|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:36 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الباب الثاني النـّص وبنيــة النّـص هيكلــيّة النـّص الفصلُ الأوّل النّص وبناء النّص الزمني أولاً- الزمن "عودة إلى الخطاب": الزّمن الدلالة الكونية، العنصر المكوّن الرّئيسي للكون في حدّيه الزّمان والمكان). رأينا في الفصل الأول أهمية المكان قدرةً فاعلةً في النّفس الإبداعية لمنتج الخطاب، وقدرةً ملهمةً أيضاً إلى درجة التآخي الامتزاجي بالمكان، إن هذا الاهتمام العفويّ، أي الاندفاع الغريزي نحو المكان والامتزاج به لا يكون ضمن الأحادية، لأنه يستدعي منطقياً الحدّ الآخر المُتمّم الزمن). صراخ في ليل طويل: يبدو الزّمن في صراخ) قدرة حضارية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقيم الإنسانية الحضارية، فالتغيّر في الزّمن في عرف الخطاب) لا بد من أن يدعو إلى تغيّرٍ في القيمة الإنسانية)، وقد رأينا ذلك في مسألة النظرة إلى الرّوح والجسد مثالاً على فعل الزّمن الحضاريّ، ويقوم الزّمن كذلك عاملاً حاسماً في رؤية عنايت هانم) للماضي ومحاولتها الفاشلة في استحضاره واستنساخه في المكان بوساطة كتابة تاريخ أسلافها، كما يلعبُ دوراً في اتخاذ أمين) قراره النهائيّ بنفي الماضي الذي تمثّل بعلاقته بسميّة شنّوب) المنتمية إلى زمن قيمي وحضاري سالفٍ، وللزّمن دورٌ أساسيّ في مفهوم التّطور والتقدّم الذي عالجته صراخ) وفق مفهوم للزمنِ لا يخضعُ للسيرورة الزمنيّة الخطيّة وإنّما أخضعته لمفهومٍ أقربَ إلى النفعية الإيجابية، وإلى ذلك يبدو الزمن كما أشار إليه جبرا في إحدى مقالاته(1) كليّاً دائريّاً بمعنى أنه بلا مبتدأ ولا منتهى، وهذا ما سعى إليه مُنتج الخطاب أو ما كان نتيجة طبيعية لنظرته إلى الزمن، كلُّ ذلك على الرغم من ضيق مساحة الامتداد الرّوائي في صراخ). صيّادون في شارع ضيق: يتعمّق البُعْدُ الحضاريّ في تناوله الزّمن في صيادون) لينتقل من أفقِ المعالجة العلائقيةِ بين الزمن والمفهومات المرتبطة به: كالتقدم والتأخر ومفهوم الماضي والحاضر والمستقبل) القيمي إلى أفق الدلالة الرّمزية الّتي تبحث في الرّوح الحضاريّ وتمتد إلى امتدادات في عمق الماضي الحضاري لتْفَسّرَ ضمن تصوّرٍ مطلقيّ حركة الحضارة والفعل الحضاريّ والعمقِ الشعوريّ بهذه القدرة التي تغذي الرّوح وتساعد على استمرار الكون، تحت عنوان التجدّد والانزلاق، انزلاق الحضارات وسقوط الإمبراطوريات عبر الزمن، والبحث عن بدائل جديدة. وهذا هو القلق الرئيسيّ لمنتج الخطاب: "هناك نيرانٌ في كركوك، ما زالت مشتعلة منذ ستّين ألف سنة، ما هو الزمن؟"ص102. "لا أدري، التماثيل هذه تثير التأمل باعتبارها رمزاً لعوادي الزمن وسقوط الإمبراطوريات"ص134. ويبقى الخطابُ في نظرته إلى الزّمن متّسقاً مع رؤية منتجه الرئيسية حتى عندما يعرض المساحات الأيديولوجية المتباينة في فهمها للعالم، يبقى الزمن كلاً لا يتجزأ وقدرة متماسكة مترابطة فيما بينها: "نحن جزءٌ ممّا لا ينتهي من الأبديّة نحنُ نتجاهل أقيسةَ الزّمن الدقيقة لأنها محاولة حمقاء لتقسيم ما لا ينقسم.. كل إنسان كالجدول الذي تكمن بداياته في الينابيع البعيدة التي لا توصل إنه الموقف نفسه من الزمن يكفي أن تنقسم حياة الإنسان إلى طفولة وشباب وشيخوخة، وحدودها الفارقة ليست أعداد السنين التي عاشها، بل التجربة والنضج اللذين حققهما"ص206. ويناقشُ الخطاب علاقة الزّمن بالتطوّر والتقدّم الموضوعة التي رأيناها في صراخ) فيرى أنّه "عندما عمّق الغربُ إحساس الإنسان بالزمن، عجّل رخاءَه ونكبته في آنٍ معاً ونحنُ لن نشتري الرخاء بذلك الثمن نحن لا نريده.."ص206. ونتيجة ذلك يحدثُ الصّراع في التوجُّه نحو رؤية الزّمن على الرغم من النظرة العامّة الواحدة، إن الخطاب يريد أن يتوصل في النهاية من طرحِهِ لهذا الصّراع إلى أن المسألة ليست مسألة الزمن المجرّد المعزول عن الإنسان بل الزّمن المرتبط المكوّن له، وهذا يدعو إلى أن يكون الزمن مرتبطاً بالفعل وليس بالفراغ الذي يعني عزل الزمن عن الإنسان أو العكس: "لست قلقاً على الرّخاء والنكبة أنا قلقٌ على الفراغ الذي يشعرُ فيه أمثالك بالرّضا بينما أمثالي يتعذبون"ص206. وينتبه الخطاب إلى مقولة شاعرية(2) في رؤية الزمن تربطه بالإحساس البشري بل الإنساني الحبّ): الحبّ هو مبلور الزّمن، ذلك الوَهْمُ الأكبر، تقصد محطم الزّمن.. الأغلب أنّ وهمك الزمنيّ يتحول إلى رعب" ص207-208. الزمن في السفينة القدرة السوداء): -الزمن العدو: يُغرِق الخطابُ في الإيغال ضمن أغوار الكهف الزمنيّ الذي يتكشَّفُ دائماً عن ظلامٍ محيطٍ متسلطٍ، فيأتي الزّمن قدرةً سائرةً متحركة ساحقةً محيطةً هدفها التحطيم والتدمير وإلغاءُ النور الذي يمنح الحياة فِتْنَتَها وبريقَها وبالتالي) جدواها: "الزمن على كل حال، شيء فظيعٌ، في سيله الظالم لا يتركُ لشيءٍ جدّةً أو نضارةً ولا يترك في النهاية ما يستحقُّ القول، لقد داسَ الزّمنُ على كلّ ما أراه بخفٍّ كبير ثقيل، وطمس البريق والفتنة"ص18. وتظهرُ قدرةُ الخطاب الفائقة في نقل هذه الصّورة القاتمة للزّمن من خلال تظهيرها على شكل مكانٍ وهو ما يمكنُ أن ندعوهُ تجاوزاً أمكنة) الزمن، إنّ هذه المحاولة في جعل الزمن أفقاً مكانياً مُدركاً في وعي الإنسان تعود بنا إلى فكرة تعلق الخطاب ومنتجه بظاهرة المكان وعلاقة التمازج الإنساني بالمكان التي درسناها سابقاً في الفصل الأول وتساعد في هذا الوعي وجعل الزمن مدركاً حسّيّاً، لأنه لم يُأمكن) فإنه لا يمكن أن يُستوعى بدقة نفسياً وذهنياً: "لو كنتُ رسّاماً لرَسَمْت ذلك- أتدري كيف؟ بلطخةٍ سوداءَ عريضةٍ، قد أبقعِّهُا في مكانين أو ثلاثة بشيء من الأحمر، الزّمن هو العدوّ، عشْ ابقَ في قيدِ الوجود ما استطعت، ولن يكون لك غيرُ ذلك لطخة سوداء تملأ قماشة العمر"ص18. وفي محاولة للرّبط بين الزّمن والمكان في وعي الإنسان ذاته يُظهر الخطاب دور هذين العنصرين في تكوين الإنسان، فكلاهما ضروريّ وأيّ خللٍ في أحدهما أو في وجوده، فإن الخلل ينتقل إلى إحساس الإنسان بوجوده: "سافرت بحراً، لا لأن البحر هو دنيا وحسب، بل لأن السفينة تشعرك جسدياً بانسيابك خلال الزمان والمكان معاً الطائرة تكاد تُلغي الزّمان، فهي تُلغي فيكَ ذلك الحسَّ الإنساني بالنمو والإيناع والتغيّر، وتؤكد على أنك إنما تسافر في مهمّة تجارية لا نفسيّة"ص39. ويرتبط الزمن بالخبرة المحمولة في الذاكرة البشرية ويختزن شحنات إنسانية عارمة: "إنها دورة من دورات القيامة.. هذه الأصوات المجلجلة، هذه الرّوائح المشحونة بالزّمن بالعصور الغوابر بِلَوْعَاتٍ إنسانية وقدُها وقدُ شموعٍ لم تطفئها ألفان من السنين ومن القيامة إلى ظلْمَةِ الصُّخُورِ الجوفية الحانية حنوّ الرّحم على الجنين"ص48. ليس يخفى فيما تقدّم الروحُ الديني الذي رأيناه سابقاً مرتبطاً بالمكان وبرموز المكان في الفصل الأول ونراه الآن مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالزّمن، ويأتي فيما بعد الارتباط الأكثر وضوحاً في الخطاب ويبدو الزمن سَرْمَدِياً) خالداً كما الله) سبحانه والمكان يستمدّ خلوده عبر الزمان من ارتباطه بالمرموز الديني: "الكلّ زائلُ سوى هذه الأمواج. لا مجازاً بل فيزيائياً أيضاً، وهذه الأمواج هي أنغام الفرح والأسى المرتبطة بالله والملائكة والقديسين، وتندمج فيها أنغام الحب والمتعات العنيفة الخفية فيها ذكرى مياه أشد وقعاً وإيقاعاً في حجرات النفس الفسيحة"ص11. ويصور الخطاب تفارقَ الزّمن بين الماضي الذي يفترض أنه أقل ظلاماً ورعباً وخوفاً من العصر الحاليّ: "هل هناك فترة في التاريخ تكرّرَ فيها مثلُ هذا الألم والرّعْب كما يتكرّر في فترتنا هذه؟ عصرنا عصرُ الوشايةِ والاتّهام والتشهير أفٍّ.. عصر الدودة، إنّي ألعنُ هذا العصر في وسط هذا الجو مليء بأنغام المسجلات وحشرات الخنافس الجنسية كل إنسان منا، كلّ واحد منكم مسيحٌ ويهوذا معاً كل واحد منكم يُخان ويُصلب ويُسقى العلقم ويفعلها لغيره"ص112. إنّ نظرة مقاربةً ومقارنةً بين مَبَاحِثِ الدراسة التي قمنا بها قبل الآن في الفصول السّابقة توحي إلينا بالتناسق الشعوري والفكري بين عروض الخطاب، مثلاً في مبحث الزّمن ومبحث الاغتراب، فالزمن الخطابي هو زمن اغترابي بل زمنٌ يحمل كلّ المحمولات الاغترابية التي حَمَلها بفعل الحسّ الاغترابي للخطاب ولمنتجه. وفي مقاربته للمستقبل يرى الخطاب أنّ "التّاريخ يستمرُّ صراعاً بين الحريّة والطغيان" ويُظْهِر السّلطة التنفيذية القادرة للزمن فرقنا الليل كلا في سبيل")ص124. يتميز خطاب جبرا بوعي عميق وقابض على قدرة الحس الإنساني في الغوص في عمق التصور والبحث عن البؤرة التعبيرية التي تخلق المعادلين الشعوري والفكري المتصورين في روح الإنساني وفي عقله. البحث عن وليد مسعود: قدرة أخرى للزمن فاعلة يطرحها خطاب البحث عن وليد مسعود) يبدو الزمن فيها ذا قدرة كبيرة على التغيير والفعل: قبل عشرين عاماً كنت أقولها بكبرياء وقبلها بعشرة أخرى كنت أقولها بعز وعناد والآن أقولها بغير ما اكتراث"ص33. ويتخذ الزمن بعداً سيكلوجياً) في الذات البشرية إذ تتحول حياة الكائن البشري إلى ذكريات خبرية محمولة في الذاكرة لتحدد له مستقبله وتطوره وسيرورة حياته وتقوم بوظيفة عزاء نفسي يساعد على الاستمرار "نحن ألعوبة ذكرياتنا مهما قاومنا، خلاصاتها، وضحاياها معاً، تسيطر علينا تحلّي المرارة تُراوغُنا تذهب أنفسنا حسرات عن حق أو غير حق، كيف تمسك بهذه الأحلام المعكوسة، هذه الأحلام التي تجمد الماضي وتطلقه معاً، في الشباب نخجل من الاستغراق في الذكريات، لأن الحاضر والمستقبل أهم وأضخم ولكننا مع تقدم السنين، يقل فينا الخجل والانزلاق نحو الذكريات"ص11. ويرصُد الخطاب في لقطة طريفة ومستغربة معاً من وجهة نظر المثقف الذي يسلك هذا السلوك في تفسير ظواهر العالم، هذه اللقطة هي الزمن الفلكي والغيبي الذي يحدد مصير الإنسان: "كان وليد مسعود من مواليد برج الجدي.. أي أنه ولد وبرج الجدي في صعود.. ولو لم يكن له اهتمام، يصل إلى حد الغيبيات بالنجوم وأثرها في حياة الناس لما عبئت بأنه من مواليد برج الجدي.. والمسألة كلّها مسألة شهيّة للمعرفة حتى ما كان منها قديماً وغير مُجْدٍ"ص137. وهذا الاستدعاء للزّمن الفلكي إشارة وظيفيّة لطرح مجموعة من الدّلالات الاجتماعيّة والروحيّة المتعلقة بهذا الزمن: "كان البابليّون والمصريّون والإغريق يعرفون أن من يولد تحت برج الجدي مثلاً ستتحكم به نوازع داخلية تعطيه بعض صفات الجدي: الخفة الشهوة كلتيهما وما يتعلق بهما لا سيما الإقبال العنيف على كل ما هو حسيّ، الرغبة الجائرة الشبقة"ص138. ويرتبط هذا الإحساس بالزمن بل الامتزاج بالزمن الفلكي) بالفهم السيكلوجي للزمن، الذي يعطي إيحاءات إيهامية بمستلزمات غيبية غير واقعية. ويتخذ الزمن مفهوماً جديداً ليس مستمداً من الرؤية التقليدية إلى الزمن والتي نستوعي من خلالها الزمن قوة مجردة لا صلة لها بواقع الحس ولا صلة لها بالمادة وإنما هو متشكل في المثال، تربط هذه النظرة الجديدة الزمن بالحس وبالمادة بالفعل، وما يدهش أكثر هو ربط الجسد بالزمن بل المساواة بينهما: "بابتعادي عن حياة التأمل التي علموني أن أعتبرها وحدها حياة الروح أدركت أنني قد سقطت) أخيراً في عالم الجسد، عالم الحسّ عالم الزمن.. إذ سقطت روحي عن الأبدية في مهاوي الزمن، حين سمحت لذلك القلق العميق فيها بالتحكم بي، فأردت الإقلاع عن التأمل المستمرّ الذي يجعلني جزءاً من أزلية الله، لشهوتي في تجربة روحي في عالم الزّمن والحقائق الحسيّة" ص192-193. ويُفقدُ الخطاب الزمن صفته المرتبطة بأزليّة الله كما رأينا في السّفينة ويجعله في الطرّف المقابل النقيض، وهذا استخدامٌ لمفهوم الزمن خاصّ يتناول الزمن بعيداً عن ماهيته المثاليّة) والبحث فيه ضمن دلالته الماديّة) والزمن مَصْنع بل صَانِع للأحاسيس البشريّة ومحدّد لسيرورة تاريخية: "كلّ ساعة محنة وخلاص، كل يوم جموع جديد ينداح بي نحو شطآن أبعد فأبعد فأتسع اتساع الكون"ص235. وهذا التحديد الزّماني يجرّ تحديداً مكانياً لا محدداً بالمعنى النفسيّ الذي يجعل لحظة تكثّفُ دهوراً: "وفي لحظة عمقها دهور سحيقة تعرف كل شيءٍ وتنسى كل شيءٍ"ص235. إن اللحظة التي تختصر دهوراً يجبُ أن ترجع إلى عمق شعوريّ بالزّمن الماضي المختصر بها، إذ يتمّ توسيعُ مساحةِ الزّمن بطريقِ الإحساس ضمن طموحٍ باستحضارِ أقانيم الزّمن ومزجها واحتضانها في عُبابِ الرّوح "أريد الماضي موجوداً في الحاضر لا، لست أعني مجرد تراث يا سوسن، بل ما هو أعمق وأبعد وأهم الأزمان كلّها وهي تدفع الذّهن بين مجاهيل الوعي واللاوعي متاهاتُ الماضي في اتّساعٍ مستمرّ ونحن أصحابها كلّها، نجعلها معنا ونحن نهيم على أوجهنا في فضاءات الزمن الداخلية.. فضاءات الزّمن التي نحملها كل ثانية تمر على خلايانا الجسدية"ص331. يلاحظ في الخطاب نزوع تائق في الرّوح البشريّ نحو الماضي بمعناه الكونيّ التراكمي، لأنّه بُعْدٌ إيحائي يخلق أفقاً إنسانياً ومرتكزاً اتكائياً يستند إليه الإنسان في رؤيته وفي مواجهته للعالم، وهذا ما يفسر بعض النزوعات لدى ممثّلي الخطاب -كما رأينا في مبحث الذات والآخر- وإلى الامتزاج بالماضي الإيجابي بمفهومه الرّحب. وتظهرُ المقولة التي رأيناها في "صيادون" التي ترفض تحديد الزمن بابتداء وانتهاء، لأن التحديد يلغي كل الأفق الذي يمنح الإنسان حسّه بالاتساع والديمومة: "كلّهم خونة محدّدو الساعات، وواضعوا التقاويم ومستقرئو الفلك والعرّافون"ص342. وفي النهاية لا بد من العودة إلى المكان الذي يمنح الزمان استقراره ومعناه وجدواه: "فلأعُد إلى الغابة ولأعُد إلى البحر"ص379. عالم بلا خرائط الانفلات في الزمان والمكان): للعنوان الذي بين أيدينا دلالة مكانية عالم) غير منضبطة بلا خرائط) وهذا العالم اللامنضبط مكانياً) يشير في دلالته الوظيفية الخطابية إلى اللاانضباط الزماني) فالعالم غير المحكوم بخرائط يعني أنه غير محكوم بخرائط القيمة والقيمة والخرائط حادثنان في الزمن وهذا يعني انتقاء الخرائط الزمنية التي تحد العالم وهذا الحكم على العالم حكم يحمل النقيض، فهو توجّهٌ أولّ عُالمُ طموح، لأنه يؤدي غرض التحقق الحسي في اتساع مساحة الزمن، وفي توجه ثان عالم مرفوض لأنه منفلت من التقيد القيمي. يصور الخطاب الزمن في أول توجه بطريقة الأمكنة) والتجسيد والتجسيم "هل للزمن أن ينفلت رأساً على عقب، فتتساقط منه هذه الأعاجيب"ص11. واضح من هذا التّصوير الغرضُ الهجائيّ في التوجّه نحو الزمن. ويرتبط الزمن بالطبيعة؛ لأنه نتاج لها أو صنف مواز أو فاعل بفعلها، وكذلك يرتبط بالموت، لأن فيها توازياً في العبث الذي يطالع الكون به الإنسان "أية عبثية كانت تلك من الطبيعة؟ من الزمن؟ من الموت؟"ص33. ويظهر الزّمن قادراً كما رأيناه في ما سبق إذ لا يمكن رؤية أي شيء في العالم دون العودة إلى ذاكرة الزّمن في اللحظة التي يكتشف فيها خطاب البحث عن وليد مسعود) كلّ شيء، لا بد من أن يعود خطاب عالم بلا خرائط) من أجل الوصول إليها إلى ذاكرة الزّمن التي عبر عنها خطاب البحث) لحظة عمقها دهور سحيقة). لا يمكن تفسير ما يجري الآن دون البحث في ذاكرة الزمان)ص76. ويبحثُ الخطاب عن الاتساع الرّوحي في اللازمان واللامكان) على الرّغم من أن هذا الاتّساع محكومٌ بالمكان والزّمان، وقد رأينا مثل هذا الطموح في السفينة) وفي البحث عن وليد مسعود. "هناك ما يتحدد بالزّمان ولا يتحدد بالمكان أشبه بالوجود المطلق يتعدى كلّ حسّ بالزّمان والمكان، ينتابُ المرء بغتةً على غير ما انتظار ينتابُهُ في لحظات لا بد أنها تكونت نتيجة فعل غريب، لا يفسر في خلايا الدماغ، وهي لحظات بالمصطلح الزمني، غير أنها خارجة عن الزّمن بقدر ما هي مساحة بالمصطلح الجغرافي، ولكنها خارج الجغرافية، كأنها فجوة في الكينونة وتتخطاها معاً"ص92. يقترب البحث في الزمن هنا من فحوى الفهم الصوفي للزمان والمكان وعلاقة الإحساس بهما وما يمكن أن نطلق عليه لحظة انعدام الوزن التي يبلغها المنتشي بالعالم سلباً أو إيجاباً. ويقرّر الخطاب أن هناك انفصالاً بين الزّمن كماهيّة، وبين نتائجه التي تنتج عن سيره: "رأيتم مفعول الزّمن ولم تروا وجهَ الزمن"ص212. ويقرّر كذلك أنّ الزّمن منضبطٌ في خبرة الإنسان وتراكم وعيه وحسّه: الزّمن يمرّ عليك دونما قياس إلا من نبضك الواجف). في الغرف الأخرى: لا يتجاوز الزمن في الغرف كونه زمناً اغترابياً منفصلاً عن الزمن التقليدي وإذا كان لا بد من البحث في فحوى الزمن فيجب أن تتوجه المعالجة إلى الزمان) كتقنية نصيّة وهذا ما سندرسه في الباب الثاني. ثانياً- الزّمن: المفهوم النّصّيّ: تقنيات النص الزّمنيّة: 1-مستويات النّصّ الزّمنيّ: أ-المستوى الأول: مستوى القصّ، الّذي تجري فيه عمليّة القصّ، وهو زمنٌ لاحق، متأخّر عن زمن الأحداث، يُنتِج فيه الكاتب نصّه الرّوائي، ويسير في خطّ متناسق خطيّ متعاقبٍ نفسيّ سيرورته وهو في مجمله الذي يمنح النص إمكانية وجوده ويعطيه قوام) أدبيته بمعنى ما. ب-المستوى الثاني: زمن النّصّ، مستوى زمن الواقع الوقائعي أي زمن الأحداث، في النصّ يتسم بكونه، في الرّواية الحديثة زمناً متداخلاً تكثر فيه الاسترجاعات الزمن الذاكري النسبي، أي عندما ينسب إلى زمن نصي قبلي أو بعدي) والاستباقات: الرّمي إلى المستقبل ثم العودة إلى الزّمن الخطيّ) ولا تخضعُ الاسترجاعات أو الاستباقات لنظام خاصّ ينتظمها وإنما يستدعيها النصّ وفق ما تقتضيه عملية القصّ، وهذا الزمن كليةً زمنٌ ذاكريّ إذا ما قيس بالزّمن الأوّل زمن القص) وقد يقوم القاصُ بالولوج للإيهام بالرّاهنية والواقعية، بوساطة لعبة فنية أو تقنية خاصّة كما فعل جبرا مثلاً عندما جعل مروان وليد) في البحث عن وليد مسعود) يروي مشهد اقتحامه ورفاقه قرية أم العين) ثم يُسْتشْهَد والزّمن المروي يتوقف عند لحظة الاستشهاد، والراوي هو الشهيد ذاته فعلى المستوى الزمني الواقعي لا يمكن قبول هذه التقنية، ولكن إذا بحثنا لها عن مسوّغ فنيّ نجد أن جبرا قام بهذه الحركة الفنية ليوهم بالواقعية بالموازاة الزمنية بين زمن الحدث وزمن القصّ. إن زمن القصة)(3) هو زمن التجربة الواقعية المدركة ذهنياً. إن المحاولة المهمّة التي ينبغي أن نقوم بها هي تتبع هذه التحريكات الزمنية واكتشاف مراميها وفحواها ووظائفها، لذلك سنقوم في أثناء هذا الفصل بترتيب تقريبي للخط التتابعي الزمني المصاحب لسيرورة الحدث ونرى الكيفية التي تترتب فيها عندئذ صفحات الرواية. حـ-المستوى الثالث: مستوى انفتاح النصّ على القارئ، وهو زمن مُوَازٍ لزمن القصّ ولا يتحقق إلا به، وهو زمن خارجي غير مؤثر في إنجاز العمل الرّوائي، لأنّه أنجز وانتهى) إلا من حيث الاكتشاف والوعي والفهم والمقاربة النفسية، ولهذا الزمان سمات زمن القص ذاتها ما عدا ماهيته وموقعه من الزمان العام) ومديره: الراوي). إن الفرضية السابقة التي حدّت مستوياتِ الزمن الثلاثة يمكن أن تصحّ على النصّ الذي يعتمد تقنيّة الرّاوي الواحد، ولكنها تحتاج إلى إضافات وتعديلات في النّصوص الّتي تعتمد تقنية الرّواة والفصول المتعدّدة والفرضيّة الزمنية هذه مناسبة للفصل الواحد منفرداً، ويمكن أن تنتظم الرّواية كلّها بتداخلات بين الفصول وأزمانها على شكل طبقات أو شبكات. -إيقاع النص الزمني: "السّياق: التكوين والتنظيم": لعلّ أقرب فهم لدلالة السياق)، مفهوماً نصياً زمنياً، الفهم الذي حددنا للمستوى الثاني من مستويات الزّمن، أي السيرورة الزمنية المتداخلة المختلطة المتشابكة التي تكون في النهاية الهيكل الزمني للرواية. 1-سياق النص الزمني في صراخ في ليل طويل): الافتتاحية الزمنية للسّياق لحظة فاصلة بين زمن سابق غير محدد فارغ من الشّغل وزمن لاحق جديد يبدأ بعدم تعيين آخر لكنه مشغول بحدث ثانوي: "رفعت الفتاة قدمها وقالت انظر) فنظرت، ولكن لم أر فيها ما يثير سوى إصبعها الكبير مصبوغاً، اظفره بالأحمر فقلت لنفسي.. فلأنصرفن.. واتجهت نحو المدينة"ص5. وينتقل الزمن إلى حالة استباق شعورية للحظة متوقّعة قادمة مرتبطة بدلالة خطابية نفسية: لم أشعر إلا بالكراهية تجاه المدينة التي عليّ أن أقطعها طولاً قبل الوصول"ص6. ويعود النص إلى الوراء في حركة مكوكية): قبل ذلك ببضعة أشهر قضينا ليلة في القرية)ص7. ثم يعود الجزء الثاني من الحركة إلى الزمن الخطي: زمن القصّ) وزمن القص يبدأ بلحظة الذهاب إلى دار "عنايت" التي استدعته من أجل الاستمرار بعمله في كتابة تاريخ أسرتها وينتهي هذا الزمن بإحراق قصر "آل ياسر" وطرد سمية بعد عودتها وبين هذين الحدين هناك مجموعة كبيرة من الاسترجاعات والتلخيصات والمشاهد والفقرات.. ومرة أخرى يرتد الزمن إلى الوراء: "منذ أن قضيت الأيام الأخيرة وحدي في عطلة على الجبل"ص8. وضمن هذا الارتداد وفي ثناياه يحدث ارتداد آخر: تذكرت مقابلتي هناك لأول رجل أراد مني العمل عنده سليمان شنوب)ص9. ويستمرّ الارتداد في زمن ذاكري ضمن آخر ذاكري، الأول منذ سنتين، يُتذّكر خلال الثاني الذي انقضى منذ بضعة أشهر ويسير في خط خاصّ به ويحدث استباق نسبيّ إذا ما قيس بالزمن المرتدّ: "ولكنّ أغرب ما في الأمر هو أنني فيما بعد تزوجت ابنة سليمان شنوب"ص9. هذا الاستباق على الزّمن السّابق سنرى أنه حالة ذاكرية بالنسبة للأحداث التالية له "غير أن زواجنا لم يدم سنتين كاملتين"ص9. ويقوم النصّ بعرض بعض الاختصارات الزمنية التي تنتمي إلى الزّمن الخطيّ وتعرض مُجرياتٌ زمنية "بعد ذلك أعود إلى بيتي ماشياً على قدميّ فلا أبلغه قبل الواحدة.. فإذا استيقظت في الصباح مبكراً مكثت أطالع في فراشي.. ثم أذهب إلى مكتب تحرير الجريدة.. أقضي معظم النّهار في كتابة المقالات"ص10. وبعد هذه العروض السّريعة يقومُ النصّ بالارتكاز في نقطة بؤرية زمنية ينطلق منها لعرض الزّمن الذي اختصره آنفاً ليفصّل فيه وتبدأ نقطة الارتكاز من العودة إلى مماثلاتٍ زمنية "قبلَ أن أخلص من شبكة الفقر الذي عانته عائلتي منذ قرون، كنت قد اشتركت في عددٍ كبيرٍ من معارك المدينة، أمّا في بيت صاحب المتجر فقد كان علي أن أخوض مشهداً من القبح"ص13. نلاحظ في العودة إلى الزمان الذاكري منذ قرون) اتكاءً وظيفياً للولوج في الزمن الجديد في بيت صاحب المتجر) وينطلق النصّ في سيرورة الزمن ليَسْرُدَ مشهد زمان خطبة سمية ويبدأ بـ "جاءتني سمية ذات يوم وألحت عليّ بأن أذهب إلى أبيها وأطلب يدها"ص13. ويمتدّ الزّمن إلى مساحة روائيّة واسعة يؤدي فيه وظائف خطابية تتعلق بقضايا قيمية ويستدعي مشهد خطبة سمية العودة إلى ما قبل ذلك حتمياً للوصول إلى زمن التعرف إليها "في يوم من أيام آذار القلب..."ص20. ويلاحظ أنّ زمن الرّواية منذ بدايته زمنٌ تراجعيّ ارتداديٌ إلى الوراء، وهذا الارتداد التراجعيّ يستدعي ارتداداً أكثر تعميقاً ذاكرياً: "صوت سمية الذي تخيلته يناديني استحضرَ شبحَ والدي من بين تراب النسيان"ص25. ويستدعي كذلك العودة إلى زمن عنايت) هانم الذي يتدخل في سياق زمن علاقة سمية بأمين): والغريب أنّ من دأب عنايت هانم في ساعةٍ من الراحة بعد ساعات العمل أن تطلب لي أن أقصّ عليها طرفاً من حياته)ص26. إن التقاطع بين زمان عنايت وزمان سميّة هو العودة إلى زمان والد أمين وضمن سلسلة التداعيات الزّمنيّة يُغرق النّصّ في العودة إلى الوراء الزماني: كان جدّها عز الدين آل ياسر شاعراً..)ص26. ويعود النص إلى استرجاع قريب إلى طفولة الراوي: "كنت في الرابعة أو الخامسة من عمري عندما صاح أبي يوماً وقال: أمين سأغني الآن فترقص أنت"ص27. وكلُّ هذه الاستدعاءات الذاكرية تأتي بفعل الزّمن الّذي يسير وفق تذكّر علاقةِ أمين بسميّة فعندما تنادي سميّة أمين.. أمين) يتذكر بفعل الإيقاعات الصوتية نداء والده أمين.. أمين) وينتظم النصّ من جديد في سياق الزمن الخطيّ زمن القصّ) وتأتي العودة إلى الخطية لأسباب تذكرية أيضاً: فلمّا جلستُ إلى إحدى الموائد خطرتْ ببالي الآصال والعشيّات الطّوال الّتي قضيناها أنا وسميّة في استسلام..)ص30. وكما رأينا سابقاً تغلبُ الحركة المكوكيّة) جيئة وذهاباً بين التذكر والخطيّة تعبيراً عن الأفق النفسيّ الداخليّ للراوي، لذلك نراه مرّة أخرى يستعيد الخطية "بينما كنت جالساً أنتظر مجيء الغلام دخلَ ثلاثةُ رجالٍ وامرأةٌ"ص31. "كان رأسي يصخبُ بكلماتِ سميّة"ص36. وتتالى هذه الحركة بين الماضي التذكريّ والحاضر الخطيّ أكثر الأحيان مثلاً ص37 عودةً ذاكريةً إلى الماضي السّحيق وص39 كذلك لكنْ إلى ماضٍ أقرب، ثم بالطريقة نفسها يصل إلى الخطيّة. وقد تكررت اللقطة الزّمانية التالية أكثر من مرة: العودة إلى زمن ذاكريّ سحيقٍ -الارتدادُ إلى زمنٍ أقرب- العودة إلى الخطية. والزّمن الرئيسي البؤريّ في هذه السلسلة هو زمن سمية لذلك يرتد إلى زمنها بشكل دائم: "وبعد ذلك اليوم الماطر الذي أعلنَ بداية التغيير في حياتي كانت سمية تجيء إلى بيتي الصّغير في شيءٍ من الخِلْسة"ص45. وداخل الزّمن الذاكريّ، وهو تذكر لقاء أمين وسميّة يسترجع أمين زمناً ذاكرياً آخر. الليلة الماطرة التي خافَ فيها على الخراف الليلة من الليالي الحاسمة) بالنسبة له ثم يعود إلى الزمن الذاكري الأول: "كانت سمية تصغي مبتهجة إلى مثل هذه القصة.."ص47. ويقفز الزمن فوق مجموعة من الأحداث منها الخطبة والزواج ليصل إلى ما بعد ذلك: "ولشدّ ما دُهِشْنَا حينَ قَدِمَ والداها لزيارتنا ذات مساء وفي الصباح تسلمنا منهما بيانو احتلّ مكاناً كبيراً في غرفة جلوسنا الصغيرة"ص49. ومن التحولات الزمنية المهمة عودة إلى زمن ذاكري خاص يعرض فيه النص لقاء أمين بصديق قديم "ففي مساء يوم من أيام تشرين الثاني التقيت بصديق قديم لي، كان جاراً لنا في المدينة القديمة ما كنت رأيته لست أو لسبع سنوات، وإذا هو لم يتغير.."ص53. ويستمر هذا الزمن إلى أن يحدث الفيضان في المساء نفسه الذي حدث فيه اللقاء: "وعدت إلى الشارع المتعرج الطويل ولكن ذكرى الفيضان أثارت في ذهني الحادثة الأخرى..."ص56. ثم يقوم النص بتلخيصات زمنية لمجموعة من المشاهد السابقة "خيل إليّ أنني أرى ارتباطاً خبيثاً بين حوادث ذلك اليوم -صديقي وهو يستعرض ماضي المطر المنهمر في المدينة القديمة، الفيضان، الأطفال الغرقى في بيتنا القديم ثم اختفاء سمية وهذه الاختصارات التي ينتظمها زمن واحد ذات دلالات نفسية تفجيرية تتوج باكتشاف أمين اختفاء سمية في نهاية مطافه بعد أن يصل إلى البيت. ولشدة اهتمام الرّاوي بزمن سميّة) فهو لا يبرح يعيده إلى التدخل في مسيرة القص "رحت أستعرض ماضينا معاً، ولكن لم أستطع أن أتذكر سوى الساعات الملتهبة التي قضيتها معها..) ص60. ويبحث النص في الزمن الغائب غير المشغول اسأل ما الذي كانت تفعله في الصباح أو المساء كلّما تغيبت عن البيت لأقوم بعملي في تحرير الجريدة)ص60. وبعد استنفاد قدرات الزّمن الذاكري المتعلق بسمية يعود النص إلى الزمن الخطيّ مررت بالسينما وهي تفرغ حشداً كثير الألوان)ص62. ويبدو أن الرّاوي أحسّ بفراغ زمنيّ فيما يتعلّق بلحظة البدء مع عنايت) بكتابةِ تاريخ أسرتها فعادَ ليبيّن هذا الزّمن: "كان حينئذ أنني شرعت في كتابة ثالث كتبي الناجحة بعد فترة من الجدب دامت ثلاث سنوات.. فبعد أن استدعتني عنايت هانم لزيارتها أخبرتني أنها هي وأختها أعجبتا بمقدرتي على استعراض الماضي واستحضار من ماتوا ولذلك عزمتا على أن تطلبا إلي أن أتعاون معها في كتابة تاريخ آل ياسر، على أن ننجز الكتاب في بحر سنتين"ص64-65. ويعودُ النص إلى الذاكرة الزمنية "وصباح ذات يوم بعد التقائنا بمدة قصيرة خرجنا قبل طلوع الشمس رحنا على دراجتنا إلى الحرش.."ص73. وفجأة يظهر زمن ركزان أخت عنايت: "سمحت لنفسي بالسقوط في حفرة الماضي تلتهمني غير أنني كافحت وصارعت إلى أن شعرت ساعة موتها بأن الحفرة تلفظني فأعود إلى الحاضر"ص79. وفي النهاية يقوم الراوي باختصار الزمن السابق كله وتلخيصه: "سنتان مرتا علي وأنا أعانق خيال سمية ولم أفكر لحظة واحدة في الطلاق" وفي النهاية تعود سمية وينتهي زمنُها بطردها، وفي المستوى الثاني الموازي تقوم ركزان بإحراق الأوراق المتعلقة بتاريخ آل ياسر وتحطم القصر بتفجيره. نستطيع أن نستنتج من هذا السياق الزمني الذي عرضناه سابقاً أن الماضي هو الزمن النصّي المسيطر وذلك لغرض خطابي أولاً لأن الماضي كما رأينا في الباب الأول هو صاحب السلطة العليا على شخصيات الرواية والخروج من هذه السيطرة يحدث في النهاية عندما يتحول الزمن في اتجاهه من الماضي إلى الحاضر نصّيّاً، فيخدم بذلك الغرض الخطابيّ الذي حطّم الماضي بالتوجّه نحو المستقبل "أقترح أن أحطّم الماضي، ما أريده الآن هو الحاضر"ص80-81. تقنيات النص الزمنية: 1-الاسترجاع: كما رأينا سابقاً فقد كانت الاسترجاعات الزمنية في النص مسيطرة إلى حد يمكننا معه أن نطلق على الزمن صفةً رئيسيّة هي أنّه استرجاعيّ ارتداديّ نحو الماضي، وقد ترجّحت هذه الاسترجاعات بين مستويات الماضي المتعددة أولاً من حيث العُمق الزّمنيّ وثانياً من حيث نسبية هذا الماضي إلى اللاحق والسابق: وقد وردت الاسترجاعات بشكل مباشر بوساطة الفعل الدّالّ على الزّمن الذاكريّ تذكرت) أو من خلال الانتقال الفقري من فقرة راهنة نسبياً) إلى فقرة ذاكرية نسبياً أيضاً). ونشير فقط إلى الصفحات التي وردت فيها هذه الاسترجاعات: ص7-8-10-12-13-19-20-25-26-27-36-37-39-40-44-45-47-53-54-58-64-66-73-77. 2-القفزة: هذه التقنية منحسرة في نص "صراخ" نظراً إلى المساحة الزمنية القصيرة سنتان) التي يشغلها النص ولا تظهر القفزات الزمنية إلا في الارتداد المفاجئ والعميق نحو الماضي "قبل أن أخلص من شبكة الفقر الذي عانته عائلتي منذ قرون"ص3. "صوت سمية الذي تخيلته يناديني استحضر إلي من تراب النسيان"ص25. "كنت في الرابعة أو الخامسة من عمري"ص27. على الرغم من أن مفهوم القفز يكون بتجاوز الزمن وفق اتجاهه المحدد من الماضي إلى الحاضر لكن قفز "صراخ" كان في الاتجاه المعاكس. 3-الاستباق: في نصٍّ ينزع أكثر ما ينزع إلى الماضي الذاكريّ تكون هذه التقنيّة زائدةً عليه) بمعنى أن ورودها نادر، وليس بالمعنى الدقيق لمفهومها. "عند وصولي ستَدُسّ يدَها النحيلة الباردة في يدي مصافحة، ثم تقدم لي ما تسميه هيكلاً من الاقتراحات الجديدة وتطلب إلي أن أدرسها ليوم أو ليومين"ص9-10. 4-التلخيص: تخضع جميعُ التقنيات الزّمنية في النّصّ لمجموعةٍ من السّمات التي حددته كحجم النّصّ أي مساحته الرّوائية والزّمنية، وقدراته الخطابية ومضمراته النصيّة، وقد قامت بالتأثير على تقنياته الزّمنية بخاصّة التلخيص والاختصار، فالسّمة الغالبة على النصّ الزّمني هي سمة الاختصار والتلخيص وهذه نتيجة طبيعية للسمات التي تحدثنا عنها. ترد التلخيصات وفق الأنحاء التالية: 1-ناحية الاختصار بالزمن النفسي. 2-ناحية الاختصار بالوصف اللغوي: "عانيت ما عانيت زمناً" ص10 "زواجنا لم يدم سنتين كاملتين.." 3-ناحية الاختصار أو التلخيص بالمشهد الزمني: "لربما اندلعت أمّ في نوبة من الغضب وهاجمت ابنها بحذائها في شراسة الذئب"ص12. المشهد: المشاهد الزمنية في النصّ عمادٌ هيكليٌّ لسيرورة الخط الزمني وهي التي تساعد في الحركة الزمنية الحرّة بين الماضي والحاضر أو بالاتجاه المعاكس، لأنها مساحات) زمنية محدّدة يرصفها الرّوائي الراوي) وفق تداخلات الزمن المبتغاة: اتجاه زمن القص مشهد افتتاحي مشهد ترهيني مشهد آخر.. اتجاه زمن القص استرجاع استرجاع زمن النص والمشاهد المتتالية يمكن رصدها كما يلي، مرتبة حسب زمن النص: 1-المشهد الأول مشهد في الطريق إلى دار عنايت) وهو المشهد الأكبر الذي يمتد على مساحة الرواية) كاملة ويتخلله مشهدان هما: آ-مشهد الذهاب لخطبة سمية. ب-مشهد لقاء سمية بأمين لأول مرة في الحرش ذاكريان -استمرار مشهد في الطريق.. ثم يتخلله مشهد لقاء الأصدقاء في المقهى، والمناقشة حول قضايا فكرية وإنسانية خطي). -مشهد الفيضان وهروب سمية، ذاكري). -الوصول إلى بيت أمين واختلاط الزّمن وعدم وضوح الفواصل. -مشهد النهاية حرق قصر آل ياسر وطرد سمية بعد عودتها. الافتتاحية المشهد(1) . الزمن الخطي زمن النص) مشغول فراغ فراغ مشغول فراغ مشغول مشغول النهاية الزمن الاسترجاعي: الزمن الخطي الواقعي: مشهد اللقاء(3) مشهد الخطبة(2) مشهد الفيضان وهروب سمية في الطريق إلى دار عنايت لقاء الأصدقاء الوصول واكتشاف عودة سمية النهاية حرق القصر وطرد سمية يقول علي محمد عودة): "في "صراخ" جاء الزمان والمكان غائمين ولم يأخذا انتشارهما المريح"(4) فيما يتعلق بالزمن، وهو ما يهمنا في هذا الفصل، يمكن أن نعد كلام عودة) صحيحاً في إطار ما، فالزمن غير منتشر فعلاً وقد رأينا التلخيصات المتعددة، الكثيرة في النص هذه الاختصارات والتلخيصات متناسبة والامتداد الزمني الأعظمي للرواية) بخاصة بسبب غياب الحدث المهم الذي يخلق التمفصلات الزمنية. ويقول عودة: "يقيم جبرا توازناً بين ماضيين يتقاطعان في شخصية أمين) الماضي الأول: ماضٍ ذاتي متمثل في علاقة أمين بسمية) وماض موضوعي هو ماضي الأسرة الاقطاعية"(5) . إن أحد الماضيين الذين يتحدث عنهما هنا ماض نفسي أي ينتمي إلى الزمن النفسي، وهما ماضيان ذاكريان كما رأينا، وإذا دققنا النظر فإن الماضي الموضوعي لا علاقة له بأمين إلا من حيث كونه يستعيده دون أن يحسه أما الذاتي، فهو زمن مستعاد محسوس والتقاطع لا يحدث إلا في النهاية، وليس الزمنان متوازنين وإنما متوازيان، لأن التوازن يعني التوازن بالإحساس بالزمنين ولكن هذا غير حادث في ما يتعلق بالزمن الموضوعي. والتوازي يعني الموقف المتخذ من هذين الماضيين. -الزمن النفسي: يتمحور الزمن النفسي في "صراخ" حول موضوعة الماضي والحاضر التي تحدثنا عنها سابقاً في مبحث الذات والآخر وتتعلق بالموقف النفسي والأيديولوجي من الماضي والحاضر، ويظهر الزمن في المونولوجات) الحوارات الداخلية) التي يعرض من خلالها أمين) هواجسه وراؤه وأحاسيسه نحو الناس والفن والكتابة. زمن صيادون)، مستويات الزمن: يعتمد نص صيادون) المستوى التقليدي من مستويات الزمن وإذا دققنا في سير خطه الزمني نجد أن هناك مستويين تقليديين المستوى الأول مستوى الزمن الخطي الذي يصف سير العملية الروائية منذ بدء القص إلى نهايته وهو زمن طويل نسبياً يستغرق سنة كاملة منذ وصول جميل) بغداد في الأول من تشرين من عام 1948 وينتهي بنهاية العام الدراسي أو بعده بقليل، إذا استثنينا الزمن الافتراضي، السنة الأخرى التي سينتظر جميل انقضاءها حتى تبلغ سُلافة) إحدى وعشرين سنة ليستطيع الزواج منها دون موافقة وليّها. والمستوى الثاني هو المستوى الذاكريّ، وهو الذي يسبق مجيء جميل إلى بغداد، والثالث هو مستوى القصّ المجهول. إن الزمن النصيّ في "صيادون" ممتدّ على مساحةٍ زمنية وافية نسبياً اختار فيها النصّ المفاصل الرئيسية وملأ المناطق الخلالية الفراغات فيما بينها) بنجاح وفق حتميات الأغراض الخطابية. سياق النص الزمني في صيادون): الافتتاحية الزمنية لـ صيادون) تبدأ بوصول جميل فران إلى بغداد "عندما وصلت إلى بغداد كان لديّ ستة عشر ديناراً"ص9. ويعترض هذه الخطبة استباق وقفز إلى الأمام: "السُّلفة الأولى على راتبي لم تدفع إلا بعد مرور ستة أسابيع"ص9. ثم يعود النصّ إلى خطية الزمن: "طلبت من السائق أن يأخذني إلى فندق جيد"ص9. ويعود باسترجاعٍ قصيرٍ إلى الوراء: "كانت ليلة السّفر ليلة غبراء"ص10. ثم استباق آخر: "سمعت بعد أيام شاباً يُعبر عن شوقه.."ص12. وتأتي العودة الذاكرية لتقوم بالعرض الملخّص المختصَر وبطريقة القفز إلى الوراء التي رأيناها في صراخ): "كلدانيّ بعد ثلاثة آلاف سنة من بابل"ص14. ويحدّد النصّ بعد ذلك التّوقيت الدّقيق لزمن الافتتاحية: "أما أنا فقليلة هي البهجة التي شعرتُ بها وأقلّ منها الإثارة التي انتابتني في ذلك اليوم الأوّل من تشرين الأول عام 1948 حين وصلت بغداد"ص15. وهذا التاريخ يستدعي من النصّ أن يفتحَ باباً للزّمن على الفائت أي على ما قبل التاريخ الأول من تشرين الأول عام 1948 ويعود بالضبط إلى ماقبل ذلك بثمانية عشر شهراً لعرض تبئير زمني يُضاف إلى التبئير السابق هو الانتقال إلى بيت جديد ومجاورة آل شاهين) وحبّه ليلى) ابنتهم ثم هجوم الصّهاينة وتدمير منزل آل شاهين) واستشهاد ليلى) كل ذلك ضمن مشهد زمني مسترجع يبدأ واقعياً منذ نيسان 1947 ويستمر كالتالي: 1-بداية المشهد المُسترجع: "قبل ذلك بحوالي ثمانية عشر شهراً كُنّا قد انتقلنا إلى بيتنا الذي بنيناه على جبل القطمون في القدس الجديدة" ص15. 2-استرجاع ذاكري قريب ضمن المشهد المسترجع: "عندما عدتُ من انكلترا بعد الحرب العالمية اخترت المكان بنفسي"ص15. 3-قفزة زمنية: "لم تكد تمضي فترة شهرين حتى أخذت ليلى شاهين بكر أبنائهم تهتمّ بي وأهتمّ بها اهتماماً خاصاً.."ص15. 4-استرجاع ضمن المشهد المُسْتَرجع: "لم تمضِ على وفاة أبيك ثمانية أشهر بعد"ص17. 5-استمرار في زمن المشهد الخطي: "بعد ليال قليلة استيقظنا على سلسلة من الانفجارات العنيفة التي هزّت بيتنا"ص17.. "بعد ثلاث ليالٍ هبّت عاصفة هوجاء، قاصفة وأرعدت السماء.."ص18. 6-تبئير زمنيّ بسبب حدثٍ مفصليّ "في تلك الليلة العاصفة من أواخر كانون الأول.. في اليوم التالي استخرجت كتيبة مهندسي الجيش البريطاني إحدى عشرة جثة قطعة قطعة"ص18-19. وكان من بين الجثث ليلى حبيبة جميل). 7-وبعد ذلك تستمر العملية الزمنية في خطيّة المشهد ببعض الاختصارات والقفزات: "طالَ الوقت وتتابعت المآسي دونما فرَج" ص20 "حلّ الصيفُ. وكانت الألوف التي ما عادت تتميز فيها الوجوه والأصوات"ص21. 8-العودة إلى زمنٍ سحيق باسترجاعٍ وقفز إلى الوراء "منذ ألف وخمسمئة سنة والمسيحية دين للأوربيين دون غيرهم"ص26. 9-نهاية المشهد وعودة إلى الزمن الخطيّ: "بعد ذلك بأيام قليلةٍ بعت سيارتي وذهبتُ إلى دمشق حيث كان يجري تسجيل المعلمين الفلسطينيين لتوظيفهم"ص27. ويعود الزّمن بعد نهاية المشهد إلى الخطيّة النّصيّة "بعد الظهر أدرت المروحة ونمت.."ص28. ويستمر الزّمن الخطيّ لينكسرَ ببعض الاسترجاعات الّتي تنتمي في أكثرها إلى الزّمن النفسيّ "أيّ بنيانٍ عظيم كانت مجزرة هولاكو ستبقي عليه بعد أن نهبت جيوشه الغازية المدينة.."ص46-47. ويستكمل النصّ هذا الاسترجاع بمشهدٍ زمنيٍّ يبدأ بالحديث عن جريمة هولاكو وهي بؤرة زمنية نفسيّة) ويأتي إلى الحديث عن محاولات الاحتفاظ بوحدة بغداد بعد غزو هولاكو ص47 وضمن هذا المشهد يقوم الزمنُ بقفزةٍ منذ الألف الأولى في عُمْر بغداد حتى مجيء النفط كلّ ما استطاع الحكّام الذين أعقبوه هو الاحتفاظ بأجزاء بغداد معاً ضد قسوة النسيان والعدم،... أما بغداد بعد سنتها الألف بزمن طويل فقد تنفست فجأة ثم أصابت النفط"ص47. -يسترد الزمن خطيته بالعودة إلى الفندق ورصد مقتل عزيمة) ابنة مدير الفندق الذي ينزل فيه جميل لم يكن النوم سهلاً تلك الليلة) ص58. ويدخل في سياق خطية الزمن مشهد إحياء آلام الحسين لمدّة عشر ليال: "في إحدى الليالي مَلأ المدينة صوتٌ جديدٌ.. كان ندبَاً على مقتل الحسين وامتلأت الشوارع خلال الأيّام العشرةِ التالية بمواكب الرّجال والنساء الذين يُحْيُون آلام الحسين بن عليّ بأهازيج طويلة حزينة كما فعلوا طيلة الثلاثة عشر قرناً الماضية"ص63. وهذا الاستدعاء الزّمني يستدعي مماثلاً آخرَ سابقاً زمنياً "تذكرت كيفَ كانَ تموّز قبل ثلاثة آلاف سنةٍ يبكيه الشّعبُ هنا في وادي الرافدين"ص63. وتتخلل الزّمن النّصيّ بعضُ التفصيلات الزمنية، بعضها ذاكري يتعلّق بمجرياتٍ لها دلالاتٌ خطابيّة ويتمفصل الزّمن في الفصل التاسع بطرحِ زمنٍ كونيّ عامّ: "في شارع رشيد يكمن جوهر مدن التاريخ ونهر دجلة الذي يشطر المدينة شطرين متناسقين يحمل في جريانه الوئيد المترامي ذكرى حضاراتٍ عمرُها آلاف السنين"ص69. ويناقش النّص الزّمن الحضاري بالعودة بالذاكرة إلى الوراء: "أنت تعرف ما عانيناه خلال قرون.. كافحْنا خلال سبعمئة سنةٍ أرضاً غير معطاء.."ص70 "صحوتنا كانت صحوة ذهنية جاءت مع بداية القرن...، هذه المدينة التي كانت تُفاخر بجامعاتها العظيمة حين كانت أوربّا تغطّ في الظلام"ص71. ويعودُ النصّ إلى زمنه الخطيّ بزيارة جميل إلى بيت سُلافة صباح الجمعة السّاعة العاشرة)ص77. وبعد ذلك يعود إلى حركته التي رأينا مثيلتها في صراخ) الحركة المكوكية)،إلى الوراء قليلاً: "ذهبت سلمى إلى ولسلي في الولايات -المتحدة كان ذلك قبل سنوات عديدة"ص81. ويبدأ تبئير زمنيّ آخر جديد هو لقاء سلافة بجميل: "في الساعة الخامسة من مساء اليوم التالي أخذتني سيّارة همبر سوداء إلى شارع جعفر..." ص83 "سلافة خلال بضعة الأسابيع الأولى لم تظهر أي ظل لشكوى.. كنت أذهب مرتين في الأسابيع..."ص87. ويقوم النص باختصارات زمنية متسارعة: "ثم أخذت الأيام تمر بين الدرس والدرس ترهقني بالشعور بالفراغ" وليست هذه الاختصارات القفزات) في الوقت ذاته مسوقة للتجاوز الزمني أو لتعبئة المناطق الخلالية بين المفاصل الزمنية وإنما ترافقه دلالات نفسية بل سيقت لأداء أغراض نفسية. يلي هذه الاختصارات تمهيد يتخلّق منها نفسها، ليؤدي غرضاً آخر وهو الانتقال من بُعد خطابي إلى بعد آخر قد يكون متمّماً: "في الأسابيع القليلة الماضية كنت قد رأيت سلمى ثلاث أو أربع مرات في دار عماد النفوي"ص93. والبعد الذي يقصد إليه هو الانتقال إلى زمن سلمى الربيضي) وعلاقتها بجميل) وهي العلاقة الموازية لعلاقة جميل سلافة). ويرجئ النص هذا الزمن بإدخال زمن آخر موز ومتمم، بوساطة مشهد زمني في المقهى حيث يدور النقاش بين الأصدقاء ثم يعود إلى زمن سلمى): "كانت الساعة الثامنة والنصف وكان علي أن أتركهم لأبلغ بيت سلمى في الموعد المضروب للعشاء"ص100. ويستمر مشهد العشاء حتى منتصف الليل في مشهد تقليدي، يتكرر عند جبرا مشهد يستهلك الزمن بالطريقة ذاتها التي تميز جميع المشاهد الثابتة، مشهد المناقشة): "كان الليل قد انتصف تقريباً عندما انفض المدعوون.."ص105. وبعد انتهاء هذا الزمن يعود النص إلى الزمن الموازي الذي أوقفه عند بداية مشهد الدعوة يعود جميل إلى أصدقائه: "أردت أن أرى عدنان وأتحدث إليه مرة أخرى عدت وحدي ماشياً"ص105. ولكن هذه العودة هي عودة ختامية لمشهد من الزمن الإجرائي لبداية زمن نفسي: "بعد ذلك المساء، كنت كلما ذهبت لتدريس سلافة أتوقع أن أجد معها سلمى التي تظل معنا لبضع دقائق..."ص107. يقصد النص إلى أن يحدد موقع هذه الفقرات الزمنية المختصرة في موضعها من الخط الزمني زمن النص) أو زمن القص) وإنما هي زمن منفيّ خارج الخط وأغراضه نفسية صرف. وتتوالى الاختصارات الزمنية بين مشهد قصير وسريع لقاء ثنائي في غرفة بين شخصين، اتصال هاتفي) كل ذلك ضمن الزمن الخطي دون اعتراضات ذاكرية، إلى أن يصل إلى مشهد زمني مهم في سيرورة الزمن الخطي مشهد الإضراب والاحتجاجات الشعبية، والمشهد يبدأ بمزاوجة بين الزمن النفسي والزمن الحقيقي: "كانت أروقة الكلية صباح اليوم التالي مزدحمة بمجموعات من الطلبة المتجهمين يبدو عليهم الاستياء والتصميم" تنحسر هذه البداية المحفزة وتنزاح جانباً ليتدخل زمن سردي آخر غير محدد بدقة وهو زمن رسالة وردت إلى جميل) من أخيه يعقوب وزمن وصولها بداية المشهد السابق. "كان بين رسائلي هذا الصباح رسالة من أخي يعقوب"ص139. ويُحَدّد الزمنَ الخطيّ للرسالةِ عاماً: "لم نشهد في الماضي ربيعاً أجمل من هذا الربيع.."ص139. هذه افتتاحية زمن الرسالة أما استمرار الخط فقصير يعرض ثلاثة مفاصل زمنية.. "مات سمعان الشهيد وإميل حبيس"ص139. وليس هذا المفصل إلا وسيلة لعرض غرضٍ خطابي هوإظهار الفرق بين الجنازتين، ومن وراء ذلك إظهار الفروق الطبقية بين سمعان الشهيد الذي لم يخرج في جنازته سوى عددٍ قليل جداً من المشيعين وبين الجنازة التي أدهشت يعقوب بما لها من جلالٍ ورهبةٍ بكثرة المشيّعين، والمفصل الثاني "تم تصنيفنا مؤخراً من قبل الأمم المتحدة"ص140. وله الأهمية الخطابية ذاتها. أما المفصل الثالث فلا يقل أهمية في إضافة دلالة جديدة إلى دلالات النّصّ: "ظهرَ في المدينة عددٌ كبير من البعثات التبشيرية"ص140. وفي سير الزّمن الخطيّ تحدثُ استرجاعةٌ) يستدعيها الزّمن الخطّيّ نفسه "طيلة ثمانية قرون رهيبة كنّا مستضعفين تتقاذفنا الأرجل، فلنتحمل بعض الوقت لو تأخرت كارثة فلسطين عشر سنوات من هذا التاريخ لما حدثت إطلاقاً.."ص146. والاسترجاع هنا ليس مقصوداً لذاته، وإنما هو مكمّل للمشهد السابق ووسيلة نصيّة) للانتقال بل للعودة مرّة أخرى إلى الزمن الخطي وبها يعود الزّمن إلى خطيّته التي كسرتها الرسالة إلى المشهد الذي افتتحه ثم أغلقه، بتدخل الرسالة، مشهدُ الاحتجاج والإضراب: "كان التوتر في اليوم التالي بادياً على كلّ وجه، وكان الركاب في الباص الذي ركبته.. صامتين متربصين"ص151. ومرة أخرى ينكسر الخطي بالذاكري: "تذكرتُ أياماً مشابهة لهذه في القدس كما تذكرت الأيّام المئةَ والثمانين من سنة 1936 حين عمّ الاحتجاج السّاخط.. وتذكرت أياماً من عام 1946 حين أزيحت الأجسام المُهَشّمة لمئة رَجُلٍ وامرأة من تحت أنقاض جناحٍ من أجنحة فندق الملك داوود.."ص151. ويستمر المشهد "استدعي الجيش عند منتصف النهار"ص156. وقبل هذا الاستدعاء يقوم النص بعرضِ مزيدٍ للزمن النفسي لعناصر الأمن الذين يرابطون في الساحات للَجْمِ المتظاهرين.. وينتهي المشهد الزّمني "توقفت الاضطرابات إلا أن التوتر لم يتبدد لعدة أيام"ص156. ويستعيد النصّ زمناً كان سردَ جزءاً منه سابقاً على لسان الراوي ولكنه الآن يُعيد سرده على شَكْل رسالة توجهها سُلافة إلى جميل يتخلله بعض الاسترجاع الذي يخدم سيرورة الخطّ الزمنيّ: "تلفنت لك الليلة الماضية.. أميّ تستقبلُ أفواجاً من الزائرات كلّ ليلة.. هذا الصباح جاءت سلمى لترى أبي.. مات عمي قبل سنوات، أجبرني أبي على لبس السواد مدة اثني عشر شهراً كاملة.."ص160و163. ويعود زمن سلمى إلى الظهور: "كانت سلمى التي نسيتها كلما غابت عني تتكلم على التلفون"ص170 "تطلب منه نزهة في السيارة" ص171 "يذهبان إلى البيت الخالي.. مشهد جنسي داخله ثم خروج من البيت ثم عودة مباشرة إليه.."ص171-174. ويقوم النّصّ بخلق التقنيات السابقة نفسها ويكرر بانتظام بعض هذه التقنيات كالاختصار والاستباق: "جيء بالمسدس في موعد الدرس القادم يوم الاثنين"ص77 "كان اليومان التاليان طويلين جداً"ص77. ويلجأ النص بعدها إلى الزمن النفسي وعلاقة الإحساس بالزمن "كل دقيقة كل ثانية كان يجب أن تحس، كل دقيقة كل ثانية شقت دربها عبر ذاتي وأدركت كيف يتهاوى الرمل خلال الساعة الرملية.."ص178. ويستمرّ بعد ذلك الزمن الخطي والتقنيات نفسها متكررة ويظهر زمن مختلف واحد مكثف في ذات البطل جميل): حانت الساعة الخامسة من عصر الاثنين موعد مجيء سائق آل النفوي لأصطحابي إلى البيت تجاوزت السّاعة الخامسة بدقيقتين، ثمّ بخمسٍ، وثماني، وعشر وخمس عشرة وتصببت عرقاً"ص179. يستمرّ الزّمن مكثّفاً مشحوناً يسير في الراقات الداخلية لنفس البطل: "كان عليّ الانتظار، سجين صمتي، بينما تمرّ دقائق الحرّ والخوف ببطءٍ وإلحاح الدّود الزّاحف على جثّة،.. وزحفت الدقائق على يدي كالديدان"ص192. ربّما تكونُ هذه الصورة للزّمن من صورة سائدة في مرحلة كتابة الرّواية كما رأينا في صراخ)، لأنّنا عندما نسمعُ الصّورة الرّوائية النثرية نتذكر الصّورة الشعرية لخليل حاوي: "تمط أرجلها الدقائق تستحيل إلى عصور". ثم يبدو زمنٌ جديد هو زمنُ اعتقال عبد القادر ياسين بعد اعتقال أصدقائه قبله بفترة ليست طويلة أيام): "في الكليّة صباح اليوم التالي طالعني هذا الخبر في الجريدة: في التاسعة من مساء البارحة قام رجال الشرطة واعتقلوا شخصاً يُدعى عبد القادر ياسين.."ص193. إنْ الزّمن السّائد في الخطّ الزّمني أكثرَ الأحيان صباح اليوم التالي -منتصف الليل- آخر الليل) أما الأوقات الأخرى فيقفز النص فوقها لأنّها لا تشكل صوى زمنية نفسية والزّمن الفاعل إما في الصباح في الكلية مكان الفعل) أو في المقهى أو في بيت سلمى الربيضي وهو ما يكون في المساء ويمتد إلى آخر الليل. إلا أنّ هناك بعض الخروج عن هذا القانون الزّمني، فيحدث أن يكون هناك لقاء وقت الظهيرة: "هل يمكنك المجيء إلى الشقة الأمريكية بعد حوالي ثلاثة ساعات قرابة الثانية عشرة والنصف.. بعد ثلاث ساعات أوقفت السيارة أمام بيت أزرق الواجهة"ص196. ويرمي النّصّ إلى الأمام باستباق قصير توقعّيّ: "خلال أسبوعين ستنتهي الدّراسة وبنيّتي أن أتركَ كلّ هذا الجحيم"ص199. ويرصُد النصّ زمناً حيادياً ينتمي إلى الزّمن الخطيّ ولا ينتمي إليه في الوقت نفسه: ينتمي إلى الزمن الخطيّ والنصيّ من حيث كونه زمناً واقعيّاً ولا ينتمي، لأنه زمنٌ مركزيّ بؤريّ ثابتٌ، وما يحدّد عدم انتمائه هو تكراره المستمرّ: "تعود الحياة للمدينة كما لو أنه قَدَرٌ لمعجزةِ البعث أن تحدث كلّ مساءٍٍ، والأصيل فترة من القلق، لذا فعندما تعود الحياة للرجال والنّساء بعد ساعات القيلولة القائظة، فإنهم لا يعرفون ما يفعلون بها"ص204. ويتطرّق النصّ إلى الحديث عن الزّمن ذاته والإحساس به ويناقش فحواه ومكوناته ووظائفه والموقف منه وهذا الزمن منفي خارج الخط الزمني للرواية أي الخط الزمني للنص وكذلك خارج الخط الزمني للواقع، لأنه زمن الأفق الحضاري والنفسيّ والفكري والرؤية والرؤيا كلّها جميعاً: "الزمن كما تصفه غير موجود بالنسبة لنا ولا يقلقنا مرورُ ساعاتِ النهار، ما يجب فعله سيتمّ فعله ما دامت الشمس تشرق ويطل القمر من فوق الأفق. أما العجلة فمن الشيطان.. بلا شك خاصّة إن لم يكن ثمة ما يفعل بين شروقٍ وشروق. لكنّ هذه هي المشكلة بعينها ليس ثمة ما يفعل خلال الأبدية الكائنة بين ساعة وساعة"ص205. "نحن جزء مما لا ينتهي، مما لا يقاس من الأبدية. نحن نتجاهل اقيسة الزمن الدقيقة؛ لأنها محاولة حمقاء لتقسيم ما لا ينقسم.. مما جعل حياة كل إنسان كالجدول الذي تكمن بداياته في الينابيع البعيدة التي لا توصل..."ص206. وفي خطية الزمن النصي يسير النص نحو الأمام في مشهد لقاء سلافة وجميل) فجأة بعد انقطاع زمنها وغيابها المفاجئ: "واجهتني صاحبة المنزل وقد بدت عليها إمارات القلق وقالت: هناك فتاة في غرفتك.. كانت سلافة جالسة على كرسي.."ص210. ويأتي المشهد الختامي للزمن النصي زمناً خطياً تالياً لانقضاء الأزمنة السابقة "خلال الأيام القليلة التالية، وبينما كنت أنتظر إنهاء فترة العزاء الأولى عند آل النفوي رأيت عدنان عدة مرات"ص256. ويربط النص بين سيرورة الزمن الخطي والزمن الأيديولوجي بل يجعل الزمن مرتبطاً بالأيديولوجيا ومعنياً بها: "موت عمي حادث هام. إنه نهاية عهد بأكمله.."ص256. والمشهد الختامي للرواية كلية هو مشهد لقاء جميل بأحمد الربيضي زوج خالة سُلافة ليتقدم إليه بطلب سلافة للزواج ويسير المشهد: "ذهبت مساء اليوم التالي استقبلني على الباب بنفسه.. أنا أنوي الزواج منها.. لم تبلغ بعد الحادية والعشرين"ص258-259. ويرفض الربيضي ويهدد بطرده من العمل ص259 ويقرر جميل الانتظار سنة كاملة حتى تبلغ سلافة الحادية والعشرين من أجل الزواج دون وصاية أحد ويأتي القفل النهائي بزمن نفسي تصويري. لقد بدا من خلال سيرورة الزمن أن الفعل الرئيسي يأتي دائماً في اليوم التالي) إذ يكون هناك تمهيد من نوع ما، ثم تأتي عبارة في اليوم التالي) لتحقيق هذا الفعل. (1) ذكر سابقاً في الفصل الأول. (2) ارتبطت هذه الرؤية بالشعر وبالشعراء، لأنهم كثيراً ما أصروا على أن الحب يعمق إحساس المرء بالزمن ويخلق وهماً في الإنسان يبلور له العالم وفق وهمه). (3) زمن القصة ذاته زمن النص في استعمالنا، وهو مختلف عن زمن القص. (4) الفن الروائي عند جبرا إبراهيم جبرا، علي محمد عودة، رسالة ماجستير بإشراف د. عماد الدين حاتم جامعة الفاتح، كلية التربية، قسم اللغة العربية، 1984. (5) نفسه. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |