|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:37 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الفصل الخامس اللغة الروائية و التصوير الروائي - مهما تكن أهمية العناصر الروائية السابقة التي مثل التصوير فيها الذروة الفنية، فإنّ اللغة تشكّل أهميةً خاصّة على المستوى البنياني للنص؛ فلا نصّ بلا لغة، وتتفاوت اللغة بين الأنواع التعبيرية، أولاً بقدرتها الإيحائية والإخبارية، والتصويرية، وثانياً بانتمائها إما إلى الشعرية وإما إلى النثرية، وتتفاوت كذلك بتفاوت الفضاء التعبيري الذي تتوجه إليه وبتفاوت مستعمليها. أما الفضاء التعبيري الذي تتناوله اللغة فمتعدد الدلالات والتوجهات والمرامي، ندرس فيه لغة الخطاب عامة وعلاقاتها بالدلالات الخطابية تحت عنوان الدراسة الأسلوبية للغة، وندرس وظيفة اللغة التعبيرية والإيحائية والإخبارية والتصويرية تحت عنوانات متعددة منها لغة التصوير الفني، والتصوير التقني ولغة السرد واللغة الشعرية في الرواية، أما ما يتعلق بلغة الاستعمال الروائي فيدرس في ضوء لغة الروائي العامة ولغات الرواة التي يفترض أن تتباين وتختلف عن لغة الروائي. - اللغة الشعرية؛ اللغة الروائية: التقاطع والاشتمال): تسيطر النثرية التامة، بمعنى من المعاني، على لغة الرواية، ونثريتها تنبع من نثرية العالم الذي توازيه؛ فالواقع والتاريخ ليسا منضبطين شعرياً وإنما يمكن ضبطها بلغة النثر على أن هذا لا يعني أبداً أن ليس هناك أي تقاطع بين الواقع والتاريخ وبين الأفق التعبيري الشعري، بل إنهما يخضعان بقوة وتكثيف، للتعبير الشعري، وإنما ما نقصده بالانضباط النثري للواقع والتاريخ يعني الوصول إلى مفردات العالم التفصيلية والواقعية، أما الشعر فيكثف العالم وينقله أكثر الأحيان من كينونته الواقعية إلى صيرورة شعرية غير واقعية فاقدة مكوناتها الفطرية الأصلية. ويقوم النثر بتقصي العالم وتأكيد كينونته، والبحث له عن صيرورة مناسبة تكون مواتية لمنتجة ومناسبة للعالم نفسه، ويحتاج الواقع والتاريخ إلى اللغة النثرية؛ من أجل قدرة الاختزال والانتقال بين الواقع الحادث وبين الواقع المتخيل اللغوي النثري، لكن هذا العالم المنثور في الرواية لا يستغني عن محاورة اللغة الشعرية؛ لأنه عالم كلي يتناول مجموعة آفاق لابد أن يكون منها الأفق الشعري، لذلك نستطيع أن نقول: إن اللغة الشعرية مُشْتَمَلٌ فنيٌ في المساحة الكبرى للغة النثرية الروائية، ويتعلق ذلك بمنتج النصّ أكثر الأحيان، فكونه طامحاً إلى صناعة رواية عظيمة وكونه ذا طبيعة شاعرية في تناول العالم والنظرة إليه، يجعلانه يدقق فيالتناص) الشعري داخل العمل الروائي، ومفهوم اللغة الشعرية نسبي في الرواية؛ ولا يعني ذلك الاقتباس الشعري وحشوه في ثنايا السرد، وإنما يعني نشوء النص الشعري في عضوية النص النثري، بل ولادة النص الشعري ونشوؤه مندغماً في النص النثري، لتحدث بينهما عمليةتخلّق). تزدهر اللغة الشعرية عند جبرا إبراهيم جبرا في روايتيهالسفينة) والبحث عن وليد مسعود) إذ رأينا أن الصفة العامة التي تسيطر على السفينة في جميع عناصرها هيالمطلقيّة) وَصِفَةُ الإطلاق أقربُ إلى الشعرية منها إلى الموضوعية النثرية، إضافة إلى أنَّ الموضوعات الخطابية المنتجة تتناسبُ إبداعياً واللغة الشعرية، كذلك يشكّل طموح الكاتب وإحساسُه بمجموعة من القضايا الأيديولوجية المؤثرة لديه قدرةً تحفز النص اللغوي وترفَعُهُ من النثرية السردية إلى الشعرية العليا؛ ففي السفينة مثلاً تأتيموضوعة) الأرض المحفز البؤري الرّمزي وكذلك يكونُ المكانُ بكلِ مكوناتِهِ الرّمزيّة: الصخر، البحر، الدار، المساجد، الكنائس...)). وما ننتبه إليه أنّه عند كل صوَّةٍ بؤرية من هذه الصُّوى تتبأر اللغة، وتتكثّف وتتجاور عوالمها في لولبية نحو العمق لتصل إلى محور مركزي تتجمّع حوله المحاور التعبيرية الرافدة. إضافة إلى ذلك فإن بعضَ الموضوعات الخطابية كالحبّ والجنس والأنثى، وبعض القضايا الأيديولوجية والفكرية تبعث على توتر اللغة وارتقائها، وفيالبحث عن وليد مسعود)) نجد مثل هذا التوتر والتبئير المركزي لها عند ظهور مجموعة صوَىَ، كاختفاءوليد مسعود) البؤرة الحديثة واستشهاد مروان وليد، وعند بعض المفاصل الخطابية التي رأينا مثيلتها فيالسفينة) كالحبّ والجنس والقضايا الأيديولوجية كالحضارة والفن والمواقف المتباينة منها، ويبدو أن اللغة الشعرية لا تقتصر على المواضع السردية الخطية وإنما تنتشر في جسم الحوار لتشكلمونولوجات) داخلية مرةً، وحوارات فلسفية وروحية وشعرية مرةً أخرى، ويَهَبُها ظهورُها في الحوار قدرة إيحائية أعلى من قدرتها التصويرية التقليدية، وتستخدم اللغة الشعرية تقنياتٍ لغوية متنوعة بلاغياً وإبلاغياً، فعلى المستوى البلاغي نجد البلاغيات التقليدية السائدةالتشبيه، المماثلة)، والاستعارات والمجازات والمحسنات اللفظية الأخرى) إضافة إلى الترميز الروائي الخاص وعلى المستوى الإبلاغي تتنوع الوسائل المستخدمة في سبيلالتوصيل) وأهم ما يمكن أن نشير إليه في هذا المجال استخدام الرصيد الثقافي وتوظيفه بطريقة التناص، وذلك باستخدام اللغة استخداماً ناجحاً في الربط بين الرصيد المستدعى والنص الروائي. لقد أخذت الرواية الحديثة تلجأ إلى هذه اللغة لأنها وحدها التي تستطيع خلق المعادلات الروحية والنفسية والفكرية، ولأنها المسلك التعبيري الأمثل الذي يؤدي وظائفه، بسبب من تعقيد الروح الإبداعي للمبدع المعاصر وتراكم الخبرة الأدبية والإنسانية والأيديولوجية، وتعدد وسائل التعبير، وتعدد المنازع والمآزق على جميع المستويات؛ بل تعدد الأحاسيس بالمآزق وارتقاء التعبير عنها. في رواية جبراالسفينة) والبحث عن وليد مسعود) تتكثف اللغة الشعرية في الروايات وتتراكم إلى درجة أننا إذا قمنا بإحصاء كمها فيالبحث عن وليد مسعود) مثلاً لوجدنا أنها نصف كمية المسرود القصصي، إذ تسيطر أحياناً على فصل كامل من فصول الرواية، كما في فصلوليد مسعود يخترق أمطاراُ تتجدد)) وفصلمريم الصفار تتعلق بصخرة تسكن أعماقها)). إن اقتصار حديثنا على روايتين من روايات الكاتب لا يعني انعدام اللغة الشعرية في الروايات الأخرى، إنما يعني كون هاتين الروايتين تتميزان عن الروايات الأخرى بالكم والنوع الهائلين من اللغة الشعرية ففي صيادون، وصراخ، وعالم بلا خرائط نجد كماً لا يستهان به من هذه اللغة لكنه لا يرقى إلى الكم والنوع اللذين في الروايتين. لغة الرواية؛ لغات الرّواة: في الرّواية التي يسردها راوٍ واحد يتبرأ الروائي من إشكالية اللغة ومن مطالبته بالمواءمة بين تعدد اللغات و تعدد الرواة، فيجهد في سبيل الموازاة بين لغته الخاصة ولغة الراوي وفق قدراته بحسب مشيئته بل مشيئاته اللغوية؛ فإذا كان الراوي منتمياً إلىالنخبة) اختار له لغة موازية لقد رأت هذا الانتماء، وإذا كان من القاعدة الاجتماعية قلص الكاتب من قدرة اللغة، ويحكم عندها على نجاحه بوصوله إلى الموازاة الدقيقة بين طرفي العملية، أما حين يتعدد الرواة فيفترض أن يحاول الكاتب الوصول إلى لغات روائية متعددة بتعدد الرواة، وعندها تبدأ محاوراته بشأن لغاته التي تواضع عليها بينه وبين رواته، لأنه مطالب بخلق لغات مساوية أولاً لعدد الرواة وموازية ثانياً لانتماءاتهم الثقافية؛ وهذا مطلب أسلوبي مشروع؛ لأن الفن الروائي محاولة توازٍ مع الواقع في تعدده الأسلوبي، ولأن تقنيةتعدد الرواة))-وهذا الأهم- تنتفي أهميتها ووظيفتها وينتفي مُسَوِّغُها إذا كانت أسلوبيّة اللغةِ خطيةٌ تسير وفق خطّ الروائي اللغوي نفسه، ويكون من المناسب لروايته أن تعود إلى الراوي الواحد لنسق واقعيتها اللغوية. إذا قمنا بفحص اللغة الروائية في نصوص جبرا نجد أن هناك فئتين من الروايات تصنف بحسب عدد الرواة، فالفئة الأولى فئة الراوي الواحد وهي: صُرَاخ في ليل طويل، صيادون في شارع ضيق، عالم بلا خرائط، الغرف الأخرى)) والفئة الثانية فئة الرواة المتعددين السفينة، البحث عن وليد مسعود)). تكونُ اللغة في الفئة الأولى لغة خطية متسقة مع قدرات الراوي الثقافية والسردية ومعرفته التي يحتويها وتتناول الإنسان والعالم، وإن كان يُداخلها بعض القَطْعِ اللغوي فهو لا يؤثر كثيراً في مسيرة اللغة الروائية، ويبقى التّجانس هو السائد وعندها لا نشير إلى أن اللغة الروائية مباينة لواقع الراوي أو للواقع العام أما ما نجده في الفئة الثانية من خطية لغوية، عل الرغم من تعدد الرواة الذي يفرض تعدّد الأساليب(1) فيجْعَلُنا نطرح التساؤل المهم على لغة الرواية ولغة الرواة: ما الهدف من تعدّد الرواة إذا لم يتعددوا في واقع الرواية اللغوي. لنستنتج بعد ذلك أن التعدد جاء لأداء أغراض غير لغوية، أغراض سردية وحديثة ولأداء وظيفة أيديولوجية وليس لأداء التباين اللغوي ونستنتج أن التباين اللغوي تابع أيديولوجي وليس تابعاً شخصياً للراوي وهو تابع خطابي يتنوع ويتباين بتنوع المواقف وتباينها وبتنوع الدلالات ومدلولاتها، وليس بتنوع الشخصياتالرواة). وما يدهش أننا نجد في السفينة مثلاً فصلاً تسرده الأجنبيةإميليا فرينزي)) بلغة عربية شاعرية أحياناً كثيرة، توازي لغةوديع عساف) الذي يمكن أن نعدّه ممثلجبرا) في السفينة، ولا نجد تبايناً، يُنبّهنا، في الأساليب بين فصولوديع عساف) وفصولعصام السلمان) وفحوى التباين ليست إلا تبايناً حدثيّاً أو سردياً صِرْفاً، والأمر نفسه نجده فيالبحث عن وليد مسعود) لا تتباين اللغات فيما بين الفصول خاصاً اللغة الشاعرة منها ونشير إلى أمرٍ مهمّ فيما يتعلق بفصلمريم الصفار) الذي تسرده بلغة موازية ومسايرة للغات والرواة الآخرين؛ إن المفترض الأسلوبي أن يكون في مسرود المرأة مباينات أسلوبية لما تحمل مسرودات الرجل، كذلك الأمر في الفصل الذي تسردهوصال رؤوف). وربما يكون التسويغ، الوحيد والنسبي، لتوازي الأساليب، في روايتي جبرا اللتين تستخدمان تقنية الفصول، أن جميع الرواة شخصيات متقاربة ثقافياً تنتمي إلى الفئة الثقافية الخاصة التي ندعوها النخبة. الظواهر"السوسيولغويّة"؛ اللغة الاجتماعية): رأينا فيما سبق أن الأدب، بعامة، كائن اجتماعي يتخلق في المجتمع وتكون وظائفه الرئيسية ودلالاته الأهم وظائف ودلالات اجتماعية، وأخص الرّواية؛ لأنها الكائن الأدبي الأكثر التصاقاً بالعناصر الاجتماعية، وهي المنتج الاجتماعيّ اللغويّ الأمثل للتعبير عن المجتمع وتمثيله؛ لذلك لابد من طفوِّ كثيرٍ من الظواهر اللغوية الاجتماعية على سطوح المعالجة الروائية؛ إن أمامنا هنا إشكالية ربما تخص المجتمع العربي وحده، نظراً إلى الظرف اللغوي العربي الذي يعاني ازدوداجية في التعبير بين لغة قومية في قمة نضجها وقدرتها التعبيرية ونظامها الضابط المنضبط وفق أعلى القوانين التي تحكم لغة من اللغات، إلى جانب مجموعة مناللغات) الاجتماعية السائدة، لا يخضع أيٌّ منها إلا إلى حسن فطريّ جماعي مشوّهٍ، مقيَّد ومقيِّد للمجموعة التي تستعملها وهي إنتاج بيئتها الضيقة وإنتاج الظرف الاجتماعي والسياسي والحضاري الخاص بهذه الفئة، وتبقى هذه اللغات منتجاً استهلاكياً يُسوَّق في البيئة التي أنتجته فقط. وتنشأ المفارقة من كون الأدب يستعمل اللغة الأولى، لأنها وحدها التي تستطيع أداء المعادلات النفسية والفكرية والفنية، ويستثنياللغات) القاصرة جدّاً عن قدرات النص الأدبي الإبداعي، ويقوم النصّ أحياناً بالاستعانة بهذه اللغات على شكل"تناصات" سردية، في الحوار بخاصة، لأن لغة الحوار تحتمل أحياناً بعض التدخلات اللغوية الاجتماعيةالعامية)؛ وفي نصوص جبرا التي تنزع منازع التعبير الشعري المحمّل بالدلالات الفكرية والإنسانية العليا تنحسر هذه اللغة لنجد بعضاً من التعبيرات الاجتماعية الخاصة بالمجتمع العراقي؛ وأخص روايةصيادون) التي تعد خطاباً تغلب عليه السِّمة الاجتماعية، وتسيطر على حوارها حيوية لغوية تدحض الادعاءات التي ترى في الحوار الفصيح جفاء للواقع، وهذه الحيوية مكتسبة من قدرات الروائي اللغوية التي سخرها بنجاح للدلالة المناسبة على القضايا الاجتماعية وقد ظهر مثل ذلك فيالسفينة) وفيالبحث عن وليد مسعود) وفيعالم بلا خرائط) مع الانتباه إلى أن العنصر الأساسي في مجتمعات جبرا مجتمع المثقفين لذلك جاءت اللغةاجتماعية ثقافية) بمعنى أن المجتمع الذي أراده جبرا واجتزأه من العناصر المكملة الأخرى هوالمجتمع الثقافي) فقط؛ الذي تَغْلُبُ عليه المعالجةُ الثقافية المتطوّرة نسبياً للقضايا الاجتماعية، دون أن تكون لغةً غامضةً متحذلقةً. الظواهر"السيكولغوية"اللغة النفسية؛ السيكلوجية): تتعدّد المصادر الثقافية لخطاب جبرا، كما رأينا سابقاً، من هذه المصادرعلم النفس، والتحليل النفسي، وعلم النفس العيادي"الكلينيكي") لذلك نَجِدُ حشداً هائلاً من المصطلحاتالسكيلوجية) ومن الرصيد اللغوي الخاص بالتحليل النفسي، إذ تتجلى هذه الظاهرة واضحة فيالبحث عن وليد مسعود) عندما يُسند جبرا إلى شخصية مهمّة من شخصيات الرواية دور الطبيب النفسي الدكتور طارق رؤوف) وعندما يعتمد نص عالم بلا خرائط) على نموذج سيكلوجي الدكتور علاء الدين نجيب) تقوم جميع العناصر النصية على بنيانه، وهذا النموذج السيكلوجي مرضيّ في كثير من المواقف التي يتخذها مرتكساتٍ على وقائع العالم وليس لدينا مجال لعرض المعجم السكيلوجي النصي لأن كمّه وطبيعة البحث لا يسمحان بذلك. لغةُ المقدِّمات والافتتاحيات والخواتيم: 1- المقدّمات: يميّز خطاب جبرا ونصّه أنّه يقوم في كل رواية بوضع نصّ مختار مقتبس من إنتاج مؤلفين آخرين يستخدمها مقدمة تمهيدية مناسبة لموضوع الرواية العام ولمغازيها، لذلك لا نستطيع أن ندرس لغة لا تنتمي إلى النص بنيوياً، أي أنها ليست من إنتاج الروائي. 2- الافتتاحيات: جاءت الافتتاحيات مطلقة اللغة غير سردية، وهي في أكثرها شعرية الإيحاء والدلالة؛ ففيالسفينة) مثلاً نجدعصام السلمان) يبدأ فصله بقوله: البحر جسر الخلاص...)).. وكذلك نجدُوديعاً) يفتتح فصله بقوله: عن كل أملٍ تخلوا أيها الداخلون إلى هنا...)). وفيالبحث عن وليد مسعود)): لو أن للذاكرة إكسيراً...)). وإذا دققنا قليلاً في المكونات الأساسية لهذه اللغة نجد أن البنية السائدة فيها بنية متفاوتة بين الإخبار والإنشاء، لكن المحتوى الشعوري المحمّل في هاتين البنيتين لا يتفاوت بتفاوت النوع البنياني للغة وإنما تتصعّد منه الدلالة الشعوريّة القصوى، وربّما يكون هذا الاندفاق الشعوري في مقدمات الروايات بسبب الشحنة الأولى التي يحملها الكاتب لُغته، ويكون هدفها ثنائياً، أولاً هدفٌ تعبيريٌ وثانياً هدفٌ إيصالي؛ فالتعبير يتوخى بل يقتضي من المنتج اندفاقاً لغوياً يتجلى في لغة حارّة متلاحقة مطلقية الدلالة متفجرة الشعور والإحساس ولا ضير في البنية المستخدمة عندئذٍ، ويتوخى الإيصال البحث في اللغة عن معادلات شعورية فيحمل اللغة قدراته التعبيرية، ويختار دائماً الافتتاحيات كي تكون هكذا لأنها نقطةُ انفتاحِ النص على القارئ، فإذا نجح في هذا الانفتاح نجح في الولوج إلى عالم المتلقي، وإذا لم ينجح، فربما بقيت العلاقة بين العمل والمتلقي اغترابية على الرغم من إنجاز القراءة؛ لهذا يعوّل كثيرٌ من الكتاب على الافتتاحيات وهذا ما اهتم به جبرا اهتماماً عظيماً، إضافة إلى ذلك يحاول جبرا أن يقترب من اللغة الشعرية، والافتتاحية في الرواية هي كبَيْتالقصيد) بل هي اللحظة الشعورية العليا في الشعر، وهي تلخيص شعري أو اختزال شعوري لكل اللغة اللاحقة التي تكمن في ذات الكاتب ثم يفرّغها في تتمة النصّ نجد الافتتاحية وربما تكونُ أحياناً تلخيصاً يُحَوِّم حول المغزى العام. في السفينة يستعملُ النصّ التعبيرالبَحْرُ جِسْرُ الخَلاصِ)) وهو تركيب إخباري عامٌّ يؤدّي دلالة الأفق التعبيري الخطابي الذي ينزع إليه خطاب السفينة؛ البحث عن الخلاص)، ويأتي البناء التعبيري بناء بسيطاً مكوناً من عنصرين نحويين رئيسيينالمسند والمسند إليه) المبتدأ أو الخبر، لكن المسند دال غير كاف؛ فأضيف إلى الهدف التعبيريالخلاص) وتؤدي جميع الافتتاحيات الأخرى الغرض التعبيري ذاته. 3- الخواتيم: كما يجهد الخطاب في ترك الخواتيم الروائية مفتوحة سردياً دون إنهاءٍ لانفتاح النص، فإنه يَجْهد أيضاً في ملاءمة اللغة لهذا الانفتاح الدائم، فتأتي اللغة أحياناً سردية مرسلة تناسب إرسال الانفتاح وتأتي أحياناً أخرى لغة منضبطة بقانونٍ ما، يناسب الانفتاح أيضاً كقانون الاستفهام الذي يبقى مفتوحاً على إجابة لن تكون أو قانون التعجب الذي يرسل إيحاءات اللغة إلى لا تعيين. إن التواؤم بين لغة المقدمات ولغة الخواتيم الذي يخلقه جبرا، يشير إلى القدرة التي يمتلكها في سبيل ضبط المَدْخل الرّوائي، وهذا ما يؤدي إلى ضبط المَخْرج وربّما يكونُ النجاحُ في ضبط المَداخل مُوصِلاً حتمياً إلى النجاح في الخروج من العملالنص) دون إشكالٍ يتركه في وعي المتلقي. دراسات ألسنية؛ اقتراحات وتصورات): إن البحث اللساني الذي يتناولُ النصَّ الأدبي بحث مستقل يقوم على البحث في البنية اللغوية السائدة في النص، البنية التي تتكون من بنى لغوية متعدّدة، ويدرس البحث وظائف تلك البنى وهيكليتها التي تحدد ماهيّة الأساليب وتكويناتها، ولأن ظواهر النصّ متعددة تعدداً هائلاً، ولأنها تحتاج إلى إحصاءات هائلة للوصول إلى نتائج دقيقة منضبطة ضمن قواعد وقوانين لغوية مُسْتنتجة، تُظهر النظام اللغوي للنصّ، وهذا العمل يحتاج إلى بحثٍ مستقل؛ فإذا أردنا دراسة ظاهرة المتكلم في النص ووظائفها وبنية الكلام الذي يستعمل هذه التقنية احتجنا إلى دراسات إحصائية تفوق حجم النص بحثنا هذا؛ فكيف يكون الأمر إذا درسنا مجموعة الظواهر الأخرى التي نعرض منها على سبيل المثال: 1- ظاهرة التنوين ووظيفتها اللغوية والنفسية. 2- ظاهرة المخاطب: لغة الحوار. 3- ظاهرة الاستئناف؛ دلالات سيكلوجية لغوية. 4-ظاهرات الفعل، الماضي، المضارع، المستقبل. 5- ظاهرة الاستدراك. 6- ظاهرة الحذف، والاختصار، والابتداع. 7- البنى البلاغية للغةالانحياز، المجاز...). 8- قدرات اللغة الموسيقية"المقاطع التلاويّة" إيقاعات اللغة. (1) إن فحص الأساليب في الرواية يحتاج إلى كمية هائلة من الإحصاءات ليبين إذا كان هناك تباين دقيق في أساليب الرواة لكن هذا الأمر لا يمكن أن يتحقق لحبث شامل تتعدد فيه العناصر البحثية، وما تقوله هنا بعض من التأمل في اللغة وانطباعات غير أولية في أنواع التراكيب والجمل والروح اللغوي وأساليب النظم والتأليف. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |