلذته الشريرة.. هناك الأبطال الصامتون والأبطال الناطقون.. هناك الخاسرون الصامتون وهناك الخاسرون الناطقون، الموتى بصمت والموتى بكلام.. ولكن الكلمات.. ذوو الكلمات يسوطون أنفسهم بالحروف التي يدمدمونها. يعشقون ذبذبات الحنجرة، والمحبون إذا أغاضت الكلمات على شفاههم، ألن يغيض الحبّ معها أيضاً؟ الكلمات هي كل شيء"2ص267و268.‏

ينفتح الخطاب على مُنْتِجِهِ في هذه المسألة، إذ نجد توازياً دلالياً بين رؤية الكاتب منتج الخطاب) وبين رؤية أشخاصه ممثّلي الخطاب)، يقول جبرا: الكتابة عندي هي انتصافٌ لنفسها، ولو لم يكن هناك معنىً نريد اقتلاعه من قلب الكينونة عن طريق الكتابة التي هي في نهاية المطاف، تأمّل الذات في الكون وتحريك شيء ما فيه(1) .‏

وانطلاقاً من هذا الوعي العميق لأهمية الكتابة والإبداع يقرر جبرا أنّ الكتابة الإبداعية هي مقاومة حس العبثية الذي يفرضه العالم على الإنسان في معظم أحيانه، ومن هنا مشروعيتها وضرورتها، ومن هنا قيمتها الثورية، إذا كان لثورة عقل الإنسان المستمرة أن تضفي بهاء مستمراً على الوجود في عالم يعج بالتمزيق والفوضى.(2) .‏

إن الكتابة لدى جبرا تشكل حلاً خاصّاً من مأزق الإحساس بالوجود أي من مأزق اكتشاف الوجود أو الإحساس بالانتماء المادي الصرف إلى العالم: "ولا بدّ أن ثمة ارتباطاً بين هذا المفهوم للحياة، وبين الإحساس الرّوائي بالوجود الإنساني، فالرّوائيّ في الأغلب لديه إحساس بمعنى الحياة المأساوي الذي يفوق المعاني الأخرى، والذي يجد فيه.. استزادة من الحسّ بالحياة نفسها أي أن فيه تكثيفاً للوجود الذي لولاه لكانت الحياة تافهة"(3) .‏

وربما يكون حلّ الكلمة الإبداع ذا مرجعية غيبية لذلك إذا ما قيس بالقدرة التنفيذية في الجماعة وفي المجتمع؛ فإنه مخفق وفق المنظور الواقعي الاجتماعي: "إن كل ما كتبه لم يحقق له حلماً واحداً من أحلامه لقد أضحى كلّما ارتدّت عيناه نحو ماضيه يرى طريقاً طويلاً مقفراً تحيط به بضع نخلات عجاف، ويرى نفسه يمشي الطريق جيئة وذهاباً وحده.. بين نقطتين من عدم نقطتين من فراغ"ص54.‏

واستكمالاً للبحث في الحلول [التي مهد لها الخطاب بمقولتين أكثر قرباً من حالة الغيب الفن) والكلمة) وكلاهما تندرجان تحت عنوان واحد هو الفن [بمفهومه العام] يقوم الخطاب بطرح الحلول الغيبية مباشرة ونحن نستخدم مفهوم الغيب هنا دلالة تجريدية ذات فحوى غير مادية بمعنى أن الغيب هو قدرة مُتَصَوَّرَةٌ سواءٌ أكان ذلك في الإحساس أم في الذّهن، وهو مفهوم نسبيّ يخضعُ للنسبية في مدلولاته، فهناك غيب صرف مثلاً كفكرة الخالق والخلق) وهناك غيبٌ مرتبط بدلالات مادية كالإيمان.‏

-الحلّ الأول: وهو البحث عن الإيمان، وهي مقولة ترددت أصداؤها كثيراً في السّفينة) وتعود تظهر في البحث عن وليد مسعود) والإيمان المطلوب ليكون عزاءً هو إيمان الأنبياء الذي يحقّق الفعل: "ليكن إيمانكم كإيمان النبي دانيال ألقي به في جبّ الأسود فألجَمَ أفواهُ الأسُود وأخضعها ليديه وجعلها تتمسح وديعة بقدميه"ص116.‏

واضح أنّ هذا الحلّ يعتمدُ قدراتٍ غير واقعيّة، وهو حلٌّ تسكيني مُؤقّت. ومثل ذلك نرى عرضاً آخر للخطاب ينتظر منه المعجزات السّماويّة لتقوم بإعادة الأمور إلى نصابِها غيرَ أَنّ هذا الانتظار يخفّق ويتوصّل الشّبان الثّلاثة الذين ذهبوا إلى الكهف ليتنسكوا ويعيشوا حياة القديسين إلى أن المعجزات لن تكون إلا بفعل من الإنسان وليست من فعل الغيب الخارج عنه.‏

"من أين نأكل ونشرب؟- ألا تسمع ماذا يقول أبونا سبيريدون) كل يوم لا تطلبوا ما سوف تأكلون، وما سوف تشربون- هل سينزل الله علينا خبزاً كما كان ينزل على القديسين؟- كل يوم! وما علينا إلا أن نتعبد ونتضرع إليه تعالى. هل باستطاعتنا إذا رحنا وتنسكنا أن نغير البشر؟ نغيّر العالم؟ العالم مليء بالآثام ويجب أن يتطهر ويتغير" ص117و118.‏

وبتدرج زمني يبدأ التحول عن هذه التساؤلات الأولية النظرية إلى تساؤلات اختبارية: "هل أرسل الله لنا خبزاً ونحن نائمون، لم أجد أي خبز أو أي ماء.. هل من المعقول أن يهجر الله عباده إن الله يهيء للإنسان ما يحتاج إليه ولكنه لا يسهل عليه الأمور لكي لا يكسل" ص123و124.‏

ثم يبدأ الواقع يخلق الشك في هذه الحلول: غير أن شيئاً من الشك عاد وانتابني.. وبعد فراغنا من الصلوات والأدعية لم ينزل الطير المرتقب بالخبز والماء أو بالخبز على الأقل"ص126.‏

ويحدث التحول في النهاية والاغتراب عن الحل ذاته أي يحدث الاغتراب عن الغيب وعن المعجزة المنتظرة، وهذا ما رأيناه أولاً في فقرة التحوّل الأيديولوجي في الفصل الأول، وكذلك بحثناه في مبحث الذات والآخر ولا نجد مسوغاً لتكراره هنا.‏

وفي النهاية إذا كانت هناك معجزة، فهي معجزة نفسية، داخلية تنبع من الروح الداخلي للكائن وتكون على شكل كشف روحي يوجد العزاء ويكشف روعة الكون بمباهجه: المعجزات، إنها تهبط عليك من السماء كصرة ملأى باللآلئ، يسقطها في حضنك طير كبير، جميل، مجهول، ضُحى يومٍ مجنون، المعجزات هي هبات السماء هذه فجأة ترى بين يديك روعة الوجود.. روعة الكون، الأشجار والأثمار والغابات والجبال، والبحار وشلالات الدنيا كلها"ص253.‏

هنا تدنو الحالة من حالات الكشف الصوفيّ لتشكّل حلاً روحيّاً داخليّاً ونجد مفردات الحلّ الصوفيّ ماثلةً بقوة في الخطاب الباحث عن العزاءات، فالعذاب المبحوث عنه بطريق الفَرَح والتهليل والصخب في طريق البحث عن العذاب مفردات صوفية خاصة إذا توجت بالهدف الصّوفي الأسمى ربّ السماء والأرض): عن طريق الفرح نبحث عن العذاب.. عن طريق العذاب نهلّلُ صاخبين لربّ السماءِ والأرض) ص144.‏

ولا بدّ لنا من أن نذكر الرّقصة الدورانيّة التي قام بها وليد مسعود) حول فراش مريم الصفار) وهما عاريين كحالة صوفية رقص فيها على الترانيم الدينية التي تقدّس المسيح وأمّه العذراء وقد أشرنا إلى هذه المسألة في الفصل الأوّل عند الحديث عن المصدر المسيحي في الخطاب، وهنا في مَعْرِض الحديث عن الحلّ الصوفي لابد من الانتباه إلى الحلّ المرافق وهو الحل الجنسيّ الذي ظهر أوّل ما ظهر في صيادون) من خلال علاقة جميل فران) بسلمى الربيضي) المتزوجة المغتربة عن زوجها، وكذلك ظهر بحدّة وعنفٍ في السفينة) من خلال علاقات كثيرة ومتعددة بين الأشخاص على ظهر السفينة وكأن تبئير الحلّ الجنسيّ لدى عصام السلمان) ولمى عبد الغني) المغتربين عن حبهما القديم، فيقومان باستعادة الحب على فراش الزوجية للمى.‏

ثم يتركز الحلّ الجنسيّ في البحث عن وليد مسعود تبئيراً مركزياً لكلية الخطاب ويتمثل ذلك بالمرأة الباحثة عن عزاء اغترابها في الجنس‏

مريم الصفار) التي تُسقط جسدها بين يدي أكثر شخصيات الرواية وتجعل منه محرقة لتتخلص من اغترابها المركّب عن زوجها ومرضها وعن العالم، وسندرس هذه المسألة في فصولٍ قادمةٍ لها علاقة أكبر بفحوى الجنس ومتعلقاته.‏

بعد هذه الإشارة السريعة إلى الحلّ المرتبط بالحلّ الصوفي، نعودُ لنجد مقولة سابقة ظهرت في خطاب السفينة تتعلق بالحل الصوفي وهي الالتحام بالمسيح) قد ظهرت مرة أخرى: ولم يطل بي الأمر لإدراك أن ذلك سوف يعني العذاب والسير عارياً في فلواتٍ ملأى بالذئاب والصّقور. هل كان هو السبب في أن الأنبياء كانوا يسعون إلى البراري إلى الغابات إلى الكهوف البعيدة، لكيما يحققوا تمردهم على هواهم..‏

غاب المسيحُ سنين طويلةً ثمّ عادَ ليتحدَّث عن الحبّ، ولما عادَ إلى الناس صلبوه، لا بدّ للمتمرد من أن يصلب إذن ويكون انتصاره في صلبوته"؟‏

نستطيع أن ننتبه إلى ارتباط هذه المقولة بمقولة سابقة هي أن على الخير أن يزول، وهو لا يطمع بالخلود في العالم ولكن الشر هو وحده الذي يريد أن يبقى إلى الأبد.‏

ولا يكون الزوال إلى العدم أو إلى اللاشيئية) والاندثار، وإنما من أجل التوحد بالمطلق الله) ليمنحه الحريّة: "إن تلاشيه في إرادة الله منحه حريّة يقصّر عنها العقل"ص324.‏

وهذا التلاشي لا يحدث إلا بالتمرُد على جميع القوانين والشرائع والأعراف التي تحدّ من مطلقِهِ من بحثِهِ عن مطلقاته: "كانت خواطر المتمرّدين تجتاحني لأعيش طريقةً تحقّقُ ما أحْدُسُ به بغير ما وضوح، طريقة ترفض الشرائع والأعراف التي يجد أنها لا تنسجم مع حبه المطلق وحريته المطلقة"ص178.‏

ولكن في النهاية يبقى الحلّ الحقيقي معلقاً ويبقى الخلاص لُوْثَةً يطمحُ إلى تحقيقها، ولا تكون، ويبقى العالم أسير اللاجدوى ويتحمل فوق ذلك مسؤوليةُ هذا الضياع الإنسانُ وحدهُ: قال الله للإنسان: وحدَك أنت لا يقيدك رابط، إلا إذا اتخذته أنت بالإرادة التي وهبناك إياها. في مركز الدنيا وضعتك ليسهل عليك أن تتلفت حولك وترى كلّ ما فيها لكي تكون مالك نفسك وتختار أي شكل تتخذه لنفسك"ص324.‏

ويسرد الخطاب قصّة الاسكندر الذي ذهب للبحث عن ماء الخلود وظفر به، ولكن الإخفاق كان هو سيد الموقف، لأن الاسكندر بغفوة منه فرّط بالماء، ماءِ الخلود، لينقر الجرّة التي تحويه غرابٌ، ويفوز بالخلود بعد كلّ البذل الذي بذله الاسكندر من أجل هذا الماء، وهذا هو العالم الذي يعيشه أبطال السفينة عالم اللاجدوى على الرغم من كلّ ما يُبذل من أجل الوصول إلى ما يوازي ماء الاسكندر.‏

في هذه الموضوعة الخطابية الاغتراب) في البحث عن وليد مسعود) لم نجد جبرا يقصد إلى تصوير الحلول ضمن مخطط مسبق كما وجدنا في صيادون) مثلاً نظراً إلى الطبيعة التأليف والتفصيل في أشكال الحل وعرضها بحثياً، وإنما جاءت الحلول في البحث عن وليد مسعود) حلولاً عفويّة، أي لها علاقة إبداعية تعبيرية مباشرة بالمؤلف مُنْتِجِ الخطابِ) ويتأتّى ذلك مُحمّلاً بشحنه روحيّة فائقة، وهذا مقارب أيضاً لروح التناول في السفينة).‏

الاغتراب في عالم بلا خرائط:‏

أ-في الأسباب: تراسل الأسباب بين أجزاء الخطاب:‏

1-فقدان قانون القيمة العدل): يصوّر الخطاب هذه المقولة وفق منظور سيكلوجي: "كنت منذ الصّغر شديد الحساسية ضدّ الظلم والقسوة أياً كانت أسبابهما ومن أيّ مصدر جاءا وهذه الحساسية كانت تظهر في الاحتجاج والمقاطعة.. وفي وقتٍ لاحقٍ محاولة منع ذلك، فلمّا عجزتُ أصبحتُ عصبي المزاج سريع الإثارة"ص40.‏

وتظهر توصيفات العالم هنا موازية لتوصيفات العالم في البحث عن وليد مسعود) فالعالم شديد القسوة والظلم: العالم الذي نعيش فيه شديد القسوة والدمامة والظلم، وهذه الأمور يجب أن تنتهي، تقوم على أنقاضها معالم حياة جديدة.. كنت أصرّ على تبسيطها لأنّي أراها نقيّةً وضرورية كالماء والشّمس والهواء.. إن الأشياء البسيطة والضرورية معاً هي تلك التي تعيش معنا في كلّ لحظة ولا نكاد نحسُّ بها، ومع ذلك، فهي أيضاً الأشياء التي تُهدّد دوماً بالحرمان مِنها، بل نُحْرَم منها على أيدي أناس لا يريدون الماء والشمس والهواء، إلا لأنفسهم وما زلتُ لا أصدق أن تلك الأفكار والأحلام يمكن أن تُدمّر وتُداس"ص142.‏

وتنتاب ممثلي الخطاب الأحلامُ ذاتها التي رأيناها سابقاً في أجزاء الخطاب الأخرى أحلام تغيير العالم وإعادة بنائه وصوغه من جديد.‏

في مرحلة معينة من العمر يريد الإنسان أن يهدم العالم، يريد ألا يُبقي حجراً على آخر ويريد أيضاً أن يعيد بناء هذا العالم وفقاً لتصوراته المثالية، ولكن الفرد ضعيف، ولا يعرف الصّبْر والمثابرة، ولا يلبث أن يكتشف يوماً بعد آخر عجزه، وهذا الاكتشاف يؤدي إلى إحدى نتيجتين إما التسليم أو الجنون"ص161.‏

-وبعد انكسار هذا الحلم يتوضّحُ العالمُ في ذات الإنسان ويتحوّل العالم إلى جفاءٍ وغربة: "ثم بتلك الخيبات التي أخذت تندفع كالطلقات الطائشة حولي.. ولدت في نفسي شعوراً عميقاً باللاجدوى"ص116.‏

"توصلت مبكراً إلى هذه القناعة أيام المراهقة بعد تجارب معذبة وفاشلة قاسيت خلالها ألواناً من المهانة النفسية وأضعت أوقاتاً لا حصر لها.. وانتهت كل أحلامي إلى لا شيء"ص140.‏

هذا الانكسار والخيبة هما نتيجة الإخفاق في حلم تغيير العالم، هدم العالم القديم وبناء عالم جديد: "الروائي فنان، رجل حالم، مليء بالرغبات، يريد أن يهدم العالم ويبني عالماً جديداً، عالماً خاصاً قد لا يعني الآخرين"ص136.‏

الأسباب السياسية:‏

تعد الأحداث السّياسيّة سبباً رئيسيّاً في الخطاب على الرغم من أنّه لا يعرضها بشكل مباشر، فقد رأيناه في صيادون) سبباً لاغتراب الفلسطيني والعربي لأسباب الغزو الاستعماري والصهيوني والتتري. وكذلك وجدنا القمع سلوكاً ضد الإنسان يؤدي به إلى الانفصال عن العالم.‏

وكذلك في السفينة) وجدنا القمع السياسي الذي مُورس ضد محمود الراشد) وأدى به إلى نوبات من الجنون تنتابه، ونأتي إلى البحث عن وليد مسعود) لنجد الأجواء نفسها قمعٌ صهيونيٌ ضد الشعب الفلسطيني وضد ممثله وليد مسعود) وقمع سياسي داخلي ضد المثقف، والآن يتأتى الحديث عن السّبب السّياسي في عالم بلا خرائط) مُظهراً الآثار التي تتجلى عنها الحروب: "ما كادت بضع سنوات تمضي بعد تلك المعارك والتوقيفات والانتظارات حتى وجدت نفسي في عالم آخر، عالمي الماضي ينهار، علاقاتي تتمزق، أحلامي تنتهي وأستيقظ على دوي مدافع الدبابات وصرخات الذين عُلقوا على المشانق وبدل أن تنتهي القسوة والدمامة والظلم، يُشاد للقسوة صروح جديدة، تشمخ لها رموز جديدة"ص143.‏

ويُطرح التساؤل الأكبر الذي تردّدَ على مدى مساحة الخطاب: "أية عبثية كانت تلك: من الطبيعة، من الزمن، من الموت"ص32.‏

ويبدو هذا الثالوث القدر) أنه سيد العالم الطبيعة تسير عبر الزمن نحو الموت) وتأتي تتمة السؤال تساؤل الغيب).‏

"يا إلهي لماذا تريدني أن أعاني، أن أحمل صليباً لا أقوى على حمله، أنا القاتل، أنا المقتول المسبيُّ.. الملعون -كنت أبحث عن اللذة وصلت ثملت، جننت في وقت لاحق أصبحت أبحث عن الألم"ص14.‏

تجليات الاغتراب:‏

إن فحوى رؤيا المغترب تتجسد في بحثه عن ماهيته، لأنه يفقد وعيه ذاته، ويفقد الإحساس بكينونته الحقيقية وتسيطر عليه رؤيا التشتت: "ما هذا الرّعب هل أنا شبح بين أشباح.. هل أنا إنسان حقيقي.. ألست ربّما من خلق كاتب روائي قرأته يوماً ونسيته، ولكنه في أثناء ذلك صنعني كما يريد وتركني وهمياً يحاول جاهداً يائساً مصارعاً، أن يجسد نفسه، أن يحقق هويته أن يقف على قارعة طريق مزدحم بالبشر ليقذف عنه بكل ما عليه من ثياب ويرفع صوته فيهم قائلاً: انظروا ها أنا عار، لا كما خلقني روائي ماكر، وهذا جسدي تعالوا المسوة بأيديكم لتصدقوا أنني حقيقي، حقيقي كهذا الجذر الذي أتكئ عليه"ص34و35.‏

ويتحوّل العالم في رؤية المغترب إلى سراب وحلم وهباء: "يتراءى لي كل شيء حلماً أو كالسراب"ص14.‏

وتتشظى الرّوح البشريّة المغتربة وتنقسم علّها تستطيع رؤية الحقيقة وفهم الواقع: أضع الآن مسافة بيني وبين نفسي لكي أتحدث عن ذلك الكائن الآخر والذي يخلق لي الكثير من المتاعب والهموم"ص40.‏

"في نفسي شرْخ آخر ودخيلتي لا أدري كيف تبقى هكذا متماسكة في القمم رغم هذا التفتت الذي يعود إلى سنين مضت"ص62.‏

ويبحث الخطاب في النفس وفي راقاتها وأعماقها ويرصد خلخلة العالم النفسي للإنسان ويفتش في طياتها ويتوصل إلى السراب والغموض واللاجدوى: "تتزلزل الأرض، فتتصدّع وتنهار جبال وتصعد أودية وتتشكل الطبيعة من جديد على نحو لا نستطيع التكهن به، مع كل علمنا وإحصائياتنا، والنفس البشرية؟ آه إنها هي أيضاً تتزلزل، وتتصدع، وتنهار فيها جبال وتصعد أودية، وتتشكل تضاريسها على نحو يتحدانا جميعاً من قال: إن النفس ثابتة وإن أعماقها مستقرة؟"ص75.‏

"أصبحت متأكداً أن العالم الذي نعيش فيه، الأرض التي نحن فوقها، تهتز ترتج وتوشك أن تنهار"ص74.‏

هذه الرؤى الاغترابية التي تتلخص في فقدان التوازن وفي التشظي والانشراخ والخلخلة والتزلزل والانهيار والتصدع وعدم الاستقرار تشكل فحوى الاغتراب وتجلياته.‏

ويصور الخطاب بعض الأسباب إضافة إلى السبب السياسي وهو السبب الكوني: "أنت تضحك؟ بشرفك؟ هل ضحكت يوماً ضحكة حقيقية في السنين العشرين الأخيرة ألا تعلم أنك تعيش في أبشع عصر عرفه التاريخ؟ ولأن العصر بحد ذاته أكبر مهزلة عرفها التاريخ، فإن أبناءه يخشون الضحك لئلا ينفضح أمره أمام أعينهم لئلا تتراجع موجة الحقد والقتل، لئلا ينبجس في الصدور المظلمة بصيص من الحب"ص224.‏

يتوضح من هذا أن العالم يتراكم في خلق أسباب القطيعة ويتوصل في النهاية إلى الطريق المسدود ويتوقف العالم في مستنقع السخام الذي يمتلئ بالحقد والقتل والذي يمنع أي بصيص من الحب يلتمع في الصدور.‏

ويمتد الجحيم على الكون ويسيطر على كل شيء ويبدأ البحث عن الحلول للخروج من هذا السخام: "الجحيم موجود، موجود في كل مكان في داخلنا وحولنا، والمطلوب الآن الانتقال من الجحيم إلى الجنة" ص313.‏

حلول الاغتراب:‏

تتعدد الحلول ردّاً على حالات الاغتراب نجد أن أهمّها في عالم بلا خرائط) عملية الكتابة التي يقوم بها علاء نجيب) محورُ الخطاب، وقد رأينا ذلك في البحث عن وليد مسعود) مُصَرّحَاً به، وهنا تأخذ عملية الكتابة بعداً سيكلوجياً ذا مساحة أبعد في البحث في سيكلوجيا) الإبداع ومراميه ودلالاته وآفاقه وكونه حلا عزاء، وكذلك نجد القتل حلاً في النهاية في مقتل نجوى العامري.‏

ويتخذ البُعْد السّياسيّ شكلاً مهمّاً من أشكال الحلّ وتكون المعارضة السياسية والنضال في سبيل التغيير سبيلاً من سبل السلوكات الاغترابية للبحث عن الحلول أو يقوم والد نجوى العامري) الحقيقي شهاب) بالخروج عن السائد السياسي، ولذلك يحكم عليه بالإعدام وبالقتل وهذا جزاء الشرفاء والمنطقيين دائماً.‏

"أعرف أن هذه المشكلة لا حل لها أو على الأقل أنا لا أعرف حلّها، الحياة قحبة، والبشر جبناء والقسوة، الفوضى..، لا أنكر أن غربة طاغية كانت تطويني، وهذه الغربة مع اختلاف في النسب والأشكال وجدتُها لدى الآخرين، هذا الصدأ الذي يغلّف كلّ شيء حتى الروح"ص165-166-168.‏

"...في عالم يعُوِزُه المنطق يتساقطُ المنطقيون على الطريق وكلُّهم رائعون أذكياء جميلون مثاليون، ولكنّ الموت والقتل أو النفي والصّمْت يُدْرِكُهُمْ قبل غيرهم ويبقى هؤلاء الذين لا يُقرّهُمْ منطق أو معادلة أو رياضيات يبقون أحياء"ص214.‏

إن إمكانيات الحلّ في مثل هذا الجوّ تبقى إمكانياتٍ شكلية خارجية وقد رأينا مثل هذا الطّرح فيما سبق من أجزاء الخطاب الأخرى خاصة في البحث عن وليد مسعود) ويكونُ الحل أحياناً الاجتياز إلى عالم التخلّي عن الوعي والمنطق عندما يكون الواقع فوقَ قدرة الإنسان على التحمل، فيصاب بالجنون، وهذا حلّ قسريّ يصنف بين الحلول المهمة والواقعية التي تظهر في مستوى الخطاب والواقع.‏

ويحاول الخطاب التوازي مع الحلول السابقة في أجزائه والتوازي مع حلول الواقع فكما رأينا في البحث عن وليد مسعود مروان وليد) صاحب الحل الثوري والكفاح المسلح) نجد أدهم) أخا علاء) فدائياً يعمل مع صفوف المقاتلين الفلسطينيين في لبنان ويتعاطف جزءُ الخطاب معهُ لكي يبدي الكاتبان منتجا الخطاب) تعاطفا مع هذا الحل الذي يحبذانه واقعياً.‏

وتكون العلاقة بالمرأة الجنس) والحب) نوعاً آخر من أنواع الحل ولكن هذا الحل مضافاً إلى الحلول السابقة يبدي لا جدوى) في البحث عن الحلول الجذرية وهي النتيجة التي يتوصل إليها الخطاب في نهاية كل بحث دائماً.‏

"لقد وقعت في الشبكة، وقعت تحت الغيمة المنهمرة، تلقيت الضربات، سمعت الصرخات المرعبة، رأيت حالات الجنون، رأيت القتل، رأيت الأنذال وهم يتجبرون ويثرون، حصل كل ذلك أمامي رأيت كل صرخة، أشرت بإصبعي قلت: إن النذالة والضمائر الميتة لا تنتظر لكن كل شيء مر بصلابة البغايا وجبروت القتلة وانتصبت قانوناً أسود يقتص ويقتل ويمنح الأوسمة كنت ولا أزال أرى العالم مقلوباً وواقفاً على رأسه.. حتى أني ما رأيت فرحاً إلا ورأيت إلى جانبه جثة لم تجد من يدفنها"ص14.‏

الاغتراب في الغرف الأخرى "رواية الاغتراب المكاني":‏

الاغتراب الذي تعرضه رواية الغرف الأخرى) ذو طبيعة خاصة مختلفة تمام الاختلاف عن اغترابات الروايات الأخرى، فأول توصيف يمكن أن يُطلق على اغتراب الغُرَف) الاغتراب الكليّ عن المنطق المكاني والزمني والزماني معاً، إذ ينقسم التجمع البشري قسمين أولهما الفَرْد نمر علوان) الذي يعترف بهذا الاسم الذي أطلق عليه، لأنه يؤمن بأن اسمه غير ذلك ولكنه يرضخ أكثر الأحيان لهذه الفرضية المفروضة عليه من القسم الثاني الذي يمثل المجتمع الإنساني) والذي يعيش فيه المثقف. والاغتراب هنا مزدوج المفاصل، فالمفصل الأول، اغتراب المثقف محور الخطاب) عن عالمِهِ، الاغتراب الذي نستوحيه من بداية الرواية، لأنه فاقد الاتجاه، فاقد الهدف، فاقد الإرادة، والمفصل الثاني تثبيتٌ ثم تكريسٌ للأول بخلق منطق طارئٍ جديد للعالم، وخلق سيرورة اجتماعية وفكرية وقيمية في حياة محور الخطاب) غير متناغمة ومسايرة للمنطق الطبيعي منطق الحقيقة، وهذا دافع حتمي إلى الانفصال عن العالم المحيط.‏

دلالات اغترابية لغوية:‏

-العناوين: سبق أن أشرت في الفصل الأول إلى أن جبرا يخطط لعمله الإبداعي ويختار مدلولاته وفق دلالات دقيقة حتى في العناوين ويحرص على أن تكون عناوين مؤلفاته تبئيرا دلالياً) شاملاً أكثر الأحيان، وينجح في ذلك نجاحاً كبيراً، وربما يكون مردّ ذلك إلى العمق الفلسفي الذي يتمتع به أولاً، وإلى القدرة الرمزية الشعرية التي يتميز بها هو وخطابه، خاصة إذا انتبهنا إلى كونه ناقداً فذاً وشاعراً، وإن كانت لنا رؤية خاصة في إبداعه الشعري إذا تناولنا العنوان الأول من عناوين رواياته "صراخ في ليل طويل" نجد ما يحمله هذا العنوان من محمولات اغترابية، فالعالم الروائي يتلخص بالصراخ) وهو دلالة تعبيرية واضحة على الارتكاس الذي يقوم به الإنسان ضد الأفعال السلبية الخارجية التي تحاصره وتحاول إلغاء مكوناته الإنسانية، فتكون النتيجة الطبيعية أن يحدث الصراخ) رداً اغترابياً على حصار العالم ومكوناته ويربط الخطاب الصراخ بالليل) الرمز الاغترابي الواضح ويتوضح كذلك فيه الصراخ، وفحوى رمزية الليل الاغترابية في لونه واستغراقه غير المحدود للعالم، إضافة إلى المجهول الذي في السواد وكذلك إلى الأفق العميق اللامتناهي عبر كثافته، وإلى التوقع المضطرب الخائف، وتتم المعادلة الرمزية بالوصف طويل) وهي صفة تضيف إلى الصفات السابقة أبعاداً إيحائية إضافية من الديمومة والمحاصرة وانقطاع الأمل في الزوال، إضافة إلى تثبيت آفاق الليل الاغترابية المذكورة بالطول، وكلمة طويل أيضاً دلالة ترميزية إلى المجهول والمجهول المرتبط بصراخ في ليل طويل) يشكل البعد الأقصى للحالة الاغترابية المرمز لها.‏

إذا بحثنا في دلالات أخرى للألفاظ من جهة تناول آخر فإننا نجد أن الصراخ) مثلاً على الرغم من دلالاته الظاهرية التي تؤدي معنى في القوة، يؤدي معنى أكثر عمقاً في مضمره هو الضعف أي أن الصارخ في حقيقته ضعيف بالمعنى التنفيذي يرزح تحت وطأة العالم.‏

-صيادون في شارع ضيق "تراسل الدلالة مع صراخ في ليل طويل":‏

الإشارة الأولى هي إلى التضاد الصدمي الذي يحدث بين كلمة صيادون) وكلمة ضيق، إن إيحاء الأولى "صيادون" في مستواه الواقعي على الأقل) ذو أفقٍ مساحتُهُ غيرُ محدودةٍ أو غير ضيقة في أدنى تصور لها سواء أكان الصيد بريّاً أم بحرياً، وفي كليهما يمتد الأفق إلى النهاية الوهمية التقليدية خط الأفق) والثانية "ضيّق" دلالة تكبت الدلالة الأولى وتفقدها جميع امتداداتها الإيحائية وهنا يحدث التضادّ الاغترابي وتقوم هذه التجربة في مكان ترميزي أيضاً هو الشارع الموصّف بالضيق ودلالة الشارع الرّمزية ذات مؤدى اغترابي فيه معنى ما من معاني الضياع وظاهرة الحصار أيضاً تستشف من تركيب شارع ضيق) هذه الظاهرة التي وجدناها سابقاً في صراخ)، وتظهر كذلك دلالة الضعف ذاتها من خلال شارع وضيق ولكن كلمة صيادون تمنح دلالة أخرى هي تعديل للضعف الحاصل أولاً لأنها جمع لصيغة مبالغة من اسم الفاعل، ولأنها ثانياً دلالة على فعل، وإن يكن فعلاً مجهول النتائج وهذه أيضاً إشارة إغترابية.‏

-السفينة تبديل المكان) صيادون في سفينة ضيقة في بحر المجهول في عالم واسع):‏

ربما يَحِقّ لنا أن نقول انطلاقاً من حالة البناء التراكمي المنظم في الخطاب): إن السفينة كعنوان نقلت المغتربين من المكان السكوني الثابت الشارع الضيق) إلى المكان المتقلقل المتحرك السفينة) وهذا إذا بحثنا في عمق الاغتراب في رواية السفينة نجد أنه متسق مع تكوينه المطلقي الذي عرضناه سابقاً وعدم الثبات والحركة والمجهول والسعي إلى مكان هذه صفاته، لا بد أنه في عمق حالة الاغتراب، وبالذات الاغتراب المطلقي.‏

-البحث عن وليد مسعود:‏

يحتاج الوصول إلى دلالة العنوان الرمزية هنا إلى الاستعانة بمعطيات فوق لغوية وغير مضمرة في لغة العنوان إلا أننا نتكئ أولاً على كلمة البحث) ذات الدلالة الواضحة على معنى ما من المعاني الاغترابية، لأن بحث) الرواية هنا بحث في مجهول نفسي، وبحث عن مخارج من الاغتراب دون جدوى من وراء ذلك، وقد رأينا ارتباطات محور الخطاب وليد مسعود) بأكثر القضايا الاغترابية إن لم يكن بها جميعاً.‏

-عالم بلا خرائط "انفتاح الاغتراب على العالم":‏

تتفوق استراتيجية) العنونة عند الكاتبين) -ولسنا ندري أيهما وضع العنوان- على استراتيجية) البحث في الاغتراب في أثناء الخطاب فالعنوان تكثيف دلالي يختزن جميع الدلالات السابقة للعناوين صراخ في ليل طويل، صيادون في شارع ضيق، السفينة، البحث عن وليد مسعود) ويختزل كذلك المضمرات الاغترابية في جزء الخطاب الذي يندرج تحت عنوانه، ويصوّر العالمَ المنفلت، عالم الفوضى، فاقداً الضوابط والقوانين وحتى التحديد وهو الأهم في دلالة الخرائط.‏

في النهاية يمكن أن نلخص مسيرة العنونة زمنياً بحسب إنتاج الروايات ونتيجة لذلك نرى اتساقاً في الدلالة التطورية.‏

صراخ في ليل طويل صيادون في شارع ضيق السفينة البحث عن وليد مسعود) عالم بلا خرائط.‏

ويتناول الخطاب من صراخ) حتى عالم بلا خرائط) فئة اجتماعية خاصة هي فئة المفترض) القيادي الذي يسير حركة التاريخ.‏

-التناقض في العالم:‏

ربما يكون هذا السبب الرئيسي في اغتراب المثقف عن عالمه خاصة اغترابه الروحي عن القيمة وعن قانونها، واغترابه الكوني، وتتأتى جميع أنواع الاغتراب بعد ذلك، لأن المثقف الحقيقي) [بمعنى الثقافة ذات المفهوم الموقفي والمعرفي الذي يؤدي إلى رؤية متسقة متوازية شاملة للعالم] يناهض القائم الكوني، لأنه ربما جاء خارجاً عن إرادته، ولأنه يريد الفعل الخلق) ويريد أن ينسق العالم وفق رؤيته وسلوكه، ويناهض السائد الاجتماعي، لأنه ناشئ من فوضى العلاقات غير المنتظمة التي تقودها القوى العمياء من جهة والتي تخطط لها قوى اجتماعية أخرى بفعل أيديولوجياها الخاصة الموروثة أو الوافدة أو المتولدة ويصل الأمر بهذا المثقف إلى مناهضة تكوين ذاته أحياناً، لأنه تكوين، يظنه أحياناً، خارجاً عن إرادته وتخطيطه، وبعد المناهضات كلها يحلل ويركب ويعيد صياغة العالم وفق ما يريد ويخفق هذا المشروع الهائل، لأنه لا يبقى إلا مشروعاً ذهنياً في النهاية ولا يتحقق التوازن ويسقط الطموح وتخفق المخططات ويكون الانفصال عن العالم إذ يرتمي خارج الذات الإنسانية ملفوظاً.‏

(1) مجلة الآداب بيروت العددان 3و4 آذار ونيسان 1988 السنة السادسة والثلاثون من مقال الروائي العربي والمجتمع لجبرا إبراهيم جبرا ص12‏

(2) نفسه ص15.‏

(3) نفسه ص13.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244