مُضمرات النصِّ والخطاب في عالم جبرا إبراهيم جبرا الروائي - سليمان حسين

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

التصوير الروائي

مقدمة:‏

دأبت جميع الدراسات التي تناولت البناء الفني للرواية العربية في دراسة العناصر التقليدية المكونة لبنية الرواية من سرد وحوار وشخصيات ولغة، وزمان ومكان، إذ بحثت في كل ذلك بطريقة سريعة انطباعية لا تستقري البنيان النصي بكل مكوناته وتفصيلاته التي ينبني عليها وبها وتشكل صوى ومفاصل وهياكل تمنحه قوامه، ولم يتوجه أي منها، إلا فيما ندر، إلى دراسة التقنية الرئيسية التي استخدمت في صناعة النص، فحين تقوم بعض الدراسات ببحث السرد مثلاً تركّز على لغته وخصائصها ونوع السرد وافتتاحيته وخاتمته. لكنها تغفل العملية الرئيسية في صنع السرد وهي التصوير الذي يعد في حقل الدراسة الفنية أعلى قدرة ومرتبة، لأنّ السّرد تقنية مشتركة بين العملية الإبداعية بمفهومها الفني وبين العمليات السردية الأخرى غير الفنيّة أمّا التصوير فمقتصر على إنشاء العمل الفني ومن هنا تأتي أهميته التي تساعد في خلق أدبية النص، ويتفاوت هذا الخلق في قيمته الفنية. فالمستوى الأول الأقل عمقاً في التصوير التقني الذي يحدّ الامتدادت الفنيّة ويقرر الشكل الكلي التقني للنص وهو الطريقة والأسلوب اللذان يقدّم بهما النص ذاته التي يريد الوصول بها إلى المتلقي.‏

والمستوى الثاني الأعمق التصوير الفني الذي يرمي إلى أبعد من الصنع والتكوين ويهدف إلى الخلق الفني المبدع وتستخدم فيه البلاغيات والعناصر الفنية العالية كالمجاز والرَّمز، والإبلاغيات التصويرية كاستدعاءٍ الرصيد الثقافي أو ما يمكن أن ندعوهبالتناصّ) كالتناصّ الأسطوري والتناص التاريخي والتناص الشعري.‏

التصوير التقني:‏

1- أنواع التصوير:‏

التصوير الثابت: الفوتوغرافيّ:‏

يستخدم النصّ هذا التصوير مقدمة تصويريّة للانتقال إلى تصوير متحرك إيحائي، وذلك عندما يريد خلق تأثير نفسي بالجزء الإيحائي: حيث استلقت سمية فتانة في شبه عُريها، ونهداها سافران في تلك اللمعة الذهبيّة والموسيقى تنطلقُ كسيلٍ من خيالاتِ العشّاقِ، فأقول إن فيها الأوزّات البيضاء تحلّق والزوارق الوسنانه تعومُ، فتقولُ: أنْ لا، تلك أشباحٌ تقلِعُ عبرَ البحار لترسو عند شطآن من الرّقص أو لعلها شياطين تنفثها دوامات الجحيم، وكانَ في الموسيقى هَجْعَة الرّيف أيام الصيف عندما تسكن الطبيعة كلّها ما خلا الجنادب والذباب)) صراخ ص 30.‏

ويبدو من خلال الاستقراءِ أنّ هذا النوع من التصوير يتكرر عندما يكون الموصوف المصور الأنثى في وضع خاصّ: وهي غارقة في الكرسي الكبير ونهداها ككرتين من عاجٍ وتنورتها حاسرة ملمومة حول خصرها وفخذاها يستقبلان حرارة النار اللاهبة على مَهَل في الموقد)) البحث عن وليد مسعود ص26.‏

ويأتي أيضاً في وصف المكان الثابت وفي وصف الطبيعة والأشياء وهو موجود بنسبةٍ ضئيلةٍ في الرّواية وبخاصّة في السرد التقليدي، والنّوع المسيطر على التصوير الثابت هو الصورة اللوحة التي يرسمها الكاتب بلغةٍ سرديّة وصفيّة كأنه ينشئ لوحة، تحقق أغراضه الفنية والفكريّة والنفسيّة ويأتي هذا التصوير في الدرجة الثانية بعد التصوير المتحرّك، والبون شاسِعٌ بين عدد الصور الحركية التي لا تخلو منها صَفْحة في النصّ سواء في السرد وفي الحوار، بينما لا تمر الصورة الثانية إلا نادراً. وربما يكونُ الغرضُ من وراءِ تثبيت الصورة في بعض الأحيان وبخاصّةٍ صورة المرأة من أجل التمعّن بمكوناتها والتلذذ بتفحصها وتثبيتها من أجل السيطرة البصرية عليها والتدقيق في أجزائها لأنّ الحركة تغيب جزءاً كبيراً من التفصيلات وتلغي كثيراً من أجزاء الصورة.‏

التصوير المتحرك: يبدو أنّ النّصّ الرّوائي لجبرا إبراهيم جبرا يحاول بوعيٍ من منتجه أوبلا وعي أن يوائم بين البنية النصية والمرامي الخطابية، وهذا يستدعي اهتماماً نصيّاً بالحركة، لأن مفهوم العالم عند الكاتب متحرك، ومعنى الثبات لديه يوازي معنى الاندثار كما رأينا سابقاً في كثير من المواضع الخطابية.‏

لا يمكنُ بحالٍ من الأحوال إدراج الصُّوَر المتحرّكة جميعها في البحث، لأنّ ذلك يعني أن يُدرج ثلثي صفحات الرّوايات مع أن استقصاء هذه الصور لأهميتها الفنية ضروري، وهو وحدَه يؤلّف بحثاً مهمّاً في بنية الصّورة في نصّ جبرا إبراهيم جبرا الروائي، لأن الدّراسة البنائية للصّورة وحدَها التي تؤدي إلى استيضاحها واستيضاح مرامها ورموزها المحمولة فيها من نفسية وروحية وإيحائية تخيلية.‏

ويبدو أيضاً أن الفعل الروائي متلاحقٌ في خلق الحركة وتتفاوت الصور المتحركة بين روايةٍ وأخرى، والتفاوت ليس في التحرك أو الثبات، وإنما في عنفِ الحركة وسرعتها وبطئها وهدوئها ففي صراخ تكون الحكّة بطيئة وإيقاعها ثابت منضبط بسرعة تكاد تكون نظامية بالمفهوم الرياضي للكلمة، تتسارع في بعض الأحيان التي تستدعي شحنة بحركة إضافية، وكذلك الوضع في صيادون على الرغم من أن كثيراً من الأحداث ومن أن الإيقاع الروائي يحتاج إلى تسريع في كثير من المواضع لكن هذا لا يعني انعدام الإيقاع التصويري السريع أو المتسارع إذ نجده في مواضع متعددة وتتسارع الحركة الداخلية للتصوير ويبلغ ذروته القصوى في السفينة التي تتفاوت أيضاً سرعة الحركة بين فصولها وتكون في أقواها في الفصول التي يرويهاوديع عساف) الفلسطيني لأن ذلك يؤدي أغراضاً نفسية خاصة، يوكلها الكاتب إلى الشخصية، ويستمر الخط البياني في ذروته التصويرية وتتعدد ذراه في البحث عن وليد مسعود وأشد ما تكون سرعتها في الفصول الثلاثة التالية: 1- وليد مسعود يخترق أمطاراً تتجدد، وتفسير ذلك واضح إذ يمكن أن نعدوليداً) كما أسلفنا ممثلاً جيداً لجبرا في الخطاب إضافة إلى المميزات الثقافية والشخصية الذاتية التي جعلت للشخصية، لذلك لابد من تميز تصويري في الفصل الذي ترويه يوازي التميز الذاتي.‏

2- في فصل مريم الصفار تتعلق بصخرة تسكن أعماقها) ترتفع هنا أيضاً القدرة التصويرية وتؤلف ذروة رمزية ربما تكون قدراتها الإيحائية أعلى بنسبة جيدة من القدرات الإيحائية للرموز التصويرية في فصل وليد مسعود الذي أشرنا إليه سابقاً، ويُفَسَّرُ ذلك في ضوء القدرات الذاتية التي منحت للشخصية أيضاً، ويضاف إلى ذلك أن الشخصيةمريم الصفار) تستمد قدراتٍ إضافية تضافُ إلى قدراتها الخاصة. من علاقتها بوليد ويلاحظُ ذلك عندما تتوتر اللغة التصويرية وتتسارع وترتفع قدراتها الإيحائية في اللحظات التي يكون موضوع التصوير فيها متعلقاً بوليد بشكل مباشر أو غير مباشر وما يؤكد ذلك الارتقاء التصويري في:‏

3- فصل إبراهيم الحاج نوفل ينبش الأعماق حتى الفجر) ويبين سياق الرؤية-من خلال التصريح- العلاقة الأقوى بينإبراهيم ووليد) إضافة إلى العلاقة القوية بين ارتقاء التصوير والحديث عن وليد مسعود.‏

أنواع الصورة:‏

1- الصورة اللقطة: صورة سريعة وظيفية مشتركة بين التصوير الثابت والتصوير المتحرك تأتي في التصوير الثابت على شكل لوحة مرسومة باللغة وصفياً، وهي صورة منقولة عبر تقنية السرد التقليدي غالباً. وتأتي في التصوير المتحرك لقطة سينمائية متحركة مبثوثة عبر التقنية ذاتها التي يبث بها النص اللوحة الثابتة، وتكون وظيفة هذه الصورة أداء دلالات نفسية وجمالية، وقد تأتي الصورة اللوحة بعض الأحيان موحية بالحركة بالإيهام الداخلي نفسياً: لكن الفتيات كنّ أشدَّ غموضاً من كلّ ما عداهن، خاصة منهن أولئك اللواتي يرتدين السواد من الرأس إلى القدم، ويمشين كنساء الأحلام، ويخبئن في ثناياهن عالماً من الأسرار التي لا تباح)) صيادون ص32 .‏

2- الصورة الومضة: صورة سريعة جداً أشد تكثيفاً للتصوير وهي أكثر الأحيان صوة إخبارية تختزل الحدث بجملة أو تركيب لغوي سريع بسيط: كنا نجابه كل يوم رسل الموت.... كان القرويون العرب يُذبحون في الظلام الغادر على أيدي رجال لم يروهم من قبل)) صيادون ص18 .‏

تسود هذه الصورة في مساحة النص وتأتي تمهيداً تصويرياً إمّا للصّورة اللقطة وإمّا للصورة المشهد، أو عنصراً تكوينياً في إحدى الصورتين.‏

3- الصورة المشهد: المدى الأقصى الذي يمتدُّ إليه التصوير في النص ينقطع عنده ليعود إلى ابتداءٍ تصويريّ جديدٍ ندعوه الصورة المشهد، وقد يأتي المشهد تجميعياً صوريّاً لمجموعةٍ من المشاهد القصيرة نسبياً أو يأتي مشهداً مستقلاً مقصوداً إليه بذاته ويرتبط المشهد التصويري حتماً بالمشهد الزمنيّ والمشهد الحدثي، ولا ينفصل عنهما أبداً إلا في المشاهد التصويرية النفسية يكون منفصلاً عن الزمن الخطيّ الواقعي وعن الحدث الإجرائي المباشر، ولكنه مرتبط بالزمن النفسي والحدث المتعلق به.‏

ويأتي المشهد مسروداً بشكل تقليدي مباشر، أو بشكلمونولوجي) بالتداعي النفسي وبتيار الوعي، وبالاندفاق اللغوي التراكمي أو التصاعدي وفق طبقات تصويرية منظمة بنظام خاص، وفي ما يتعلق بحدة الارتقاء الوصفي في الامتداد أو العمق أو الإيحاء نجد أن السارد ذو أثر كبير. فالشخصية تحدد امتداد المشهد التصويري بحسب أهميتها وتأتي أهمية المشهد من أهمية الشخصية.‏

التصوير الفني:‏

- قد يبدوالنثر) للوهلة الأولى وللذين يميزون بنمطية ما بين النثر والشعر، غير قادرٍ على اسيتعاء تقنياتٍ فنية هي من مستلزمات الفن الشعري، لأن التصور السائد أن الشعر هو فن التقنية البلاغية والأسلوبية الإبلاغية العالية في استخدام المجاز والرمز والأسطورة والعناصر التي تمنح الأدب الفني أدبيته وفنيته، لذلك فقد ظهر في الأدب العربي ما سميبالنثر الفني) دالاً على النثر الذي يجنح نحو الاقتراب من فنية الشعر وتقنياته النصية والنفسية وهذا دليل على تصنيف نثري بعامة بعيداً عن الفن، لكن الرّدّ الطبيعي على هذا المصطلحالنثر الفني) جاء لدى الحداثيين بمصطلح أو بعبارة أدق باصطلاحالقصيدة النثرية أو قصيدة النثر..) وهو محاولة لتقريب طرفي الشرخ الفني بين النثر والشعر ونحن هنا في هذه المقدمة لا نريد أن نناقش القيم أو المواقف الأيديولوجية من قضية النثر وقصيدته والمواقف المباينة، وإنما نعرض ذلك للولوج في استيعاء مسألة التصوير في الفن المصنف نثرياًالفن الروائي) في المرحلة الحداثية الثانية، إن جاز لنا أن نقسم الحداثة إلى أولى وثانية، وصلت الرواية في انبنائها النصي إلى مستوى متطور، فلم تعد ذلك التصوير الحكائي المجرد من التصوير الفني مهما يكن منزعها واقعياً لأنها تبحث إضافة إلى السرد الحكائي الصرف عن وسائل إيصالية إبلاغية أكثر عمقاً وأشد تأثيراً هي الوسائلالبلاغية) التي غدت في كثير من الأحيان هدفاً لذاتها ويمتد إليها النص في سبيل خلق جمالية نصية متميزة، وبعدد ما تحشد من قدرات فنية تصويرية تصنف على سلم الارتقاء الأدبي، لذلك نجد كثيراً من النصوص الروائية تجعل هدفها الأسمى البحث عن مقاربات نصية شعرية، وهذا دأب الرواية الحديثة العظيمةفالرواية، حتى في عصر النثر، هي على أفضلها وعاء جديد لطاقة شعرية قديمة))(1) ولأن الفن الروائي فن من فنون الكلمةوالشعر سمة الأصالة في كل فن يعتمد الكلمة وإذا كانت الفنون كلها تطمح إلى الحالة الموسيقيةكما قال ولتريائر) فهي إنما تفعل ذلك عن طريق الشحنة الشعرية الكامنة فيها، والتي تحمل في تضاعيفها الكثير من سر الموسيقى، أعزل الشعر عنها، تسقطها جميعاً، وتصبح شيئاً غير الإبداع ولعل واجب الروائي المبدع، في النهاية، هو أن يكون قد حول الحياة، بزخمها وبؤسسها وروعتها، إلى ما يشبه القصيدة))(2) .‏

إن شرط الإبداع اعتماداً على هذا الكلام هو شعرية الرواية وبذلك تبدو العلاقة جلية بين ما هو شعري وما هو روائي بل في التأكيد على ما هو شعري في ما هو روائي.‏

الصورة الشعرية، الصورة الروائية:‏

إن الكلام السابق لا يلغي التباين الواضح بين التصوير الشعري والتصوير الروائي واستخدامنا للمصطلحالشعر) يأتي في عموم الدلالة وما يهمنا هنا هو أن نقارن بين الصورة الشعرية والصورة الروائية بعد أن قرنّا بين الشعر والرواية:‏

1- تتصف الصورة الشعرية بالكثافة التصويرية والاختزال الواقعي الذي يخل بالمستوى الحقيقي للواقع ويشوهه ويحور مكوناته وينقلها من واقعيتها إلى واقع مصنوعخيالي) يوائم بين المكونات غير المتجانسة ظاهرياً ويكتشف التجانسات الكامنة الباطنة بين أجزاء العالم ويوفق بين التناقضات في خلق صورة شعرية لها وظائفها النفسية والجمالية والدلالية الفكرية والاجتماعية، أما الصورة الروائية فتتوجه نحو الواقع وتجهد في سبيل المحافظة على مكوناته، لأن منزعها الأيديولوجي في النهاية هو الذي يحكمها بينما في الصورة الشعرية يظل الشعر بمنأى عن القيود الواقعية المفروضة على الروائي وينجح الروائي في كثير من الأحيان في الخروج من القيود الواقعية ويقارب النص الشعري إما بالتناص الخارجي إذ يقوم باستدعاء الرصيد الثقافي من أسطوري وتاريخي وشعبي وإما بالارتقاء إلى المستوى البلاغيالرمزي، المجازي).‏

2- الصورة الشعرية ذاتيةٌ محضٌ، سواء أكانت تتوجه إلى التعبير عن الآخر أم عن الذات وتصعد فيها القدرة الشعرية إلى أقصى مدى ممكن دون انضباط خارج الشاعر، باستثناء الانضباطات التي يفرضها نظام اللغةالشعرية) والمنطق الشعري العام، وتكون الصورة الروائية بل لابد لها من أن تكون معبرة موضوعياً وذاتياً، أولاً لابد لها من ألا تخرج عن طبيعتها الموضوعية لكونها منتمية إلى عالم فني أدبيالرواية) ينزع إلىالموضوعية النسبية) ونقول نسبية لأن للفن الروائي موضوعيته الخاصة التي تصبح دلالة مستقلة على عالمه، وثانياً لابد لها من التعبير الذاتي، لأنها منتج أدبي في مستوى أول ومنتج سمته الرئيسية أنه مسرود من راوٍ يلوّن النصّ التصويري بألوان الطيف النفسي الداخلي، فهو يصوغ العالم وفق قدراته النفسية والفكرية ويصوغه في داخله بناء على وعيه الخاص ثم يبثه في مسرودات وصفية أو تصويرية فنية.‏

3- تكون الصورة الشعرية مستقلة بتكوينها الخاص وليس انتماؤها إلى النص سوى ارتباطٍعضوي) بمعنى أنها تتكون بشروطها اللغوية والنفسية والفكرية والرمزية مستقلة ثم تنتمي على عضوية النص العامة ويكون الارتباط بتمفصلات شعرية مشتركة بين اجتماع الصور المكونة للنص وهي في عالم صوري متجانس بشعريته وتكون الصورة الروائية شعرية بمكوناتها المستقلة ولكنها تبحث عن انتمائها العضوي إلى عالم نصي متجانس، أو يجانسها على الأقل، فلا تجد، فتحافظ على استقلالها الشعري وتنتمي إلى النص من مدخل آخر هو المدخل الوظيفي وتكون عند ذلكمساحات زينة) في رقعة السرد الحكائي الأفقي التقليدي.‏

أنواع الصورة الفنية في الرواية:‏

تتباين أنواع الصورة الفنية بحسب عناصرها المكونة أولاً وبحسب المقاييس الفنية المتبعة في التصنيف ولابد من حدوث بعض التداخلات بين المستوياتالصورية)؛ إذ لا يمكن الوصول في هذا الحقل إلى تصنيف دقيق بالمعنى الفني لأنواع الصورة؛ لأن المنزع التصويري للرواية لا يخضع عند الإنتاج لنظام ضابط خاص وإنما تعمل القدراتالنفسية واللغوية والثقافية المتداخلة والمتراكمة) لمنتج النص بخلق معادلات نفسية موازية للمعادلات النفسيةغير المنظمة) لمنتج النص نفسه.‏

وفق مقياس أولالمركب، البسيط)‏

أولاً- الصورة البسيطة:‏

تقوم هذه الصورة على مقياس يحدّ مفهومها ويتناول تكوينها الداخلي؛ إذ تتكون من عناصر أولية، ويكوِّن قوامها طرفان أحدهما العنصر المراد تصويره، والثاني العنصر المتخذ صُوَّة للوصول إلى الصورة وتكون المشابك الوسائل الموطئة لتداخل مستويي التصوير وتستخدم هذه الصورة بعض التقنيات الفنية البلاغية كالتشبيه مثلاً وهو السائد في رواية جبرا، وكالاستعارة والمجازات والرموز، وتكون الأغراض الخطابية من وراء هذه الاستعمالات النصية أكثر الأحيان دلالات تعبيرية نفسية منزعها ليس الإيصال المعرفي أو الإخباري وإنما تنزع إلى حالات تعبيرية شعرية هدفها الإيصال النفسي إلى جانب الإفراغ الداخلي الأولي.‏

ثانياً- الصورة المركبة:‏

عندما تنمو النوازع النفسية والتعبيرية لدى الكاتب وتتصاعد الحالة الشعرية والشعورية يحتاج إلى إنتاج معادلات فنية موازية قادرة على الأداء، ويميز هذه الصورة عن الصورة السابقةالبسيطة) شرط الاحتواء؛ بمعنى أن الأولى محتواة في الثانية في مستويات نظامية مختلفة أهمها:‏

أ- الصورة المتراكبة: التي يحدث فيما بينها تَوَكُؤٌ تمفصلي فيكون اشتراك بين أجزاء صورتين بسيطتين أو أكثر وتترابط أجزاء الصورة الكبرى فيما بينها بمشابك هي جزء من أجزاء الصورة البسيطة وفق الترسيمة التالية:‏

صورة بسيطة: عنصر أول+ عنصر ثاني+ مشبك ظاهر أو متوهَّم مقدّر)+ صورة جديدة مكونة منالعنصر الثاني في الصورة السابقة+ عنصر جديد رتبته الثاني نسبة إلى الصورة الجديدة والثالث نسبة إلى كلية الصورة) أو يكون العنصر الأول في الصورة الأولى هو الجزء المكوّن للصّورة الثانية وهكذا تتكون مجموعة من التراكباتالصُّوريّة) لا تنتهي إلا بانتهاء الشحنتين الذهنية والنفسية للكاتب، ويمكن أن نشرح الترسيمة السابقة بمعادلات ترميزية رياضياً لتوضيحها أكثر والتخلص بالرموز الرياضية من كثافة اللغة الوصفية:‏

ص1= الصورة الأولى/ ص2= الصورة الثانية/ ص ن= الصورة النهائية/ ع1= العنصر الأول/ ع2= العنصر الثاني/ ع3= العنصر الثالث/ ع ن= العنصر النهائي المتعدد).‏

وتكون المعادلة كما يلي:‏

ص1[ع1+ ع2] + ص2[ع2+ ع3] + .... ص ن [ع3+ ع ن].‏

وهكذا تتكوّن الصورة المتراكبة من عناصر متسلسلة ذات نظام واضح ومنضبط وهي صورة متطورة فنياً تكشف عن قدرات إبداعية فائقة لأنها استطاعت أن تخلق نظاماً تصاعدياً له قانونه الفني الذي يحكمه.‏

ب- الصورة المتراكمة:‏

بعبارة مختصرة نقول إن الصورة المتراكبة إذا فقدت نظامها المميز وانفصلت مكوِّناتها المترابطة على التسلسل بعضها عن بعض فإنها تتحول إلى صورة متراكمة ونستنتج أن معنى التراكم هو التعددالصوري) دون نظام ويكون أقصى انتظام لأجزاء الصورة استخدام تقنيات لغوية وصلية كالعطف والموصولات الاسمية، والنعوت، والأخبار.‏

نموذج مقترح لدراسة الصورة‏

- الصورة البسيطة:‏

تقوم هذه الصّورة على مقياسٍ يحدّد مفهومها ويتناول تكوينها الداخلي، إذ تتكونُ من عناصر أولية، ويكوِّن قوامها طرفان؛ أحدهما العنصر المراد تصويره، والثاني العنصر المتخذ صُوَّةً للوصول إلى الصورة، وقد تكون هناك وسيلة موطئة لتداخل مستويي الصورة: البحر جسر الخلاص)) السفينة ص5.‏

تستخدم الصورة البسيطة بعض التقنيات الفنية البلاغية كالتشبيه الذي يتنوع ليؤدي أكثر الأحيان غرضاً نفسياً، وكالاستعارة والترميز والمجاز.‏

- التصوير بالتشبيه، أنواع المشابك التشبيهية):‏

1- التصوير بالمشبكالكاف): يستخدم النص هذه الوسيلة لأداء إيحاءات غرضية غرضها نفسي، أو لخلق خيالات تصويرية تمنح التصور فضاء أكثر اتساعاً وقد يكون التشبيه مقلوباً أحياناً: لأن زهوراً كعيون الأطفال قد نبتت بين الحجارة نفسها كأنها منثورة على ثوب الله)) السفينة ص18 .‏

إذا ما فحصنا مكونات هذه الصورة وجدنا أنها تتركب من مستويين:‏

الشيء المراد تصويره الشيء المتخذ صوّة‏

وصف صوري مساعد‏

الزهور = عيون الأطفال نبتت بين الحجارة)‏

الزهور نبتت بين الحجارة)‏

وصف مستنتج‏

الدلالة نفسيةسيكلوجية)‏

- المستلزمات غير الموجودة في لغة الصورة: المفقودات الفنية اللغوية):‏

- عيون الأطفال= النجوم‏

- ثوب الله= السماء‏

- المفقودات الدلالية الواقعية: عيون الأطفال نبتت بين الصخور= الارتباط الروحي بين الأطفالدلالة المستقبل) والحجارةدلالة الأرض).‏

2- التصوير بالمشبكأشبه)‏

التقدم أشبه بتقدم الحالة المرضية)) السفينة 19 .‏

إن القدرة الفنية للمشبكأشبه) أقل من المحمول الدلالي في المشبكالكاف) لأن الكاف تحمل معنى المساواة أكثر منأشبه) بينما نجد قدراً بسيطاً من التماثل والتشابه في المشبكأشبه)...‏

وهكذا تمكن دراسة الصورة وفق نظرة إلى عمق البنيان الداخلي لها، وإذا لم تدرس الصورة في هذا العمق تظل مقاربات سطحية لا تتوصل إلى الدلالة الحقيقية للصورة.‏

الخاتمة:‏

يعد ظهور الفن الروائي في الأدب العربي تحولاً أدبياً استدعته مجموعة من التحولات الأيديولوجية، بل يمكن أن نشير إلى أن ظهور الرواية في الأدب العربي ذاته تحول أيديولوجي في التوجه الأدبي والثقافي، وذلك اعتماداً على العلاقة التكوينية بين الروايةفناً أدبياً وظيفياً) والأيديولوجيامحمولاً خطابياً موجَّهاً وموجِّهاً) وإذا كانت الرواية في الغرب قد رافقت ظهو الأيديولوجيا الجديدةالبورجوازية) أو كانت إنتاجاً طبيعياً وتعبيرياً عن هذه الأيديولوجيا الجديدةالبورجوازية)؛ فقد جاءت في الأدب العربيإشكالية) متعددة الجوانب؛ أولاً من حيث علاقاتها بالجنس الأدبي العربي السائد وذلك في جميع مستوياته اللغوية والفنية: البلاغية والإبلاغية، وثانياً من حيث الموقف الأيديولوجي من هذا الأفق الجديد الذي لم ينتم بسهولة إلى الحقول الأدبية، إذا مازالت هناك تساؤلات كثيرة حول مشروعية انتمائه الأدبي، والبحث في العناصر التي تمنحه أدبيته. إضافةً إلى ذلك، فإن الموقف يزداد إشكالاً إذا نظرنا إلى طبيعة العلاقة بين الأفق الأيديولوجيالغرب البورجوازي) الذي أنتج الأفق الأدبيالرواية) وبين الأفق الأيديولوجي المستورِدالأدب العربي) المُفْتَرض المُعادي أو المُباين، فمن المعروف أن المواقف الموجّهة نحو الغرب متباينة ومتفاوتة الوعي، وهي موزعة بين العَداء والمُصادمة والبحث عن إلغاء السيطرة، وبين الاستلاب والاستسلام، وربّما يكون منشأ هذا التباين أن الغرب لا يقدّم نفسه في تمظهر واحد؛ وإنما في مستويات متعددة متناقضة، وتكون الارتكاسات عندئذٍ بحسب الوعي الذي يقوم بقيادة الفعل الرّادّ.‏

إن تناولنا إشكالية الرواية العربية في مستوى العلاقة بين الذات والآخر يساعد في الولوج إلى عالمها العام أولاً؛ لأنها نتاج هذه العلاقة في أكثر تجلياتها، ويساعد أيضاً في الولوج إلى العالم الروائي الخاص بروائي مثل العلاقة بأقصى قدراتها واحتمالاتها؛ فجبرا من أكثرالمفكرين) العرب اهتماماً بالثقافة الغربية وتأثراً بها، دون أن يكون ذلك نوعاً من الاستلاب أو الخضوع؛ فقد استطاع بقدرة فائقة أن يصل إلى صيغة خاصة مميزة لرؤيته الموجهة نحو حضارتي العرب والغرب فحوى هذه الصيغة تناول مزدوج، أحد طرفيه العداء والمصادمة فيما يتعلق بالتوجه الاستعماري لحضارة الغرب، والطرف الثاني الحوار الحضاري فيما يتعلق بالقدرة المضيئة التي تقدّمها حضارة الآخر، ولم يقتصر التأثر بالغرب ومحاورته على الأيديولوجيا ومتعلقاتها من حلول وتحليلات. وإنما تجاوزه إلى نقل الأشكال والاعتماد عليها في أداء وظائفها الخطابية، إضافة إلى ذلك فالمأزق الكونيبجميع أبعاده الروحية والفلسفية والنفسية) اهتمام رئيسي في البحث الإبداعي لجبرا وفي البحوث الأخرى كالترجمة والنقد، وليس المأزق الكوني سوى نتيجة حتم للإحساس بالمآزق الأخرى كالمأزق الاجتماعي الذي يأتي نتيجة لتراكم القيم المتخلفة في المجتمع، والمأزق الحضاري الذي يبدو من خلال المقارنة العفوية أو البحثية بين الذات والآخر مرة وبين الذات في راهنها والذات في ماضيها مرة أخرى، والمأزق السياسي الذي يتسلم الكينونة الاجتماعية والحضارية بما فيها من رَيْثٍ وتخلف ويصوغ الصيرورة وفق مشيئته التي تدأب في الحفاظ على مجتمع التخلف وحضارة الريث.‏

-يمكننا بشيء من الحذر- تقسيم التاريخ الروائي العربيأي تاريخ الرواية العربية) إلى مجموعة من السياقات الإبداعية على المستويات الفنية والفكرية ففي بداية هذا التاريخ نجد السياق الأول: طور التكون. أوالنشوء) دون أن ننسى أن هذا النشوء لم يكن تخلقاً ذاتياً نتيجة للتطور المحض في المجتمع العربي، وإنما كان في أكثر تجلياته أفقاً مستورداً ثم نجد السياق الثاني، سياق التحول الذي بلغت فيه الرواية العربية مرحلة النضج والرّسّو فناً أدبياً منتمياً إلى عالم الأدب؛ لتتابع سيرورة التطور والارتقاء وفق المعادلة التالية: طور التكونالنشوء)- طور التحولالنضج)- طور التنوعالارتقاء)- وقد شكل بعض الروائيين العرب، بقدراتهم الفردية وبإنتاجهم المتطور سياقاً روائياً خاصاً إلى جانب إسهامها في سياقات عامة أخرى؛ فنجيب محفوظ مثلاً يشكل سياقاً روائياً عربياً فردياً له نظامه التطوري من[واقعية تاريخيةكفاح طيبة، رادوبيس)... إلى واقعية اجتماعية: الثلاثية وكثير من الروايات الأخرى)... وواقعية نفسيةسيكلوجية): السراب...) وواقعية رمزية: أولاد حارتنا...) وقد كان لنجيب محفوظ الدور الأكبر في خلق السياق الروائي العربي الثاني: طور التحول والنضج)، وامتد لينتمي إلى الطور الثالث وكذلك شكل جبرا إبراهيم جبراالروائي) سياقاً روائياً خاصاً ميّزه التتابع الارتقائي بين نص وآخر وخطاب وتاليهِ، ويعدّ مع ذلك من أهم الروائيين العرب الذين أسهموا إسهاماً كبيراً في تطوير السياق الثالثطور التنوع والارتقاء) أنه خلقنوعاً) روائياً مستقلاً له خصائصه الخطابية والنصية، وذلك ضمن خَطَّيْ تأثّرٍ أوَّلهُما- وهو الأكثر قدرة في صوغ عالمجبرا) -السياق الروائي الغربي، وثانيهما القدرات المكتسبة من خلال الثقافة العربيةالتراثية والحداثية).‏

وقد انبنت على سياق جبرا سياقات روائية عربية لاحقة إذ يبدو أن عبد الرحمن منيف مثلاً في سياقه الخاص قد استفاد من تجربةجبرا) الروائية من خلال الحوار الخطابي والنصي بين السياقين.‏

عالجت الرواية العربية عبر تاريخها كثيراً من الموضوعات والمآزق الإنسانية في جميع مستوياتها، ومنها موضوع أزمة المثقف العربي وعلاقاته الطبقية والسلطوية والاجتماعية وعلاقاته بمحيطه الثقافي، وبالثقافات الأخرى، وبثقافة مجتمعه السالفة، لكن ما يبدو أن جبرا كان أكثر الروائيين عناية بموضوع المثقف ومآزقه، ويردّ ذلك إلى الإحساس الشّخصيّ الخاصّ بجبرا، إحساسه بهذه المآزق وضرورة معالجتها. وإضافة إلى ذلك إحساسه بمأزق العلاقة الحضاريةالذات والآخر) فعلى الرغم من أن بعض الروائيين العرب كالطيب صالح وتوفيق الحكيم وسهيل إدريس اهتموا بهذه العلاقة، بقي اهتمامهم جزئياً يطرح مستوى واحداً من مستوياتها يحدّده البطل الروائي ويحدّه بعلاقته الشخصية دون أن يخرجه أكثر الأحيان إلى المعالجة الجماعية العامة في الحين الذي نجد جبرا يعالج الموضوع من وجهة نظر الفكر السياسي دون أن يسيء إلى أدبية الرواية في معظم الأحيان، وهذا ما جعلنا نصفه بالمفكر في بعض صفحات بحثنا، ويُعدّ المحمول الأيديولوجيعلاقة الذات بالآخر) في النصّ الأدبيّ محمولاً نادراً في الرّواية العربية بالشكل الذي طرحه جبرا، المزوّد برؤية وموقف حضاريين من التاريخ والثقافة والمجتمع سواء في ذلك مجتمعه ومجتمع الآخر، ثقافته وثقافة الآخر تاريخه وتاريخ الآخر. لكن جبرا في خطابه يظلمحيراً) إذ نجد بعض التغييب للموقف الطبقي مثلاً، فمع أنه يعلن أكثر الأحيان الموقفالتعاطفي) مع الطبقات المسحوقة يبقى في خطابه ضباب يُشكِلُ على الرؤية الواضحة، وذلك بسبب الاختيار المطلق للطبقة البرجوازية لتكون مجتمعه الروائي، وبسبب تغييب المكمّل الاجتماعي الآخر بل تغييب المكمّلات الأخرى.‏

اهتمت الدراسات الحديثة أشد اهتمام بالدراسة النصية إلى درجة بحثت فيها إلغاء الدراسات الخطابية وعدّتها دراساتكلاسيّة) أفصحت عن عمقها ودعت هذه الدراسات إلى نبذ الخطاب والانصراف كلية إلى النص وبنيان النص وقد جاءت هذه الدراسات بقدرات بحثيةجديدة) كالبنيوية والألسنية والأسلوبية... وادّعت أن جميع الدراسات السابقة عليها ليست من العناصر التي تبحث في أدبية الأدب وكان قانون الإلغاء سائداً في جميع مراحل ظهور المذاهب المتنوعة؛ فكلرؤية) دراسية جديدة تعلن أن الرؤية الدراسية السابقة تلغى بكليتها وتأتي الرؤية المطروحة لتحلّ محلها ويجب أن يكون القانون الدراسي السائد قانون الفرضية الجديدة، لكن ما نقوله مبدئياً: إن جميع هذه الدراسات النصيةأو التي دعيت دراسات خطابية أحياناً بسبب عدم الاتفاق الكلي على المصطلح) هي مدخلٌ وظيفي وظيفته المساعدة العظيمة والشاملة على فهم النص ومحاورته ومقاربته نقدياً، للبحث عن آفاق تطويرية أخرى للأدب وهذه الرؤى جميعها تتعاضد فيما بينها لتؤلف عالماً دراسياً فحواه البحث عن فرضية بل فرضيات تطويرية للأدب.‏

(1) الفكر العربي المعاصر العددان 44و 45 ربيع 1987 من مقال لجبرا بعنوان الشعر والفن الروائي ص19 في هذه المقالة يحاول جبرا إثبات العلاقة الصهيرية بين الفن الشعري والفن النثري وقد نشرها بعد ذلك في كتابهتأملات في بنيان مرمري).‏

(2) الفكر العربي المعاصر العددان 44 و 45 ربيع 1987 من مقال لجبرا بعنوان الشعر والفن الروائي ص20 .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244