الرّيادة فـي حـروب وفتوحات أبي بكر الصّديق - الدكتور محمّد ضاهر وتر

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:38 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

مسرح عمليات الشام

الشام المعبر إلى آسية الصغرى، إلى مصر، إلى الجزيرة الفراتية فأرمينية. هذا المسرح يختلف من مكان لآخر، فهناك الجبال المرتفعة، والسهول المنبسطة، والغابات الكثيفة، والأنهار الكثيرة والأشجار المثمرة، والغلال الوفيرة، والطرقات الممتدة إلى كل الجهات والمدن المرتبطة بشبكة مواصلات، غير أن العرب ظلوا على أطراف جزيرتهم، وبقوا على التخوم القريبة من بلادهم، ولم يتوغلوا عميقاً في زمن أبي بكر الصديق، وحدثت أغلب المعارك في أجواء تشبه الأجواء التي اعتادها المقاتل العربي من قبل.‏

تقع بلاد الشام في الشمال الغربي من بلاد العرب. يحدها من الغرب البحر الأبيض المتوسط بحر الروم) ومن الشرق بادية الشام، ومن الشمال العواصم وجبال طوروس، ومن الجنوب شبه جزيرة العرب.‏

إن أهم السهول في بلاد الشام سهل البقاع، الذي ينتج أكثر المزروعات وبخاصة القمح(1) والغور الذي اشتهر آنذاك بزراعة قصب السكر والرز، وغوطة دمشق الغربية والشرقية) التي يرويها نهر بردى ونهر الأعوج، وتشتهر بزراعة الأعناب والمشمش وجميع الأشجار المثمرة، والسهول الساحلية التي تمتد على الساحل والتي تشكل بساتين ذات مساحات صغيرة طولانية مع الشريط الساحلي، وعرضانية ضيقة تصطدم بالجبال الشاهقة المرتفعة.‏

إن أهم الجبال هي سلسلة لبنان الغربية والشرقية، وهي تشكل حاجزاً كبيراً على البحر الأبيض المتوسط، وتبلغ ارتفاعات هذه الجبال فوق 2500 م عن سطح البحر، فيها الأخشاب المتنوعة الصالحة لصناعة السفن، وتتفاوت درجات الحرارة ما بين قمم الجبال وما بين السهول الساحلية.‏

هناك الخلجان والموانئ الصغيرة على الساحل، يستخدمها الروم والفرس على السواء لنقل المواد والأخشاب، أو للتبادل التجاري، وأحياناً تستخدم هذه الموانئ كقواعد حربية وحاميات رومية وفارسية(2) .‏

يبقى الاتصال ممكناً ما بين شبه جزيرة العرب، وبلاد الشام، أو ما بين العراق وبلاد الشام التي تعتبر عقدة طرق يمر بها المتجه نحو الساحل، أو إلى الجبال الساحلية أو إلى السهول الداخلية. وهناك عقدة طرق بحرية أيضاً تتصل بالمدن الساحلية أو مع موانئ المحيط الهندي والخليج العربي.‏

إن المياه متوفرة في هذا المسرح، ولا يلقى الجيش أية صعوبة في التزود بالماء أو نقله، وكلما اقترب من حدود الجزيرة نحو الجنوب كلما قلت المياه وضعُف المسطح المائي الذي يتميز به مسرح عمليات الشام.‏

لا شك أن سكان بلاد الشام هم امتداد لسكان شبه جزيرة العرب، فالغساسنة كانوا يشكلون القسم الأكبر من السكان، وجبلة بن الأيهم قاتل مع الروم في معارك عديدة ضد العرب وبخاصة في معركة اليرموك(3) واستطاع العرب المتدفقون نحو بلاد الشام أن يؤثروا في السكان المحليين وذلك بفضل اللغة العربية الواحدة، والمبادئ الإنسانية التي يحملونها معهم، إذ اتصلوا مع بني جنسهم ومع غيرهم.‏

بلاد الشام واسعة، كثيرة المدن والبلدان. وإذا ذكرنا فلا نذكر منها في هذا المقام سوى التي كانت مسرحاً للعمليات، أو ممراً للجيش، أو علامة مميزة بجانب معركة من المعارك التي حدثت في عهد أبي بكر الصديق.‏

دمشق: هي أم الشام وريحانتها، وقد وصفها الأقدمون بما تستحق، فسطروا عنها الصفحات، وكتبوا عنها من الناحية التاريخية والآثارية والجغرافية والسكانية والسياسية والعسكرية والدينية(4) يسقيها نهر بردى والجداول الأخرى، وتحيط بها الجبال إلا من جهة البادية فتحت دمشق وحوصرت في أيام أبي بكر، وتم الاستيلاء على ما فيها(5) وبعد فتحها اتجه الجيش العربي إلى الجهة الجنوبية لملاقاة الروم في منطقة الجابية واليرموك. ودمشق بلد قديم، فيه الربوة والنيرب والمزة وداريا ومشهد الأقدام وميدان الحصى، وفيها جوامع وزوايا ومشاهد كثيرة وآثار عظيمة، وغوطة ومروح خضراء(6) .‏

حمص: فيها مشاهد كثيرة، وآثار مزروعة هنا وهناك، منها قبر خالد بن الوليد بطل الجزيرة العربية والعراق والشام وابنه عبد الرحمن وغيره(7) وإلى هذه المدينة اتجه أبو عبيدة بن الجراح عندما سيره الخليفة أبو بكر إلى بلاد الشام(8) صحية الهواء والتربة، وكثيرة المياه والأشجار(9) .‏

تبوك: تقع على طريق الشام من المدينة، وهي غرب دومة الجندل. ويقال للطريق "الطريق التبوكي" والطريق الساحلي الذي يوازيه على مجر القلزم الأحمر) "الطريق المعرقة". وهي بين جبل حسمى في الغرب وجبل شروري في الشرق. وفيها عين ماء ونخل وأشجار. وتتصل بالمدينة المنورة بطريق إلى الجنوب، وتتصل بأرض الشام بطريق يمر من معان إلى بصرى، وتتصل بدومة الجندل بطريق يصل إلى الفرات(10) .‏

أيله العقبة): بلدة تقع على ساحل بحر القلزم البحر الأحمر)(11) . وهي على رأس لسانه اليميني. وتعتبر أول بلاد الشام من الجهة الجنوبية(12) يتفرع منها عدة محاور واحد يتجه إلى الجنوب على الساحل ويتصل بالمدن الساحلية أو القريبة مثل الحديدة، عدن، المكلا، صحار حيث يمر في سواحل البحار الثلاثة القلزم، العرب، بحر عمان، وآخر يتجه إلى الشمال حيث يمر بالبلاد الشامية معان، بصرى، دمشق، وثالث يتجه نحو الشمال الغربي حيث يمر بالفسطاط فالأراضي المصرية.‏

غزة. هي من بلاد فلسطين من الشام، والمطلة على ساحل بحر الروم الأبيض المتوسط) وهي أقرب ما يكون إلى مصر. وفيها آثار قديمة مثل قبر هاشم بن عبد مناف وفيها زروع وفاكهة ونخل(13) . تتصل بمحور إلى الشمال بالمدن الساحلية عسقلان، وقيسارية، وحيفا. وبمصر من الجنوب بمحور يمر من العريش إلى الاسكندرية وغيرها يشرب أهلها من الآبار(14) وهي محطة للجيوش الإسلامية(15) .‏

دائن: هي ناحية بالقرب من غزة. بها مرت جيوش الفتح العربي إلى الشام، وقاتلت الروم بعد الانتهاء من حروب الردة)(16) .‏

عربة: موضع من بلاد فلسطين. أنزل أبو أمامة الباهلي الذي كان في جيش يزيد ابن أبي سفيان بالروم هزيمة منكرة فيها(17) .‏

سوى: ماء لبهراء في أرض السماوة. مرّ به خالد بن الوليد بعد تلقيه أمراً بالتحرك من العراق إلى الشام.(18) .‏

أرك أراك): وهي واقعة على طريق مسير خالد من العراق إلى الشام وهي قبل تدمر(19) .‏

القريتين: تقع شرقي دمشق، بعد جيرود والناصرية إلى الشرق. بينها وبين تدمر مرحلتان(20)

حوران: كورة شامية من أعمال دمشق(21) فيها قرى كثيرة، وحرار منتشرة، ومزارع خضرة، وتربة طيبة. يزرع فيها القمح والحبوب والبقول. وقد فتحت حوران قبل دمشق(22) .‏

فحل: من قرى الشام(23) . تقع شرقي نهر الأردن قريبة منه، وهي إلى الجنوب الغربي من الجزيرة، وغربي بصرى وهي من أرض فلسطين. وفيها حدثت معركة كبيرة بين الجيش العربي بقيادة خالد، وبين الجيش الرومي. وفي هذه المعركة انتصر العرب على الروم(24)

مرج راهط: موضع في غوطة دمشق الشرقية، بعد مرج عذراء وأنت متجه إلى حمص إلى اليمين(25) .‏

مرج الصفر: يقع في جنوبي دمشق بجانب الكسوة. وقد تكلم الشعراء بهذا المرج(26) وقد اصطدمت القوات العربية المتجهة إلى معركة اليرموك بقوات الروم في هذا المكان واستطاع الجيش العربي في أيام أبي بكر الصديق انتزاع النصر(27) .‏

بُصرى: من أعمال دمشق، ومن قصبة حوران. وهي مشهورة بتجارتها، واجتماع العرب التجار فيها، وعقدة طرقها، ومكانتها الدينية، وبآثارها التاريخية تطرق إليها الشعراء(28) سار إليها خالد بن الوليد عند ما انتهى من مسرح عمليات العراق، وأنزل أهلها على الصلح(29) .‏

أجنادين: تقع جنوب غربي القدس، قريبة من ساحل البحر الشامي بحر الروم) وهي من أرض فلسطين(30) وصلت إليها القوات العربية عن طريق الجنوب، وكان تشكيل عمرو بن العاص متجهاً إليها(31) وقد حدثت فيها معركة كبيرة بين الجيشين العربي والرومي(32) .‏

ظهرة العقاب ثنية دمشق) إلى الشرق من دمشق. وهي فرجة إلى الجبل تطل على دمشق وعلى عذراء، وهي طريق القوافل الآتية من القريتين وتدمر، أو الآتية من حمص(33) .‏

القدس: تقع على جبل مستدير، وعرة المسالك، بناؤها من الحجر الأسود والكلس. يشرب أهلها من عين تجري إليها، ومن عين سلوان، ومن الآبار فيها فواكه كثيرة وخيرات جما(34) فيها المسجد الأقصى، وقبة المعراج، ومربط البراق، ومحراب زكريا، وفيها آثار كثيرة(35) .‏

بيسان: هي على الجانب الغربي من الغور. خصبة، كثيرة الأشجار فيها مياه كثيرة، وفيها النخيل. ويقال بأن طالوت قتل جالوت في تلك البقعة(36) وأهمية هذه المدينة من الوجهة الحربية بأنها تقع على طريق يصل فلسطين بدمشق وحوران والبلاد الشامية، وتقع أيضاً على طريق يصل بين المدن الساحلية مثل عكا، حيفا، يافا ومن مساوئها أنها كثيرة الرطوبة، كثيرة المستنقعات، مما يسبب بعض الأمراض والحميات. وقد تحصن الروم بها بعد معركة اليرموك وبعد انهزامهم أمام العرب، وقد أرادوا وقف الهجوم ففتحوا المياه في الأراضي أمام الزحف العربي.(37) .‏

الواقوصة: واد في أرض حوران، تهاوى فيه الروم، وخسروا معظم قواتهم في هذا الوادي(38) يحده من الجهة الشرقية وادي اليرموك، ويتصل من جهة الغرب بسهول فيق، ومن الشمال بسهول حوران، هذه الساحة وهذا الميدان أمام الواقوصة يصلح لقتال جميع الأسلحة.‏

تل الجابية: وهو موضع بالشام(39) وهو من التلال المحيطة بأرض معركة اليرموك، والذي اجتمعت فيه هيئة أركان الجيش العربي قبل بدء هذه المعركة، واتفقوا على المبادئ التي سيقاتلون بها الجيش الرومي. والجابية قرية بالقرب من التل ومن مرج الصفر ونوى والصنمين.(40)

نهر الأردن: ويسمى الشريعة أيضاً. وهو من عدة ينابيع تنحدر من جبل الشيخ الثلج) منها الحاصباني وبانياس والدان، وتتجمع تلك الينابيع في شمالي بحيرة الحولة، ثم يصب فيها، ويواصل جريانه فيصب في بحيرة طبرية. ويلتقي بنهر اليرموك بعد أن يخرج من البحيرة، ويتابع في وسط الغور جنوباً حتى يجاوز بيسان، فيصل إلى بحيرة زغر بحيرة لوط)(41) .‏

يلاحظ على المسرح العملياتي الشامي كثرة المدن وقربها من بعضها، وكثافة السكان، وكثرة المحاور التي تخترقه من كل الجهات، مما يسهل عبور الجيوش الآتية من الجنوب، أو من الشرق، وبوفرة مياهه وأنهاره وينابيعه، ووجود الجبال المرتفعة، كما أن هذا المسرح تنتشر فيه المروج والسهول الصالحة لقتال الفرسان والمشاة على السواء كمرج راهط ومرج الصفر وسهل اليرموك التي كثيراً ما تشابه مسرح عمليات الجزيرة مع فارق الأرض المتماسكة. إن الخضرة تملأ تلك البطاح وإن المرعى متوفر لعلف الخيول والإبل، كما أن الوسائط المادية التي يحتاجها المقاتل كالطعام والشراب واللباس وبعض الأعتدة القتالية متوفرة أيضاً.‏

إن ميول هذا المسرح تتجه من الشمال إلى الجنوب، وهي ليست حادة، ويرسم ذلك الميل اتجاه دجلة والفرات.‏

(1) لومبارد- الجغرافية التاريخية: 44‏

(2) لومبارد -الجغرافية التاريخية: 44‏

(3) البكري -معجم ما استعجم: 2/459، الحموي -معجم البلدان 2/277‏

(4) ابن عساكر -تاريخ مدينة دمشق: 1/54 وما بعدها، الحموي- معجم البلدان: 2/463، القزويني- آثار البلاد وأخبار العباد 189 حداد - فتح العرب الشام 55-56‏

(5) غلوب- الفتوحات العربية الكبرى: 275‏

(6) الهروي -الإشارات إلى معرفة الزيارات -10 وما بعدها، حداد فتح العرب للشام: 56-61‏

(7) الهروي -الإشارات إلى معرفة الزيارات: 928 ابن عبد الحق البغدادي - مراصد الإطلاع 1/425‏

(8) الواقدي -فتوح الشام 1/8‏

(9) القزويني -آثار البلاد وأخبار العباد 184‏

(10) الحموي -معجم البلدان: 2/14، مادون- الخريطة التاريخية: 1‏

(11) البكري -معجم ما استعجم 1/216‏

(12) الحموي -معجم البلدان: 1/292، القزويني- آثار البلاد وأخبار العباد: 153‏

(13) المقدسي -أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم: 174- الحموي- معجم البلدان: 4/202-203- القزويني- آثار البلاد وأخبار العباد: 227‏

(14) القلقشندي -صبح الأعشى. 4/98‏

(15) شيخ الربوة- نخبة الدهر في عجائب البر والبحر 263‏

(16) الحموي -معجم البلدان -2/417‏

(17) البلاذري -فتوح البلدان: 151‏

(18) الشيباني -شرح السير الكبير - 1/48 ابن عساكر- تهذيب تاريخ دمشق الكبير: 1/138‏

(19) أبو خليل -أطلس التاريخ العربي 34‏

(20) الحموي -معجم البلدان: 4/335‏

(21) البكري -معجم ما استعجم - 2/474، القزويني -آثار البلاد وأخبار العباد: 185‏

(22) الطبري -تاريخ الأمم والملوك: 2/603 وما بعدها، ابن الأثير -الكامل في التاريخ: 2/409‏

(23) البكري - معجم ما استعجم 3/1014‏

(24) الطبري -تاريخ الأمم والملوك 2/628 ابن عساكر- تهذيب تاريخ دمشق الكبير: 1/145‏

(25) الحموي -معجم البلدان 3/21‏

(26) الحموي -معجم البلدان: 5/101‏

(27) الواقدي -فتوح الشام 1/19 وما بعدها‏

(28) الحموي -معجم البلدان: 1/441‏

(29) البلاذري -فتوح البلدان 155‏

(30) البكري -معجم ما استعجم 1/114‏

(31) الواقدي -فتوح الشام: 1/7 وما بعدها‏

(32) الواقدي -فتوح الشام: 1/30 وما بعدها، ابن عساكر- التاريخ الكبير: 1/144‏

(33) الحموي- معجم البلدان: 4/133‏

(34) المقدسي -أحسن التقاسم في معرفة الأقاليم: 165، القلقشندي- صبح الأعشى 4/100، طوطح- جغرافية فلسطين 106‏

(35) القزويني -آثار البلاد وأخبار العباد: 159 وما بعدها‏

(36) القلقشندي- صبح الأعشى 4/104‏

(37) المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم: 30، الحموي معجم البلدان 1/527، طوطح جغرافية فلسطين 155‏

(38) الواقدي- فتوح الشام: 1/138.‏

(39) البكري -معجم ما استعجم 2/355‏

(40) الحموي -معجم البلدان: 2/91‏

(41) شيخ الربوة -نخبة الدهر في عجائب البر والبحر: 107، القلقشندي -صبح الأعشى: 4/91‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244