|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:36 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الفصل الثاني المكان الروائي طبيعة المكان الروائي: المكان المكوّنُ الثاني لأيّ وجودٍ في بعده الكونيّ، والحَدُّ المهم في تكوين الإنسان وسلوكه، في بعده الاجتماعي، يأتي في النصّ الروائي ليكون قدرة فاعلة تتجاوز كونها الجامد المنفعل، وتنتقل إلى مسرح الفعل لتؤثر وتتأثر، وتشكّل وتضيف وتعدّل وتلغي وتخلق، ويكون ذلك على المستوى الشعوري النفسيّ أو على المستوى الوقائعي الحدثي: "إن المكان الروائي يُصبح نوعاً من القَدَر، إنّه يمسك بشخصياته وأحداثه ولا يدع لها إلا هامشاً محدوداً من الحركة"(1) . وهذا لا يعني أنّ المكان قَدَرٌ مُسَيْطِر إلى حدّ كونِهِ الفاعل الوحيد في النص "فبقَدْرِ ما يصوغ المكان الشخصيات والأحداث الروائية يكون هو أيضاً من صياغتها. إنّ البشر الفاعلين صانعي الأحداث هم الذين أقاموه وحدّدوا سماته، وهم قادرون على تغييرها ولكنّهم بعد أن يقوموا بذلك، فهم يتأثرون بالمكان الذي أوجدوه"(2) . في الرّواية الواقعية بشتى معاني الواقعية) يُنْتَخَب المكان وفق القواعد الواقعية ويجتهد منشئ النّص في ألا يجانب هذه القواعد، ويتوخى أن يلائم بين منزِعِهِ الخطابي وغرضه الأيديولوجي، وبين المكان الذي يختاره. إن الواقعية لا تَنْزَع عن المكان قدراته الأخرى الرمزية أو المجازية) ودلالاتها النفسية وإنما توفر) للمكان جزءاً كبيراً من واقعيته، لأن واقعية مكان متخيل لا تعني مشابهةً أو مطابقة أو استنساخاً للمكان، بل تعني إلى جانب ذلك خلق موازيات نفسية وروحية واعية لدلالات المكان، اجتماعياً، ونفسياً، ونقول اعتماداً على ذلك ولكن دون إطلاق: "إن المكان العربي هو مكان أمومي، فاستعادة المكان بعمق في الأدب العربي تستدعي معها الأم كنمط أصلي، كما تستدعي أيضاً صورة مجتمع الأمومة الذي كان سائداً في فترة من فترات التاريخ العربي"(3) . ننقل هذا الكلام بكثير من التحفظ؛ لأن هناك مستلزمات نفسية للمكان أكثر عمقاً من قضية ردّها إلى المجتمع الأمومي(4) ، وإذا لم تكن أكثر عمقاً، فهي موازية لها، وقد درسنا هذه المستلزمات في الفصل الأول الباب الأول عندما تناولنا المكان دلالةً خطابية ومكوناً رمزياً. في المكان الروائي، المكان الطبيعي والمكان الروائي "المكان الهندسي": الدلالة المباشرة للمكان الطبيعيّ إشارةً إلى الوجود المتحقّق بالإدراك الحسيّ إضافةً إلى البعد الاعتباريّ) الذي يخضع للقوانين الاجتماعية والأعراف فالشّارع مكان والبيت مكان وكذلك الحديقة والبناء بكل استخداماته) وسائل النقل جميعها، وغيرها مما يكون ذا ثلاثة أبعاد. هذا المكان الطبيعي يستعين به النصّ لخلق إيهام بالواقعية والإعانة على تصوّر العالم الرّوائي أو على إخراج المنظور الروائي في ذهن المتلقي وتَدْخُلُ في الحُسبان الرّوائي أيضاً مكوّنات المكان الأخرى كالأثاث، والأشياء، والمأكل، والمشرب ومقتنيات البيئة والطبيعة وكلّ ذك خاضع للنمط الاجتماعيّ والحضاريّ والطبقيّ الذي ينتمي إليه المكان هذا ما يتعلق بالمكان ذي الأبعاد الهندسية. "إن المكان الهندسي الذي هو مُجَرّد تجميع صفات خارجية للمكان هو مكان محايد، وبالتالي مكان ذهنيّ وليس مكاناً ينبثق من التجربة المعاشة"(5) . -المكان الدّلالة النّفسية: يَفْترقُ هذا المكان عن المكان الهندسي بالعلاقة التأثيرية التي تقوم بين الإنسان والمكان، فيغدو المكان محمولاً نفسياً خبرياً في ذات الكائن، ويتحول إلى دلالات رمزية شاعرية وشعريّة، شاعريّة يؤلّف منها الشاعر دلالات خاصة به، وشعرية لأنها تؤلف رموزاً متداولة بين مجموعة من الشّعراء، وتتحدّد وفق هذا المفهوم للمكان: 1-مستوى المكان الحميم رمز الالتجاء والاحتواء الإنساني، مكان الطمأنينة الذي يُعَدُّ في أحد تجلياته أمومياً، وهو تَجلّ مشتركٌ وقد يكون له بعض تجليات أخرى خاصة نحو المكان. -المكان المعادي: مستوىً معاكس للمستوى السّابق شعوريّاً يحمل أفقاً سلبياً، منبوذاً من ذات الكائن "وهو خبرة ويتخذ صفة المجتمع الأبويّ بِهَرَمِيَّتهِ السلطة في داخله وعنفه.. كالسّجن والغربة والمنفى.."(6) . -المكان المجازيّ: يحدّ هذا المستوى بتجلّيَيْنِ: الأوّل "المكان الذي نجده في رواية الأحداث المتتالية والتشويق، رواية الفعل المحض، وقد سميته مجازياً لأن وجوده غير مؤكد، بل هو أقرب إلى الافتراض، إن المكان هنا لا يزيد عن كونه ساحةً للأحداث الجارية أو دلالة على الشخوص الرّوائية فيما يتعلق بمركزها الطبقيّ أو نمط حياتها"(7) . ليس هذا النّص واضح الدلالة على مفهوم المكان المجازي الذي أقصد لأنه اعتبر) أنّ المكان الاجتماعي ذا الدلالة الطبقية مكانٌ مجازيّ والصحيحُ أنّه مكانٌ حقيقيٌّ وهو أقربُ ما يكون إلى الدلالة النفسية والطبقية، أما التعبير، أنّ وجوده غيرّ مؤكد، فكلّ المكان الروائي غير مؤكد الوجود وهو بهذا المفهوم الذي طرحه غالب هلسا مكان مجازيّ. إن ما أقصدُه بالمكان المجازي هو أن يكون المكانُ رمزاً مقصوداً يؤدي دلالة سياسة أو اجتماعية أو حضارية. والتّجلي الثاني أن يتحوّل المكانُ إلى رمزٍ مقصودٍ بذاته أي يتحوّل إلى مدلولٍ، وهذا ما يميزه عن التجلي الأول الذي يبقى دالاً. عناصر المكان: أنواع المكان، دلالاته): 1-صراخ في ليل طويل: -الدرب عنصر رئيسي، لأن عملية القص بمجملها في الدرب. -سرداب له نافذة تطلُ على الرّصيف دلالةٌ اجتماعية طبقية "لم تكن للنافذة ستائر، كانت على الأرض صحون مهشمة.."ص12. -منزل ضخم دلالة طبقية اجتماعية: "صعدت الدرج في منزلها الضخم"ص13 منظر المدينة من النوافذ يريح العين.. وقد بدت المدينة على أحسن ما تكون، بيوتاً بيضاء ترصع رقعة مترامية من الشجر والزهر.." ص14 استدعى هذا الوصف الإيحاء بالطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها سمية. -مقهى الحديقة مكان وسيلة لاجتماع تقليدي في نصوص جبرا يتطور في النصوص التالية ليتحول إلى حديقة فقط دون مقهى. -"زقاق ضيق معتم تفوح منه رائحة القمامة المتراكمة"ص29 دلالة اجتماعية. -"أزقة قليلة الإضاءة أشد تلوياً مما كنت أذكر بيوتها تكاد تتعانق فوق رأسي" ص54 دلالة اجتماعية. -"الجسر العتيق المتداعي، وهو أثرٌ قديم عليه قطعة من الحجر فيها اسم أحد السلاطين" مكان ذو دلالة حضارية. -ما يمكن أن يشار إليه أن المكان في صراخ مكانٌ وظيفي لم يتحول إلى وعيٍ أعمق من كونه مكاناً يتخذ متكأ دلالياً يؤدي وظائف اجتماعية ذات أبعاد طبقية أكثر الأحيان. 2-صيادون في شارع ضيق: دلالة العنوان: يحمل العنوان دلالة مكانية رمزية أشرنا إليها في مبحث الاغتراب -دلالات اجتماعيّة: "أخذني إلى فندق شهرزاد الذي كانت له واجهة لطيفة تتقدمها حديقة، نزلت من السيارة ورأيت باباً لم يُكنَس خلال عام على الأقل"ص9 هذه الدلالة الاجتماعية من المكان يعرضها النص لتصوير الأفق الاجتماعي، ولم يجد النص تقنية أشد دلالة على فحوى الأفق الاجتماعي من المكان لأنه لم يدخل في البداية إلى بحث العلاقات الاجتماعية، لذلك استعان بالمكان ليقدم تصوّره الأوليّ عن هذا المجتمع ويأتي بعدها الانتقال إلى المكان البؤري المبغى) ليبئّر القيم الاجتماعية السائدة في مجتمع التناقض "على مبعدة مئتين أو ثلاثمئة ياردة وجدت فسحة على اليمين تنتهي فجأة بحائطٍ فيه بابٌ ضيّق كان عدد كبير من الرجال يغدون ويروحون من خلاله، وفي الداخل لمحت ومضات من الأشعة الحمراء والصفراء، وسرعان ما وجدت نفسي مسوقاً بالفضول أندمج بالكتلة البشريّة التائقة للدّخول.. وقبل أن أجد مُتسَّعاً من الوقت للتفكير وجدت امرأة مطليّة بطبقة سميكة من الأحمر والأبيض تجذبني من ذراعي، ثم أمسكَتْ أخرى تكشف بلوزتها عن ثدي سائب، بالطرف الأسفل من سترتي.. كان زقاقاً طويلاً تتتابع الأبواب فيه بسرعة على الجانبين وفيه مقهىً صغير"ص33 إلى جانب تناقض القيم الاجتماعية يصور النص المكان القهر الاجتماعي والتفارق الطبقي الذي تعيشه المدينة العربية: "لقد قضيْتُ الساعات الطوال في المسير بمحاذاة الشطآن الطينية لدجلة، متتبعاً مجراه من الشمال إلى الجنوب، من الكاظمية حيث تلتمعُ تحت الشمس، خلف جسر طويل متهزهز قائم على القوارب القديمة، عبر الحدائق والأكواخ الطينية أشبه بخلايا نحلٍ رمادية مغبرّة، أو أورام على جسم ممروض، كان بقاؤها كبقاء سكانها خلال قيظ الأصياف الطويلة القاسية من قبيل المُعجزات بعد ذلك يأتي البلاط الملكيّ، والمناطق السكنية الحديثة ثم الأسواق: السجاجيد والحرائر الخام والحُصر"ص74. -دلالات حضارية: نظراً إلى طبيعة الغرض الذي أنتج نصّ صيادون) من أجله يَعْرض دلالاتٍ حضارية للمكان، وليست هذه الدلالات دائماً إيجابية، وإنّما قد تحمل محمولاتٍ سلبية: "كنت أفكر بتلك السخرية الشيطانية التي أحالت ذلك المكان الجميل الذي تكسوه أشجارُ الزّيتون إلى مشهد تحدينا الأعزل للحقد والكراهية، فعلى الرّوابي التي ظهرت منها الملائكة للرّعاة قبل ألفِ سنةٍ تُنشد أغاني السّلام والمَسَرّة كنّا نجابه كلّ يوم رُسُل الموت التي لا تكف عن نفثها البغيض"ص20. ويشير النصّ إلى المكان التراثي دلالةً حضارية تصفُ فحوى الرّوح الحضاري للماضي ومقارنتها بحضارة الراهن "لكنّ الحمامات التي زرناها لم تَكُن تلك الغرف الأسطورية التي وجدت في العهود الغابرة بفُسيفسائها الزرقاء والذهبية المُشعة تحت المياه وهي تنطلق في نوافير وتسقط إلى صدفات من الرّخام، ثم تتساقط كالشلالات من صدفةٍ إلى صَدَفةِ نحو الأرض، لقد تداعت بغدادُ قبل أن تظهر فيها بوادر نموّ جديد وتهافت القرميد الناعمُ الذي شُيدت منه البنايات العظيمة أثناء العصر الذهبي إلى تراب منذ قرون واستعادت الصّحراءُ لنفسها تلك المساحات الشاسعة التي كانت يوماً ترويها السواقي"ص46. ويناقشُ النّصّ العُمق الحضاريّ للمكان وعلاقته بالرّوح الحضاري وبالمكوّنات المُميّزة لكلّ فضاءٍ بشريّ ينتمي إلى حضارة مختلفة عن الأخرى: "كان المكان شيئاً أقرب إلى خلق ذهن قوطيّ مظلم منه إلى خلق ذهن عربي.." ص47، ربّما لا نجد في كثير من الدراسات الإنسانية بخاصة الأدبية منها هذه الإشارات التي تُعنى بالعمق الحضاري المكوّن للنفس الحضارية لأمة من الأمم، ويظلّ النصّ في إطار البحث في البعد الحضاري للمكان ويعدُّ المكانُ اختصاراً بل اختزالاً حضارياً ويَحْمِلُ في طيّاته آفاقَ الماضي الحضاريّ: "في شارع الرّشيد يَكْمُنُ جوهرُ مدن التّاريخ كلّها، ونهرُ دجلة الذي يشطرُ المدينة شطرين متناسقين يحمل في جريانه الوئيد المترامي ذكرى حضارات عمرُها آلاف السنين والشّارع والنّهر يتوازيان كالمادة وصورتها"ص69. -المكان دلالة نفسيّة: تتجلى الدلالة النفسيّة في خطيّن متوازيين: الأول الدلالة النفسية السيكلوجية) الصّرْف الّتي تومي إلى وصف المعادلات النفسيّة التي يخلقها المكان سلباً أو إيجاباً "كان لبغداد في نظر الغريب على الأقل جوٌّ مشحون بالجنس" "دجلة: يجري ويجري ويجري كالدقائق والسّاعات كالحياة ذاتها"ص111. والخط الثاني الدلالة النفسيّة الرّمزية الروحية التي يتحول فيها المكان إلى رمز بذاته "قدساً سماؤها ياقوتة لا تنتهي، صدفة غسلتها مياه البحر، ورفعتها لتولد فيها كلّ صباح أفروديت جديد، .. آه يا أرض التربة الحمراء والحجارة بلون الورود، أرض الزيتون بخضرته التي منذ الطوفان ما حالت والشقائق بحمرة الدّم ألم يسقِ ترابَك دمُ تموز والمسيح"ص103. -المكان دلالة سياسية: يرتبط نوع من المكان ببعض الدلالاتِ السياسيّة وبعض الأحداث التي لا يمكن ورودها أو الحديث عنها إلا بالمكان: "كنا سجناء البلدة الصغيرة، فما دام طريقُ الشمال مقطوعاً باليهود، فقد كان علينا إن رغبنا الذهاب شرقاً، أن نسير خلال طريق مُلتوٍ شديد الانحدار عبر الجبال القاحلة كان قد بُني على عَجَلٍ لتسهيل حركات الجيش العربي التابع لشرق الأردن"ص23، ويرتبط المكان بالحدث الفاجع، القتل والدمار وهو ذو دلالة سلبية: "رأينا ثلاثة أكوام كبيرة على مبعدة ثلاثمئة ياردة والدخان يتصاعد منها في هواء الفجر البارد سرعان ما جاءت فرقة من الجنود البريطانيين إلى المكان للبحث بين الأنقاض"ص18. 3-السفينة المكان الرمز)، يبئر النص الدلالة المكانية في العنوان وهو المكان المقلق الذي يبحث عن الاستقرار وهو في ذلك يؤدي دلالة خطابية يرمي إليها مجتمع السفينة، الدلالة العامّة التي تنتظم حياة جميع الشخصيات التي يحتويها المكان هذه الدلالة هي الاغتراب) وعندما تستقرُ السفينة يبحث أعضاؤها عن الاستقرار، ولكنّ نتيجة هذا البحث تنتهي إلى السّلب، ففي نابولي عند الرّسوّ في الميناء يبحث كلٌّ من فالح وإميليا في طرف، وعصام ولمى في طرفٍ آخر عن استقرارهم الرّوحي والنفسيّ، وتكونُ النتيجة انتحار فالحٍ الذي يكتشف علاقة زوجته لمى بعصام السلمان. إضافة إلى ذلك فإن السفينة تعدّ مكاناً لعقد المؤتمرات الفكرية والتحديثية، وخلق عوالم حلميّة للأبطال، وهي المكانُ التجريبيّ الذي حوى المجتمعَ التجريبيّ الذي تحدثنا عنه في فصل الاجتماعي والسياسي) لذلك تغيبُ عن هذا المكان التفصيلات الدلالية السابقة التي رأيناها في صيادون) ولا تظهر إلا بشكل نادر وفي حالات الخروج عن سيطرة مكان السفينة وذلك عند اللجوء إلى الاسترجاعات الذاكرية تشكل السفينة قدراً يحكم الشخصيات ويكبلها، ويجعلها رهينة المكان المحدود إلا عندما تنعتق خيالات الشخصيات خارج السفينة لترصد الماضي وفق ما يلي من دلالات المكان: 1-الدلالة الحضارية: الإشارات الحضارية في السفينة قليلة إذا ما قيست بإشارات صيادون) وتختلف هذه الإشارات أيضاً عن إشارات صيادون) بأنها تتناول المكان الحضاريّ "كنيسة سانسنفيرو التي تحوي تمثالاً للمسيح المُسجى وراء نقاب يترقرق شفافاً على وجهه كموجة من المياه، نحته في الرخام أعظم نحاتي المدينة في القرن الثامن عشر إنها إحدى خلاصات الباروك"ص197. 2-المكان دلالة اجتماعية: دلالة منحسرة في النّصّ وهي إشارة طبقية "نسكن في غرفة واحدة.. في الأسفل، من الناحية الأخرى كان في جدار، على مستوى القدم منّا، فتحةٌ مربعة لا يزيد ارتفاعها عن خمسين سنتمتراً"ص52 "كان الحوش الكبير يتوسط أربعة غرفٍ أو خمس، في كل غرفة منها تعيش عائلة جلس أفرادها عند الباب، رجال ونساء وأطفال من كل عمر"ص54. 3-الدلالة النفسية: رأينا الصفة الإطلاقية شعورياً وفكرياً في آفاقٍ تناول الخطاب؛ لذلك فإن التناول المكاني متناسب مع التناول الخطابي وفق إطلاق شعوريّ نفسيّ لدلالات المكان، وهي الدلالات الأكثر انتشاراً في أثناء الخطاب وتتوزع على الدلالات التالية: أ-النفسية الإيحائية: "السفينة تشعرك بانسيابك خلال الزّمان والمكان الطائرة تكاد تلغي الزمان، فهي تلغي فيك ذلك الحسّ الإنساني بالإيناع والتغيّر"ص39. ب-النفسيّة الرمزيّة: أشرنا في الفصل الأول من باب الخطاب إلى رمزية المكان وعناصره بخاصة البحر والصخر ونشير إلى بعض هذه العناصر: "هل ثمّة في العالم كهف أقدمُ من كهفنا هذا.. قلنا ذلك وكأننا اكتشفنا قارّة جديدة. من تلك العين في ذلك الكهف شرب أول بناة القدس في فجر التاريخ" ص58 "لهذه الأرض التي نُحِتَ صخرُها مغاور وصوامعَ وجوامعَ، معلنة ديمومة المدينة عبر الحقب الطوال لعلّ في باطن الصّخر ناراً ترفض أن تَخْمُدَ كما في البعض منا"ص49. جـ-النفسية السيكلوجية) السلبية والايجابية: 1-السلبية: "لكن لماذا لا أرى إلا مجازر بشرية أكافح كي أنجو منها، فلا أنجو إلا إلى أماكن كلها خرائب وقاذورات"ص78 "الأرضُ البخيلةُ، في أحدِ أقضية الكُوت يكافحون الملح ويستدرجون الماء في الأقبية يقيمون له النواعير الصّدِئة"ص164 "البحر ليس نهر النسيان.. لقد كشف عن وجهٍ أغبرٌ كالحٍ وراح يقذف نفسه علوّاً وسفلاً كثعبانٍ تجاه ذبابة يحاول تهشيمها بانقضاضات جسده البذيء"ص144. وتتعمّق الدّلالة السّيكلوجية) للمكان إذ يتحوّل إلى رؤية كابوسية: "لما نزلت إلى قمرتي بانت كأن جدرانها تنهال علي من كل صوب وتسحقني"ص196. 2-الايجابية: "في نفسي دائماً ركضٌ على التلال، سيرٌ طويلٌ بين صخورِ الجبلِ، بل حتى على أمواج البحر طرياً"ص81. وتتبأر السّيكلوجية) في محاولة فنية تصويريّة تجعل من الزمن مكاناً، إذ يكون أكثرَ قدرة على الأداء السيكلوجي) لذلك جعل المجرد مُدْرَكاً محسوساً يرى فيه الزمن لطخةً سوداء عريضة قد أبقِّعَها في مكانين أو ثلاثة بشيءٍ من الأحمر، لطخة سوداء تملأ قماشة العمر" ص18. -نشير إلى أن الدلالة الاجتماعية والسياسية بالمعنى الإجرائي منحسرة إن لم تكن غائبة عن النص، وهذا يُرَدّ إلى أن المكان الاجتماعي غائب لضرورة المكان المقترح بل المصنوع خارج المجتمع السفينة) وهو المكان الاجتماعي الرئيسي والوحيد الذي يعتمد عليه النصّ. -البحث عن وليد مسعود: دلالة العنوان: ربما تحمل كلمة البحث أفقاً مكانياً، فالبحث يكون في المكان ويكون عن ضائع وهذه دلالة خطابية درسناها أيضاً في بحث الاغتراب. 1-دلالات اجتماعية: لا تخرج الدلالات الاجتماعية في البحث عن وليد مسعود) عن سابقتها في صيادون، ترصد التفاوت الطبقي وترصد فحوى الانتماءات الاجتماعية والقيم السائدة: "وكانت البيوت التي يسكنونها، كلّ عائلة قد تبلغ العشرة بأفرادها تُقيم في غرفةٍ واحدةٍ، هي البيوت التي هاجرَ منها أصحابها أو تردّت مع الزمن والإهمال، أو أنها شبه أكواخ أقيمت في الحواكير للدّواب أو للنواطير فيما مضى، جعلت الجرذان فيها أوكاراً لها.."ص182. والمكان النقيض: "سِرْنا رأساً نحوَ الحديقة الكبيرة من خلال الجهنميات وسعف النخيل المتهدلة إلى بقعة بليلةٍ، وعلى مقربة منها تنفث بضع نوافير مياهها في الجو فتتساقط كالمسابح الفضية في حوض أزرق مستطيل ترتعش أضواؤه من خلال الماء"ص21. "بيت مليء بالتّحف والكُتب وحديقة تتسع لألف شخص ملأى بالنخيل والجهنميات وأحواض الورد"ص255. 2-دلالات نفسية: تتنوّع هذه الدلالات بتنوّع الأغراض الخطابيّة التي يمتدّ إليها الخطابُ فيُعطيها دلالة نفسية سلبية تُصَوّرُ المكان المعادي "كانت الزنزانة الرّطبة لا تتسعُ لقامتي وقوفاً، أغلقوا بابها ظلام تامّ حتى ولا ثقب في جدار، أو ثقب لمفتاح، ولم يكن فيها إلا تنكة الغائط" ص242. والبعض الآخر دلالة نفسية إيجابية: كانَ الموج حولنا يتراكض فيضرب الصخور القريبة، ويجعل من زرقته المندفعة بياضاً ضاحكاً يتلاشى زبداً.."ص285. -دلالة نفسية إيحائية: "أربعون غرفة لنا أن ندخلها كلّها ولكننا نصر على دخول الغرفة الوحيدة التي أغلقت دوننا لا بأس سندخلها"ص20. ويحسن بنا أن نشير إلى أن النّصّ في هذه الإشارة الإيحائية يمهّد أو يضع صوّة للولوج إلى عالم المكان في رواية الغرف الأخرى). -دلالة نفسية رمزية: نشير مرّة أخرى إلى الصّخر والماء دلالتين مكانيتين رمزيتين كما رأينا سابقاً، ولكن يعودُ الكهف الذي رأيناه سابقاً في السّفينة إلى الظهور كرمزٍ دينيّ أموميّ له أبعادُهُ النفسيّة الخاصّة "الكرومُ رائعةٌ ولكنّنا نريدُ البرية حيث لا يوجد إلا الكهف الذي نستطيع أن نخاطب الرّبّ منه"ص114. -تتوازى الدلالات الاجتماعية والنفسية من حيث انتشارها في خلال النّصّ وذلك لأنّ المنزع الخطابي يوازي بين البحث الاجتماعي والبحث النفسي في البحث عن وليد مسعود) وإن كنا نلمح ميلاً نحو الجانب النفسيّ لأنّ السّمة الغالبة على الأفق الإنساني والروحي لجبرا ولنصه عامة سِمَة نفسيّة بالمعنى الأرحب والأشمل للنفس وبالمستلزمات الوصفية للأفق النفسي كالحضاري والإنساني والإيحائي والرمزي.. عالم بلا خرائط، دلالة العنوان: المكان المفتوح): تنتمي دلالة العنوان في الرّواية إلى الأفق الدّلاليّ النفسيّ للمكان الذي يسقط الخرائط الروحية الداخلية التي تضبط العالم الخارجي وهو دلالة اغترابية فحواها الانفصالُ عن المكان العالم) وملحقاته الأخرى، وممّا يدلّنا على أنّ هذا العالم نفسيّ ليس إلا هو أن مكان الرواية الداخلي مكانٌ طبيعيّ هندسيّ أكثر الأحيان ينتمي إلى الجغرافي الإنسانية) أي علاقة الجغرافية بالإنسان وإضافة إلى ذلك فإن الجغرافية تتحول في عُرْفِ النّصّ إلى إنسان بطريقة التشخيص أي إسقاط الإنسانية ومعطياتها ومكوناتها على الجغرافية وعلى الطبيعة: "الطبيعة تكره الفراغ، ولكنها تملأ الفراغ حسب أهوائها هي، لا أهوائك أنت في حركة عشوائية تموج في البلد كلّه، كأنّما نحن في أول مرحلة من مراحل تاريخ قادم بالعجائب.. تَتَزَلْزُلُ الأرض فتتصدّع وتنهارُ جبالٌ وتصعد أودية وتتشكلُ الطبيعةُ من جديدٍ على نحوٍ لا نستطيع التكهن به"ص79. ولا يخلو هذا التناول من رؤيةٍ كونيةٍ تتفحّص العالم بالاعتماد على تساؤل الغَيْبِ، ويتمحورُ النصّ المكانيّ على مقولة النفس الحضارية فَيَرْصُد نشوءَ المدينة المكان الرّمزِ) عمورية؛ المكانِ المفتوح الذي يُمكن أن يقبل أيّ تفسيرٍ دلاليّ مكانيّ أي أن يقبل تسميةً أخرى، لأن التسمية اختزالٌ افتراضيّ لجميع المدن العربية) رأيت عمورية تتسع في ربع القرن الأخير اتساعاً مذهلاً..)ص79. ويَرْصد نموّها وتضخّمها وتكوينها وأسس عمرانها الإنساني والسّياسي والاقتصادي والرّوحي والجغرافي: "عمورية الآن أكبر مدينة مشوّهة في العالم إنها تُشْبِهُ كلّ المُدْنِ ولا تُشْبِهُ أيْة مدينة"ص83 وهذا التّصوير يَدْخل في إطار الدلالة النفية السلبية: "هل تضخمت عمورية من غير حساب، هل أفلست روحياً إلى الحدّ الذي لا يمكن عنده إنقاذها؟ أكادُ أقولُ إنّها في حالةٍ من الغيبوبة.."ص84 وهناك. دلالةٌ نفسيةٌ سلبية أيضاً "أن تكون عموريّة جبلية لا يعني تميزاً لها، لأن هناك مُدناً أخرى كثيرة تنهضُ فوق الجبال، فدمشق، وعمان والقدس، والجزائر، ومدن أخرى كثيرة غيرها تشبه عمورية من حيث الموقع.. وأن تهب عليها الرياح في معظم أيام السنة، فإن أكثر مدن الشرق، المطوقة بالصحارى والمياه ونتيجة الحرارة والبرودة تكون عرضة للتيارات الهوائية، ومع التيارات والرّياح تحمل الصحاري خيراتها إلى هذه المدن فتجعلها تغتسل في ذات الغبار ليل نهار.." ص81. نتناول هذا المقطع في دلالتين الأولى محاولة النص الإصرار على مجازية المكان مدينة عمورية) وجعلها مكاناً حقيقياً مدينة تنتمي إلى عالم الخرائط دمشق وعمان والقدس والجزائر، على الرغم من أنّ الواضح أن عمورية دلالة اختزالية لجميع المدن العربية، والثانية تناول المكان جغرافياً بمعنى الجغرافيا العلمي) أي البحث في المؤثرات البيئية والمناخية عليه، وينفتح النصّ على ذاته فيستبق الإجابة عن تساؤل يتوقعّه من القارئ، بل الدفاع عن نقد يُوَجّهُ إلى هذا المكان غير المقنع، المكان المفتوح المُمَزّق، وكأن منتِجَ النّصّ انتبه إلى ضَعْف مكانه المخلوق من العدم، أي المكان اللامتحقق، ذي القوام الهشّ، وأراد أن يدافع عنه قبل أن يُوَجّه إليه أي اتهام: "عندما صدرت روايتي الثانية لم يرض عنها النقاد كثيراً، وقالوا أنها ملأى بالغموض، والتناقض، وادّعوا أنها لا تمثل عمورية كما يعرفونها بقدر ما تمثل محاولات مؤلفها خلق مدينة، لا يمكن أن توجد في رقعة معلومة من الأرض، إذا لم تستطيعوا أن تحددوا مكانها من عالمكم فذلك ذنبكم"ص29. إن نصّ عالم بلا خرائط لم يخلق مدينة بالمعنى الحقيقي كما خلقه نص صيادون مثلاً) وإنما خلق مجموعة من الأمكنة تنتمي إلى عالم اللاخرائط، وهي مشتتة ليس لها نظامٌ أو ناظم، وعند الحديث عن عمورية كان يلجأ إلى التحليلات الوصفية الدرسية التي تتعلق بدراسات مكانية إنسانية كما أسلفنا) وكأن يقوم ببحث سيكوجغرافي) أي نفسي جغرافي أما أن نجد مدينة ذات قوام تستند إليه سلباً أو إيجابياً) في عمورية، فهذا ما لا يستطيع النصّ نفسه إقناعنا به، لذلك يَسْقط الإدعاء الذي قدمه النصّ وتبقى عموريّة على الرغم من كلّ محاولاته التصويرية والإيهامية مكاناً مدينة) غير مقنع، وهي لا تنتمي حتى إلى الواقع الذي تنتمي إليه بغداد أو دمشق أو الجزائر التي دأب النص على تشبيهها بمدينة اللامدنية. -ويأخذ المكان كما في السفينة صفة القدرية، وإن كان في السفينة يستحقها لأنه يتحوّل بعفوية إلى تلك القدرية المسيطرة فهو في عالم بلا خرائط) مُكرَهٌ على قَبولِ هذه الصفة من خارجه، لأن منتج النصّ افترض ذلك، بل أسقط ذلك من شخصية بطله على مدينته) "كيف أفسر هذه القوة الخارقة التي تمتلكها عمورية، والتي تحيل الناس خلال فترة قصيرة إلى مخلوقات مشوّهة عاجزة أقرب إلى الحيوانات المدجنة" ص80. -دلالة نفسية سلبية المكان المعادي السجن): تقوم الدلالة على تصور حلمي نفسيّ يتداخل فيه المكان والزمان، مركزُ المكان غرفة الحجز المظلمة ونقطة الانعتاق الذّهني والنفسي خارج هذا المكان هي ثقب قد يكون مُتَوهّماً أو حقيقياً في باب الغرفة، وهو يذكّرُ بغرفة الجحيم الاختياري لهنري باربوس) لكن هذا الجحيم في غرفة علاء نجيب) جحيم قسريٌّ والعالم خارج الثقب في "جحيم باربوس" كان عالماً واقعياً بعكس عالم علاء) الوهمي الواقعي معاً: "لم أكن أرى شيئاً، ظلامٌ مطبقٌ أنائماً كنت أم مستيقظاً؟ كنتُ جالساً على صندوق، أو أحسست أنه صندوق تحت مؤخرّتي، والجدران أربعة عددتها بحذر لاصقة بي ربما كان أحدُها باباً كان ملمسه كالخشب، أو كالحديد الصَّدئ. والجدران التي جَعَلْتُ أتلمَّسُها كانت خشنة ومجرّحة.. شيء آخر كان يتحرك على جسمي في صدري.. يرعاني يحكني.. هل أنا أحلم؟ هل أنا نائم؟.. حدّقت بالباب، رأيت فجأة ثقباً صغيراً يكاد يكون على مستوى النظر.. شيء، كالنور يتخايل إليّ من خلال الثقب.."ص35. "عادت رقعةُ النّور.. الله إنها تتسع إنها تكشف عن أشياء تتحرك وراءها.. وجوه.. أناس.. خيول.. سيارات.. أراها ولكنني لا أعرفها.. اتّسع الثقب حتى صار أشبه بقرص الشمس الملفعة بالضباب.. انسد دوني في مرة أخرى.. الله هذا البحر، البحر الأزرق الرائع، هل أنا في مكان على البحر؟.. هذه المرأة النازلة أعرفها.. صاحبة الشعر الطويل تدقّ الباب بقبضة يدها وينفتح.. إنني أفتحه بنفسي، تدخل وتصفق اباب وراءها وأقفله بالمفتاح.."ص30. وهكذا يعرض النص هذا المكان المتداخل بين الحلم والواقع وهو فحوى دلالة نفسية يدمج فيها البطل بين مكانه الواقعي المكروه العدو برؤاه الداخلية ومحمولاته المكانية السّابقة للأماكن التي كان لها الأثر النفسي العميق الذي رسا في أعماق راقات نفسه. -دلالة نفسية إيجابية: يخرج النص عن الدلالة النفسية السلبية ليصور أفقاً آخر معاكساً هو الدلالة الإيجابية لبعض الرّموز المكانية التي أشرنا إليها فيما سبق من بحثنا مثالاً على ذلك البحر: "كان البحر صقيلاً يشبه صفحة الموس لامعاً كمرايا الجن ممتداً عميقاً إلى ما لا نهاية وكان موجوداً في كل شيء في رائحة الهواء. وفي المسام في نكهة الأشياء.."ص362 وضمن هذه الدلالة الإيجابية تعود الذاكرة النفسية لخلق معادل إيجابي للرؤية السلبية السابقة التي توجه فيها البطل نحو مدينته) عمورية: "حين كنت بعيداً كانت عمورية تتمدد في ذاكرتي كما لو أنها حورية البحر، مشعة، زاخرة، مليئة بالعنفوان، كنت أتذكر شوارعها شارعاً شارعاً، وأتذكر المنعطفات والزوايا وحين تشمخ المدينة في ذاكرتي تعاودني الرّغبة في الدفء والاقتراب من الآخرين"ص85. لا تخفى هنا الدلالة الجنسية في حورية البحر المشعة الزاخرة المليئة بالعنفوان والدفء والاقتراب مع إيحاء بسيط بأمومة احتوائية فيها. الغرف الأخرى النص: المكان، الخطاب: المكان، المكان: اللامكان): -دلالة العنوان: الإشارة اللغوية المباشرة إلى المكان هي الدال الغرف لكنه يبقى دالاً خاماً) على مدلول أولي إذا لم يُضف إلى صفته الأخرى) التي تَمْنَحه دلالته الرمزية، والرمز الذي يمتد إليه أفق الخطاب يتحدد بالمباين المكاني للغرف الأخرى) فهي افتراض رمزي غير واقعي، لذلك نجد المكان الرّوائي في النصّ مكاناً غير واقعي، وإن كان البعد الشكلي الخارجي واقعياً كلّ الواقعية. إن رواية الغرف الأخرى) هي رواية المكان اللامكان) بمعنى أنها لم تَخْلق مكاناً حقيقياً مدركاً موعياً ضمن القوانين القابلة للإدراك والوعي، فإذا كان نص عالم بلا خرائط) نص الزمن المتداخل؛ فإن الغرف) نص المكان المتداخل المتخيل لغرض رئيسي هو تصوير المحتوى النفسي الداخلي الذي يعكس وجه العالم الخارجي المحيط بتناقضاته وتداخلاته ولا معقوليته وعدميته التي تسعى نحو الهاوية، وإذا أردنا أن نفرغ المكان من رمزيته وأن ندرسه بعيداً عنها مكاناً تقليدياً نجده يؤدي مجموعة الدلالات التالية: -دلالة المكان الهندسي:"كانت الساحة ميداناً كبيراً من ميادين المدينة" 7. "فجأة اشتعلت المصابيح على أطراف الميدان وعلى جانبي الطريق غير أن الذي لفت نظري هو أن المباني وهي جميعاً طوابق عديدة لم يشتعل في نافذة منها أي ضوء.."ص10. "كان في صدر الغرفة مكتب فخم"ص21 وتتكرر هذه الدلالات في وصف المكان في جميع الغرف التي يدخلها البطل المجهول نمر علوان) المفترض. -دلالة نفسية: وهي في أكثر الأحيان استنتاجية ليس مُصرحاً بها في الحديث عن المكان، إلا أنها قد تأتي لغوية مباشرة: "الساحة العريضة خالية، خاوية، مهجورة، منسية من الله ومن البشر، كأن المدينة لم يبق فيها من يتحرك من يسعى، من يحب كأن وباء قد اجتاحها ولم يرحم أحداً" ص7 والدلالة النفسية الأخرى هي الظهور المفاجئ للمكان، ففجأة يمكن أن يظهر مسرح أو باب ثم يختفيان ويعود كل شيء إلى سابق عهده: "قمت بسرعة ونظرت من النافذة وإذا الساحة مرتبة كخشبة مسرح عريضة، وأنا أراها كأنني في مقصورة كبرى" ويدخل هذا المكان بل تدخل الغرف الأخرى كلّها في نطاق المكان المعادي، لأنها تشكل للبطل السجن الفضفاض، وهو مكان كابوس يشبه الأمكنة التي يتعرض لها الإنسان في حلمه وهو يعاني وطأة كابوس عنيف يرسف على صدره. -دلالة المكان التكنولوجي: في الحكايات الشعبية السالفة وفي حكايات ألف ليلة وليلة وبعض القصص الخرافيّ والقصص الخيالي يبدو المكان قدرة غير ثابتة يحركها قَدَرٌ خارج عنها قد يكون عفريتاً) كما في ألف ليلة وليلة أو قد يكون كلمة سر كما في حكاية علي بابا) مثلاً وقد يكون البطل مزوّداً بقدرة خارقة تجعله يسيطر على المكان يزيح صخرة من على باب كهف سجنت داخله حبيبته أو عزيز عليه، أو يكون مزوداً بأداة سحرية تسهل له فعل أي شيء مثل الخاتم، لكن إنسان العصر الحديث لا يمكن أن يلجأ إلى مثل هذه الخيالات التي لم تعد قادرة على الإيهام، فأصبح يلجأ إلى تقنية تحمل إمكانية كبرى في الإيهام بالواقعية وهي التكنولوجيا) التي تحرك المكان وتسيطر عليه وتحوله إلى أي شكل تشاؤه، ويدخل ذلك في إطار الخيال العلمي، وتَستخدِم الغرف الأخرى هذه التقنية بتحفظ لتكون أكثر إقناعاً وإيهاماً بالواقعية، فتخلق غرفة مركزية هي غرفة التحكم بالمكان: أي ببقية الغرف الأخرى، ولتأدية غرض الإدهاش يقوم النصّ بخلق تشابهات سرعان ما تختفي بين الغرف وبين الأشخاص ليصل إلى وحدة المكان في النهاية كما أوهمنا في الزمان سابقاً بوِحْدة الزمن وبدائريته، وجرياً على عادة المكان السّري فقد كثرت فيه الدهاليز والمسارب الضيقة والمفاجآت المكانية التي تستخدم تقنية سائدة في سينما الرّعب، ولكن باتزان روائي لا يخل بالعملية الإيهامية. "من غرفة السيطرة بإمكاني أن أقفل أو أفتح أبواب المبنى كلّها بمجرد الضغط على زر هنا وزر هناك"ص39. "أخذني إلى مصعد ضيق له معه مفتاح خاص، إلى قبو مديد مضاء فيه الخزائن الحديدية الرصاصية اللون.."ص70. تصوير المكان وطرق تصويره: ساد في الرواية التقليدية نوع واحد من أنواع التصوير المكاني وهو التصوير السردي الذي يصف المكان بسرد وأوصافه ومحتوياته ومكوناته الواقعية بشكل حيادي، وإن طمح إلى أكثر من ذلك، فإنما يطمح إلى تصوير بعض الدلالات الاجتماعية للمكان ويصرّح بها مباشرة فيقول على سبيل المثال "فلان غنيّ يملك داراً تحوي كذا وكذا وله بستان وسيارة.. وفلان فقير.." وهذا النمط كان سائداً في بداية نشوء الفن الروائي وأمثلته كثيرة في المستوى الروائي العربي وقد يكون ماثلاً إلى الآن في كثير من النصوص العربية وعند كبار الروائيين العرب كنجيب محفوظ مثلاً، لكن الرواية الحديثة استطاعت أن تولد طرقاً أخرى يظهر فيها المكان دون رمي دفة السرد جانباً والتوجه نحو وصف المكان من هذه الطرق: 1-الوصف بالحوار: يقوم النصّ من خلال حوار ما بين شخصيتين أو أكثر بإيراد المكان وصفاً ورمزاً ودلالة واقعية ونفسية وحضارية وإنسانية. 2-الوصف بالحدث: يعرض النصّ الحدث ويتخلل هذا العرض إشارات غير مباشرة إلى تكوين المكان وعناصره وميزاته وكذلك مرافقاته الدلالية التي يعرضها الحوار نفسه. 3-التصوير باللغة: يتم التصوير باللغة في مستويين رئيسيين، المستوى الأول بطريقة السرد التقليدي الذي لم يستغن عنه تقنية سائدة ولا يمكن الاستغناء عنه؛ لأنه تقنية لا بد منها في الأداء الروائي، والمستوى الثاني استخدام البلاغيات في تصوير المكان من أجل تحديد دلالته النفسية بطريقة لغوية أقرب ما تكون إلى الحس اللغوي الشعري وتستخدم اللغة عندئذ المجازيات والرّموز والتشبيهات والاستعارات وتستدعي الرصيد الثقافي لمنتج النص في خلق المشابهات المكانية الواقعية ومعادلاتها التي تؤدي فحوى الدلالة النفسية. -الوصف بالحوار: تغيب هذه التقنية كلية عن صراخ في ليل طويل) لأنها تعتمد التصوير التقليدي السردي وتظهر في صيادون) في مراحل متعددة من سيرورة النص: فأثناء الحوار بين حسين عبد الأمير وجميل فران بعد خروجهما من المبغى: يرد بعض التصوير المكاني ذي المنزع الخطابي "نحن شعب من المتناقضات؛ فأكبر بناياتنا تقع وسط البيوت الضيقة.. لقد بدأت إذن البداية الصحيحة أعني المبغى. فهو وسط المدينة وفي هذه المنطقة أيضاً يقع أجدر مدارسنا بالاحترام.."ص39. وفي حوار في الحمام العمومي الذي يذهب إليه مجموعة الأصدقاء جميل وعدنان وحسين ويتعرفون على الإنكليزي برايان فلنت: "قلت أنا أفتح الحنفيات: لا بد أن هذا المكان صممه رجل ذو روح معذبة.. سألت: أهذا هو المكان الذي كان الناس قديماً يأكلون فيه البرتقال والتفاح ويغنون أثناء الاستحمام"ص48 "أخذوا يفضلون حماماتهم الخاصة هذه الأيام" ص49 "لا أظن أن بلداً يمكنه تصميم حمام عمومي كهذا بلد بربري.." ص51. وهكذا تتكرر هذه التقنية في تصوير المكان والإشارة إلى دلالاته التي تحدثنا عنها سابقاً، وفي السفينة تظهر التقنية في تفجّر شعوري يتناسب مع الخط الرئيسي للنص: ففي حوار بين إميليا وعصام: "حتى إلى بغداد.. فأجابت بحرارة: أوه إنها المدينة التي أحلم بها" ص46. وفي حوار وديع وفايز نتحسس المكان بالتلمس الاستنتاجي: "لم لا تجلس على هذا الحجر بقربي.. تسكن قريباً من هنا؟.. نعم في جورة العناب، وأنت؟... في الشماعة.. الله في العلالي.. أتأتي كثيراً إلى هنا؟ أحياناً. أحب البركة لأنها توحي إليّ بالبحر. هل رأيت البحر.. زرقته عجيبة قبل سنوات كثيرة وأنا طفل، أخذ أحد الرهبان جماعة منا في سفرة إلى يافا. وفي الميناء صعدنا إلى إحدى السفن التي كانوا يحمّلونها بالبرتقال، بالونش. كانت رائحته لذيذة أعني البحر وكذلك البرتقال. سقط أحد الصناديق من الونش، وتحطم على حافة الزورق وانتشرت حبات البرتقال على الزبد الأزرق يمنة ويسرة"ص50-51. تقترب هذه التقنية من السرد التقليدي أحياناً خاصة إذا استرسل أحد المتحاورين في وصف المكان، فتفقد التقنية خصوصيتها الحوارية وتنتقل إلى تقنية أخرى. والتقنية ذاتها تتكرر في البحث عن وليد مسعود) وعالم بلا خرائط) مع انحسار في عالم) ولكن السيادة الكبرى لهذه التقنية تأتي في الغرف الأخرى، لأن هناك دائماً حواراً مستمراً، خاصة عندما يلتقي البطل بشخصية أخرى، وغالباً ما تكون فحوى الحوار تساؤل من البطل عن المكان الذي يوجد فيه إجابة قد تكون صادقة أو كاذبة، لكنها تدور حول المكان المسؤول عنه: "لم أفهم قصده بالضبط، وأنا أصاحبه إلى درج أخذنا ننزله. فسألته: كيف فتحتها جميعاً؟.. من غرفة السيطرة بإمكاني أن أقف أو أفتح أبواب المبنى كلها.. ما هو المهم.. المهم أنت مطلوب في الغرفة الزرقاء.. وأضفت وأنا أقهقه لا شك أن عندكم أيضاً غرفة حمراء وأخرى خضراء- بعد أن فرغنا من الغرفة السوداء" ص39. -التصوير بالحدث: تقنية أكثر تطوراً من سابقتها، لأن المكان يأتي مندغماً بالحدث لا مُباشِراً في عرضه، والمباشرة مهما كانت عالية اللغة والأداء تخفف من ارتقاء التصوير: في المشهد التالي يصور النص غرق حيّ من الأحياء الشعبية المسحوقة نرى فيه كيف يأتي المكان طبيعياً عفوي الوصف: "لم ينقطع المطر، وجعل الماء يجري سيولاً بمحاذاة الجدران أو في وسط الطريق إلى أن بلغنا مكاناً كالخندق العميق، تبطنه منازل من كل حجم ولون، ولم تكن الطريق مرصوفة فإذا لم نخطُ في السيل المثرثر تخبطنا في الوحل اللزج. ولكن ما كدنا نرى بيوت الحيّ في أعماق الخندق حتى شدّ صاحبي بذراعي. وأتت حنجرته بشهقة قصيرة حادة. فقد تجمع الماء في الأسفل وكوّن بحيرة كبيرة لها ألق مخيف، وبرزت الطوابق العليا من البيوت فوق الفيض. فانحدرنا نحوها راكضين وقد أطبق الرعب على حنجرتي. لقد تراكمت القاذورات في المجاري الرديئة، فسدتها وعطلتها فالتقت السيول الدافقة من الشوارع المجاورة في تيار جارف وصبت في الحي المنخفض واستقرت هناك. وكانت الغرفة التي قضيت فيها قرابة عشر سنوات من صباي غارقة إلى نصفها ولم يبق بيت لم تغمره المياه، وجعل الرجال والنساء يحملون المياه في السطول والصفائح ليقذفوا بها في أرض صغيرة محاطة بجدارٍ عالٍ، كان يأمل سكان الحي أن يحولوها يوماً ما إلى حديقة" صراخ ص55-56. تتكرر هذه التقنية في الروايات الأخرى بخاصة في صيادون) لكن التقنية بمعناها الدقيق الذي يجعل الحدث يصور المكان دون اللجوء إلى الوصف السردي، غير متحققة، ولا بد من تدخل الوصف السردي فيها: "كنا سجناء البلدة الصغيرة، فما دام الشمال مقطوعاً باليهود، فقد كان علينا، إن رغبنا الذهاب شرقاً، أن نسير خلال طريق ملتو شديد الانحدار عبر الجبال القاحلة.. كان قد بُني على عجل لتسهيل حركة الجيش العربي التابع لشرق الأردن.." ص23 وتبدو التقنية أكثر وضوحاً في مشهد الدخول إلى المبغى: "على مبعدة مئتين أو ثلاثمئة ياردة وجدت فسحة على اليمين تنتهي فجأة بحائط فيه باب ضيق، كان عدد كبير من الرجال يغدون ويروحون من خلاله، وفي الداخل لمحت ومضات من الأشعة الحمراء والصفراء، وسرعان ما وجدت نفسي مَسُوقاً بالفضول أندمج بالكتلة البشرية التائقة للدخول كان التزاحم في المدخل الصغير من الشدة بحيث توجّب عليّ أن أدفع الناس ويدفعوني قبل الدخول"ص33. التصوير باللغة: 1- المستوى الأول: التصوير بالبلاغيات: على الرغم من أننا جعلنا فصلاً خاصاً للتصوير، وركزنا الجهد على البحث في التصوير، أي التصوير البلاغي، وجدنا أنه من الضروري البحث في تصوير المكان منفرداً، لأن المكان موضوعة مهمّة في سياق النصّ وهو كذلك موضوعة خطابية أهم في سياق الخطاب وفي السياق الروحي والثقافي لمنتج الخطاب. يقوم النصّ باللجوء إلى تصوير المكان بالبلاغيات عندما يكون المكان دلالة نفسية أو رمزية، وذلك في سبيل أداء قدرة تصويرية تعطي المكان أهميته، أي تخلق اللغة معادلات نفسية تضيء بها العالم الداخلي للروائي، العالم الذي يمثله المكان، وتبرز العلاقة المصيرية بين المكان ومنتج النص، والقدرات الإبداعية الإيحائية التي ساعد المكان على خلقها وبثها في ذهن المبدع وروحه. يستخدم النص لدى جبرا تقنيات بلاغية متنوعة لتصوير المكان وتتميز صورة المكان عنده عن غيرها من الصور بخلق أجواء روحية إضافية تضاف إلى الجو التصويري العام، إلى جانب تكثيف متعمد في اللغة، ومن التقنيات البلاغية التي يستخدمها النصّ، التشبيهات والمجازات والاستعارات، بشتى إمكانات اللغة فيبدع التصوير ويرتقي الحس اللغوي وتتنوع المكوّنات التي تكوّن التقنية كما تتنوع الصور وتتعدد في أرجاء النص لتؤلف وشائج تصويرية إلى جانب الوظيفية الأخرى. ويكفي دلالة على أهمية المكان وتصويره أن افتتاحيات أكثر الروايات كانت بتصوير المكان -البحر جسر الخلاص) السفينة)- "الوصول إلى الفندق" صيادون) الغرف) "المكان المطلق"... -ويقوم النص مرة ثانية باعتماد الابلاغيات وسيلة لتصوير المكان وتقريبه إلى القارئ وإخراجه ليكون متصوّراً سهل الاستيعاء في مخيلته. وتكون هذه الإبلاغيات تناصّات) تصويرية أو مسرودات إخبارية بسيطة تصف المكان وتعرض مكوّناته. وإذا دققنا النظر في لغة هذا التصوير نجدّها لغة بسيطة دون أن تبتعد من الإيحاء والتحريك والتلوين، وهذا لا يعني أن التصوير بالبلاغيات قد جانب البساطة التعبيرية، فقد جاءت البلاغيات سهلة المقاربة والتناول ولم يعمد النص إلى الإيغال في التعمية والغموض وإسقاط عوالم غير مكانية على صورة المكان، وإنما خلق مكاناً لغوياً كالمكان الواقعي، بقدرات اللغة وقدرات الفن. (1) المكان في الرواية العربية، غالب هلسا دار ابن هانئ دمشق ط1 1989 ص12. (2) نفسه ص13. (3) نفسه ص15. (4) يستغرب أن يطلق غالب هلسا على المجتمع العربي "مجتمع الأمومة" في حين أن السائد عن المجتمع العربي في أكثر مراحله إن لم نقل جميعها أنه مجتمع ذكوري أبوي بخاصة في المرحلة التي يختار هلسا مثاله منها، مرحلة العصر الجاهلي فهو يقول: "ويكفي أن نذكر كمثال القصيدة الطللية وخاصة امرئ القيس". (5) السابق ص20، وضع الكاتب المعاشة) اسم مفعول من عاش والقياس المعيشة. (6) نفسه ص38. (7) المكان في الرواية العربية ص39. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |