مُضمرات النصِّ والخطاب في عالم جبرا إبراهيم جبرا الروائي - سليمان حسين

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

الفصل الرابع

الحدث الروائي والشخصيات الروائية الحدث: المكون المنحسر:‏

تعتمد عملية القص التقليدي(سواء في ذلك ما كان منها شعبياً وما كان أدبياً) الحدث مكوناً رئيسياً؛ لأن مراميها الخطابية لم تكن لتتعدى قدراً ضئيلاً من محاورة المتلقي والتعامل معه على أسس إنسانية وثقافية وفكرية عليا؛ وقد كان هدفها إتحاف المتلقي بمجموعة من الأحداث غير الواقعية التي تدهش إحساسه، وتثير مشاعره، وخيالاته، ولم يكن الحدث الواقعي يرد في القصة إلا لتعبئة الفراغات والمناطق الخلالية في النص وربما يكون وعي الأديب المعاصر(إذا لم نقل الإنسان المعاصر) لواقع حياته ولضرورة بحث مجرياتها وفحصها من أجل التغيير، هو السبب الذي دعا إلى الإقلاع عن الإسراف في الأحداث الجوفاء الخلبية بل الإقلاع عنها كلية.‏

أخذ القص المعاصر يهتم بالأحداث البسيطة حتى اليومي الإجرائي مهما يكن تافهاً؛ لأنه جزء من حياة الإنسان؛ يؤثر في جريانها، ويؤثر في تكوين الشخصية البشرية(نفسياً وثقافياً)، على شكل خبرات تراكمية سلباً أو إيجاباً، وإذا كان الإنسان هو الذي يقوم بصنع الحدث وخلقه فإن الحدث كما أسلفنا يقوم بارتكاس لا يقل عن فعل الإنسان لتتشكل بذلك عملية خلق متبادلة بَيْنيَة بين الحدث والإنسان.‏

الحدث، صناعة الحدث:‏

إن الشخصية الروائية هي الصانع الرئيسي للحدث، في البداية تكون متأثرة بموقفها الثقافي والاجتماعي والسياسي؛ لتنطلق إلى صنع الحدث الذي يولّد مجموعة مواقف جديدة تتناسب والطارئ الحدثي الجديد وتتميز بعض الشخصيات بقدرتها الخاصة على صنع الحدث أو التمهيد لصنعه:‏

- في صراخ: الأحداث الرئيسية في(صراخ) التي تشكل الهيكلية الرئيسية لقوام النص أو التي تعد بؤرة النص حدثياً وتؤدي أغراضه الخطابية التالية:‏

1- زواج أمين من سمية رغماً عن أهلها.‏

2- هروب سمية بعد زواجها من أمين بسنتين.‏

3- موت(عنايت) رمز الماضي المتخلف.‏

4- إحراق ركزان تاريخ آل ياسر المحفوظ في الأوراق وتدمير القصر.‏

5- عودة سمية إلى أمين وطرده إياها.‏

الحدث الأول حدث يعتمد موقفاً اجتماعياً مستنداً إلى موقف فكري عاطفي لدى أمين وإلى موقف عاطفي لدى سمية، والحدث مُسَوّغٌ اعتماداً على هذين الموقفين وهو يحقق موازاة أدبية للواقع- أما الحدث الثاني فيأتي ارتجالاً روائياً دون أي تمهيد أو أي إشارة إلى خلاف أو اكتشاف يفضي إلى هذا الهروب غير المسوغ وغير المحددّ، وقد يكون هذا الحدث لبنة فارغة مجوّفة لبناء حدثٍ آخر عليه وهو عودة سمية إلى أمين ليطردها ويطرد بذلك رمز الماضي، إذا كان الأمر كذلك، فإن الحدث هنا اسْتُخدِم وسيلة للوصول إلى غرض خطابي لمنتج النص، ولكن هذا البناء النصي مُخَلْخَلٌ، وقد أدى بالضرورة إلى خلخلة المرمى الخطابي، وعدم استقراره ووضوحه والحدث الثالث(موت رمز الماضي) أيضاً حدث مصنوع بإتقان؛ لأن الواقع العالم يقتضي مثل هذا الحدث ونتيجة يقتضي موت مستلزماته، ومرافقاته التي اختارها لتُلغي هذا الماضي غير مقنعة لتكون صانعة هذا الحدث، فالانتماء إلى الأسرة الإقطاعية يحكم الأختين(عنايت) و(ركزان) والنشأة واحدة ولكن النص يركز على الفروق الفردية ويدقق في الخاصة الجنسية التي تتمتع بها ركزان دون الإشارة إلى مقدمات أخرى يمكن أن تسوغ قيام ركزان في النهاية بنبذ الماضي وجميع رموزه(القصر والتاريخ) فإذا كانت الخاصة الجنسية لدى ركزان هي الدافع الحقيقي وراء فعلها، فالموقف ساقط؛ لأنه غير نابع من أصالة فكرية أو روحية أو ثقافية وإنما معتمد على غرائز موجَّهة(بفتح الجيم) و(موجِهة بكسر الجيم) أيضاً ولا علاقة لها بالقدرات الواعية للإنسان وهذا يقود إلى التفسير الفرويدي في الدوافع والمواقف.‏

وكذلك يأتي الحدث الأخير عودة سمية إلى أمين كما هربت تماماً دون إنذار تهرب وتغيب زمناً دون سبب وتعود دون سبب، وهذا الحدث كذلك مصنوع من الفراغ الحدثي، لا يمكن أن يكون حدثاً روائياً منبنياً وفق امتلاء يقنع بفحواه الروائية أو الواقعية أما الرد على هذا الحدث وهو طرد سمية- فهو حدث ارتكاسي طبيعي لابد منه وليس موقفاً مصيرياً اتخذه أمين في حياته وإن كان في نهاية(الرواية) يحاول أن يصور عظمة الفعل الذي قام به مقارناً إياه بفعل ركزان التي حرقت الأوراق وفجرت القصر.‏

- يأتي بعض الأحداث ليؤدي أغراضاً خطابية أخرى اجتماعية وفكرية وليعبئ المناطق الخلالية الفارغة في النص مثل حدث(غرق الحي الفقير في الشتاء بسبب المطر) وهو ذو دلالة اجتماعية.‏

- في(صيادون): أحداث صيادون الرئيسية هي:‏

1- استشهاد ليلى شاهين خطيبة جميل فران.‏

2- مقتل عزيمة(ابنة مدير الفندق الذي ينزل فيه جميل) لأسباب اجتماعية.‏

3- حدث ذاكري(مقتل الحسين) والندب النسوي السنوي.‏

4- اغتصاب عدنان الخادمة الريفية التي تعمل في بيت والده وطرده من البيت بعد تزويجها رجلاً لم تره من قبل.‏

5- اغتصاب فلسطين وتخلي الجيش البريطاني للصهاينة عن مواقعه.‏

6- نشوء علاقة جنسية بين سلمى الربيضي زوجة أحمد الربيضي وجميل وكذلك نشوء علاقة حب بينه وبين سلافة ابنة أخت سلمى.‏

7- المظاهرات والاحتجاجات في بغداد.‏

8- اعتقال حسين عبد الأمير، وعدنان طالب وعبد القادر ياسين بعد المظاهرات.‏

9- محاولة الخادم عبد اغتصاب سلافة بعد أن أهانته بصفعة على وجهه وموته غرقاً بعد هروبه عبر النهر.‏

10- محاولة انتحار عدنان طالب وحسين عبد الأمير الفاشلة بعد خروجهما من السجن.‏

11- (مقتل) أو موت عماد النفوي والد سلافة وعم عدنان(على يد ابن أخيه عدنان).‏

12- تهديد جميل بالفصل من الهيئة التدريسية في الجامعة إذا لم يبتعد عن سلافة.‏

إن جميع الأحداث تُعْتَمدُ متكآت واقعية أكثرها واقع حقيقي تسجيلي كاغتصاب فلسطين والمظاهرات في بغداد، وبعضها الآخر واقع ممكن أي أن أحداثاً مشابهة مطابقة قد وقعت وقد تختلف أسماء شخصيات الحدث الروائي عن الحدث الواقعي فقط(كمقتل عزيمة واستشهاد ليلى شاهين والاعتقالات السياسية والتهديد بالفصل من الجامعة.. الخ) لذلك جاءت الأحداث متوائمة مع النص الروائي ومتوائمة فيما بينها، ومتوائمة مع المنطق الواقعي؛ محكمة الأداء لا يمكن أن يثار حولها أي تساؤل إلا في بعض القضايا التقنية الصرف، لكن هناك حدثاً يعاني خللاً منطقياً هذا الحدث محاولة الخادم عبد اغتصاب سلافة بعد خلو البيت من جميع أهلها ومن الخدم، وذلك رداً على إهانتها إياه بصفعة على خده لأنه ضحك وهي ترفض أن تتزوج توفيق الخلف، هذا الحدث يعد نبواً حدثياً عن منطق الشخصية ومنطق سيرورة الأحداث، فعبد الخادم العبد الموكل بحراسة سلافة ويصوره النص عبداً خسيساً ليس إلا حجراً يقبع على الباب أو قرب النافذة لتلبية طلبات سلافة ووالدتها وفجأة يثور هذا العبد لكرامته ويحاول اغتصابها ويبقى النص مصرّاً على إظهار الذئبية الشريرة التي خلقت فجأة دون أي إشارة سابقة أو انبناء وتطور للشخصية يوحي بأنه يمكنها أن تقوم بحدث مثل هذا.‏

إن ما يلاحظ على هذه الأحداث جميعاً أنها أحداث موت وهذا الموت لابد أن يكون نتيجة القتل: 1- استشهاد ليلى(تفجير بيت آل شاهين من قبل الصهاينة، 2- مقتل عزيمة، 3- مقتل الحسين- مقتل الخادم عبد، 4- محاولة انتحار عدنان وحسين، مقتل عماد النفوي.‏

ربما يكون مرد ذلك إلى فحوى الظرف التاريخي والسياسي والاجتماعي الذي كانت تعيشه المدينة العربية في وقت إنتاج النص وتمكن الإشارة إلى العنوان الذي يحدد سبب هذه الحوادث إن(الصيادين في شارع ضيق) لابد أن يكون صيدهم الموت والقتل لأن القتل من مستلزمات الصيد ولابد أن يكون الصيد وفيراً كما رأينا لأن الشارع ضيق والصيد(القتل) سهل فيه.‏

- السفينة مستويات الأحداث:‏

المستوى الأول الأحداث التي وقعت على ظهر السفينة في الزمن الخطي:‏

1- اللقاء على السفينة حدث مخطط له مسبقاً.‏

2- محاولة انتحار الأجنبي وانتشاله.‏

3- توهم محمود الراشد وجودَ جلادِهِ(نمر العجمي) على ظهر السفينة وسقوطه في نوبة هستيريا.‏

4- اكتشاف فالح وجود علاقة بين زوجته لمى وعصام السلمان في نابولي.‏

5- انتحار فالح وموته.‏

6- العودة إلى بغداد بجثمان فالح.‏

المستوى الثاني أحداث ذاكرية ما قبل السفينة:‏

1- اغتصاب فلسطين عام 1948.‏

2- مقتل جواد الحمادي عم لمى على يد والد عصام السلمان بعد خلاف حول الأرض.‏

3- استشهاد فايز صديق وديع في عملية مفاجئة ضد العدو.‏

إن أحداث المستويين مزودة بإمكانية واقعية قابلة للتحقق بخاصة الأحداث التي ترصد الواقع السياسي بل إن واقعية بعض الأحداث واقعية تسجيلية، بمعنى أنها واقع تحقق فعلياً وأصبح فائتاً حديثاً، وهو في النص يتحقق روائياً؛ مثلاً اغتصاب فلسطين، واستشهاد(فايز) الرمز، وكذلك الأحداث الاجتماعية؛ مقتل جواد الحمادي من أجل الأرض واقعية تسجيلية(بمعنى ما) والحدث السياسي(اعتقال محمود الراشد، ثم بعد ذلك توهمه وجود جلاده على ظهر السفينة) إمكانية واقعية عالية، ومثله انتحار فالح.‏

وما يلفت هنا أيضاً ظهور مقولة القتل الاجتماعي والسياسي، كما في(صيادون) ويرد ذلك إلى العوامل ذاتها التي رأيناها هناك.‏

البحث عن وليد مسعود: (الحدث متكأ نفسي، قوام النص ظاهرياً):‏

يبدو للوهلة الأولى أن(البحث عن وليد مسعود) رواية حدث، لأن التناول الأولي للرواية يوحي بذلك ويؤكده؛ فالحدث الرئيسي الذي يشكل محور النص(اختفاء وليد مسعود) تنطلق منه جميع الأحداث وتنتشر عبر جسم النص؛ لكن المتابعة التي تتوخى العمق تلغي هذا التصور وتُحِل محله تصوراً آخر، فحواه أن نص(وليد مسعود) نص أفكار وشخصيات وليس نص أحداث، وما ورود الحدث وإعطاؤه كل هذه الأهمية إلا في سبيل خدمة الشخصية والأفكار، ويكون الحدث عندئذ وظيفياً وليس مقصداً خطابياً. أما على المستوى الفني فالحدث البؤرة هو اختفاء وليد مسعود وهو ذو أهمية كبيرة في سياق النص الحدثي وإذا رسمنا خطاً بيانياً يضبط مسيرة الحدث الروائي فإن حدث الاختفاء يكون القمة العليا بين قمم هذا الخط.‏

- أحداث(البحث):‏

1- اختفاء وليد مسعود(الحدث البؤرة).‏

2- اختطاف وليد كاظماً ورميه خارج المدينة ثم العودة إليه والمصالحة بينهما.‏

3- موت سعيد الفرحان والد وليد.‏

4- هروب وليد وسليمان ومراد من الدير للتنسك في كهف بعيد.‏

5- لجوء مريم الصفار إلى طارق رؤوف للمعالجة(حدث هامشي لكنه مؤثر في خط سير الأحداث وتوجهها).‏

6- شراك مريم الصفار لطارق رؤوف بقبول زيارته آخر الليل واستدعاء وليد ليجتمعا وتكون مفاجأة لطارق.‏

7- رحلة وليد إلى إيطاليا لدراسة اللاهوت.‏

8- النقاش بين وليد وبترو بارتشي الإيطالي حول الحرب والتغيير.‏

9- عودة وليد واستشهاد أخيه إلياس.‏

10- رحلة مريم إلى لبنان وانفتاح عالمها على وليد في دار عامر عبد الحميد العراقي.‏

11- علاقة مريم المخطط لها بعامر عبد الحميد وزيارة مريم لسوسن عبد الهادي واختلاؤها بعامر بعدها.‏

12- طلاق مريم(حدث هامشي مؤثر).‏

13- نسف شارع بن سوميخ في القدس يقوم به وليد مسعود وطهبوب وآخرون.‏

14- اعتقال وليد مسعود في بيت لحم بعد عشرين سنة من نسف الشارع.‏

15- وصال رؤوف تزور مروان وليد في معسكر التدريب.‏

16- مروان وليد يقتحم أم العين مع رفاقه.‏

17- مروان وليد يستشهد في الاقتحام.‏

18- وصال رؤوف تلتحق بمنظمة فدائية.‏

19- اكتشاف العالم السري وليد التحق بمنظمة فدائية.‏

قد يكون هذا التلخيص المكثف لأحداث الرواية(كما فعلنا في الروايات السابقة) مجحفاً؛ لأنه يغيب كثيراً من الأحداث الجزئية والتفصيلية التي تؤثر في(صناعة) الحدث وصنع الشخصية، إلا أن التتبع التفصيلي للأحداث يحتاج دراسة خاصة أكثر بحثاً في الجزئيات ورصداً لتطور الأحداث وتراكمها وسببيتها التتابعية، وفعل كل حدث في انبناء الشخصية السلبي والإيجابي، وهذا ليس متيسراً لدراستنا هنا.‏

إن أحداث(البحث عن وليد مسعود) تعاني بعض المشكلات البنائية بخاصة في علاقتها بالشخصيات، فهي ليست كأحداث(صيادون) محكمة الواقعية أو أحداث السفينة(الإمكانيات الواقعية) وإنما تتبع طبيعة الشخصية التي تقوم بصنع الحدث، فاختفاء وليد مسعود مثلاً بهذا الأسلوب الاستعراضي الذي يُشكّك في البناء الصادق للروح الداخلي لوليد أولاً، بسبب التوقيت المختار للقيام بعمله الوطني الالتحاق بالمناضلين(على الرغم من أننا نعرف أنه كان مناضلاً سابقاً) فبعد أن حقق ما حقق وبعد أن سفح كل رجولته في علاقات نسوية متعددة وبعد الخمسين قرر أن يختفي ويثير زوبعة من التساؤلات عن اختفائه مع أن جميع ما سرد من الأحداث، في الرواية لا يتأثر كثيراً بهذا الحدث الذي قلنا: إنه ليس إلا منطلقاً للأحداث وكان يمكن النص أن يخلق أي متكأ آخر دون تأثير على مجرى الأحداث ويبدو أن منتج النص اختار هذا المتكأ ليستطيع اختتام أحداث الرواية باختفاء وليد مسعود، لأنه لو تركه في مجتمعه لما كان هناك إمكانية إغلاق النص إلا بالنهاية المفتوحة أو اختيار آخر لابد منه هو العودة إلى الاختفاء ولكن بطريقة أخرى قد تكون بالموت. إن هذا الاختفاء(البوليسي) لا يخدم غرضاً خطابياً في رواية ضخمة(بمراميها الخطابية ومعمارها الفني) كالبحث عن وليد مسعود.‏

وكذلك فإن هروب وليد وسليمان ومروان من الدير والتجاؤهم إلى كهف بعيد للتنسك فيه خاضع لطبيعة الشخصيات التي صنعت الحدث وهي شخصيات ذات خصوصية روحية وفكرية متميزة ويدخل هذا الهروب في نطاق عملية الاختفاء التي تميز شخصية وليد الذي يترك دير(سانتا ماريا) أيضاً في إيطاليا ويذهب للعمل في(بنك روما) ثم يعود إلى وطنه لأنه يؤمن بأن الفعل(الحدث) لا يتحقق إلا في الوطن.‏

أما الحدث الذي لا يمكن استثناؤه من الربط بطبيعة الشخصية هو الحدث المدهش الذي يختتم به النص انفتاحه، إذ تقوم وصال رؤوف إحدى عاشقات وليد مسعود بالالتحاق بإحدى المنظمات الفدائية التي تعمل من أجل تحرير فلسطين، والإدهاش في الأمر يأتي من طبيعة الشخصية التي تصنع الحدث فليس هناك ما يوحي(في تكوين الشخصية أو في انبنائها)، إن كانت منبنية، بأن وصال رؤوف يمكن لها أن تقوم بهذا العمل الثوري وهي ابنة وزير سابق استوزر أكثر من مرة وأطيح بوزارته في النهاية بثورة 1958 وسليلة طبقية تسير نحو الدمار لأنها تأكل نفسها من الداخل.‏

إن هذا الحدث الذي أقحم على الشخصية ربما يعتمد على أسباب غير منتمية إلى قدرة المجتمع وقوانينه التي تساعد في بناء الشخصية ولم يعتمد على(دينامية) الداخل للشخصية واكتفى(بالحب والشباب) دافعين للقيام بهذا العمل.‏

في مثل قضايا النضال الوطني والانخراط في صفوف الثورة تكون الأمور بحاجة إلى وعي ثوري عميق كوعي وليد مثلاً، ولم نجد وعياً لدى وصال رؤوف إلا وعيها أنوثتها بارتباطها بوليد ووعيها للحب والجسد الذي علمها إياه وليد وكذلك وعيها وليداً نفسه فهل يكفي الحب والجنس والشباب والجسد أن تكون دافعاً إلى الفعل الوطني والالتحاق بصفوف الثورة؟.‏

الحدث في عالم بلا خرائط:‏

الحدث البؤري في(عالم بلا خرائط) هو مقتل نجوى العامري وهو الحدث الافتتاحي في النص كما في(البحث عن وليد مسعود) ويكشف في النهاية عن تفصيلات الحدث إذ يتناولها في البدء بنوع من التعمية الإيحائية ويتناول نتائجها النفسية على محور النص(البطل) ويلاحظ أن الحدث في هاتين الروايتين يشكل غلافاً روائياً يحيط بالرواية منذ البداية وحتى آخرها. والحدث البؤري في عالم بلا خرائط ذو أهمية نصية أكبر من الحدث البؤري(للبحث عن وليد مسعود) لأنه متناسب والسير الخطي للأحداث وكذلك متناسب والبناء التطوري للشخصية وهو مندغم في العملية الروائية. بشكلٍ أكثر إقناعاً.‏

- أحداث عالم بلا خرائط:‏

1- مقتل نجوى العامري على يد مجهول(يرجح أن يكون زوجها) ويوحي الراوي في البداية بأنه هو الذي قتلها لكننا في النهاية نستبعد ذلك بعد أن يصور الأحداث المتتالية التي تسبق مقتل نجوى، ونستنتج أن الافتتاحية التي أوحي فيها بأن الراوي هو القاتل، مشهد حلمي يتداخل مع الواقع لكن هذا اللاتعيين يزول بعد الفصل الثاني:‏

أ- الإيحاء الحلمي- فرضية أولى: ((مدت يدها إلى المِجَر وأخرجت المسدس وقالت: ((هنا هنا)) وأشارت إلى عنقها الرائع، وقد رفعت عنه شعرها الطويل، ومن على إصبعين أطلقت النار، واندهشت لحظة لشدة الصوت الذي سمعته يتردد عبر أصوات البحر..)) ص21 .‏

- فرضية ثانية((وقلت فليكن وأطلقت النار وسقط رأسها البديع الشعر على كتفي وصحت: لعبتك المرعبة هذه متى تنتهي حسبت أن الرصاصة خلب تلهو بها.. ولكن الدم كان يدفق علي وأنا لا أفهم.‏

ب- انقشاع الحلم: الاقتراب من الواقع(فرضية أخرى) ((مازلت أتذكر هيئة الرجل الذي تراءى لي على شرفة المجنونة، كانت المسافة بعيدة نسبياً ولكني ميزت خلدون.. لم يبق إلا ثوان قليلة وهو ينظر في أكثر من اتجاه ثم لم أعد أراه.. ص368، .. نجوى.. غير أن وجه نجوى لم يتحرك ولم تتحرك عيناها.. كانت نجوى ملقاة في الركن، وقد اتكأ رأسها عل الحائط ممزقة القميص مشعثة الشعر وعيناها تحدقان في الفراغ وحولها بركة من الدم)) ص375.‏

2- انتحار بطلة رواية الراوي(الروائي): ((علاء لماذا جعلت سلوى تنتحر في روايتك الأولى)) ص137 .‏

3- وفاة والد علاء.‏

4- وفاة خال علاء حسام الرعد.‏

5- إعدام والد نجوى الحقيقي شهاب أدهم بتهمة التآمر على الدولة.‏

6- وفاة والد نجوى الافتراضي محسن العامري.‏

7- وفاة والدة نجوى بعد إعدام والدها.‏

8- اعتزال العمة نصرت الحياة لتقبع في غرفتها صامتة.‏

9- زواج والد علاء من امرأة أخرى.‏

إذا تفحصنا هذه الأحداث في ضوء الواقعية وجدنا أن احتمالاتها الواقعية إمكانيات كبرى في التحقق والوجود، لأن المجتمع السياسي والمجتمع الاجتماعي يقبل مثل هذه الأحداث وليس الحدث الروائي إلا استنساخاً بنسبة معينة لوقائع المجتمع السياسي والاجتماعي معاً، وهذا ما رأيناه في جميع نصوص جبرا التي درسناها. وتسيطر الظاهرة ذاتها التي سيطرت على(صيادون) وعلى السفينة وهي ظاهرة الموت والوفاة والقتل، الوفاة الطبيعية والقتل(السيكلوجي) والقتل السياسي. أما الأحداث الأخرى الدنيوية فأكثرها اجتماعي إجرائي.‏

- الحدث في الغرف الأخرى(الحدث، اللاحدث؛ اللامعقول):‏

لا نستطيع الحديث بدقة وبتعبير تقليدي عن حدث معقول أو حدث(مكوِّن منطقيِّ) وإنما يمكننا أن نتحدث عن حدث تخييلي بالمعنى المصطلحي للتخييل، وذلك على الرغم من جميع المحاولات التي قام بها المؤلف ليجعل من حدثه واقعياً وما يستوحيه القارئ من الأحداث هو واقعيتها الشكلية كالركوب في صندوق السيارة الشاحنة مع مجموعة قطيعية من البشر ثم الانتقال إلى مبنى دهليزي متداخل الغرف والحوادث الواقعية بعد ذلك؛ لكن كل تلك الأحداث تعد(أرضية) أو خلفية للوحة الأحداث التخييلية التي يكون قوامها بل تكوينها الرئيسي التلاعب بالأشخاص والزمن والمكان، فيقوم الكاتب بخلق تداخلات في زمن شخصيتين وفي مكانهما بطريقة حُلُميّة تنتهي بيقظة الشخصية بمؤثّر خارجي هو التحوّل(السّحري) المفاجئ الذي تقوم به شخصية ما وتتحول إلى شخصية أخرى(كلمياء) مثلاً التي تتراءى للبطل في أكثر من زمان ومن مكان متداخلين إذا تتقمص سحرياً مجموعة من الشخصيات النسوية وكذلك الأمر فيما يتعلق بشخصية عليوي الذي يتقمص صُوَر مجموعة من الرجال في أكثر من زمان ومكان وليست هذه الأحداث الحلمية السحرية سوى متكئات تعبيرية رمزية أراد بها الروائي إدانة العالم الواقع وتصويره بهذا التداخل السحري السلبي، ورصد العوالم النفسية والروحية للكاتب نفسه والإنسان المعاصر بل المثقف المعاصر الذي يحتويه حوت هذا العالم بين فكيه وليست حريته المزعومة سوى القدرة على التحرك بين الأسنان ليزلق في النهاية على حد أحدها ويستقبل نهايته التي كان ينتظرها.‏

الشخصيات الروائية‏

أولاً- أنماط الشخصيات:‏

ربما يكون من الصعب بل من المستحيل الوصول إلى فرز دقيق في قضية تصنيف الشخصيات في صفوف ترتيبية، تخضع فيها لمجموعة من القوانين الضابطة التي تشكل نظرية قياسية يقاس عليها؛ لأن العملية التصنيفية تكون تابعة للموضوع الذي يُتخذ مقياساً للتصنيف، والشخصية تخضع لأكثر من مقياس ومن هنا تنتج الصعوبة والاستحالة في التصنيف الدقيق، فمثلاً يمكن أن نصنف الشخصيات بحسب فعلها الروائي ويكون بعضها اعتماداً على هذا المقياس رئيسياً، أما إذا صنفناها اعتماداً على مقياس آخر فقد تتراجع إلى مستوى ثان أو أدنى، وسنحاول، قدرتنا، أن نضع المقاييس الدقيقة ونصنف وفقها:‏

1- التصنيف بمقياس الأداء الروائي: (على مستوى الحضور)‏

فئة الرواة:‏

1- راوي(صراخ) أمين سماع راو مسيطر على مساحة الأداء الروائي كاملة.‏

2- راوي(صيادون) جميل فران راو مسيطر مع تداخلات من(رواة) آخرين مساعدين مثل(سُلافة النفوي) في رسائلها وفي قصها لمحاولة اغتصابها، وعدنان طالب في مذكراته، لكن هذين الراويين ليسا المؤديين المباشرين لعملية القص وإنما ينوب عنهما جميل في نقل وقائع قصهما لذلك لا نستطيع أن نعدّهما راويين بالمعنى المصطلحي للكلمة.‏

3- رواة(السفينة):‏

أ- عصام السلمان الراوي الرئيسي(ظاهرياً) فهو الذي يسرد الكمية النصية الكبرى(أربعة فصول) لكنه يتخلى عن عملية القص داخل فصوله للراوي الثاني(وديع عساف)؛ لذلك قلنا: إن سيطرة(عصام) سيطرة ظاهرية.‏

ب- وديع عساف الراوي الثاني يسرد ثلاثة فصول وهو راو متدخل في فصول أخرى.‏

جـ- إميليا فرنيزي: تروي فصلاً قصيراً اضطر الروائي إلى إسناد القص إليها فيه.‏

4- رواة البحث عن وليد مسعود:‏

أ- الراوي الرئيسي الذي يروي الكمية الكبرى من النص، وهو الموُكَل بالقص الذي يُختص بعملية البحث في حياة وليد مسعود: ((الدكتور جواد حسني)) يروي الفصول: الأول والثاني، والثاني عشر.‏

ب- راوي الفصل الثالث عيسى الناصر.‏

جـ- راوي الفصلين الرابع والسادس والثامن، وليد مسعود.‏

هـ- راوية الفصل السابع مريم الصفار.‏

و- راوية الفصل التاسع وصال رؤوف.‏

ز- راوي الفصل العاشر مروان وليد.‏

حـ- راوي الفصل الحادي عشر إبراهيم الحاج نوفل.‏

5- راوي عالم بلا خرائط: (علاء نجيب) وَضْعُه الروائي يشبه وضع جميل فران في(صيادون) وهو الذي ينوب عن صانعيها مثلاً التقرير الذي يقدم إلى وزير الداخلية وكذلك رسائل نجوى العامري‏

6- راوي الغرف الأخرى غير محدد الهوية فمرة اسمه(نمر علوان) ومرة(عادل الطيبي) ومرة(فارس) وهو مسيطر مطلقاً على مساحة السرد الروائي.‏

- فئة الشخصيات الأخرى المندغمة بالسرد، سندرسها في مقياس آخر بالتفصيل.‏

2- التصنيف بمقياس الفعل الروائي:‏

1- شخصيات المستوى الأول(الشخصية الرئيسية) الممتلئة.‏

الفئة الأولى(الشخصية الرئيسية: محور النص، محور الخطاب).‏

غياب البطولة المطلقة: يبدو للوهلة الأولى أن نص جبرا إبراهيم جبرا الروائي نص البطولة المطلقة بمعنى أن الشخصية الرئيسية(محور النص) هي المسيطر المطلق على مصائر الشخصيات الأخرى لكن هذا الوهم سرعان ما يتبدد عند بحث فحوى العلاقات وعمقها التاريخي والاجتماعي بين الشخصية محور النص وبين الشخصيات الأخرى؛ لأن الشخصية المحورية تكون شخصية طارئة على مجتمع الشخصيات الأخرى وهي أكثر الأحيان تنتمي إلى مجتمعها بعد نضوج انبنائها، لذلك تبقى بمنأى عن التأثير الذي يحدد المصائر الكبرى يستثنى من ذلك رواية البحث عن وليد مسعود لأن شخصيتها الرئيسية هي التي تحدد بنسبية ما مصائر الشخصيات الأخرى سلباً وإيجاباً. فمثلاً نجد أن مصير(كاظم) الاجتماعي والثقافي متعلق بوليد وكذلك(إبراهيم الحاج نوفل) و(مريم الصفار) و(طارق رؤوف) وفي النهاية(وصال رؤوف) التي تثبت بفعلها النهائي(الالتحاق بالمنظمة الفدائية) أن مصيرها مرتبط بمصير وليد مسعود.‏

لذلك نستطيع أن نقول: إن البطولة المطلقة التي تسود الرواية التقليدية غائبة نسبياً عن نص جبرا، بل نستطيع أن نقول أيضاً إن محور النص هو بطل مطلق وغير مطلق في آن معاً، مطلق لأن النص يتبأّر فيه ويتمحور حوله، وغير مطلق لأن النص يؤاخي بينه وبين شخصيات رئيسية تُنازِعُهُ مطلقيته وتنفيها عنه، وذلك على مستوى الفعل الروائي فمثلاً في صراخ تقوم(ركزان) بفعل روائي موازٍ لفعل أمين ومساوٍ له من ناحية رَفْضِ الماضي وإلغاءِ التعلّق به وكذلك تقوم سميّة زوجته بفعل يرتكز إليه أمين في فعله الروائي الأكبر(التخلص من الماضي ورموزه).‏

وفي صيادون) يُخفف، عدنان طالب وتوفيق الخلف، وسلافة النفوي من مطلقية سلطة جميل فرّان في الفعل الروائي بل لا يتعدى دور جميل كونه راصداً ومصوراً لأحداث الحياة الاجتماعية والسياسية في بغداد بينما يقوم عدنان بتحريك سياسي اجتماعي ويؤثر في الفعل الروائي بخاصة عندما يحاول قتل عمّه عماد النفوي.‏

أما وديع عساف في السفينة فينازعه مطلقيته عصام السلمان على الرغم من التأثير الكبير الذي يوحي به النص ويصرح به عصام نفسه، والسطوة القوية لوديع على عصام.‏

وفي البحث عن وليد مسعود تبرز بقوةٍ المطلقية التي يمنحها النص لوليد مسعود لكن ذلك يَخْفُتُ بظهور(شخصيات) ممتلئة تؤثر في الفعل الروائي مثل: كاظم جواد النّدّ القوي لوليد مسعود، وإن كان مصيره الفكري مرتبط نسبياً بوليد، وطارق رؤوف الحاسد المتضرر من وجود وليد مسعود والذي يحسّ بالارتياح بعد اختفائه ومريم الصفار الفاعلة القوية في حركة الفعل الروائي والمؤثرة والمهمة في جميع مستويات الشخصيات، وكذلك إبراهيم الحاج نوفل وعامر، عبد الحميد وإن كانت قدرة الفعل الروائي لديهما متقلصة عن فعل الآخرين.‏

وفي عالم بلا خرائط تسلب نجوى العامري علاء نجيب مطلقهُ الروائي وتمنعه من السيطرة التامة على الفعل الروائي وتكون المشارك الرئيسي في الفعل وعلاء هو أقرب الشخصيات المحورية من البطولة المطلقة لأن المنازعين قليلون.‏

وفي الغرف الأخرى ينازع البطلَ على البطولةِ المكانُ الذي يتحول إلى شخصية روائية لها قدرتها الفاعلة بقوة وكذلك المرافقة التي ترافقه في كل غرفة.‏

إن الشخصية محور النص شخصية مهمة لدى الكاتب، وهي في كثير من الأمثلة تشكل النائب الفكري أو الاجتماعي أو السياسي عن منتج النص نفسه كما في حالة أمين سماع وعلاقته بالكتابة ورأيه بالمرأة وبالماضي، وبشكل أوضح كما في حالة جميل فران الذي يمثل جبرا في كل تفصيل من تفاصيل مجريات حياته وكذلك وليد مسعود وعلاء نجيب في عالم بلا خرائط والمجهول في الغرف الأخرى، وهذا لا يعني أن الشخصيات الأخرى ليس لها نصيب من واقع الكاتب منتج النص، ففي صراخ نجد تصريحاً واضحاً لأمين يَعُدّ فيهِ الرواية متنفّساً يروّح به عن نفسه ويوزع نفسه على مجموعة شخصياتها((أما الرواية فكنت أبغي منها ما أروِّح به عن ضيق صدري... إذا قسّمت نفسي إلى أشخاص كثيرين يمثل كل جزء من هذه النفس الملأى بالمتناقضات)) ص10 .‏

- الشخصية المحورية شخصية مثقفة لذلك لا يهتم كثيراً بدراسة انبنائها التطوري المتدرج الذي يؤدي في النهاية إلى نضوجها والوصول بها إلى قمة بيانية تتجلى إما في الحدث وإما في الخاتمة... وإنما تبدأ الشخصية من مرحلة نضجها وامتلائها وتسير وفق خط أفقي، فهي تحمل موقفاً محدداً ورؤية صارمة ثابتة لا تتغير في التوجه نحو العالم والإنسان والفكر والحق والأخلاق والكون وتكون هذه الرؤية منطلقة أكثر الأحيان من الصياغة النهائية لرؤية جبرا للعالم وللفكر وللفن... وأي تغير يحدث في مسيرة الشخصية فإنما يكون خطياً أفقياً ينتمي إلى موقفها الثابت المحدد إلى درجة يمكن أن نقول: إن رواية جبرا هي رواية أفكار وثقافات ومواقف وليست رواية انبناء شخصيات وإن كانت تولي الشخصيات أهمية كبيرة، فمن أجل خدمة الأفكار والرؤى والأحلام والمواقف التي تحملها الشخصية.‏

- تتميز شخصيات المحور بأنها شخصيات مزودة بميزات إضافية فائقة الإنسان العادي، وهذه الميزات يجب أن تتوفر لدى الشخصية لتعينها على تسنم موقعها الروائي من هذه الميزات القدرة الهائلة على اجتذاب النساء وإيقاعهن في غرامها، بطريق الوسامة والجاذبية الثقافية، والجاذبية المالية وبخاصة الجاذبية الجنسية كما في حالة وليد مسعود مثالاً واضحاً ودالاً دقيقاً على ذلك.‏

- الشخصيات المحورية أكثرها شخصيات فلسطينية تحمل القلق الوطني وقلق الأرض والوجود والاستقرار في داخلها وهي مهاجرة خارج أرضها، فلذلك هي مغتربة ومتغربة.‏

الفئة الثانية الشخصية الرئيسية المساندة:‏

لا نستطيع أن نصنف هذه الفئة في المرتبة الثانية كما نفعل في الرواية التقليدية التي يكون فيها البطل ثم الشخصية الثانية والثالثة وهكذا، وإنما تتمتع هذه الشخصيات بقدرات روائية توازي قدرات الفئة السابقة ولكن الحسبان الروائي يزيحها على الخط الأفقي ويعطيها مجالاً للفعل آخر قد يكون داعماً أو موازياً أو مستقلاً له تكوينه الخاص مثل عصام السلمان ولمى في السفينة وعدنان طالب في صيادون ومريم الصفار في البحث عن وليد مسعود ونجوى العامري في عالم بلا خرائط.‏

- تتميز شخصيات هذه الفئة بالميزات ذاتها التي رأيناها في الفئة الأولى ثقافة عالية متميزة قدرات ذكائية وجاذبية جنسية كما في حالة مريم الصفار وجاذبية مالية وروحية.‏

- تنتمي هذه الشخصيات أكثر الأحيان إلى البلد المضيف(بغداد) غالباً ويكون فعلها الروائي أكثر تأثيراً في عملية الصناعة الروائية والحديثة كما في حالة عدنان طالب(في صيادون) فهو يقوم بتحريك الحديث الروائي أكثر من جميل فران نفسه ومريم الصفار تحرك الحدث أكثر من وليد نفسه وكذلك نجوى العامري التي تفوق علاء نجيب في بث الروح والحركة في سيرورة الحدث الروائي وصنعه.‏

2- شخصيات المستوى الثاني: (المنفعلة):‏

يمكن أن نضرب مثالاً عليها، شخصية عنايت ياسر في(صراخ) وشخصية فالح حسيب وكذلك شخصية محمود الراشد وإميليا فرينزي في السفينة، وسلمى الربيضي، وحسين عبد الأمير، وسلافة النفوي وبتحفّظ(توفيق الخلف) في صيادون.‏

وتكثر هذه الشخصيات في البحث عن وليد مسعود(فكاظم جواد وطارق رؤوف، وأخته وصال رؤوف، وهشام الصفار، وإبراهيم الحاج نوفل) جميعهم من الشخصيات المنفعلة بمعنى من المعاني وهم جميعهم شخصيات ارتكاسية في أكثر الأحداث التي يديرونها، وكذلك هم صدى في كثير من المواقف أو ارتدادات تتأثر بالشخصيات الرئيسية.‏

3- شخصيات المستوى الثالث(شخصيات المتكأ الفكري):‏

وهي شخصيات وظيفية يستعين بها الكاتب لعرض مجموعة من الأفكار أو لعرض الفكر النقيض، فيجعلها تنتمي إلى فكر مناقض لأفكار الشخصيات الرئيسية، أو إلى توجه أيديولوجي مباشر، ففي(صراخ) نجد(عمر السامري، ورشيد)، يستخدمها النص لعرض مجموعة من الأفكار حول الروح والجسد، والجمال في جسد المرأة وتأثير التقدم(التكنولوجي) الحديث على القيم، والاثنان في أكثر ما يعرضان من آراء متناقضان أحدهما يشكل النقيض الفكري الجذري للآخر بخاصة في رأي كل منهما بالمرأة والجسد.‏

وفي صيادون تأتي الشخصيات(عبد القادر ياسين، توفيق الخلف وأحمد الربيضي، وبرايان فلنت) منتمية كل على حدة إلى فضائها الأيديولوجي الخاص وقد وضعت هذه الشخصيات مستندات(بتفاوت) لخدمة الغرض الأيديولوجي الذي يقدمه النص ففي حوار مشابه(في تكوينه للحوار الذي يجري بين شخصيات صراخ حول قضايا الروح والجسد والذوق والمرأة) نجد حواراً يجري بين شخصيات(صيادون) وذلك باشتراك الشخصيات الرئيسية المحورية والمساندة؛ لأنها هي أيضاً تحمل محمولات أيديولوجية مباينة، ولكنها تختلف بأنها ليست محض متكأ أيديولوجي وإنما لها وظائفها وآفاقها الأخرى، يدور الحوار في مستوى أعمق من حوارات(صراخ) حول قضايا الفن، والشعر بخاصة ومعنى العمق هنا أن التناول الحواري للقضايا لا يبحث فقط في ماهيتها والتوجه إليها والتغير فيها وإنما يبحث في دورها ووظائفها الاجتماعية والذوقية والجمالية.‏

المستوى الثالث: الشخصيات الطيفية:‏

يستعين النص بمجموعة من الشخصيات التي تصنف(ثانوية) في التصنيفات النصية السائدة، لكننا نطلق عليها وفق ضرورات النص التي يقدم بها الشخصيات، (شخصيات طيفية) وتنقسم هذه الفئة إلى قسمين من حيث الحضور في النص: طيفية حاضرة في النص، بمعنى أنها تقوم بدور يجتمع المعنيان في شخصية واحدة، وفي اعتماد مقياس آخر للتصنيف نرى أن من الشخصيات الطيفية ما هو فاعل في سير الأحداث(واقعياً، ونفسياً) ومنها ما هو عابر وظيفته نصية يتكئ عليها بنيان الشخصيات الأخرى لذلك يمكن أن يكون لدينا مجموعة احتمالات للشخصية الطيفية:‏

1- طيفية فاعلة حاضرة- طيفية فاعلة مستحضرة.‏

2- طيفية وظيفية حاضرة- طيفية وظيفي مستحضرة.‏

3- طيفية فاعلة ثنائية(حاضرة، مستحضرة).‏

والسائد أن هذه الشخصيات جميعها باحتمالاتها المختلفة تقوم بفعل واحد يكون مفصلياً في مسيرة الأحداث، وهي شخصيات تظهر في مساحات متباعدة في النص ظهوراً طيفياً أو فجأة لتقوم بفعلها ثم تغيب عن ساحة الفعل.‏

1- الفاعلة الحاضرة: نطلق هذا الاصطلاح على الشخصية التي يكون لها تأثير مهم في مسيرة الحدث الروائي إضافة إلى حضورها على ساحة الرواية، أي أنها تتمتع بقدرة مزدوجة فهي جزء رئيسي من مكونات النص في جهة وجزء مكون رئيسي من مكونات الخطاب، مثالاً على ذلك نطرح جميع شخصيات السفينة التي كانت على متنها فهي جميعاً مؤثرة في صنع الحدث- بتفاوت فيما بينها وخير مثال على هذا النوع من الشخصيات هو شخصية الرّواة في الروايات جميعها فالرّاوي شخصيّة فاعلة حاضرة بل هي في أكثر الأحيان المؤثر الأول وتقوم في أحيان أخرى بعملية مراوغة أو مخادعة، بمعنى أنها تزيف في القص كما حدث مع الراوي (مريم الصفار).‏

وتأتي الشخصية الفاعلة الحاضرة سلطة مطلقة في صنع الحدث لأن بعض هذه الشخصيات يقوم بالنيابة عن الكاتب، فيخوّله، إدارة صنع الشخصيات الأخرى إلى جانب إدارته السرد‏

أ- الشخصيات الفاعلة الحاضرة في صراخ: مستوى الفعل الرئيسي: الشخصيات التي تدير الفعل في صراخ أربع شخصيات: الأولى شخصية الراوي أمين سماع الذي يتحكم بمصائر جميع الشخصيات الأخرى روائياً، ويصوغ جميع الأحداث وفق تصوراته هو إلى درجة أنه يحاول في النهاية أن(يلوي عنق) الأحداث لتوافق مرموزاته وتتوازى مع تفسيراته للإنسان والعالم والظواهر الاجتماعية، وتتأثر مواقف هذه الشخصية تأثراً كبيراً بالمواقف الإطارية المحيطة به فهي شخصية غير مستقلة لا تنطلق، أكثر الأحيان، من موقفها الخاص المتبلور الموجه إلى العالم، فأمين يخضع مطلقاً لإرادة(عنايت هانم) التي تكلفه بكتابة تاريخ أسرتها، على الرغم من أنه، أيديولوجياً، لا يوافق على هذا العمل ولا يوافق على وجود هذه الأسرة الإقطاعية، والشخصية الثانية شخصية(عنايت) وهي شخصية فاعلة قادرة إذ تبقى مسيطرة على الفعل حتى الجزء الأخير من الرواية ويمكن أن نقول إنها هي التي حددت مصائر الشخصيات الأخرى حتى مصير أمين نفسه، وكانت محوراً رمزياً بمعنى أنها مثلت رمزاً مستقلاً، كان هذا الرمز المفتاح لجميع الرموز الأخرى(فعنايت) تمثل النزوع إلى الماضي وهي الرمز التقليدي للماضي، وعلى هذا الرمز اعتمدت الشخصية الفاعلة الثالثة على اتخاذ موقفها، وعلى الموقف هذا انبنى موقف أمين الذي رفض الماضي.‏

والشخصية الثالثة الفاعلة الحاضرة، وحضورها على مستوى الحدث أكثر وضوحاً، هي ركزان التي قامت بتمثيل الرمز المقابل لرمز الماضي، ونسفت كل تاريخ أسرتها وقد ناقشنا هذا الفعل سابقاً. أما الشخصية الرابعة فهي شخصية سمية شنوب زوجة أمين وتقوم هذه الشخصية بأفعال وظيفية هي متكآت للمواقف التي تتخذها الشخصية المحور شخصية أمين سماع، وقد شكلت هذه الشخصية رمزاً للماضي الموازي الثاني وكانت وسيلة لنفي الماضي والتخلص منه.‏

ب- الفاعِلة الحاضرة في(صيادون):‏

ليس تعميماً إذا قلنا: إن جميع شخصيات(صيادون) الحاضرة شخصيات فاعلة، وإن أكثر الشخصيات كانت شخصيات حاضرة لذلك كانت الرواية رواية الفعل.‏

1- جميل فران، قيادة الفعل المركزي(الشاهد):‏

إضافة إلى كون(جميل فران) الشخصية المحورية في نص(صيادون) فإنه شخصية فاعلة على جميع المستويات وهي بؤرة الربط بين جميع الشخصيات وهي بؤرة الفعل أيضاً إذ تشكل شاهداً وراصداً ومحركاً لجميع الأحداث والتحركات الروائية، وهي بذلك شخصية الرصد للفعل الروائي ترصد المصائر جميعها لشخصيات الفعل الأخرى وهي أكثر الأحيان مؤثرة لا متأثرة، وتتسم بسمات أسطورية(سوبرمانية) يمكن أن نطلق عليها وصفاً فحواه(الفعل الذي يوازي الحلم) وهو طموح تكويني في أساس التجربة(الجَبْرَويّة).‏

2- عدنان طالب،(الفعل المتعدد، الأقوى):‏

يعدّ عدنان طالب، إذا ما قيس بقدرات شخصية(جميل فران) التي منحها إياها جبرا شخصية ثانية على مستوى الفعل لكن هذه الشخصية تعد الأولى بما أنجزته خلال مسيرة الرواية، انبنائها وهي شخصية منبنية وفق أسس متوازنة أيديولوجياً ومعمارياً، لذلك نستطيع أن نقول: إنها الشخصية الأولى التي تؤثر في الذهن وتحتل المساحة الكبرى من الحسبان الروائي على الرغم من استمرار(جميل) حتى نهاية النص وغياب(عدنان) كثيراً عن مسرح الفعل.‏

3- توفيق الخلف؛ (تعبئة المناطق الخلالية)؛ (الشخصية الوظيفية):‏

- ربما يكون النص قد أخفق في صنع هذه الشخصية الحاضرة الفاعلة وعرضها شخصية مبنية جاهزة، متنافرة في مكوناتها الداخلية، متناقضة التكوين، لا تمثل ذاتها تمثيلاً دقيقاً بمعنى أنها تحمل محمولات ليست جزءاً من قوامها وتحمل لبنات نفسية وفكرية ليست جزءاً من تكوينها ويلاحظ أن هناك بعضاً من الإسقاط على هذه الشخصية فإذا نجح النص في بناء جميل فران وبرع في بناء(عدنان طالب) فقد اشتد إخفاقه في محاولة بنيان(توفيق).‏

- (حسين عبد الأمير)؛ (الفعل غير الأصيل) (التبعية):‏

تعد هذه الشخصية نموذجاً ثانياً أي مستوى ثانياً من مستويات الفعل فهي تقوم بأفعال مقلدة لأفعال(عدنان طالب) وهي بهذه الصفة تكتسب التبعية، ويكون الفعل لديها فعلاً خارجياً، بعبارةٍ أدق لا تكون الإرادة الخاصة الدافع إليه وإنما تكون إرادة خارجية، إرادة دافعة إلى تحريك الإرادة غير المبادرة.‏

4- سلافة النفوي(التطور السرطاني) (الانتقالي بين اللافعل والفعل):‏

يُستغرب من النص أن ينقل هذه الشخصية الكامنة من كمونها غير الواضح وغير الموحي بأي نتيجة إلى الفعل المؤثر في مسيرة الحدث الروائي، فسلافة النفوي شخصية غير ذات قوام في البداية جميع قراراتها مستمدة من القدرة الأعلى منها والدها، تحب جميلاً فجأة ثم فجأة أخرى تقرر الهروب معه لتتزوج منه على الرغم من جميع العوائق المهمة في منظور المجتمع الذي يعايشانه، إن انبناء هذه الشخصية مخلخل يعتمد انبناء الطفرة والنمو السرطاني غير المنتظم.‏

5- سلمى الربيضي؛ الشخصية الوظيفية المساعدة:‏

إن الفعل الذي أسند إلى هذه الشخصية لا يعدو كونه وظيفياً ليؤدي أغراضاً تساعد الشخصيات الأخرى على انبنائها وعلى بناء أفعالها، فمن أجل الوصول إلى توحيد(جميل) حبه كان فعل سلمى (إقامة العلاقة الجنسية به) ولكي يقوم عدنان ببعض المواقف الأيديولوجية كانت قريبة من قريباته وتقوم بأفعاله منافية لأيديولوجياه.‏

6- عماد النفوي، (الفعل التقليدي السائد) (الشخصية الجاهزة):‏

إن شخصية عماد النفوي شخصية قياسية بمعنى أنها شخصية غير منبنية وهي مصنوعة مسبقاً لتؤدي أفعالها التي ستقوم الشخصيات الأخرى بالرد عليها. وهي تمثل الدكتاتور التقليدي، الذي يؤمن بسلطة القمع، ويؤمن إلى جانب احتياز السلطة باحتياز الملكية.‏

7- برايان فلنت: ممثل للآخر على المستوى الأيديولوجي، وهو شخصية نادرة في كثير من الروايات العربية ويحرص جبرا على وجود شخصية تمثل المباين الحضاري(الغرب)، هذه الشخصية تقوم بعدة مستويات للفعل ولكن الصفة السائدة على فعلها أنها غير فاعلة في المستوى المباشر للفعل وانما يكون فعلها رصداً لسلوكات وأفعال الشخصيات الأخرى ويكون وجودها وظيفة استدعائية بمعنى أنها صورة لاستدعاء مواقف وسلوكات ورؤى نحو الآخر الذي تمثله هذه الشخصية.‏

8- الخادم عبد:‏

ربما يكون من المستغرب جعل هذه الشخصية بين الشخصيات الفاعلة، لكن قدرة هذه الشخصية على الفعل الرمزي أولاً والواقعي ثانياً أكرهتنا على ذلك فعلى المستوى الأول بقيت الشخصية فاعلة فترة طويلة من الزمن الروائي وكان فعلها رمزياً إذ كانت تشكل رمزاً ثنائياً؛ أول جزء منه أنها رمز للخضوع والخنوع والاسترقاق والاستعباد والجزء الثاني أنها رمز للحاجز الاجتماعي الذي وضع بين جميل وسلافة.‏

وعلى المستوى الثاني الواقعي قامت هذه الشخصية بفعلٍ اجتماعيٍّ نابٍ عن نمطها المفترض(محاولة اغتصاب سلافة).‏

جـ- الشخصيات الفاعلة في(السفينة):‏

1- وديع عساف، مُوَجِّهُ دفّة الفعل:‏

إن الفعل الرئيسي في السفينة هو البحث عن الخلاص، الخلاص الفردي، وقد جاءت جميع الأفعال ارتكاسات متعلقة بحدي هذه المقولة أولاً: الخلاص وثانياً الفردي، وقد أثرت الفردية تأثيراً كبيراً في صنع كثير من الشخصيات.‏

يفترض في شخصية(وديع عساف) التي تنتمي إلى ظرف خاص(ظرف القضية الفلسطينية) أن يكون بحثها الرئيسي عن الخلاص الجماعي وأن يكون اتجاه الفعل معاكساً تماماً للاتجاه الذي توجهت إليه على الرغم من أن النص أسند إليها مهمة التوجيه والقيادة الصورية التي قامت من خلالها بتحويل اتجاه الخلاص للشخصيات الأخرى نحو الوطن وليس نحو(الآخر) كما كانت متوهمة، وهذا الفعل الذي تديره الشخصية نوع من تحويل النظر، فالواجب أن تقوم هي ذاتها بتغيير اتجاه البحث عن الخلاص لديها، لقد قامت هذه الشخصية بمعوضات سلوكية، وجهتها إلى حيث كان يجب أن تتوجه هي.‏

إن انبناء هذه الشخصية يحكمه القانون العام الذي يحكم شخصيات جبرا جميعها، وهو(صنع الشخصية في الذهن خارج العمل) ثم إدراجها في المسيرة الروائية، بمعنى أن الشخصية لا تُصنع داخل النص، إذ لا يقوم النص بصنعها وإنضاج تكونها وإنما هي قدرات ناضجة، لأن النص ليس معنياً وليس همّهُ صنع الشخصيات أو التفرغ لتطويرها وإنما هاجسه الأول الأفكار والأيديولوجيات والمصائر العامة والخاصة للشخصيات دون التركيز على الخط التطوري لانبناء الشخصية، وهذا ليس عيباً فنياً إذا انتبهنا إلى منازع الخطاب.‏

يصور الخطاب مدى قدرة هذه الشخصية على التأثير إلى حد التأثير المطلق فعصام السلمان أحد محاور النص في السفينة يقول: ((لو خطر لوديع أن يقول لي: اقفز في البحر؛ لفعلت)) ص 100، نتساءل عن سبب هذه القدرة على التأثير المطلق، هل اكتسب الفلسطيني تأثيره من مأساته أم أن هناك تحويلاً للأنظار عن المأساة الأصل وخلقَ مُعَوّضاتِ تَرْضيةٍ أو طَمْأنةٍ، أم أن هناك قدرة فعلية كانت في فترة إنتاج النص يتمتع بها الفلسطيني المصدوم مرة أخرى بهزيمة ثانية فحاول اختراق هزيمته، ولكن هذا الاختراق توجه إلى حيث لا يجب الانصراف التام.‏

ونرى أكثر الشخصيات من منظور وديع سواء أكان هو الراوي قائد المصائر أم غيره، وتؤلف الشخصية قاسماً مشتركاً بين جميع الشخصيات التي تستمد قدرتها في الوجود الروائي من قدرات وديع.‏

2- عصام السلمان:‏

يُسند النص إلى هذه الشخصية قيادة مصائر الشخصيات، ونتبين بعد ذلك أن هذه القيادة تنفلت من بين يديه بل يقوم بتسليمها إلى(وديع عساف) وهو كوديع باحث عن خلاصة الفردي، والسمة المهمة التي تميزه الاستلاب فهو مستلب للغرب وخاضع له ومستلب بمعنى الخضوع أيضاً للقيم العشيرية، مغترب عن ذاته، عن وطنه، عن حبه، باحث عن الانسلاخ القومي، لأنه لم يجد ذاته في انتمائه، وإذا دققنا في الفعل الذي قام به نجده ثانوياً ونجد أنه وظيفي قامت شخصيته بل أوجدت شخصيته لنقل أفكار وقيم والاحتجاج عليها. فهو ليس قدرة فاعلة في أيٍّ من الشخصيات سوى شخصية لمى(حبيبته) التي لم يستطع الزواج منها لأسباب اجتماعية تتعلّق بالثأر والقتل، وكان أقصى مدى للفعل لدى هذه الشخصية أنها كانت- دون إرادة منها- سبباً في انتحار(فالح حسيب).‏

3- لمى عبد الغني:‏

امرأة(فارهة) تقوم بوظيفة الأنثى التقليدية، بل تقوم بوظيفة إضافية تعود إلى محاولة إعادة سلطة الأنوثة المفقودة أو إعادة الألوهة المفقودة، بأساليب، ربما تكون متأثرة بالتغيير والتطور المعاصرين، وهذا النزوع داخل الشخصية يندرج أيضاً في إطار البحث عن الخلاص(الفردي) وتعد هذه الشخصية المرأة المحور بين نساء السفينة، على الرغم من أن الكاتب لم يسند إليها قيادة المصائر مباشرة-كما فعل لإميليا فرينزي- غير أن لمى كانت تقود كثيراً من المصائر دون البروز مباشرة أمام عدسة التصوير؛ فقد حددت مصير(عصام) ومصير زوجها فالح، وحاولت أن تؤثر في مصير(وديع) و(فرنندو غوميز) وقد حاول النص تصويرها، شخصية أسطورية، ذات أبعاد فلسفية، وأضفى عليها إيحاءً روحياً خاصاً، وهي متطورة عن مزيج من(سلافة النفوي) وخالتها(سلمى) في(صيادون) فيها الحب والجنس معاً، وهي أنثى موحدة، تشكل طموح النص في تصوير الأنثى.‏

4- فالح حسيب:‏

شخصية مغتربة إلى حد المرض مصيرياً محدد منذ ظهورها في الرواية تتطور الشخصية تطوراً(سرطانياً) بمعنى أنها تسعى نحو صيرورتها بسرعة فائقة، ولا نستطيع الفصل بين تطور هذه الشخصية وبين انتمائها الاجتماعي الطبقي الذي يحدد في روحها رؤى تحكم مسيرتها وفعلها الروائيين. إن الفعل الروائي لهذه الشخصية فعل من الذات إلى الذات، لأنها كانت فاعلة في نفسها فقط؛ لذلك كان فعلها البحث عن الخلاص(خلاصها النسبي الفردي) إنهاء الوجود(الانتحار).‏

5- إميليا فرينزي:‏

اقتصر فعل هذه الشخصية على خدمة النص من حيث إسناد فصل من فصول الرواية إليها، ومثلت أكثر الأحيان متكئاً استند إليه النص لتعمير بنيان بعض الشخصيات الأخرى(كفالح حسيب) و(لمى عبد الغني).‏

6- محمود الراشد:‏

قد تكون هذه الشخصية من أكثر الشخصيات التي خطط جبرا لإظهارها بشكلها الذي عرضت به، شخصية المثقف الذي يكتسب العصاب من واقع مجتمعه السياسي، لكن ما يبدو غير ذلك أن تلك الشخصية غير مُحبّذة لدى منتج النص، فما يُفترض أن يقوم الكاتب بإغناء هذه الشخصية بأكثر من كونها نموذجاً مثقفاً عصابياً اكتسب عصابه بسبب ظروف من ظروف القهر السياسي الذي مُورس ضده في سجنٍ في وطنه.‏

الشخصيات الفاعلة في(البحث عن وليد مسعود):‏

- وليد مسعود القدرة الفاعلة الخارقة: إن رواية(البحث عن وليد مسعود) هي رواية الشخصية، الشخصية الرئيسية، لأن محورها وعمادها الفكري والأيديولوجي، (وليد مسعود) لذلك اعتمدناه هنا شخصية فاعلة حاضرة، على الرغم من أنها فاعلة مستحضرة وقد رأينا أن ذلك يسوغ إدراجها هنا.‏

ربّما يكون مطمح جبرا بَعْدَ كلِّ ما كتبه من الروايات أن يتواصل إلى خلق شخصيةٍ ذات معمار خاص متكامل نفسياً وفكرياً وجسدياً، فكان وليد مسعود تلك الشخصية ولا يعني أن الكاتب بدأ بوليد مسعود(طفرة) من طفرات صناعة الشخصية لديه وإنما كان وليد تتويجاً لعملية بناء الشخصية الرئيسية التي بدأت عجفاء في(صراخ) مع(أمين سماع) وانتعشت بقوة في(صيادون) مع(جميل فران) وأخذت أبعاداً نفسية وروحية أرحب في(السفينة) لتنضج وتتسم بالشمولية والقدرة واختراق كثير من النواميس الاجتماعية والدينية، لكن المحاولة الفاشلة بشكل دائم تكون أمام النواميس السياسية بقطبيها(الوطني) و(المعادي الاستعماري) إذ تبقى هذه النواميس سلطة مطلقة لا يمكن اختراقها، وما يبدو في(وليد مسعود) أن الفلسطيني الذي أراد جبرا خلقه قد انتهى، ولو حاول بعد ذلك في رواية أخرى قادمة الحديث عن شخصية فلسطينية يحاول بها إتمام مشروعه لما استطاع على الرغم من كل قدراته الروائية لأن الشخصية(الفرضية) الجديدة ستكون شخصية خاوية إلا من بعض الخطوط الهيكلية الخارجية المتممة أو من بعض التفصيلات تضيف أو تلغي أو تملأ بعضاً من المناطق الخلالية الفارغة.‏

يقوم(وليد مسعود) بمجموعة من الأفعال تتسم بالشمول المحيط فهو فاعل فكرياً في مسيرة الفعل الفكري العربي، وفاعل حضارياً من خلال الفعل الفكري وفاعل نضالياً على مستوى قضيته، وفاعل اجتماعياً على المستويات جميعها، مستوى التواصل والتبادل الاجتماعي ومستوى القيادة إضافة إلى مستوى الفعل الاجتماعي ذي الأفق النفسي الأرحب(العلاقة بالمرأة).‏

2- (مريم الصفار) الوجه الأنثوي للرجل(وليد مسعود):‏

دأب الخطاب في تصوير تعددية(وليد مسعود) الأنثوية والاجتماعية والثقافية والفكرية، لكن هذا لا يعني أنه المطلق المتعدد في النص، لأن النص يخلق له منافساً لا يقل قدرة عنه وهو(مريم الصفار) القدرة الفاعلة المتعددة التي تقوم بربط مستويات الفعل كلّها معاً وتنجح أكثر من وليد مسعود على الرغم من أن النص حاول إظهارها لنا نموذجاً سيكلوجياً مرضياً وما ذلك إلا لأن النص أراد أن يمنح الشخصية واقعية مسوغة لبعض السلوكات التي تقوم بها، وتعد هذه الشخصية(كوليد مسعود تماماً) تتويجاً تطورياً للأنثى التي بدأت في(صراخ) مع(سمية) وانفصلت في(صيادون) إلى توأمين وتجلت في(السفينة) إرهاصات التتويج وجاءت المكملة(مريم الصفار) لكن مريم الصفار إمكانية متطورة، بمعنى أنها تحتمل الاستمرار مع الكاتب في أعمال قادمة؛ لأنها غير مقيدة بملحقات جغرافية أو سياسية على خلاف وضع(وليد).‏

3- كاظم جواد؛ المنافس الحاضر لوليد مسعود:‏

تشكل هذه الشخصية أكثر الأحيان نقيضاً أيديولوجياً لوليد مسعود ومصيرها الأيديولوجي بل مصيرها الروائي متعلق بهذا التضاد أي أنها صورة وجود مساعدة لانبناء شخصية وليد على الرغم من محاولات منتج النص إعطاءها قواماً بمنحها استقلالها.‏

من السمات التفصيلية التي أعطاها النص إياها التناقض بين المحتوى الفكري الذي يناضل في سبيل الإنسان وبين المستوى التنفيذي الذي يناهضه وهو بذلك يسجّل مقاربة ناجحة لمجتمع المثقف العربي الذي يعاني انفصاماً حاداً في شخصيته بين ما هو ثقافي وما هو سلوكي.‏

4- إبراهيم الحاج نوفل؛ الشخصية الظّهير:‏

إذا كان كاظم شخصية مساندة بالتضّاد؛ فإن إبراهيم الحاج نوفل فاعل بالتضامن مع شخصية وليد ومساعد على انبنائها إيجابياً، وليست العلاقة التي يصوّرها الخطاب بين هاتين الشخصيتين سوى وصفٍ خارجي أي أنه يدلي بمجموعة تصريحات حول الروابط الداخلية، ويبقى إحساسنا بها مغترباً عنها لا ندرك مدى عمقها، وتبدو شخصية(إبراهيم) متمرّدة لكونها تنتمي إلى عصر متمرّد(صورياً) وليس تمردها ناشئاً من فكرٍ أصيل فيها، ولا نغفل علاقة هذه القضية بالانتماء الطبقي(لإبراهيم الحاج نوفل).‏

5- الدكتور جواد حسني: ((قائد المصائر فنياً)):‏

لم تكن شخصية جواد حسني قُدْرَةً فاعلة على مستوى الحدث وإنما هي قدرة تنظيمية مُشْرِفَة على مسيرة الأحداث وعلى تنظيمها ولا نستطيع أن نتوهم لهذه الشخصية قواماً متماسكاً خاصاً لأنها لم تستطع أن تُظهر ذاتَها بمظهر الشخصية الفاعلة على الرغم من حضورها الأكثر كثافة على مستوى المساحة الروائية.‏

6- وصال رؤوف: تَحدَّثنا عن كون هذه الشخصية تطوراً يعتمد الطفرة في انتقاله بين مستويات الفعل، وذلك عندما تحدثنا عن الأحداث فهذه المرأة المكمّل الجنسي(لمريم الصفار) تتحوّل إلى مناضلة بفعل الحب وتتصف هذه الشخصية بالصفات الجنسية(الكَبْشِية) التي رأيناها عند(مريم) وعند(وليد).‏

7- طارق رؤوف:‏

راصد ثان إلى جانب الدكتور جواد لكن شخصيته ربما تكون أكثر الشخصيات إقناعاً بتحولاتها وقدراتها وانبنائها؛ لأنها مبنية وفق أسس مقنعة لنموها ومقنعة لمتلقيها، طبيب نفسي أبسط ما يقال في توصيفه(طبيب يحتاج إلى طبيب).‏

طرائق وصف الشخصيات:‏

تتعدد أنواع التصوير وذلك تابع لمستويات التصوير: فالمستوى الأول الذي قام النص بتعميقه وتبئيره مستوى الوصف الداخلي وجاء هذا التصوير معتمداً المناجاة الداخلية(المونولوج) وسيطر تيار الوعي سيطرة مطلقة على التداعي الحر الذي تتأتى به الشخصية أمام المتلقي بأسلوب الاعترافات وسفح محتويات النفس ورؤاها، كل ذلك من منظور الشخصية ذاتها ومن خلال وعيها للعالم الداخلي والعالم الخارجي الخاص بها وبالشخصيات الأخرى، ولا نستطيع بحال من الأحوال رصد التفصيلات البنائية لوصف الشخصيات البنياني الداخلي نظراً إلى طبيعة بحثنا هذا.‏

والمستوى الثاني: مستوى الرّسم الخارجي فقد قام النص بعرضه في تجليات مختلفة اعتمد بعضها على السرد التقليدي وبعضها الآخر على الحوار، وكان أكثرها سردياً، وإذا قسنا هذه التقنية بالتقنية السابقة وجدنا أنها منحسرة عنها انحساراً كبيراً لا نستطيع أن نقبل من خلاله حتى عملية القياس هذه، وقد جاءت التخطيطات الخارجية للشخصية ذات دلالات سيكلوجية أكثر الأحيان، وقد سادت عند التوجه إلى وصف الأنثى؛ لأن هناك ضرورة وارتباطاً قوياً بين العالم الداخلي للشخصية الواصفة بالشكل الخارجي للأنثى، وربما لأن هناك ارتباطاً بين العالم الداخلي والخارجي للأنوثة(الأنثى) ذاتها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244