مُضمرات النصِّ والخطاب في عالم جبرا إبراهيم جبرا الروائي - سليمان حسين

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:36 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

تقنيات النص:

1-الاسترجاع: يبدو أن الاسترجاع في (صيادون) تقنية ليست بذات أهمية كما رأينا في (صراخ) ولا تأتي الاسترجاعات إلا حيث تكون مقدمة خادمة للزمن النصي الخطي أو نتيجة ذاكرية اضطرارية له ومردُّ كل ذلك إلى الغرض الخطابي الذي ينزع إليه النص الواقعي الذي حدد هدفه منتجه منذ البداية بأنه نص تصوير واقعي يقرب من الوقائعية التسجيلية وهذا يفرض عليه عدم الاسترسال والامتداد إلى التراجعات إلا بقدر طفيف، فمثلاً نجد أن الاسترجاع "قبل ذلك (أي قبل تشرين الأول 1948) بحوالي ثمانية عشر شهراً. استرجاع ليس بعيداً في الزمن وهو استرجاعٌ مقرونٌ بالاختصار، لأنه ليس مهماً إلا بقدر ما يخدم الزمن الخطي في سيره، وكذلك الاسترجاع: "منذ ألف وخمسمئة سنة والمسيحية دين للأوربيين دون غيرهم" وإن كان يلخص زمناً سحيقاً، فإنه كذلك استرجاع وظيفيّ ليس مقصوداً لذاته.‏

وتترجّح الاسترجاعات بين زمنِ البداية (افتتاحية الزمن الخطي) وبين زمن النهاية، نهاية العام الدراسي (خاتمة الزمن الخطي): (من بين أعماق أجزائها ومع أنسام النهر جاءني وجه ليلى"ص42.‏

2-التلخيص: على الرغم من الامتدادات الزمنية الواسعة داخل الزمن الخطي التي تطورت في (صيادون) وقد رأيناها مساحة ضيقة جداً في (صراخ) فإن التلخيصات الزمنية تناثرت بكثرة على امتداد الخط الزمني وقد تنوعت بين التلخيص الذي يعد مشهداً وبين التلخيص الشديد والكثيف.‏

أ-التلخيصات الكثيفة: (ليلة السفر ليلة غبراء) التلخيص بتعبير مباشر عن الزمن (لفظ ليلة اختصار) (طال الوقت وتتابعت المآسي) تعبير غير مباشر: طال الوقت "منذ ألف وخمسمئة سنة والمسيحية دين للأوربيين دون غيرهم" اختصار شديد الكثافة.‏

ب-التلخيص (المشهد): تعدّ جميع المشاهد التي عرضها الخطاب مشاهد تلخيص زمني، ولكنّ هذه المشاهد قد تمتد على مساحة زمنية كبيرة وقد تنحسر إلى زمنٍ محدّدٍ ونجد المثال على النوع الأول المشهد التلخيصي الطويل في مشهد الرسائل، والمشهد الذي سردته سلافة في محاولة اغتصابها، أما المشهد القصير مثلاً وصول جميل إلى بغداد والبحث عن فندق، مشهد اللقاء في المكتبة بين سُلافة وجميل، مشهد الدرس..‏

3-الاستباق: لا يعيرُ النصُّ أي أهمية كبيرة لهذه التقنية إلا نادراً وهي كسابقتها (الاسترجاع) تأتي وظيفية وهامشية: "السلفة الأولى على راتبي لم تدفع إلا بعد مرور ستة أسابيع"ص9.. "ولقد سمعت بعد أيام شاباً يعبر عن شوقه. إلى أن.."ص12.‏

4-المشهد: التقنية الرئيسية في النص الزمني (صيادون) كما في (صراخ) وهي تتالي وفق ما يلي (اعتماداً على زمن النص).‏

1-المشهد الخطي: مشهد الوصول إلى بغداد والبحث عن فندق (المشهد الافتتاحي) زمنه التاريخي الأول من تشرين الأول عام 1948.‏

2-المشهد الذاكري: العودة إلى الذاكرة (فلسطين قبل 8أشهر من التاريخ السابق) مشهد الاغتيالات والقتل ومقتل ليلى شاهين (مشهد بؤري، تبئير زمني).‏

3-مشهد المبغى والتعرف على حسين عبد الأمير ثم صديقه عدنان (مشهد خطي).‏

4-مشهد ذاكري نفسي حول الدمار الذي ألحقته مجزرة هولاكو ببغداد وبالحضارة العربية (مشهد تبئير حضاري).‏

5-مشهد مقتل عزيمة في الفندق (زمن خطي، زمنن تبئير اجتماعي).‏

6-مشهد اللقاء والتعرف على برايان فلنت في الحمام العمومي، (مشهد خطي).‏

7-مشهد (الاحتفال) بمقتل الحسين والندب- خطي (مشهد تبئير حضاري ديني).‏

8-مشهد التعرف إلى سلمى وتدريس سلافة (خطي).‏

9-مشهد لقاء سلمى وضيوفها وجميل في بيتها- (خطي)‏

10-مشهد لقاء سلمى وجميل في السيارة ثم في البيت الخالي.‏

11-مشهد متكرر لقاء الأصدقاء في المقهى (تبئير ثقافي)‏

12-مشهد رسالة يعقوب (خطي نسبي).‏

13-مشهد لقاءين آخرين، سلمى وجميل في البيت الخالي ثم خروج منه وعودة إليه.‏

ثم يمتد هذا الزمن بهما حتى الذهاب إلى البيت الخالي الذي كان جميل يلتقي فيه بسلمى (هنا سنكون وحدنا لساعة أو لساعتين).‏

يتراجع الزمن السّرديّ إلى الوراء ثم ينطلق من جديد وتراجعه هذا ليلتقط زمناً كان تجاوزه سابقاً وهو زمن غياب سلافة، بينما كان الزمن الموازي يسير طبيعياً.‏

-الزمن الخطي للنص:‏

لحظة غياب سلافة المفاجئ مشغول بأحداث علاقات جميل بالشخصيات الأخرى خاصة سلافة، ظهور سُلافة.‏

الزمن الموازي:‏

لحظة غياب سلافة المفاجئ ظهور سُلافة.‏

وتتحول السيرورة الزمنية لخط الزمن النصي والزمن الموازي من الموازاة إلى التتابع، فيصبح الزمن الموازي بعد أن تسرد سلافة ما حصل لها في فترة غيابها زمناً متبعاً للزمن الخطي للنص وفق الترسيمة التالية:‏

الزمن الخطي للنص -لحظة غياب سلافة- لحظة ظهورها- لحظة غيابها- لحظة ظهورها- زمن مقصوص من قبل جميل زمن مقصوص من قبل سلافة‏

وهذه التقنية تقنية جديدة لم نرها من قبل في النص السابق أو فيما سبق من النص الذي نعالجه الآن، وربّما تكون مقدمة لنظام الفصول الذي اعتمده جبرا في روايته التالية (السفينة) وبعدها (البحث عن وليد مسعود).‏

خط الزّمن في قصّ سُلافة: (زمنٌ ذاكريّ بكليته): عودة الزمن المفقود "قال أبي لا تعاندي لا بد أن تتزوجي توفيق الخلف" الافتتاحية بؤرة زمنية بالنسبة لنصّ سُلافة "كان آل الخلف قد ترددوا علينا ثلاث أو أربع مرات"ص214. اختصار زمني ثم بعد ذلك تقوم بشرحه: "ذهب أبو توفيق إلى زوج خالتي أولاً، لأن كليهما عضو في مجلس الأعيان" ص215. ويقوم نصّ سلافة باستخدام التقنيات ذاتها التي كان نصّ جميل المسرود يستخدمها (العودة الذاكرية، الاختصار، المشهد...)‏

"ذلك المساء الذي أعطيتك إياها (الرسالة) فيه عاد أبي إلى موضوع الزواج، كنت قبل ساعتين بين ذراعيك"ص217 زمن ذاكري، "وقد حدّد موعد الزّواج.. سيكون ذلك بعد أسبوع من هذا اليوم"ص218. استباق، "في الصباح جاء أحمد وسلمى وبحثوا الموضوع نفسه مرة ثانية" ص218. خَطِيّ، "يوم تلفنْتُ لكَ طالبةً أن تراني في مكتبة" ص219. ذاكري، وتروي بعد ذك مشهداً زمنياً يبدأ بمحاولة (الخادم) عبد اغتصابها بعد أن أهانته وصفعته سابقاً "كان عبد هو الوحيد من بين (الخادمين) الباقين في البيت، دخل شخص ما الغرفة ص219.. في صباح اليوم التالي وجدوا جثة عبد في النهر عند الجسر العتيق.. ص221.‏

وينتهي زمنُ السّرد عند سلافة في الوقت الذي أُخِذَتْ فيه إلى قضاء وقت للراحة بعد الحادثة: "وهكذا تقرر أن أؤخذ على الفور لقضاء عطلة طويلة بعيداً عن هذا المكان"ص221.‏

-بعد انتهاء مشهد سلافة (الزمن المفقود) يعود الخطّ الزمني للنص إلى خطيته، وتبدأ العودة بمحاولة جميل الجمع بين سلافة وسلمى خالتها في البيت الخالي من أجل التوصل إلى حل لمشكلة زواج سلافة "رؤيتي للمرأتين وجهاً لوجه وإعلاني اختياري بلا مواربة سيضع حداً للوضع المزري عدت إلى الشقة كوسيط للسلم الذي حالفه النجاح.. عندما سمعت سيارة تقف خارج البوابة أيقنت أنها سلمى، فأسرعت بالدخول بوجهها الممتع.."ص224-232.‏

يتوقف الزمن الخطي ويتدخل زمن آخر مقتطع من مذكرات (لعدنان طالب) الذي يحاول الانتحار في دجلة هو وصديقه (حسين عبد الأمير) يستخدم النص التقنيات ذاتها التي استخدمها في المشاهد السابقة وفق ما يلي: زمن اليومية الأولى: اليومية الأولى عودة ذاكرية إلى الماضي يصور فيها عدنان بعض سلوكاته ليجعلها تمهيداً زمنياً للفعل الذي سيقوم به: "وقد اشتركت بمعارك في الشوارع وطعنت مرة في الذراع.. كنت حينذاك في السابعة عشرة"ص235.‏

-اليومية الثانية: زمن اليومية الثانية القصّيّ هو (20 تموز 1949) أما الزمن النّصّيُّ فيسيرُ على النحو التالي: الافتتاحية: "قبل بضع ليال التقيت بعبد القادر ياسين في شارع الرشيد" وبعد ذلك يبدأ مشهد الانتحار: "ذلك اليوم كنا أنا وحسين قد خرجنا من السجن، جلسنا في الكازينو الذي اعتدنا ارتياده على دجلة وكتبنا قصيدتنا الوداعية.."ص238.‏

يتوقف المشهد باسترجاع ذاكري: "فتيات الكلية ذكرنني بأمية تذكرت يوم كانت تأتينا وهي في الثانوية إلى البيت.. وعندما أصبحت طالبة كلية بعد سنتين.. غالباً ما كانت تتشجع وتأتي سراً إلى غرفتي الحالية متخفية بعباءتها السوداء.. أيام شبابي كلها عشتها وسط الجنازات"ص245-246.‏

ثم يتابع الزمن (المشهد) سيرورته الخطية لتنفيذ الانتحار: (لم يكن الجسر بعيداً، وعندما وصلنا سمعنا أغاني المغنيات وآهاتهن المعذبة.. لن يستغرق القفز أكثر من لحظة.. وجاءت لحظة لم يكن فيها أحد حولنا.. امتطينا سياج الجسر وسقطنا معاً وأقدامنا إلى الأسفل نحو دجلة..."ص246. وينتهي مشهد الانتحار بأن يقوم عدنان وهو يجيد السباحة بإنقاذ نفسه وحسين الذي لا يجيدها يحتج على إنقاذه، ثم يبدأ مشهد جديد في دار عماد النفوي حيث يذهب عدنان للانتقام من عمه ويبدأ هذا المشهد بحوار ثنائي (ليلاً) بين عماد وعدنان وينتهي المشهد بعد الحوار بموت عماد بين يدي ابن أخيه عدنان وتنجح محاولة الانتقام وينتهي زمن اليوميات.‏

14-مشهد لقاء جميل وتوفيق في النزل‏

15-مشهد غياب سلافة وقصتها مع عبد وعودتها إلى بيت جميل (تبئير حدث).‏

16-مشهد لقاء سُلافة وجميل في البيت الخالي‏

17-مشهد لقاء سلمى وجميل في البيت الخالي‏

18-مشهد انتحار (عدنان طالب) وحسين عبد الأمير (تبئير إنساني).‏

19-مشهد لقاء (عماد النفوي) وابن أخيه (عدنان طالب) وموت عماد على يدي عدنان (تبئير طبقي) (صراع قيم وطبقات).‏

20-مشهد لقاء أحمد الربيضي وجميل والنقاش حول زواج الثاني من سلافة (تبئير اجتماعي).‏

21-المشهد الختامي مشهد زمن نفسي (تبئير نفسي).‏

زمن السفينة: مستويات النص الزمني:‏

يعد النص الزمني في السفينة تطوراً جديداً في مراحل سير الزمن. والتطور المميز هو ظهور تقنية الفصل الزمني ويتكون النص من تسعة فصول زمنية متداخلة فيما بينها ومتوازية في عناصر كثيرة من عناصرها إذ تشكل شبكة زمنية تخضع لنظام محدد من حيث تنظيم ثلاثية الزمن (الماضي، الحاضر، المستقبل).‏

وتتحدد مستويات الزمن في "السفينة" بثلاثة، المستوى الأول وهو المستوى الرئيسي: مستوى زمن رحلة المسافرين وهو زمن خطي متسلسل راكد في سيرورته تتخلله مجموعة من التقنيات التي تشكل المستويين الآخرين وهو زمن قصير نسبياً (عدة أيام) إذا ما قيس بزمن النص في (صيادون) مثلاً الذي امتد سنة كاملة، والمستوى الثاني المستوى الذاكري الذي ينتهي بالبدء بالرحلة، ويمتد إلى الوراء الزمني امتدادات متفاوتة بحسب الأغراض الخطابية، والزمن الثالث أي المستوى الثالث وهو مستوى عملية القص، وكما رأينا سابقاً، يظل هذا الزمن خارج نطاق دراستنا لأنه زمن مجهول المعالم إلا إذا حُدّد بالزمن الذي يوازيه زمن القراءة.‏

إن ما تؤديه تقنية زمن الفصول من دلالة أنها تقوم بخلق التوازيات الزمنية للمشاهد المتوازية في الزمن الخطي، التي لا يمكن لزمن القص التقليدي (الراوي الواحد) أن يقوم بأدائها، فإذْ يبدأ راوٍ بسرد زمنه وفق غرضه الخطابي، يكون زمنٌ آخر مواز سائراً وفق أغراض خطابية أخرى لذلك فإن تقنية الفصول (الأصوات المتعددة) تتيح للروائي إيقاف الزمن السائد ولجمه عند حدّ ما ثم الانتقال إلى زمن آخر يسير موازياً الزمن السائد حتى يصل إلى تخومه، وهكذا قد يعود الروائي إلى الزمن السابق أو يخلق زمناً ثالثاً موازياً، لقد سار جبرا في زمنه وفق تناوب زمني بين (زمن سرد عصام السلمان وهو الزمن الافتتاحي) وبين (زمن سرد وديع عساف) لكن هذا التناوب ينكسر مرة واحدة قبل نهاية الزمن النصي بقليل في (فصل إميليا فرنيزي) الذي يبدو أن جبرا اضطر إليه بوحي من النص كما سنرى عندما نرصد سياق النص الزمني.‏

وتكون التناوبات الزمنية وفق ما يلي:‏

1-زمن عصام السلمان -يداخله زمن وديع في نهاية الفصل ويستمر الزمن منذ الافتتاحية (وهي عودة ذاكرية) حتى اللقاء بين (عصام ولمى وزوجها) على ظهر السفينة.‏

2-زمن وديع عساف: يبدأ بزمن نفسي: "عن كل أمل تخلوا أيها الداخلون هنا.. هذا ما كتب على بوابة الجحيم"ص38.‏

وينتهي بزمن ذاكري: "ذكرت فايز، ذكرت الصخور، ذكرت الموت والميلاد.."ص71.‏

3-زمن عصام الثاني يبدأ بلقائه (وديع عساف): (عندما أخذني وديع عساف إلى قمرته والليل كاد ينتصف...)ص72.‏

وينتهي بنهاية حوار فكريّ على ظهر السفينة والذهاب إلى الغداء: "ومرّ بنا مَلاح يقرع الصنج: لقد أزفت ساعة الغداء.."ص115.‏

4-زمن (وديع) الثاني يبدأ أيضاً بزمن نفسي وبتحليل علاقته بفالح زوج لمى "من الواضح أن الطبيب لا ينسجم معي.."ص16.‏

وينتهي بانفضاض اجتماع ودي بين إميليا وفالح ووديع: "كان فالح يغازل إميليا بصراحة وساعة افترقنا ذهبا معاً.. ما الذي يهمني من يذهب إلى غرفة من في هذه الزوبعة اللعينة"ص147.‏

5-زمن (عصام السلمان) الثالث يبدأ بالحديث عن العاصفة وهو زمن تتابُعيٌ يبدأ إذ انتهى زمن وديع السابق: "لم أتحمل العاصفة.."ص148.‏

وينتهي بعودة عصام ولمى من نابولي إلى السفينة بعد قضاء نهارهما هناك "تكوّمنا في سيارة الأجرة الصغيرة التي أخذتنا إلى الميناء.."ص182.‏

6-(كسر التناوب) زمن إميليا فرينزي يبدأ بزمن نفسي: "لم أكن أتصور أن الأمر سيكون بمثل هذه الصعوبة فالح على مقربة مني، وكأنه على بعد ألف ميل"ص183.‏

وينتهي بزمن نفسي أقرب إلى الذاكري: "مدينة تغني، ووحشة لا ينفع فيها الحب؟ فلأخجل، شيءٌ من الموت. شيء من الحياة، شيء من الشهوة. وعودة إلى الأمواج العربية في الروشة. ولكن هناك بقية الرحلة. رحلة الحياة واللاحياة البقية الباقية إلى ما لا نهاية.."ص194.‏

7-بهذا الزمن يسيطر (عصام السلمان) على كمية الزمن النصي ويتفوق على (وديع عساف) يبدأ الزمن بعودة عصام من نابولي إلى السفينة العودة الثانية في ليلةِ النهارِ ذاته الذي قضاه مع لمى في الفصل السابق:‏

"عندما عدت إلى السفينة في أول الليل، كانوا يلعبون الورق..." ص195.‏

وينتهي النّصّ بزمن فالح الذي انتحر ويعرض (عصام السلمان) الرسائل التي كتبها (فالح) إلى (لمى) وإلى (إميليا فرينزي) من ص211-222.‏

8-الفصل الختامي فصل (وديع عساف) يبدأ الزمن بانتظار مجيء خطيبته (مها) "لم تكن مها لتأتي إلى نابولي في يوم أتعس من ذاك" ص223.‏

وينهي عصام السلمان النص: "فجأة نظر عصام إلى ساعته وهتف: منتصف الليل لقد انتهوا الآن من الرقص على السفينة"ص240.‏

زمن السفينة: (سياق النص الزمني):‏

الافتتاحية الزمنية لنص السفينة بؤرة زمنية وهذا الزمن يأتي بعد مضي وقت على إقلاع السفينة وهو زمن ذاكري: ((لمى لم تكن لي إلا ساعات قلائل، ساعات أعرفها كلها دقيقة دقيقة... )) ص5.‏

وينطلق الزمن الخطي بعد مضي وقت ما على ظهر السفينة ثم يعود إلى البداية الواقعية الحقيقية لزمن السفينة: ((كنا متكئين على سياج الباخرة ساعة العصر عما قليل سيخرجون من قُمْراتِهم ولكنني أستبق الحوادث... لمى عبد الغني حين رأيتها مع زوجها بين الركاب والسفينة بعد راسية... ذلك اليوم عندما رأيتها وأنا أقلّ ما أكون تهيؤاً لرؤيتها)) ص7و8و9.‏

ثم يعود النّصُّ إلى زمنٍ ذاكريٍّ فيعرضُ مشهداً كاملاً للقاء (لمى عبد الغني) و (عصام السلمان) في السيارة وابتعادهما عن المدينة ووقوع السيارة في مأزق طيني ثم الخروج من المأزق من ص11 حتى ص13 ويعود النص إلى الخطية إذ يلتقي (عصام السلمان) (وديع عساف) في اليوم الثاني على السفينة ((التقيت (وديع عساف) صباح اليوم الثاني... بعد ليلتي المتعبة..)) ص15.‏

ثم يأتي زمنٌ ذاكريٌّ نفسيٌّ: ((طفولتك ترافقك إنها هناك بعيدة عنك مع ذلك الموج في أقصى الأفق في الجزيرة التي تراها في بحر أحلامك...)) ص16.‏

ولكنّ هذا الزمن النفسيّ الذاكريّ مرتبطٌ بالزّمن الخطيّ وهو وظيفيٌّ يقوم بدورِ (أُثْقيّة) زمنيّة: ((هذا الصباح قلتها لجاكلين...)) ص16 ويستدعي الزمن السابق العودة إلى الطفولة البحث في الحاضر الزمني للشخصية: ((أنا فوق الأربعين)) ص17.‏

ويتوقف زمن (عصام) في فصله ليبدأ زمن (وديع) مستمراً ضمن البعد الزمني نفسه الذي يستدعيه الزمن السابق: ((أنا في إجازة أرجو أن تطول سنة أو سنتين)) ص17 ويعود الزمن من أجل غرض خطابي وظيفيّ بعودةٍ ذاكريةٍ إلى الزّمن الحضاريّ ((أتدري كان الإنسان البدائي الذي يعيش على القنص في البراري أكثر حظاً منا..)) ص19.‏

ويعرض النص زمناً نفسياً: ((الذكرى تتحول إلى ما يشبه الموسيقا... تبتعد عنك الوقائع في دهاليز الزمن...)) ص20 ولا ينسى النص أن يزاوج بين الزمن والمكان (دهاليز الزمن).‏

ويعود الزمن إلى خطيته باستلام عصام السّردَ "كنا أنا وإميليا متكئين على الحاجز نرقب النوارس" ص28 وتستمر الخطية "ما أسرع ما تصادق الناس على البحر، وتتوهم أن صداقتك هذه ستطول مدى العمر" ص28 وتنكسر هذه الخطية ببعض الاسترجاعات ويبدأ الفصل الثاني (فصل وديع) بزمن نفسي خارج نطاق الزمن المرهن أو الراهن، وهو زمن منفي من السياق الزمني الروائي يبدو فيه الزمن الفلسطيني زمناً مستقلاً، لكنه يمتد في كثير من الأحيان متداخلاً مع الأزمنة الأخرى.‏

ويعود النص إلى الذاكرة غير البعيدة وهذه العودة تنتمي إلى زمن (النص) زمن السفينة وهو بداية الصعود إلى السفينة "اصطدمت بجاكلين وجهاً لوجه عند مأمور الجوازات وصعدنا"ص43.‏

ويتطرق النصّ مازجاً بين الزمن النفسي والزمن الحضاري والديني: "هذه الروائح المشحونة بالزمن بالعصور الغوابر، بِلَوعات إنسانية وَقْدُها وَقْدُ شموع لم تطفئها ألفان من السنين ومن القيامة إلى المغارة إلى المهد..."ص48.‏

ويعتمد النص تقنية المشهد ويعرض وديع بداية علاقته بفايز، ثم يعرض العملية الفدائية التي يقومان بها ويستشهد فايز:‏

1-"أنا وفايز ننحشر بين الجموع، لأن الميلاد الجديد كالقيامة" ص49.‏

2-مشهد ذاكري: اللقاء بين فايز ووديع ص49 وص50و51و52.‏

3-في يوم من أيام الربيع التي تنفجر فيها الصخور زهراً اجتمع طلاب المدارس في مقام قبة الصخرة لينطلقوا منها من مظاهرة أخرى.." ص57.‏

4-في ذلك الصيف الطويل، قضينا أنا وفايز أياماً كثيرة في التجوال."ص57.‏

5-انتقال زمني: "ذهبت إلى الجامعة الأمريكية في بيروت وبقي فايز في القدس موظفاً في دار حكومية"ص57.‏

6-تحول زمني يقوم فيه النص بالخطف خلفاً يتناول استشهاد فايز وهو محمول بين يدي وديع: "كنت أراني أحمله جريحاً، تارة بين ذراعي وتارة على ظهري ثم يعود النص إلى سرد تفاصيل العملية الفدائية ضمن زمن منفي خارج الزمن الخطيّ.‏

ويتحدد تكوين مشهد وديع وفايز كما يلي:‏

زمن فايز يستمر زمن وديع‏

زمن وديع مشهد الاستشهاد والزمن‏

يتوقف زمن فايز‏

يفتتح الفصل الثالث باللقاء بين (عصام) و(وديع): "عندما أخذني (وديع عساف) إلى قمرته والليل يكاد ينتصف"ص72 وهو زمن تتابعي مستمر تتمة للفصل السابق فصل عصام وسنرى أننا إذا انتزعنا زمن فصول عصام الأربعة وفحصنا زمنها تحت مقياس الخطية الزمنية المتتابعة وجدناها جميعاً تخضع لتتابع زمني مستمر، ولو وضعت متتالية في النصّ لكانت فصلاً واحداً خطيّ الزمن.‏

-ينكسر الخط الزمني في هذا الفصل بعودة ذاكرية إلى مقتل (جواد الحمادي) عمّ (لمى) على يد والدِ عصامٍ ص76، ويبدو زمن الحوار زمناً خارج الزمن الواقعيّ يستقلُّ بنفسه عن سيرورة الزمن الطبيعي لينتمي إلى الزمن النفسي والفكري وينحرف عن خطية الزمن التقليدية ليمنح نفسه خصوصية شعورية ص77 وما بعدها.‏

ويعرض النص مشهداً افتراضياً، زمنُهُ أيضاً زمنٌ خارج الزمن الواقعي والنصي هو زمن الرجل الذي يحب المرأتين الشقراء والسمراء ويكتشف بعد ذلك أنهما مساحقتان.‏

ويسترجع النصّ الماضي مرتبطاً بزمن نفسي: "قبل سنين كثيرة كتبت شيئاً عن أجراس الذاكرة وهي تجلجل في كهوف جوفية صامتة صمت الزمن السحيق الذي يلفّ تاريخ الإنسان هذا التاريخ الصارخ الهادر صمت مليء بالذكرى والرؤى بأربعين ألف سنة من جلجلة الحناجر، أربعين ألف سنة من الصياح والعشق والغضب"ص79.‏

ثم يعود النص إلى الزمن الخطي بعد استغراق طويل في الزمن النفسي: "كانت السفينة صاخبة بالموسيقى كانوا يروحون ويجيئون حولي"ص79.‏

وينقذف الزمن إلى الخلف قليلاً عبر زمن ذاكري نفسي يشكل بؤرة زمنية نفسية: "في نفسي دائماً ركض على التلال، وسير طويل بين صخور الجبل بل حتى على أمواج بحيرة طبريا، .. المسيح يلازمني حافياً، كبير القدمين"ص80.‏

ثم ينتقل الزمن، بعد أن يوقف الخطية، إلى زمن مواز افتراضي في مشهد تعبير حضاري يصور فيه رحالة انكليزياً أو فرنسياً يأتي إلى الشرق فيعبر الصحارى ويخوض تجربة حضارية لاكتشاف عالم جديد: "خمس سنوات يقضيها رحالة بين الأعراب بتعلم لهجة من لغة لن يقرأها، ولن يكتبها، ويعود إلى لندن أو باريس عودة قائد مظفر من معركة نائية.." ص81، ينبني هذا الزمن كلية على الفرضية الزمنية وهو لا ينتمي إلى الخطية النصية وإنما ينتمي إلى ما يمكن أن ندعوه زمناً حضارياً موازياً، ويأتي ترهينٌ للمستقبل داخل الذات، إذ يستحضر المستقبل في ذات وديع ويجيء على شكل حُلُمٍ: "أنا انتهت غربتي أو كادت، لقد نقلتُ أموالي إلى القدس واشتريت أرضاً واسعة في قرية قرب الخليل وسأشتري أرضاً أخرى في بيت حنينا، وسأبني بيتاً كبيراً من حجر وأزرع.."ص84، ثم يعود الزمن إلى خطيته ويتأرجح بين استرجاع لذكرى، وسير خطي إلى الأمام، ويقوم النصّ بتلخيص ذاكريٍّ للماضي: "تذكرت حياتي كلّها كطالبٍ في بيروت، وتلك الرّوحات والرّجعات بينها وبين القدس، تلك السّفرات بالسّيارة على محاذاة البحر من بيروت جنوباً إلى رأس الناقورة فحيفا فالقدس.."ص89 ويَسُودُ الزمن الخطي طويلاً "محاولة انتحار الرّاكب ص91، وليلة أخرى جديدة (وقد طلع قمرٌ متأخر) ص94 ويستمر حتى ص97.‏

ويستخدم النصّ تقنية الحوار كثيراً لترهين الماضي واستحضاره ص98 مثلاً.‏

يفتتح عصام فصله بزمن ذاكري وذلك بالعودة إلى زمن الدراسة وعلاقته القديمة بفالح، وبحركة تأرجح يرصد كثيراً من العلاقات في الزمن (علاقة لمى وعصام في انكلترا) (دراسة فالح في إدْنِبرَه) وتحدث خلخلة في الزمن (عدم تعيين) وهذه الخلخلة تأتي في إطلاق لغة غير محددة على الزمن مثل "في ليلة، في أحد الأيام، جاء إليّ صباحاً.." وهي متكررة كثيراً في النص.‏

ثم يأتي مشهد زمني مسترجع يُرَهّن قصة (محمود) مع صديقه في الطفولة عندما ضحك محمود وعُوقب زميلُهُ الذي لم يشأ أن يشي به تعبيراً منه عن شهامته، ويبقى هذا الزمن محمولاً في ذات محمود بؤرة نفسية ص109 وما بعدها. ويبدو أن هذا الفصل مخصّص للاسترجاع الذاكري، إذ يعرض فالح قصته مع الكلاب التي نهشته عندما خرج في الليل لإسعاف أحد المرضى، ص119 وما بعدها والملاحظ أيضاً أن جميع الاسترجاعات تشكل بؤراً زمنية ذات دلالات نفسية محمولة في ذوات أصحابها. ثم تتم بعض الاختصارات الزمنية لوصف الزمن الإجرائي: (أفقت من النوم متأخراً)ص136.‏

(تبقى السفينة في مرساها يومي الخميس والجمعة ثم تستأنف إقلاعها صباح السبت)ص143 ويجري الزمن سريعاً في تداخلات زمنية وتغلب عليها الاسترجاعات الذاكرية ص7: (مرة كتبت لها كلاماً كهذا تعقيباً على رسالة منها: انتظريني أحياناً ولا تنامي الليل هذا ما أريده أريد أن أورقك عشقاً وشبقاً)ص143 "في أي زنزانة كان محمود يتخيل نفسه في تلك اللحظة.." ص43، وتنكسر الاسترجاعات باستباقٍ وظيفي: "مها قادمة يوم الجمعة وحتى ذلك اليوم ربما انتفضت جاكلين أيضاً تحت يدي كالسمكة..."ص143 وهذا الاستباق موضوع في الحسبان الزمني للنص ولمنتجه (الروائي) ولمنجره الراوي: "أضحى المستقبل لكل مسافر أهم من الماضي وغدت اللحظة الحاضرة الجرعة الجحيمية التي تخلط الأحشاء وتخربط الدواخل.."ص144.‏

-يتداخل زمن الافتتاحية في الفصل التالي، فصل (عصام) مع جزء من فصل (وديع) السابق له، وهذا التداخل مُسوّغ على المستوى الواقعي، لأن هناك تداخلاً واقعياً حقيقياً في زمنيهما، والبداية تعود إلى الزمن النفسي البؤري بالنسبة لعصام، وهو مقتل (جواد الحمادي) على يدي والده، الزمن الذي لم ينقضِ، وإنما استمر مُسْتَنسْخَاً في ذات الزمن الاجتماعي ليَحْكُمَ على عصام حكمَهُ الظالم: "لقد ضَحِكَتِ الآلهة من قبلُ عندما جَعَلَت أبي يطعن (جواد الحمادي) بخنجرٍ في قلبه، وبعد ذلك بعشرين عاماً أرسلَتْ ابنةَ أخيهِ تتصيّدنُي في مرقصٍ للطلاب في لندن في شوارع إكسفورد.."ص150. ويتكرّر الزّمن النّفسي كثيراً في نصّ السّفينة وذلك طبيعيّ، نظراً لأنّ جوّها مشحونٌ بالمُطلق (كما تحدثنا في فصول الخطاب سابقاً) المطلق النفسي والمطلق الحضاري والمطلق الجنسي.. "كنت أعلم أنني بمرور كلّ ساعة أقتربُ خطوة واحدة من الحافة الزلقة بل إنني بعد تلك الأيّام الصّعبة الأولى، أردتُ أن أركض إلى الحافة ركضاً..."ص53.‏

-يعودُ النص إلى خطّيّته على السفينة بإعلان رحلة جماعية للركاب إلى جزيرة كابري: "عندما كنّا على وشك الرّسو في خليج نابولي كان المسؤولون في السفينة قد أعلنوا أنّهم رتّبوا للرّكّاب سفرة جماعية يقومون بها صبيحة اليوم التالي إلى جزيرة كابري.."ص153 وهذه العودة الخطية تعد افتتاحية بؤرية لزمن سيؤدي إلى بؤرة حدثية هي انتحار (فالح)، ويستمر الزمن خطياً.. "بعد العشاء كانت السفينة حديث الجميع.."ص153، "أفَقْتُ من نومي صبيحة اليوم التالي متأخراً.." ص156 لأغراض نفسية يقوم النص ببعض الاسترجاعات ص159-161-162-164-165 من هذه الاسترجاعات: أيّام الدّراسة في لندن، الخلاف بين أسرة لمى وأسرة عصام في العشرينات، ثم يتحدث عصام عن لقائه المفاجئ بوالده عندما يحضرُ والدُه فجأةً خلسةً إلى البيت، لأنه ملاحق من السلطات: بداية الخلاف (العشرينات) لقاءُ عصام ووالده، وما يلاحظ أن الفصل الحاليّ غنيّ بالاسترجاعات، لأن الرّوائي أحسّ بأنّه لا بدّ من العودة إلى الماضي لإعطاء الفعل الروائي مرتكزه الواقعي، ولأن الماضي المعروض يشكّل أهميّة للنّص: "كنت لسنتي الأخيرة في لندن، وبغداد تفور وتمور وتغتلم والناس فيها يرتفعون إلى الذرى وينخفضون إلى الحضيض.. هذه كانت أشهر عام 1959، أشهر الصراع في الشارع والصراخ في المذياع والصراخ في الزنازن.."ص170.‏

ويعرض الخطاب مجموعةً من هذه الذكريات بحثاً عن دلالات خطابية خاصّة. متقاطعة فيما بينها ومتداخلة زمنيّاً إلى درجة الضبابية والاستغلاق بعض الأحيان، ويقضي عصام ولمى نهاراً كاملاً في نابولي بعد خروج الرّكاب إلى جزيرة كابري وفي الوقت نفسه يقوم فالح وإميليا باللقاء في نابولي.‏

-يبدأ زمن جديد في فصل إميليا بافتتاحية زمنية نفسية والزمن الذي يريد النص استدراكه هو زمن علاقة إميليا بفالح، لذلك اضطرّ إلى إعطاء إميليا دفّة السّرد بالتمهيد لانتحار فالح ولعرض الموازاة الزمنية للنهار الذي قضاه عصام ولمى في نابولي. تستعيد إميليا بعضاً من مجريات علاقتها بفالح على ظهر السفينة: "مرة جرّرْتُه جرّاً من بين وديع ومحمود متحجّجة بأنني أريده أن يفحصني.. ومرّ ذلك اليوم العاصف بعد الغداء وزوجته طريحة الفراش.."ص183وتعود إلى ما قبل زمن السفينة ذاكرياً "عندما أبرق فالح إليّ من بغداد لأحجز لنفسي مكاناً في هذه السفينة"ص184.‏

وتبدأ اميليا بعرض التسلسل الزمني لخروجها مع فالح في اليوم الذي يفترض أن يكونا مع الجميع في رحلة جزيرة كابري:‏

1-"لنترك المركب.. لمى متوعكة وستبقى في السفينة فلنذهب إلى نابولي وحدنا"ص185.‏

2-يكتشف فالح أن عصام ولمى يسيران معاً في الطريق "رأيت فالح ينظر إلى الرصيف الآخر من الطريق.. ويصعق. نظرات إلى حيث اتجهت عيناه، ورأيت لمى وعصام يسيران، ذراعاً بذراع.." ص187.‏

3-ذهبنا في سيارة إلى فندق مكيف الهواء.. وصعدنا إلى غرفة في الطابق الخامس تشرف على الخليج الكبير"ص187.‏

4-عودة ذاكرية إلى زمنِ تعرُف إميليا إلى فاتح في حفلة للأطباء ونشوء العلاقة بينهما.. "قضينا إجازة طويلة في المدن التي أعرف بعضها جيداً"ص191.‏

5-عودة إلى زمن نابولي في الفندق وسرد مجريات اللقاء بين إميليا وفالح.. ص191.‏

6-الخروج من الفندق والتجوّل والدخول إلى مطعم.. ص193-194 وانتهاء الفصل بزمنٍ نفسيّ عرضنا له في الحديث حول الفصل وتقنيتها الزّمنية.‏

-يبدأ الفصل الأخير لعصام السّلمان بالعودة إلى السّفينة: "عندما عدت إلى السفينة في أوّل الليل كانوا يلعبون الورق" وتتم الاختزالات الزمنية المتلاحقة "كان على السفينة أن تقضي في نابولي يوماً آخر"ص196 ثم العودة إلى الزمن الحضاري: "فرانشكو سليمينا ذلك الذي عاش نصف عمره المديد- 90 سنة- في القرن السابع عشر والنصف الثاني في القرن الثامن عشر، وطغى نفوذه الأسلوبي والفكري على فن نابولي لعشرات السنين"ص197 "في أيّ طرفٍ أقصى كان عربُ الأندلس في عصر زرياب؟ وأين كان العرب في عهد الرشيد والمأمون حتى امرؤ القيس الجاهليّ هل كان إلا في إحدى قمم الحضارة.."ص198.‏

-ثم تجري بعضُ اللقاءات على ظهر السّفينة. وتكتشف لمى انتحار فالح: "في أيّة ساعةٍ من تلك الليلةِ انتحر فالح. قبل الثانية أم بعدها على الأرجح قبلها"ص208.‏

ويعرض النّصّ زمناً خاصّاً لا ينتمي إلى الزّمن الخطيّ وهو زمن ذاكري (زمن مذكرات فالح) وفق ما يلي:‏

1-أجريتُ اليوم عمليّة فاشلة على فتاة في السّابعة عشرة ماتت، أمس أجريت عملية على رجل تخطى السبعين عاش سيعيش"ص212.‏

2-ويستمر الزمن نفسياً يعرض السيرورة النفسية الداخلية لفالح.‏

3-ينقطع زمن فالح ويعود النص إلى الزمن الخطي ويقرر الجميع العودة إلى بغداد بجثمان فالح.‏

4-يختتم الزمن النفسي باسترجاع ذاكريّ لفايز الشهيد ص240 أما الزمن الخطي فيختمه عصام "فجأة نظر عصام إلى الساعة وهتف: منتصف الليل لقد انتهوا الآن من الرقص على السفينة"ص240.‏

الزّمن في البحث عن وليد مسعود:‏

إذا كان لنا أن ننشئ خطّاً بيانياً يُوضّح مدى تطور القدرة الزمنية في النصّ الروائي لجبرا، فإن ذروته القصوى تتحدد في البحث عن وليد مسعود. إذ ينضجُ الزّمن النّصيّ وينتظم وفق نظام خاصّ، ويستقر نظام الفصول فيه بعد أن كان تجريبياً في السفينة.‏

-الفصول الزمنية، التنظيم: يمتاز النصُّ الزمنيّ هنا بعنونة الفصول وهذا مُفتقد في السّفينة التي كانت تُعنون الفصل باسم الراوي وهذه العنونة ذات دلالات زمنية:‏

1-عنوان الرواية: "البحث عن وليد مسعود" نجعل كلمة البحث مركزاً وسطاً في معادلة زمنية طرفُها الأول الماضي قبل اختفاء وليد مسعود، والطرفُ الثاني ما بعد اختفائه وهو عمليّة البحث، وعملية البحث هنا ليست عملية حدثيّة بالمعنى اللغوي الصِّرْف، وإنما دلالة نفسية يمكن أن نستبدل فيها الوعي بالبحث ونطلق (وعي وليد مسعود) بمعنى (وعي الآخرين إيّاه) على الرّواية، وهذه المعادلة التي ينتجها العنوان تحدّدُ بدقّة ثلاثية الزّمن في الرّواية وفق ما يلي: أولاً زمن ما قبل اختفاء وليد مسعود، وهو الزمن الأهم في النصّ يقوم بترهينه بعملية نفسية في سبيل وعي أغراض الخطاب. وثانياً زمن ما بعد اختفائه؛ وهو زمن قصير نسبياً ينتمي إلى زمن القصّ وإلى زمن النصّ معاً بمعنى أن هذا الزمن جزء من زمن النصّ وهو تتمة للجزء الأول الرئيسي وجزء من القصّ؛ لأنه يأتي بعد عملية الاختفاء التي كانت سبباً مهماً في اللجوء إلى القص. وثالثاً: الزمن النفسي الذي يطغى على النصّ ويكاد يلغي فاعلية الزمن الطبيعي بكل أنواعه.‏

2-الفصل الأول: (د. جواد حسني يتسلّم تركة صعبة) الدلالة الزمنية في هذا العنوان يشي بها الفعل (يتسلم) وفحوى الزمن فيه إشارة إلى (بداية شيءٍ ما) وصيغة (الحاضر) مشفوعةٌ بإيحاء بالمستقبل ووفق ذلك يتحدد زمنُ هذا الفصل. يبدأ الفصل بزمنٍ نفسيّ يعي (الزمن) وعياً كلياً وينتهي في نقطة "عدم تعيين زمني" بحوار يتكئ على خاتمة زمنية.‏

3-الفصل الثاني: "د. جواد حسني يبدأ البحث مستدلاً بشيء من منظور كاظم اسماعيل وإبراهيم الحاج نوفل).‏

وكما وجدنا دلالة الزمن في الفصل الأول نجدها هنا في الفعل (يبدأ) البحثَ ولكن العنوان غيرُ دقيقٍ الدلالة فالبداية حدثت منذ الفصل الأوّل ومجرياته جميعاً ابتداءً من سماع الشريط الذي سجله وليد قبل اختفائه وانتهاءً بالتساؤلات والأسئلة التي طرحها جميع الأشخاص والدكتور جواد بخاصة. يبدأ الفصل باسترجاع الذكريات عن حياة وليد، وهذه البداية استمرارٌ لمجريات الفصل الأول وينتهي بحوار إبراهيم الحاج نوفل ودعوته الدكتور جواد على العشاء.‏

4-الفصل الثالث: (عيسى النّاصر يشهد موت مسعود الفرحان، بعد أن عاصر بعضاً من حياته): يظل المضارع الضابط الزمني للفصول وهو دلالة ترهينية للماضي الذي يعرضه النصّ، ينتمي الفصل إلى الزمن الذاكري، وهو مسلوخ عن الجَسَدِ الزمني للنصّ، وليس زمناً استمرارياً تتابعياً، يبدأ كما الرواية بالخطف خلفاً من لحظة دفن (مسعود الفرحان) ثم يتراجع متدرّجاً في سلسلةٍ زمنيةٍ متأتيةٍ نحو الوراء (الأمام الافتراضي) "كان المطر يَهْمي علينا، ونحن نُهيل التراب اللزج على مسعود فرحان بسرعة" ص89 وينتهي الفصل بزمن "ريمة أنطون سالم" زوجة وليد: "رأف الله بأنطون سالم فاختاره إليه قبل أن يرى ما حل بابنته.."ص110.‏

5-الفصل الرابع "وليد مسعود يتذكر النَسّاك في كهف بعيد": (يتذكر) الصيغة المركزية للتبئير الزمني في الرواية وفي الفصل يبدأ الفصل بالهروب من الدير: "بعد غياب الشمس بقليل، تسللنا من بوابة القسم واحداً واحداً، كما يتسلل الهاربون من سجن.."ص113 وينتهي بالعودة إليه وتلقّي العقوبة ص133.‏

على الرغم من سيطرة الزّمن الطّبيعي على هذا الفصل: فإن الزمن النفسي المبثوث في جميع أرجائه يُلغي سيطرته ويمتدُّ على مساحة التأثير وهو فصل منفصلٌ عن خطيّة الزّمن التقليديّ الذي بدأه د. جواد حسني.‏

6-الفصل الخامس: الدكتور طارق رؤوف يتأمل في برج الجدي. نشير أيضاً إلى الدلالة الزمنية (يتأمل) وهو دلالة زمنية نفسية، ولذلك لم يأتِ الزمن طبيعياً. وإنّما استعان النصّ بالزمن الفلكي لأداءِ الدلالات الخطابية المتعلقة بهذا الزمن، يبدأ الفصل بزمن فلكيّ: "كان وليد مسعود من مواليد برج الجدي. فقد ولد في الخامس عشر من شهر كانون الثاني أي أنه ولد وبرج الجدي، كما يقولون في صعود" ص137 وينتهي بزمن نفسيّ مُصَعّدٍ ص174.‏

7-الفصل السادس وليد مسعود يكتب الصفحات الأولى من سيرته الذاتية، الفصل عودةٌ ذاكريةٌ إلى طفولة وليد وشبابه وهو تتمة أو استمرار للفصل الرابع "وليد يتذكر النساك" يبدأ بزمن نفسي "منذ أن وعيت كانت المعركة أبداً هي نفسها بيني وبين نفسي، بيني وبين الآخرين، بيني وبين العالم"ص177.‏

وينتهي كذلك بزمن نفسي "فليكن الألمُ نصيبي بعدَ اليوم، وهو نصيب الإنسان إذا ما سقط: فالسُّقوط إلى الزّمن إنما هو الدخول إلى دنيا الفعل.."ص193.‏

8-الفصل السابع: "مريم الصّفّار تتعلقُ بصخرةٍ تسكنُ أعماقها.. تتضاعفُ في هذا الفصل صيغةُ المضارع (تتعلق، تسكن) وهو تأكيد ترهين الزمن وبخاصة الزمن النفسي، لأن المتخيل يستدعي مثل هذا التأكيد، فالعنفُ النفسيّ الذي نجده في الفصل يحتاج إلى ترهين عنيفٍ وهو لا يتم إلا بالمضارع وبتكراره يبدأ الفصل بزمن عامر عبد الحميد تمهيداً للولوج في الزّمن النفسيّ "أين يقع رجلٌ كعامر عبد الحميد" وينتهي الفصل بزمن ترميزي نفسي زمن الصخرة: "ما الصخرة إلا باقية مكانها.."ص238.‏

9-الفصل الثامن: وليد مسعود يخترق أمطاراً تتجدد:‏

لا حاجة بنا إلى إعادة الكلام في تكرير صيغة المضارع، وهذا الفصل هو الثالث الذي يسرده وليد ويُتِمُّ به سيرته الذاتية، ويبدأ بزمن نفسيّ "مطر، ما أعذبه، ما أمرّه، أحبّه، أخشاه، أترقبُه، وأتمنى استمراره وأتمنى انقطاعه.." ولنلاحظ تكرار صيغ المضارع، تتكرر الصيغة خمساً وعشرين مرة في صفحة واحدة 241 وهي ليست صفحة كاملة (18سطراً) وينتهي الفصل بزمن نفسي أيضاً: "كلّما سقطت الأمطار ذكرْتُ هموم أمتي.. ذكرت تخبطاتها وأوجاعها، وامتلأت حزناً وفجيعة"ص249.‏

10-الفصل التاسع: وصال رؤوف تكشف أوراقها:‏

يبدأ الفصل بزمن نفسي "المُعجزات، إنها تهبط عليك من السماء كصرة ملأى باللآلئ، يسقطها في حضنك طيرٌ كبير.."ص253 وينتهي بزمن الحوار بين وصال وأخيها طارق ص294.‏

11-الفصل العاشر: مروان وليد يقتحم أم العين مع رفاقه، يبدأ الفصل بالمكان الممتزج بالزمان: "رامات يوسيف تكاد تكون على الحدود وهي في الأصل قرية عربية تدعى أم العين احتلها (الإسرائيليون) عام 1948" وينتهي بالزمن النفسي.‏

12-الفصل الحادي عشر: "إبراهيم الحاج نوفل ينبش الكوامن حتى الفجر": هذا الفصل هو الفصل الوحيد الذي صرح فيه الكاتب بمستلزم لغوي للزمن (الفجر) وهو مرتبط بصيغة المضارع لزيادة قدرة الترهين النفسي.‏

يبدأ الفصل بزمن نفسيّ تفجعي ص307 وينتهي بالفجر بتعيين زمني ذي دلالة خطابية، دلالة الكشف والعُري ويصرّح بذلك راوي الفصل: "الفجر؟ إنها عوراء البارحة.."ص359.‏

13-الفصل الثاني عشر، الفصل الختامي: د. جواد حسني يعد بالمزيد" الفصل الثالث لجواد حسني، وهو استمرار للفصلين السابقين الذين سَرَدهُما، يبدأ بالحديث عن وليد ص363 وينتهي بعملية حسابية للزمن يلخصُ فيها (وليد مسعود) بتساؤل: هل كان وليد إلا حاصلَ حياتهِ وحياةِ المحيطين به، حاصلَ زمانِهِ الخاصٌ وزماننا العامّ في وقت واحد؟ رأى زمان كان كلاهما، زمانه وزماننا"ص379.‏

نتائج:‏

أ-التداخلات الزمنية بين الفصول السابقة على مستوى زمن النصّ موجودة لكنّ التصريح بها في النصّ قليل ووجودها يُستنتج من عمليات القصّ التي يقوم بها الرواة أنفسهُم، وعدم التصريح مسوّغ بل مطلوبٌ من منتج النص لتجنّب التكرار والإطالة غير المسوغين.‏

ب-جاءت أكثر افتتاحيات الفصول وخواتيمها زمناً نفسياً مُرَهنَّاً بصيغة المُضَارع، وهي فحوى البحث عن خَلْـقِ المعادل النفسيّ في لمِتلقّي.‏

جـ -التَّرْهِيْنُ الزّمني نَزَّاعٌ إلى ترهين الماضي فقط (ما عدا فصلي د. جود حسني الأول والثاني، فقد كان فيهما نزوع إلى ترهين المستقبل والترسيمة التالية تصنيف العملية السابقة:‏

الماضي الترهين الراهن المستقبل‏

مشغول الراوي فراغ ...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244