الرّيادة فـي حـروب وفتوحات أبي بكر الصّديق - الدكتور محمّد ضاهر وتر

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:39 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

مخطط حصار دمشق وفتحها

1- الحصار‏

تصوير ص 155‏

مخطط حصار دمشق وفتحها‏

2- الفتح‏

تصوير ص 156‏

مسير الجيوش والمعارك التّصادميّة‏

بعد أن أعلنت التعبئة، وأعدت وأحضرت الجيوش، وجهزت بالأعتدة والأسلحة، أمر القائد العام بإرسال الجيوش، وتحركها باتجاه الشام، بعد أن تلقى كل جيش مهمته التي كلف بها.‏

جيش يزيد بن أبي سفيان. تحرك أول جيش من المدينة بتاريخ الأول من صفر الموافق الأول من نيسان سنة 13/634 باتجاه دمشق. فسلك المحور: المدينة، وادي القرى، تبوك، الجابية، دمشق(1) .‏

إن هذا التحرك سيكون محفوفاً بالمخاطر، وسيلاقي هذا الجيش بعض الجيوب من الروم المبثوثة هنا وهناك، والقوى المعادية التي جمعت نفسها وأسرعت لتحول دون هذا التحرك أو التقدم، وسينتبه الروم إلى خطورة العرب الزاحفين من الجزيرة إلى بلاد الشام، ولذا فإنهم سيعدون العدة، ويجمعون الجموع، ويحاولون جهدهم لمنع هذا الجيش من التوغل في أراضيهم، أو احتلال جزء منها(2) .‏

كان على يزيد إزاء هذه التوقعات والاحتمالات أن يرسل أمامه دوريات الاستطلاع والطلائع، وأن يبث العيون على طول الطريق لكشف قوة العدو، وتحديد أماكن دفاعه الرئيسة والثانوية، ونوع أسلحته ومراكز إمداده(3) .‏

استنفرت القوات الرومية ورفعت جاهزيتها القتالية عندما علمت بتحرك العرب على هذا المحور، فاجتمع جيش مؤلف من ثمانية آلاف فارس ومقسم إلى خمسة ألوية على رأس كل لواء أحد البطارقة، وتوجهوا جميعاً بقيادة البطاريق شطر تبوك، جاعلين من أدلائهم وعيونهم العرب الذين كانوا يقيمون في المدينة وعلى الطريق إلى دمشق(4) .‏

تنبه قادة الجيش العربي إلى هذه التحركات المريبة، فأسرع جيش يزيد في السير لكي يسبق الجيش الرومي إلى تبوك، وليختار أمكنة التمركز، وبذلك يستطيع أن يحسن أمكنة القوات، وأن يستعد لملاقاة العدو، فوصل قبل ثلاثة أيام(5) ، وفتح بتشكيلة القتال بقوة ألف مقاتل أي بنسبة 1 إلى 8، وخطب في المقاتلين، وحرضهم على القتال، وقوى من معنوياتهم، كما أرسل بالكمائن أمام الجيش بقيادة ربيعة بن عامر(6) .‏

تلاقت الفئتان، واصطف الجيشان، وبدأ القتال على أشده، لكن يزيد أمر الكمين أن يجذب قسماً من القوات الرومية، وأن يعميه عن الاتجاه الرئيسي، وبذلك أتاح لقوات القلب والمجنبتين أن تتحرك بسرعة محدثة خرقاً كبيراً في صفوف الجيش الرومي. حاول هذا الجيش أن يعيد تنظيمه لكنه لم يستطع بسبب عدم تدريب هذه القوات على القتال المشترك مع جميع الألوية الداخلة في قوام هذا الجيش، واستطاع الجيش العربي استغلال هذه الناحية فانفرد بكل جزء على حدة، وضاعت فرص التعاون بين ألوية الجيش الرومي؛ أما الجيش العربي فقد كان يقاتل كتلة واحدة، وبشجاعة نادرة.‏

وانهارت قوى الجيش الرومي عندما قتل القائد العام لهذا الجيش، ولما علم قادة الألوية بمقتله فروا هاربين طالبين النجاة، فتبعهم الجيش العربي قتلاً وأسراً. وقد بلغ مجموع القتلى ألفاً ومائتين، ومن جيش زيد مائة وعشرين(7) .‏

إن اختلاف الروايات في مسير هذا الجيش، واصطدامه بعدد من جيوب المقاومة الرومانية، تجعلنا نشعر بضرورة التحري عن الحقيقة، متبعين في ذلك أسس وقواعد القتال التي كان يقاتل بها الجيش العربي. إن الصحيح عندنا هو أن هذا الجيش خرج من المدينة، فاصطدم في طريقه بعدد من حاميات الروم التي جمعت نفسها، فأرسل يزيد طليعة بقيادة أبي أمامة الباهلي، والتقت هذه الطليعة بـ"عربة" و"دائن" بجيش من الروم يتفوق بالعدة والعدد، فقاتل أبو أمامة، وطلب بنفس الوقت تعزيز قواته، فأمده يزيد بقوة تساوي القوة التي يقاتل بها أبو أمامة وبقي يزيد في الأنساق الثانية يرقب الموقف، ويترصد سير القتال، حتى إذا تبين فوز أبي أمامة على أعدائه، لم يشأ يزيد أن يُقحم أو يزج القوات الباقية أو النسق الثاني الذي كان محتفظاً به، ولو رأى إن الروم كادوا ينتصرون لزج هذه القوة التي كانت بيده، ولما تأخر لحظة واحدة.‏

وهكذا فإن يزيد استطاع أن يقضي على الجيوب المعادية في طريقه ويصل إلى هدفه المحدد له من قبل القائد الأعلى.‏

جيش شرحبيل بن حسنة. أراد الروم بعد هذه المعركة التصادمية مع يزيد أن يستدرجوا العرب حيلة ودهاءً وإغراءً؛ لكن العرب عرفوا واكتشفوا هذه الطرق، وأعلنوها صريحة إما السيف، أو أداء الجزية أو الإسلام(8) . فلم يرضوا بذلك واختاروا القتال. تواصلت المعركة وشد كل جيش ضد الآخر، وأنقذ الموقف جيش شرحبيل الذي وصل لتوه إلى تبوك والذي أنفذه أبو بكر(9) . واحتدم القتال، وهنا زج يزيد النسق الثاني الاحتياط الذي كان بيده، والتف جيش شرحبيل حول مجنبة العدو. فكان جيش يزيد يثبت العدو من الأمام، ويقوم جيش شرحبيل بالالتفاف حتى وصل مؤخرة الجيش الرومي وطوّقه حتى لم يفلت منهم أحد، وتبعثرت قواته المتبقية والناجية من القتل، واستخدمت القوات العربية بعد هذا الانتصار المطاردة حتى قضي على أكثر القوات الرومية الثمانية آلاف.(10)

غنم الجيش العربي الأموال الكثيرة، والأعتدة والأسلحة، فأرسل بالأموال إلى المدينة، وأبقى الأعتدة والأسلحة(11) ، احتياطي لاستخدامها إذا لزم الأمر، وأرسل مع الغنائم شداد بن أوس إلى القائد الأعلى أبي بكر(12) .‏

واصل جيش شرحبيل تقدمه بعد هذه المعركة المشتركة مع جيش يزيد، وتوجه بأمر من أبي عبيدة إلى بصرى في أربعة آلاف فارس(13) , وبصرى بلد له أهميته الدينية والتجارية عند الروم، ويحكمه بطريق له شهرته ومكانته يدعى"روماس". وجه شرحبيل إنذاراً لهذا البطريق: الإسلام أو الجزية، أو السيف(14) . وبعد مشاورات ومفاوضات قرر هذا البطريق الدخول في الحرب في اثني عشر ألف فارس(15) . صف شرحبيل جيشه بتشكيلة القتال، وحرضه، وقوى معنوياته، وذكره بالجهاد والجنة(16) ، وكذلك فإن الجيش الرومي أخذ مكانه بصفوف بعضها خلف بعض، وابتدأ القتال بين الجيشين في أول النهار، وأشرقت الشمس على الهاجرة، ولا يزال القتال ضارياً ومستمراً، وكاد الجيش الرومي يتغلب على الجيش العربي، لولا أن خالد ابن الوليد الذي نفذ بجيشه الذي خرج به من العراق، ودخل المعركة من الحركة فثبّت جبهة القتال إلى آخر اليوم، وفي اليوم الثاني أعاد تنظيم الجيش وانتصر على الروم(17) .‏

جيش عمرو بن العاص. استنفر المقاتلون من أهل مكة والطائف، وتدافعوا عن حب وطواعية، وأقبلوا للانضمام إلى الجيش الذي سيتجه إلى الشام. أصدر القائد الأعلى أمراً بتعيين عمرو بن العاص على هذا الجيش، كما وجه إليه التوجيهات العملياتية التي ركزت على التعاون مع أبي عبيدة بن الجراح(18) ، وعلى كثير من الأمور السياسية والعسكرية والإدارية والإنسانية(19) . تحرك قائد هذا الجيش- بعد أن تلقى المهمة وتفهمها- على محور: إيليا متجهاً إلى أرض فلسطين. وقد نظم قواته حسب قواعد المسير، حيث أرسل الطلائع أمامه، والحراسات الجانبية والأمامية، وفي الخلف الساقة والشؤون الإدارية، وسار بحيطة وحذر في تسعة آلاف مقاتل (20) .‏

علم الروم بتحرك هذا الجيش، فحشدوا جيوشهم، وأمر هرقل القائد الأعلى أن تكون هذه الجيوش مستعدة لملاقاة الجيش العربي الذي وصل إلى أرض فلسطين. وعين"روبيس" قائداً عاماً للجيوش الرومية التي بلغت مائة ألف فارس(21) . وأرسل الطلائع والعيون لاستطلاع الأخبار.‏

علم عمرو بن العاص بواسطة استخباراته تحرك الروم نحوه، فعقد على الفور مجلس الحرب الذي خرج بمقررات منها: المجابهة والقتال ضد الروم على كثرتهم، وأن لا تهاون ولا تخاذل ولا تراجع أما مهم، ونظم جيشه استناداً لمهمة القتال المقبلة، وأرسل طليعة قوامها ألف فارس بقيادة عبد الله بن عمرو بن الخطاب. وبعد مسيرة يوم اصطدمت بطليعة الجيش الرومي التي كانت مؤلفة من عشرة آلاف فارس(22) . نشر عبد الله ابن عمر فرسانه بتشكيلة القتال، وأمرهم بالهجوم من الحركة، دون أن يترك لعدوه فرصة الاستعداد، أو فتح القوات إلى وحدات قتالية، ثم هاجمها بمجموعات قتالية من المجنبات، واستخدم الرمح والسيف والقتال القريب، وقاد بنفسه مجموعة باتجاه قائد طليعة الجيش الرومي، فوصل إليه، وأهوى عليه السيف فقتله، وبقتله ضعفت معنويات الجيش الرومي، وانهارت قواه، وداخله الرعب، فهرب من هرب، وقتل العديد، وأسر ستمائة قتلوا بعد ذلك حين رفضوا الدخول في الإسلام، وجمعت الغنائم من الخيل والأعتدة والأسلحة(23) .‏

إن هذا النجاح الذي أحرزه عبد الله بطليعته أتاح للقوة الرئيسة للجيش العربي بقيادة عمرو بن العاص أن يعد العدة، وأن يتهيأ للقتال، وأن ينشر قواته، ويفتح وحداته القتالية، ويعين القادة والأجنحة والكتائب والسرايا والمؤخرة. فكان على الميمنة الضحاك، وعلى الميسرة سعيد بن خالد، وعلى القلب عمرو بن العاص، وعلى الساقة أبو الدرداء(24) ؛ أما الجيش الرومي فقد كان في مائة ألف مقسماً إلى عشر فرق، في كل فرقة عشرة آلاف فارس(25) . ومن الحركة قام الجيش العربي بالهجوم السريع، وتقدمت الميسرة بقيادة سعيد بن خالد بسرعة كبيرة نحو مجنبة الجيش الرومي حيث استطاعت أن تخرق تلك الصفوف المتعددة، استطاع الجيش الرومي أن يسد على سعيد طريق العودة، وأن يقتل قائد الميسرة مع عدد من رجاله؛ إلا أن القلب في هذه اللحظة ضغط وتقدم باتجاه الصفوف؛ كما أن الميمنة بقيادة الضحاك استطاعت أن تخرق جزءاً بسيطاً من القوات الرومية، وأبطأ الجيش العربي في تقدمه لوجود المقاومات العديدة، ولصمود القوات الرومية. وفي آخر النهار ضعفت مقاومة الجيش الرومي، وبقي الجيش العربي ضاغطاً، حتى انهزم الجيش الرومي، وفر هارباً من أرض المعركة في الاتجاهات المختلفة. وقد قتل في هذه المعركة التصادمية من الروم أكثر من خمسة عشر ألف فارس، وقتل من العرب مائة وثلاثون(26) . ويرجع انتصار العرب على الروم إلى المعنويات العالية، وإلى الخفة والسرعة في ميدان المعركة، وإلى الوسائط القتالية التي كانت فيها خيل الجيش العربي أسرع وأقوى على التحمل من خيل الجيش الرومي(27) ، وفي الإيمان والعقيدة التي ظهرت حين بدء القتال بصيحات"الله أكبر"، وفي التصميم على النصر(28) . وبعد الانتصار اجتمع المقاتلون فأقاموا الصلاة، وجمعوا الغنائم فخمسوها(29) .‏

أعاد عمرو بن العاص تنظيم جيشه بعد هذه المعركة، وأرسل يستطلع خبر الروم، وفي نيته أن يتحرك لإكمال فتح فلسطين، فتطوع للاستطلاع خالد بن سعيد والد سعيد الذي قتل في هذه المعركة ليثأر لابنه، فقاد مجموعة من ثلاثمائة فارس(30) ، وتحرك بعيداً عن تمركز الجيش، فاصطدم بقوم من الأنباط فقتل منهم ثلاثين وأسر أربعة(31) ، فدلوه على أماكن تمركز الروم، وعلى المستودعات المملوءة بالاحتياجات المادية، فلما وصل تلك المنطقة درس أرضها وعدد الحرس الذين كانوا يقومون بحراسة الوسائط المادية وهم ستمائة. فباغتهم، وقصد رئيسهم فقتله واستولى على الغنائم، وعاد بها إلى مقر قيادة الجيش إلى عمرو بن العاص، فقدم له تقريراً عن مهمته، وسلمه الغنائم، وأعلمه أن الروم تحشدوا بأجنادين(32) .‏

جيش أبي عبيدة الجراح. بعد يوم واحد من مسير جيش عمرو ابن العاص، أمر القائد الأعلى هذا القائد أن يتحرك على محور الجابية باتجاه الشام إلى حمص(33) ، وأعطاه نفس التوجيهات التي أعطاها لعمرو بن العاص(34) . وكان عدد جيشه سبعة آلاف وخمسمائة(35) .‏

سار أبو عبيدة كما سار غيره من الجيوش التي سبقته، وبنفس شروط المسير، مع أخذ الحيطة والحذر، ولم يلق أثناء تحركه مقاومة تذكر؛ لكنه توقف على مشارف للشام لوصول معلومات مؤكدة أن العدو حشد قوات كبيرة في أجنادين، وإن هرقل أرسل بجيوشه للتصدي للقوات العربية(36) . إن أبا عبيدة كان يحرص كل الحرص على جنوده، فلا يزجهم في مواقف صعبة،وإنه ليحزنه أن يرى جنوده يقتلون دون مبرر.. ولقد أشار خالد بن الوليد إلى بعض هذه الصفات حين قال: "أما أبو عبيدة فإنه رجل خالص النية، وليس عنده غائلة الحرب، ولا يعلم بمواقعها(37) ".‏

لما علم أبو بكر توقف أبي عبيدة، أراد أن يدعم الموقف، ويضفي عليه الحيوية والنشاط، فعين خالد بن الوليد ليكون القائد العام للجبهة الشامية(38) .‏

جيش خالد بن الوليد. بعد أن أرسل أبو بكر الجيوش الأربعة إلى بلاد الشام، عاد فأرسل خالداً إلى العراق، وإلى بلاد فارس. وكالعادة فإن القائد الأعلى حدد لخالد المهمة والهدف، وأصدر إليه التوجيهات، وحدد له القوى والوسائطجيش الزحف ومقاتلي لخم وجذام)(39) .‏

نجحت الجبهة العراقية، وتوقفت جيوش الجبهة الشامية لوجود عدو قوي. وكان أبو بكر يهمه كاستراتيجي أن تنجح جبهة الشام كما نجحت جبهة العراق، وعلى اعتبار أن خالد بن الوليد قد نجح في قيادته، فأراد القائد الأعلى أن يكلفه بهذه المهمة، فأصدر إليه أمراً أن يتحرك من بلاد فارس إلى بلاد الروم".. وإني قد وليتك على جيوش المسلمين، وأمرتك بقتال الروم.."(40) .‏

تحرك خالد من أرض العراق متبعاً الطريق القصيرة التي تسهل له الوصول بسرعة إلى بلاد الشام، لتعزيز هذه الجبهة، وقبل أن يكتمل تجمع العدو، ويتأهب للقتال. انطلق خالد بجيشه في ربيع الثاني في حزيران 13/634، فسلك المحور الشمالي المحفوف بالمخاطر(41) بجيش بلغ تسعة آلاف مقاتل أو أكثر(42) .‏

لاقى خالد وهو في طريقه إلى الشام كثيراً من المقاومات الرومية أو العربية غير الموالية، وكانت أول مقاومة اصطدم بها عندما وصل إلى"سوى" فقضى عليها(43) ، وواصل تقدمه فمر بـ"أرك" فصالح أهلها على دفع الجزية وسلم قائد هذه الحامية الرومي كل ما يريده الجيش العربي(44) ، وكذلك في"تدمر" حيث صالح أهلها كما صالح أهل"أرك"، وفي"القريتين" قام أهلها ووقفوا في وجه هذا الجيش المتقدم، لكنهم هُزموا، وخَضعوا(45) ، وفي مرج"راهط" اصطدمت قوات المسلمين بالغساسنة الذين أبدوا مقاومة فقضى عليهم، وأرسل خالد سرية إلى الغوطة الشرقية فأغارت على بعض النقاط المعادية(46) ، واستولت عليها. وكان قائد الجيش في تحركه يرسل الطلائع والدوريات والسرايا والعيون(47) كما كان يستفيد من المصادر المحلية المتوفرة كالماشية والمياه والغنائم المستولى عليها، وكان لا يذر أية مقاومة صغيرة كانت أم كبيرة إلا قضى عليها، وذلك كله لتأمين تحرك الجيش.‏

وصلت طلائع هذا الجيش إلى بصرى، واشتركت فوراً بالقتال مع جيش شرحبيل بن حسنة الذي كان مشتبكاً مع الروم، وكذلك اشتركت القوة الرئيسة عند وصولها وفتحت تشكيلاتها بوحدات قتالية، ومضى اليوم دون أن تظهر النتائج(48) .‏

في اليوم التالي عاود القتال، ونظم خالد جيشه فجعل على الميمنة رافع بن عمير الطائي، وعلى الميسرة ضرار بن الأزور، وفي القلب خالد بن الوليد القائد العام، وفي الساقة عبد الرحمن بن أبي بكر، وقسم جيش الزحف إلى قسمين، وجعل على كل قسم قائداً قادراً على الحركة بسرعة(49) .‏

إن حجم القوى والوسائط في كلا الجيشين أصبحت متقاربة، ففي الجيش العربي تسعة آلاف، مضافاً إليها أربعة آلاف أما الجيش الرومي فكان اثني عشر ألف فارس(50) .‏

بدأت المعركة بالمبارزة إذ خرج من الجيش الرومي"الدير جان" قائد الجيش، وخرج من الجيش العربي خالد ابن الوليد قائد الجيش، لكن عبد الرحمن بن أبي بكر استأذن من خالد ليبارزه فخرج، وطالت المبارزة، حتى إذا تضايق"الديرجان" فر هارباً. وهنا أمر خالد بالهجوم العام لاستغلال هذه الفرصة التي انهزم فيها قائد الجيش الرومي، وتراجع الجيش الرومي، وأزيح عن مواقعه، وانسحب ودخل المدينة وتحصن بها، وحوصرت بصرى من قبل الجيوش مجتمعة، وفرض عليها الحصار الكامل(51) . وبمساعدة العملاء من جيش الروم علم خالد مقر القيادة والتحشدات، فشكل مجموعة فدائية بقيادة عبد الرحمن بن أبي بكر قصدت قائد الروم، واستطاعت أن تصل إلى مقره وتقتله(52) . وأسلم"روماس" الروماني، ودخل في دين الله بعد أن أسهم بانتصار المسلمين، وبخاصة عندما دلّ خالد بن الوليد على عورات الجيش الرومي، وعلى مقر قيادته، وأعطى الكثير من المعلومات التي ساعدت في فتح المدينة، والانتصار على الجيش الرومي(53) . وفتحت بصرى، ودفع أهلها الجزية(54) . ثم أعلم خالد أبا بكر وأبا عبيدة بهذا الفتح والانتصار(55) ، ثم انضم أبو عبيدة إلى خالد(56) .‏

كانت حروب الشام حتى الآن تمهيداً لفتوحات أكبر، ولم تقع معركة حاسمة، وقد استفاد الجيش العربي الخبرة في القتال، والخصائص التي يتميز بها الروم عن الفرس وعن غيرهم، كما استطاع أن يغنم غنائم كثيرة ساعدته فيما بعد على إكمال احتياجاته ووسائطه المادية، وأضيف لهذا الجيش أعداد كبيرة من الذين تطوعوا من الأراضي التي دخلت تحت الحكم العربي.‏

لم يكن الروم يتوقعون نجاح الجيش العربي بهذه المعارك، وإنما كان في تصورهم أن هذا الجيش لا يملك العدة والعدد لمقاتلة الجيش الرومي، ولذا كان الاهتمام بالتحضير لحرب العرب لا يأخذ تلك الأهمية، ولما أحس قادة الروم بالخطر، كان الجيش العربي، قد دخل معارك متعددة ونجح فيها، ولما اجتمع الجيش الرومي في اليرموك، ورأوا أن الفرصة سانحة للقضاء على هذا الجيش، لم يستطيعوا وباؤوا بالفشل الذريع وخسروا المعركة وانهزموا شر هزيمة، وآن للعرب آنئذ أن ينطلقوا نحو الفتوحات الكبرى في زمن عمر بن الخطاب.‏

(1) الواقدي- فتوح الشام: 1/4، عبد الحميد- معارك العرب الحاسمة: 25.‏

(2) الواقدي- فتوح الشام: 1/4.‏

(3) الواقدي- فتوح الشام: 1/4.‏

(4) الواقدي- فتوح الشام: 1/4، العسلي- فن الحرب: 96، 97.‏

(5) الواقدي- فتوح الشام: 1/4.‏

(6) الواقدي- فتوح الشام: 1/5.‏

(7) الواقدي- فتوح الشام: 1/5.‏

(8) الواقدي- فتوح الشام: 1/5.‏

(9) البلاذري- فتوح البلدان: 115، الطبري- تاريخ الأمم ولملوك: 2/589، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/155.‏

(10) الواقدي- فتوح الشام: 1/6.‏

(11) الواقدي- فتوح الشام: 1/6.‏

(12) الواقدي- فتوح الشام: 1/6.‏

(13) الواقدي- فتوح الشام: 1/14.‏

(14) الواقدي- فتوح الشام: 1/15.‏

(15) الواقدي- فتوح الشام: 1/15.‏

(16) الواقدي- فتوح الشام: 1/15.‏

(17) الواقدي- فتوح الشام: 1/15-16.‏

(18) الواقدي- فتوح الشام: 1/7، الأزدي- فتوح الشام: 48، 49.‏

(19) الواقدي- فتوح الشام: 1/7،8، ابن عساكر- تهذيب تاريخ دمشق الكبير: 1/130.‏

(20) الواقدي- فتوح الشام: 1/7،8.‏

(21) الواقدي- فتوح الشام: 1/9.‏

(22) الواقدي- فتوح الشام: 1/9.‏

(23) الواقدي- فتوح الشام: 1/10، العسلي- فن الحرب: 98.‏

(24) الواقدي- فتوح الشام: 1/10.‏

(25) الواقدي- فتوح الشام: 1/10.‏

(26) الواقدي- فتوح الشام: 1/11.‏

(27) الواقدي- فتوح الشام: 1/11.‏

(28) حداد- فتح العرب للشام: 68.‏

(29) الواقدي- فتوح الشام: 1/11.‏

(30) الواقدي- فتوح الشام: 1/12.‏

(31) الواقدي- فتوح الشام: 1/12.‏

(32) الواقدي- فتوح الشام: 1/12.‏

(33) الواقدي- فتوح الشام: 1/8، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/155، عبد الحميد- مارك العرب الحاسمة: 26.‏

(34) الواقدي- فتوح الشام: 1/8.‏

(35) البلاذري- فتوح البلدان: 116، البلخي- البدء والتاريخ: 5/166.‏

(36) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 3/590، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/155.‏

(37) الواقدي- فتوح الشام: 1/15.‏

(38) الواقدي- فتوح الشام: 1/13.‏

(39) الواقدي- فتوح الشام: 1/8.‏

(40) الواقدي- فتوح الشام: 1/13، الأزذي- فتوح الشام: 68، ابن أعثم- الفتوح: 1/133، 135، كمال- الطريق إلى دمشق: 239.‏

(41) الشيباني- شرح السبر الكبير:1/48، ابن سعد- الطبقات: 7/396، الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/603، ابن عساكر- تهذيب تاريخ دمشق الكبير: 1/138، أكرم- سيف الله: 336، 337.‏

(42) ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/407، ابن الطقطقي- الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية: 65.‏

(43) ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/409.‏

(44) ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/409، كمال - الطريق إلى دمشق: 244.‏

(45) ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/409.‏

(46) ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/409، ابن عساكر- تهذيب تاريخ دمشق الكبير: 1/135.‏

(47) الشيباني- شرح السير الكبير: 1/49.‏

(48) البلاذري- فتوح البلدان: 155.‏

(49) الأزدي- فتوح الشام: 81.‏

(50) الواقدي- فتوح الشام: 1/15.‏

(51) الواقدي- فتوح الشام: 1/16، الأزدي- فتوح الشام: 82.‏

(52) الواقدي- فتوح الشام: 1/17.‏

(53) الواقدي- فتوح الشام: 1/17.‏

(54) ابن خياط- تاريخ ابن خياط: 119، البلاذري- فتوح البلدان: 155، البلخي- البدء والتاريخ: 5/166، ابن عساكر- تهذيب تاريخ دمشق الكبير: 1/139.‏

(55) الواقدي- فتوح الشام: 1/17 وما بعدها.‏

(56) البلخي- البدء والتاريخ: 5/166.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244