|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:40 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الالتزام الشّديد بالأوامر النبويّة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيل موته أن تطهر جزيرة العرب من الدخلاء، وأوصى عند موته بثلاث: إخراج يهود، وإجازة الوفد، وبعث أسامة(1) وكان قد بقي عدد قليل من يهود بعد أن هجّر الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه بني قينقاع وقريظة والنضير. ومرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "انطلقوا إلى يهود فخرجنا حتى جئنا بيت المدارس فقال: أسلموا تسلموا واعلموا أن الأرض لله ورسوله، وإني أريد أن أجليكم عن هذه الأرض، فمن يجد منكم بماله شيئاً فليبعه، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله."(2) . لما تسلم أبو بكر الصديق الخلافة نفذ وصايا وأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجاز الوفد، وأرسل جيش أسامة؛ لكنه لم يستطع أو لم يتح له إجلاء يهود من جزيرة العرب، وذلك لانشغاله بحروب الردة، ولم يكن الوقت متسعاً له، حتى قيض الله عمر بن الخطاب فأخرجهم جميعاً. وكان أبو بكر يعلم أن في هذا الالتزام محافظة على النهج العام والخط المبدئي، كما كان يدرك تماماً أن أي خرق في هذه الأوامر ستؤدي فيما بعد إلى إتباع كل ذي هوى هواه، ولذلك بادر فوراً إلى سد جميع المنافذ على الذين تسول لهم أنفسهم أن يخالفوا أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى تطبيق قوله تعالى: [وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً.](3) . الصّفات الجسديّة كان أبو بكر" رجلاً نحيفاً أبيض، خفيف العارضين(4) ، أجنأ(5) ، لا تستمسك أُزْرته(6) ، تسترخي من حِقويه(7) ، معروق الوجه، غائر العينين، ناتئ الجبهة، عاري الأشاجع(8) " صحيح أن الإزار الذي يلبسه كان يسترخي لنحافته، وقد قال ذلك عن نفسه: "يا رسول الله إن أحد شَقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه.."(9) وكان أبو بكر وسيماً، منير الوجه جميله، لهذا دعي"عتيقاً"(10) ويوصف أيضاً بأنه كان رجلاً أسيف دقيقاً(11) ، وكذلك بأنه كان محموص الفخذين(12) ، يخضب بالحناء والكتم(13) . فهل تدل هذه الصفات في علم الفراسة على القوة والشدة؟ لا بل إن هذه الصفات تدل على التواضع والأناة والحكمة، وعلى الذكاء والفطنة، وعلى العقل الراجح، والتفكير العميق، والتبصر بالأمور ووضعها في نصابها، ووضوح الرؤية، واتباع الحق، والعطف والحنان، والرأفة والتأوه، والإنابة وسلامة القلب(14) ، والدأب على حفظ حقوق الضعفاء والمساكين، والميل إلى مساعدتهم والأخذ بيدهم، والتقوى والإيمان اللذين رسخا في قلبه، فازداد منهما قوة وشجاعة وإرادة قوية هزت إرادة الأقوياء، ونفذت إلى أفئدة الأبطال والشجعان. فهو ضعيف بمظهره، قوي في باطنه، نحيف في جسده، رجل في شدته وبأسه في الحروب، ثابت ثبوت الرواسي، لا تزعزعه الرياح، ولا تؤثر به الأحداث، يتصدى للمعضلات والمشكلات الكبيرة، فيخرج منها منتصراً(15) . ذلكم أبو بكر الذي أظهر الشدة مع اللين، والحزم مع المرونة في قيادته وخاصة في حروب الردة(16) التي تصدى لها بكل قوة وثبات، وسدد الضربات الشديدة لكل من تسول له نفسه بالخروج عن الدين، أو الارتداد عن العقيدة، وقد فوجئ الكثيرون من هذه الشدة ومن هذه القوة، وتفرق الزعماء المُرتدون، وهرب بعضهم منادياً: "ويل للعرب من ابن أبي قحافة."(17) الصفات الخلقية من خلقه الحلم والصبر على أذى الناس، لما غضب على الرجل الذي أغلظ وسب، استأذنه أبو برزه في ضرب عنق هذا الرجل، فأبى أبو بكر وقال: "ما هي لأحد بعد رسول الله."(18) ، وكذلك فإنه عندما انتشر حديث الإفك على ابنته، قطع النفقة التي كان يصرفها على مِسْطح لقرابة به، ولما نزل القرآن ببراءة عائشة، ونزلت الآية: ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة..) إلى قولهألا تحبون أن يغفر الله لكم)(19) . عاد أبو بكر فأعاد النفقة إلى مسطح كما كانت، وما انتقم لابنته بعد ما أصابها من ضر(20) ؛ ولكنه كان يثور أحياناً، وينتصر لنفسه، إن تلقى كلمات مقذعة شديدة أو إهانة مست كرامته. ولقد جاء رجل بحضرة رسول الله صلى الله عله وسلم وأصحابه فسب أبا بكر فسكت، ثم سب الثانية فسكت، ثم سب الثالثة فرد عليه. ولم يشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد أبو بكر على هذا الرجل بل كان عليه أن يصبر أكثر من ذلك، وأن يكل الأمر إلى الله(21) . وكان يقول".. ولا خير فيمن يغلب جهله حلمه"(22) . كان أحسن الناس أخلاقاً، وأصدقهم حديثاً، وأثبتهم حياءً(23) . ولكثرة زهده في الدنيا، وحرصه على أموال وأرواح رعيته لم يدخر شيئاً، ولم يترك إلاّ لقحة وجفنة إلى من ولي بعده، فقال عمر: "يا أبا بكر لقد أتعبت من جاء بعدك."(24) . وهو الصادق الذي لا يكذب(25) . وقد عرف بالصدق بين قومه وبين الصحابة، فقد روي عن علي بن أبي طالب أنه كان يستحلف من روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبا بكر، فكان يقول: "فحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر"(26) . وجاءت امرأة أبي لهب وهي عدوة للرسول صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر فشهدت بصدق أبي بكر(27) . ولقد وصفت عائشة خلق أبيها فأحسنت الوصف، وعلت به حتى جعلت منه سيد قريش بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبطلاً من أبطالها، وسيداً فيه كل معاني الأخلاق، فهو يرأب الصدع، ويلم الشعث، ويجمع الشمل، وينشر الدين، ويقيم العدل(28) ، وهو الذي كان التواضع من طلبه، واللين من سماته، الألفة من سلوكه، والتودد من شمائله(29) . الصّفات الإنسانية إن دليل القيادة وقياسها هو الصفات الإنسانية، وعلى رأس هذه الصفات الرحمة. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر(30) ". وقد شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بميكائيل الذي ينزل بالرحمة، وبإبراهيم عليه السلام الذي أوتي قلباً سليماً، وعفواً ومغفرة للناس(31) ، كما كان محافظاً على حقوق الإنسان، واعياً لها، يتفقد الرعية ليلاً، ويواسي المساكين، ويغار على الأمة(32) ، ويعتق العبيد رجالاً ونساءً(33) ، ويفتديهم بماله وجاهه(34) ، وعيّره أبوه بمساعدة هؤلاء الضعفاء، وتمنى عليه أن يساعد الأقوياء ليمنعوه من الأعداء، فرد عليه وقال: "يا أبت، إني أريد ماأريد لله عز وجل(35) "، ومنعه أبو جهل وأنّبه على عمله الإنساني، وهاجمه في القول، وتوعده بتكسيد تجارته، وكذلك عاب عليه بعض قومه معاملة المستضعفين؛ ولكنه ظل مصراً على مساعدتهم وتقديم مايمكن تقديمه(36) . الصّفات العسكريّة هي مجموعة الصفات التي جعلت من أبي بكر رجلاً عسكرياً، وقائداً استراتيجياً، ورائداً في فن الحرب، ومعلماً في أساليب القتال. 1- أهداف القتال. لقد كان الهدف من القتال عند أبي بكر هو المحافظة على المكاسب الإسلامية التي أرسى قواعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والالتزام بما جاء به نصاً وروحاً، والمثابرة على تحقيق الأهداف المحددة والمرسومة، والتقيد بأصول الدين وقيمه ومثله العليا. وهو بهذا حدد أهدافه بما يلي: أ- محاربة المرتدين واستتابتهم، أو قتلهم، لاهوادة في هذا أبداً، وانبرى أبو بكر بكل عزم وتصميم لتحقيق هذا الهدف بنفسه. ب- نشر العقيدة الإسلامية في كل الأرض، بادئاً من الأقرب فالأبعد، ومن العرب إلى العجم، ومن الجزيرة العربية إلى بلاد فارس والروم، مستخدماً بذلك كل الطرق السليمة، فإن أبوا الجزية، فإن أبوا فالحرب. جـ- مواصلة اندفاع الثورة الإسلامية بنفس القوة والوتيرة التي كانت عليها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه هي الأهداف الثلاثة التي جعلت أبا بكر يجتهد في بلوغها، ويحارب في ثلاث جبهات: الجنوبية في الجزيرة العربية، والشرقية في العراق، والشمالية والغربية في الشام. 2-الاستقامة دستور القائد الجديد. أعلن أبو بكر منذ أن تسلم القيادة الالتزام بالاستقامة(37) ، والسير في الطريق الذي سلكه الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل "فاستقم كما أمرتهود، 112)." والاستقامة مبدأ بل دستور صعب التطبيق، يحتاج إلى جهد ومعاناة إلا على الذين آمنوا بالله ورسوله، وأيقنوا بصدق هذا المبدأ أو صلاحيته للقيادة. وطلب أبو بكر من الشعب أن يعينه إن استقام، وأن يقوّمه إذا زاغ(38) . ومن الطبيعي أن يتبع الاستقامة في كل أموره لأنه نشأ عليها، وتربى في مدرسة تمجد هذا الدستور وتطبقه. وكان يوصي قادته العسكريين بالعدل والاستقامة والابتعاد عن الظلم، وكان يقول: "واستعمل العدل، وباعد عنك الظلم والجور، فإنه لا أفلح قوم ظلموا، ولا نصروا على عدوهم(39) " لأول مرة في تاريخ العرب، يضع أبو بكر أسس الديموقراطية الشعبية، ويجعل للشعب سلطة الرقابة، فإذا زاغ قوّموه، وإذا استقام أعانوه؛ لكنه لم يشكل المؤسسات الشعبية لتتولى مراقبة الأعمال، فحصرها فقط في الشعب، وجعل نفسه قواماً وحيداً، ليس له مايقيده(40) . 3-وضوح الهدف. مع تحديد الهدف كان أبو بكر واضح الهدف. وكانت الأهداف الاستراتيجية ماثلة أمامه واضحة، لايميل عنها ولايحيد، ولا يرده الرجال ولو اجتمعوا، ولا تقف أمامه العوائق على شدتها وصعوبتها. فهو الذي وضع هدفاً استراتيجياً وهو محاربة المرتدين، لم يأبه بالأقوال التي قيلت، ولم يسمع للمقربين من أصحابه، ومضى يقاتل في سبيل هذا الهدف، فسير الجيوش، وعين القادة، ورمى بكل ثقله، لا تهزه الأحداث، ولا يؤثر به مؤثر، باذلاً بكل مايستطيع من جهد وعناء، مصمماً على البلوغ: "والله لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه(41) " وكذلك كان أبو بكر واضحاً في فتوح العراق متمثلاً بقوله لخالد بن الوليد: "سر إلى العراق حتى تدخلها..(42) " وفي فتوح الشام متمثلاً بقوله: "... فتجهزوا عباد الله إلى غزو الروم بالشام...(43) ". 4- الجود بالمال. إن بذل المال جزء من إرادة القتال، فلقد أنفق أبو بكر ماله قبل الهجرة وبعدها، وقبل الفتح وبعده(44) . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أحد أمنّ علينا بصحبته وماله من أبي بكر(45) ". وقال: "مانفعنا مال قط مانفعنا مال أبي بكر(46) ، وجاء بكل ماله في حين جاء الآخرون بجزء من مالهم(47) . وليس المهم بذل المال، إنما الأهم بذله في وقته وفي طرقه المشروعة، وهكذا كان يضع أبو بكر المال بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوقات الشدّة والحاجة، وقد فتحت له أبواب المال بعد أن تسلم الخلافة عن طريق الغنائم وفتحه للأمصار الكثيرة، لكن جميعها كان ينفقها في وجوهها المختلفة، ومات وهو لايملك من المال شيئاً(48) 5-الحزم في القيادة. تلكم صفات القيادة: الحزم والمرونة والاستمرار، فلقد تحلى أبو بكر بهذه الصفات، وأظهر حزمه وقوته وشدته على قتال من يغير أو يبدل(49) بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهر مرونة في معاملته لقادته العسكريين كخالد بن الوليد متمثلاً بقوله، ومعلناً للصحابة: "... ماكنت لأشيم سيفاً... (50) ،واستمر في قتاله منذ أن بدأها في حروب الردة وحتى مؤته بعد معركة أجنادين(51) ، وبعد إجراء سلسلة من المعارك في بلاد الشام. إني لأرى في حزم وشدة أبي بكر مالا أراه في غيره من القادة حتى الذين وصفوا بحزم كخالد. فلقد كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يستخدم الشدة في قتاله وتدميره كل مايقع عليه(52) ، ومن وصاياه: ".. وإن لم يفعلوا فلا شيء إلا الغارة: ثم تقتلوا كل قتلة الحرق فما سواه..(53) " وطلب من خالد أن لايستبقي رجلاً أنبت. 6- الشجاعة والجرأة. كان أبو بكر شجاعاً وجريئاً في قول الحق والجهر به، إذ لما أسلم دعا إلى الله ورسوله، وقالها معلناً وصريحاً، وماخاف من بطش قومه الذين تخلفوا عن الدخول في الإسلام، وثار عليه المشركون فتحداهم ومكث في مكة يعبد الله حتى ضج الناس منه، وقد دافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم(54) ، ودفع عقبة بن معيط عنه(55) . وكان شجاعاً في ضرب السيف، وفي المواقف الصعبة التي تحتاج إلى إقدام وتضحية، فقد وقف بباب العريش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في معركة بدر يدافع عنه، فمن كان يقترب من مقر القيادة، فهو يقترب من بطش وجرأة أبي بكر، وهو الذي صمد في معركة أحد بعد أن فر من المعركة أكثر المقاتلين(56) ، وهو الذي حزم أمره وتصدى للأعداء يوم حنين(57) . وكان بطلاً مقداماً عندما أسندت إليه مهمة الخلافة، وقام المرتدون فقاتلهم بشجاعة، وحث مجلس الدفاع، وقادة الجيوش على محاربتهم، وكان مستعداً أن يدخلها حرباً لاهوادة فيها وحده، غير مبال ولامكترث بعواقبها(58) ، وتصدى للفرس والروم بآن واحد، وجرّأ العرب على قتال هاتين الفئتين الكبيرتين، وسئل علي بن أبي طالب عن أشجع الناس فقال: "أبو بكر"(59) وقال ابن مسعود: "لقد قمنا بعد رسول صلى الله عليه وسلم مقاماً كدنا نهلك فيه، لولا أن منّ الله علينا بأبي بكر، اجتمع رأينا جميعاً على أن لانقاتل.."(60) وقد أشارت عائشة بنت أبي بكر إلى هذا المعنى أيضاً(61) . 7- الفراسة. لأبي بكر أقوال تدل على الفراسة، وأمثال تدل على الحكمة والتروي والرؤية الحقة. ومن أقواله: "فمن أراد أن يتزوج امرأة فلينظر إلى أبيها أو أخيها فإنها تأتيه بأحدهما."(62) وهو الذي كلف سهيل بن عمرو حين ارتدت العرب- حين هاج أهل مكة وكادوا يفتنون- أن يخطب فيهم لعلمه ببلاغته وفصاحته، فقام فيهم خطيباً وأقنعهم(63) . وتعتبر تولية خالد بن الوليد للقيادة فراسة هاجم به المرتدين والفرس والروم، ويعتبر اختيار عمر بن الخطاب لتولي قيادة المؤمنين من بعده فراسة أكملت الفتح، وامتدت إلى أقاصي الدنيا(64) . وفي هذا يقول ابن مسعود: "أفرس الناس ثلاثة: المرأة التي جاءت على استحياء حين قالت لأبيها في موسى يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، وامرأة العزيز، وأبو بكر في عمر."(65) وقال آخرون بهذا المعنى(66) ، وكذلك لما وفدت ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّر عليهم عثمان بن أبي العاص وكان من أحدثهم سناً، فقال أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم متفرساً في هذا الغلام: (67) "إني قد رأيت هذا الغلام فيهم من أحرصهم توليه الخلافة وإصراره على أن يكون الخليفة رجلاً من قريش، لأنه كان يعلم يقيناً أنه لو استلمت الأنصار هذه المهمة فسوف يختلف الأوس مع الخزرج وتعود العداوة والشحناء بين هاتين الفئتين، لذلك بادر إلى ترشيح نفسه بعد أن كان محجماً عن تولي هذه المهمة(68) . لقد رافق فراسة أبي بكر حدة ذكائه، وتوقد فهمه، وبريق فطنته، فأصبح يلمح الأمور، ويستشف خفاياها، ويحلل موادها، ويسبر أسرارها، فهو إن اطلع على شيء فهمه، وإن عرضت عليه مسألة أفتى بها وأوضحها، كما رافق هذه الفراسة نشاط فطرته الدينية التي كشفت له الحقيقة عن الله والنبوة، فوعاهما، واستمدّ منهما كل مايوصله إلى الفراسة، وأخيراً فقد رافق فراسة أبي بكر قلب كبير مفتحة له أبواب السماء، مضاءة له أعين المبصرين، نظيف من شوائب الجاهلية ونزعاتها الخرافية. 8-النظر الثاقب. بصيرة متفتحة، وبصر حديد أوتيه أبو بكر الصديق، فما كان يعرض عليه من أمر إلا تكلم به بصدق قول، وعمل به بيقين فعل. فها هو يعلن موت رسول الله صلى الله عليه وسلم دون تردد(69) ، ويعلن القتال دون تردد على الذين فرّقوا بين الصلاة والزكاة، ويرد على أصحابه الذين اعترضوا على القتال بشدة لأنه رأى مالايرون، وبصر بما لم يبصروا. إن النظر الثاقب رافقه تأكيد وتصميم واستعداد ووضوح بحيث أثر على مرؤوسيه فجرهم إلى مايراه ومايقرره، فهو يحلف بالله ليقاتل كل من كان متنكباً عن الطريق المستقيم بمنع الزكاة، أو عدم القيام بواجبه(70) . إنه نظر فرأى أن يحارب الفرس والروم، فلقن هؤلاء درساً قاسياً، وكانت نظرته في محلها، كما أدب القبائل العربية اللخمية المتحالفة مع العدو(71) . وبذلك أثبتت الوقائع كلها، والأمور جميعها، صدق نظره، وصحة عمله، وصواب قراره، وحدة بصيرته. 9- القرار السريع الصحيح. مع سرعة القرار، كان القرار صحيحاً، ذلك أن أبا بكر استند على المعلومات الصحيحة، وعلى الرؤية الواضحة، وعلى الإرادة القوية. وعندما هوجمت المدينة خرج بسرعة إلى القبائل وردها على أعقابها، بعد أن أمر بقية الصحابة أن يبقوا في مكانهم بقوله: "الزموا أماكنكم."(72) وهل للقرار الاستراتيجي في فتح العراق دور كبير في الانتصار؟ نقول: نعم لأنه كان في وقته وفي ظروفه المحيطة به، وكذلك قرار فتح الشام، فهو قرار سريع صحيح أدى إلى تجميع الجيوش، وإلى توحيدها تحت قيادة واحدة. 10- المبادأة. كان أبو بكر يبادئ قبل أن يبدأ العدو، ويباغت قبل أن يباغته، ويفاجئ قبل أن يُفاجأ، ويدرك العدو قبل أن يدركه، ومافاته خصمه في شيء، بل كان يفوت عليه، ويحبط عمله وهجومه. ولقد دلت حروبه على أنه رجل قادر على المبادأة، وهاهم المرتدون الذين هموا بالهجوم على المدينة، واجتمعت قبائل من بني عبس وبني بكر وذبيان من الجهة الشمالية الشرقية للمدينة، لكن أبا بكر استنفر قوات المدينة بشكل سري، ونظم جيشاً، وجعل ميمنة وميسرة وساقة وفاجأ المرتدين الذين لم يكونوا يتوقعون هذا الهجوم المباغت، فشتتهم وفرق جمعهم، وعاد إلى المدينة(73) . هذه المبادأة مهدت الطريق للجيوش وللقيادة العسكرية التي أرسلها أبو بكر فيما بعد، ثم وضعت في فكر القياديين أن لامناص من التصدي لهذه الفئة ومحاربتها حتى ترجع إلى دينها أو تقتل. وكذلك المبادأة التي قام بها حين أعلن الحرب على فارس، ولم تكن قيادة فارس تتوقع مثل هذا الهجوم، وكذلك الروم فقد غرتهم كثرتهم وتقنية عتادهم وأسلحتهم، وظنوا أن العرب ولن يفكروا لن ويجرأوا على مهاجمة الروم، أو التحرش بهم، وفاجأهم أبو بكر بتوجيه الجيوش العربية إلى ديارهم، واشتبك معهم في عدة معارك. 11- العقل. إذا اختلف الصحابة في أمر رجعوا إليه، وإن أبدى رأيه غابت الآراء كلها، وإن استشير فأشار لم يظهر فوق استشارته عاقل أو مفكر، وإن بدت له فكرة محّصها ثم صمم على التمسك بها . لقد دلت سيرته على أنه صاحب عقل وروية، ورأي سديد، وقول صادق لا ريب فيه ولا شكوك. وكان في هذا من الثقات الذين اتُّبِعوا في قولهم وأعمالهم، فإذا تكلم بشيء تبعه الناس مطمئنين، وإذا سلك سلوكاً اقتفوا أثره فهو: "أسد الصحابة رأياً وأكملهم عقلاً."(74) وهو "صاحب الرأي والمشورة."(75) وقد رافق هذا العقل تلك الحكمة التي ردت الأمور إلى نصابها، ومكّنت أبا بكر من أن يضع الأمر في موضعه، وقد وصف بأنه حكيم(76) ، وكان "أرجح الناس إيماناً، وأثقلهم ميزاناً."(77) . 12- التفرغ للقيادة. إن مبدأ التفرغ سارت عليه الأمم القديمة والحديثة، فلا يستطيع قائد مهما أوتي من النشاط والحيوية أن يستلم أمر الرعية، وأن يمارس معه عملاً تجارياً أو زراعياً أو صناعياً. فمن أجل نجاح القيادة لابد من التفرغ لها، والانشغال بها وحدها دون غيرها، وقد ثبت فشل القيادة حين يكون القائد مشغولاً بغيرها من أعمال. إن أبا بكر لما ولي أمر المسلمين، ودانت له القيادة، كان تاجراً(78) يبيع الأثواب والملابس للناس، وكانت له قطعة غنم يرعاها ويحلبها، كذلك يحلب للناس أغنامهم، وكان تاجراً موسراً(79) ، فأشار عليه مجلس القيادة بترك هذا العمل والتفرغ لأعمال القيادة فقال: "من أين أطعم عيالي؟"(80) فحُدّد له راتب من الخزينة يكفيه ويكفي عياله، وهكذا انقطع القائد عن التجارة، وتفرغ للقيادة، فيصرف كل أوقاته، ويجعل كل تفكيره في أمر الناس والمرؤوسين، فكان لايأخذ إلاّ كفايته، واحترف للناس، وترك حرفته وقال: "لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال وأحترف للمسلمين فيه."(81) فكان أول خليفة يتفرغ لشؤون الدولة(82) . وظل طوال السنتين ونيف على أحسن مايكون القائد، فقد قاتل أهل الردة، وحارب الفرس والروم وانتصر في كل معركة، ذلك لأنه كما قال: "لا والله ما يصلح أمر الناس التجارة، وما يصلح لهم إلا التفرغ والنظر في شأنهم."(83) فقد كان يقف بعدها على كل صغيرة وكبيرة، يجلس في الناس فينظر في ظلامتهم، ويحضر الجيوش، ويجهز التشكيلات القتالية، ويطوف بالأمة، ينظر مايحسن شأنها، ويرفع عزتها وكرامتها. فلقد كان يشعر بعظم المسؤولية، وبكبر الأمر الملقى على عاتقه قائلاً: "طُوّقت عظيماً من الأمر"(84) . ولما حضرته الوفاة لم يوجد عنده شيء من المال غير لقحة ومحلب وغلام دفعهم إلى عمر بن الخطاب(85) ، بدليل أن المال الذي فرض له يكاد لايكفيه إلا كفافاً، وفوق كل ذلك فقد أوصى أن يرد ماتبقى من هذا المال إلى القائد الذي تسلم بعده والذي أعجب بهذا الالتزام فأثنى عليه وقال خيراً(86) ، وبهذا الالتزام فقد ألزم من بعده، التقيد بما كان عليه، والتفرغ للقيادة كما تفرغ. وبهذا فلا ينبغي لمقاتل أن يشتغل بعمل يشغله عن القتال، إذ يحظر على المجاهد أن يشتغل في التجارة أو الزراعة أو في غير ذلك. وقد حذر القائد الأعلى ومجلس القيادة من مغبة هذا الأمر حتى عدّوه من الارتداد(87) . وبذلك أصبح هذا الجيش محترفاً مفرّغاً لمهمة القتال، وهذا هو سر قوته، وانتصاراته. 13- القيادة المركزيّة. شكلت القيادة المركزية للجيوش العربيّة في المدينة المنورة من أبي بكر القائد الأعلى رئيساً وعضوية كل من عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله(88) وغيرهم. مهمة القيادة هذه وضع الخطط الحربية وإعلان الحرب وانتقاء القادة، وقيادة الجيوش. وكانت آراء واقتراحات الأعضاء غير ملزمة للقائد الأعلى إذ كانت تعتبر من قبل الاستشارة واستنارة الأمور أمام أبي بكر الصديق، الذي كان يستمد من هذه القيادة كل فكرة أو اقتراح مبتكر. بهذا استطاع أن يدير الجيوش بعقول نيرة وبقيادة قادرة للتصدي لأية معضلة صغرت أم كبرت، ولإصدار قرارات صحيحة مستنيرة بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، ولتقديم الخبرة التي اكتسبتها في المعارك من قبل والتجارب التي مرت عليها في الفترتين الجاهلية والإسلام. كان كل عضو يدلي برأيه بكل صراحة ووضوح، ثم يناقش رأيه، ويعرض على القيادة مجتمعه، كما عرض الزبير بن العوام فكرة غزو الشام. وقد تضطر هذه القيادة تعيين أحد أعضائها ليكون قائداً لأحد التشكيلات أو الجبهات كتعيين الزبير للقتال في أرض الشام(89) ومعاوية بن أبي سفيان(90) . اتخذ أبو بكر جميع التدابير لجعل القيادة مركزية في المدينة، فهو الذي سيّر ألوية الردة، وأمر قادتها أن يرجعوا إليه في كل أمر يتطلب قراراً، وأن يستأذنوه إذا فرغوا من مهمتهم التي يمكن أن نطلق عليها في الوقت الحاضر مهمة مباشرة ومهمة تالية. وعند الانتقال من مرحلة إلى مرحلة، أو من مهمة إلى أخرى، أو استئناف القتال فيما إذا فرغوا من مهماتهم المباشرة، اللاحقة، التالية..) عليهم أن يعودوا إليه لتلقي مهمات جديدة، وهذا ما يحدث في وقتنا الحاضر، بهذا يستطيع القائد الأعلى أن يكون بصورة الموقف تماماً ويسند المهام في وقتها، ويوجه القادة طبقاً للمعطيات الجديدة كأن يجمع جيشين أو أكثر بجيش واحد، أو يطلب من الأول تغيير جهده الرئيسي أو اتجاهه، أو تبديل أو تعديل مهامه. 14- التجميع والتفوق الاستراتيجيين. التجميع هو حشد جميع الجيوش أو جزء منها و جعلها تحت قيادة واحدة. والتجميع ليس تشكيلاً نظامياً؛ إنما هو مجموعة جيوش تشكيل) تشكل بمجوعها قوة كبيرة ضاربة، وليس لها حجم معين؛ إنما هي تهدف إلى التفوق على العدو في اتجاه معين. ففي حروب الردة أمر أبو بكر بجمع جيشين فأكثر إذ أصدر أوامره أن يلحق شرحبيل بعكرمة ويقاتلا بني حنيفة(91) ، كما أمر شرحبيل أن يكون مع عمرو بن العاص لقتال قضاعة(92) ، كما أمر المثنى بن حارثة الشيباني وحرملة بن مريطه ومذعور بن عدي وسُلمى بن القين التميمي أن ينضموا إلى خالد(93) . وفي حروب الجبهة الشمالية أمر أن تجمع الجيوش المرسلة إلى الشام تحت قيادة واحدة، وبقوة مطرقة كبيرة حيث عزز الجيوش بقوى ووسائط، كما عين لها القيادات المختلفة، وعين بنفس الوقت قائداً عاماً(94) فدفع يزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص وأبا عبدة بن الجراح(95) ، وأخيراً جيش خالد الذي أمره أن يسير من العراق ويلتحق بسرعة وقال لهم: "اجتمعوا فتكونوا عسكراً واحداً"(96) وأمّر عليهم قائداً واحداً هو خالد بن الوليد(97) . وما كادت هذه الجيوش تتجمع في منطقة اليرموك حتى حشدت القوات الرومية حشودها، وبدا عليها التفوق بالقوى والوسائط، ولكن الجيش العربي الإسلامي كان متفوقاً بالروح المعنوية العالية، وبالقيادة المبدعة، وبالتنسيق والتعاون، والخفة والحركة السريعة في الميدان، والمطاردة، وابتكار أساليب جديدة في القتال نظام الكراديس) في معركة اليرموك، وتجزئة القوات المعادية إلى أجزاء أقل بحيث يحصل التفوق عليها كما في معركة أجنادين. قد يكون التجمع على اتجاه واحد، أو على عدة اتجاهات، وذلك حسب قوة العدو وإمكانات الصديق، فقد أرسل أبو بكر إلى جبهة العراق خالد بن الوليد وعياض بن غنم، كما أرسل إلى جبهة الشام أبا عبيدة بن الجراح، ولمّا علم أن الروم يشكلون خطراً كبيراً على الجبهة الشمالية استدعى فوراً جيوش الجبهة الشرقية لتجتمع كلها في اليرموك. 15-المحافظة على وحدة الفكر والعقيدة في الجيش. منذ استلام أبي بكر القيادة العليا في الجيش، أمر أن يكون أفراد الجيش جميعاً من عقيدة واحدة وفكر موحد، فلا يوجد في الجيش عابد وثن، أو منافق أو مرتد. وقد شدد على المرتدين فلا يدخلوا الجيش أو يشاركوا في القتال(98) ، حتى ولو كان ذلك بعد عودتهم وبعد إيمانهم لأنهم قوم مشكوك في عقيدتهم، وحتى يرد إليهم اعتبارهم فلابد من اختبارهم ولو لفترة من الزمن، يُقررَّ في نهايتها- على ضوء هذا الاختبار تكليفهم بمهام قتالية، وقبولهم في صفوف الجيش، أو رفضهم جملة وتفصيلاً؛ ولاسيّما أن أبا بكر كان يعلم أن الأعراب وقبائل البادية ستتظاهر في الرجوع إن رأت قوة، وستتفلت إن رأت ضعفاً، وسيظهر الإسلام على لسانها فقط دون أن يدخل في قلبها الإيمان كقبيلة بني أسد التي فضحها القرآن وأظهر بواطنها: "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم.."(99) ومن توجيهات القائد الأعلى إلى قائدي الجبهة العراقية خالد بن الوليد وعياض بن غنم: "أن استنفروا من قاتل أهل الردة ومن ثبت على الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يغزونّ معكم أحد ارتد حتى أرى رأيي."(100) وبقي المرتدون بعيدين عن الدخول في القوات المسلحة والمشاركة في القتال طوال خلافة أبي بكر الصديق وبعد موته، وبعد إلحاح من المثنى الذي كان يتعاطف مع الذين تابوا واتبعوا سبيل الحق واختبروا سمح عمر بن الخطاب لهذا القائد أن يستعين بهم في قتال فارس101). هذا على مستوى الجنود وقادة الوحدات الصغرى؛ أما على مستوى قادة الجبهات والتشكيلات، فإن أبا بكر لم يعين سوى الذين ثبتت هجرتهم وقدمهم في الإسلام فقد أرسل أحد عشر تشكيلاً إلى جهات مختلفة، كلهم من الذين تميزوا بوحدة الفكر والعقيدة وكلهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الأمر في قادة جبهتي العراق والشام. 16- الاصطفاء. أو الاختيار مبدأ اتبعه أبو بكر في قيادته، فهو يصطفي من القادة خيارهم، ومن الجند والمقاتلين أكثرهم إيماناً وعقيدة، فهو بذلك يشرك في القتال أولئك الذين ليس عليهم شائبة من دين، أو مس في كرامة، أوهفوة في مسيرتهم. اشترط في القادة أن يكونوا من الذين لهم سابقة في الإسلام، ومن المهاجرين الأولين، ومن أصحاب الخبرة في الحروب والشدة في القتال، ومن الذين ولاهم الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل وظائف قيادية أو إدارية، كما اشترط في المرؤوسين ألا يكونوا من المرتدين، أو المنافقين، أو من الفرس، أو من الروم الذين احتلت أراضيهم ودخلوا تحت الحكم الإسلامي وحمايته، وأن يكونوا من الذين يحملون إرادة القتال، ويبذلون المال والنفس، ويجاهدون في الله حق جهاده، وأن يكونوا من الثابتين على الإسلام وإن تعرضوا للمحن والابتلاء. إذا استعرضنا قادة الردة والفتوح الذين قاتلوا المرتدين في الجزيرة العربية، وفتحوا بلاد فارس والشام نرى أنهم قد اتصفوا بالصفات التي تؤهلهم للقيادة التي اشترطها أبو بكر، فعكرمة بن أبي جهل من المهاجرين وإن كانت هجرته جاءت متأخرة، وهو الذي ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم على جمع صدقات هوازن102)، وعمرو بن العاص من المهاجرين الأولين ومن قريش، وله ماض مجيد، وعراقة كبيرة في الجهاد والقيادة103)، وخالد بن سعيد بن العاص أموي قرشي104)، وخالد بن الوليد المخزومي القرشي الذي حاز على جميع الصفات وغيرهم من القادة. وكان أبو بكر يفضل القرشي من القياديين إذا وجد على غيره من القبائل أو الأنصار في المدينة105). يستبعد من الاصطفاء كل المرتدين، وكل من لم يكن مسلماً وثابتاً على دينه، وجميع الذميين الذي يدفعون الجزية لقاء الدفاع عنهم وحمايتهم، وإذا انتفت صفة الدفاع هذه فلاجزية عليهم، ورد المسلمون لأهل حمص ماكانوا قد أخذوه من الخراج عندما توجهوا لقتال الروم في اليرموك106). 17-التوازن في التخطيط والتنفيذ. كان لدى أبي بكر على مستوى القيادة العامة قادة عرفوا بالعقل والتدبر، والتخطيط والتنظيم أمثال عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وطلحة وغيرهم107)، وقادة عرفوا بالتنفيذ المبدع والهجوم السريع وتطبيق مبادئ الحزب ببديهة وحسن تصرف أمثال أبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص108). لقد توحد مفهوم القتال عند الطرفين، وبدا بينهما التعاون والتنسيق لصالح تحقيق الهدف العام، كلاهما يعمل في سبيل الله طبقاً للمبادئ والتعليمات والتوجيهات التي يصدرها القائد الأعلى الذي تخرج هو وأعضاء قيادته المخططين والمنفذين من مدرسة واحدة. وبهذا قل الخلاف بل انعدم. بين القائد من جهة والقيادة من جهة أخرى، وكذلك بين المخططين والمنفذين، وسارت الأمور وكأنها بميزان وتوازن، مما ساعد في إرساء دعائم هذه الدولة وعزز مكانتها. وحافظ على مسيرتها وتطورها في خلافة أبي بكر الصديق. 18- التخطيط والتنظيم الاستراتيجيين. عندما تسلم أبو بكر القيادة، وظهرت الردة وضع خطة كبيرة لقتال المرتدين على مسرح الجزيرة العربية كلها. ثم استند إلى هذه الخطة، ونظم القوات المسلحة، والقيادة العامة، وقيادة التشكيلات، وأمر بتنظيم أحد عشر تشكيلاً، وعين لكل تشكيل قائداً109)، ثم أوكل المهمات لكل قائد، وحدد لهم الأهداف والأرض والمحور وفكرة مبسطة عن العدو وإمكاناته، ثم أمرهم ببدء الأعمال القتالية في أزمنة مختلفة، وسيّر هذه التشكيلات بعد أن مهد لها بدعاية قوية وحرب نفسية أثرت على المرتدين وعزيمتهم، وعاد منهم إلى الإسلام دون قتال مثل طيئ110). إن التخطيط الاستراتيجي قاد إلى التخطيط التكتيكي وذلك عندما طلب القائد الأعلى من خالد أن يتوقف عند كل مرحلة، فلا يبدأ بالثانية إلا بعد إذن مسبق منه111)، ليتمكن من تحليل الموقف ومراجعة ومقاطعة المعلومات الجديدة، وعلى أساسها يمكن أن تبدأ المرحلة الثانية بعد إقرارها كما هي، أو تعديلها، أو تبديلها. 19- التضليل الاستراتيجي. أرسل أبو بكر خالداً لقتال المرتدين، وبنفس الوقت تظاهر بأنه خرج بجيش تجاه خيبر، مضللاً بذلك طيء التي توجه إليها خالد لقتالها، فاحتارت في أمرها أهي تنتظر لتقابل جيش أبي بكر، أو تتحرك لتقابل جيش خالد ممّا دعاها لأن تتخلى عن فكرتها العدوانية، وأن تستجيب لنداء خالد الذي دعاها إلى الإسلام، وأن تتخلى عن حليفها طليحة بن خويلد الأسدي112)، وكذلك التضليل الاستراتيجي الكبير الذي قام به عندما أوهم الفرس أن القتال سيكون على جبهة الشام، وأوهم الروم أن القتال سيكون على جبهة الفرس، بالإضافة إلى إظهاره لهاتين القوتين على أنه غير قادر على الأقل أن يقوم بهجوم وذلك لقلة عدد جنوده إذا ماقيس بعدد الفرس أو بعدد الروم، ولذلك ظلوا قابعين في ديارهم، مهملين لواجباتهم، متقاعسين عن تحضير جيوشهم، مما سمح لأبي بكر من خلال هذا التضليل أن يعد العدة، ويجهز الجيوش ويغزو فارس والروم. 20- تحديد الأفضليات في القتال. استلم أبو بكر وقام مع هذا الاستلام كثير من المعارضين، منهم بعض الصحابة المقربين113)، وكذلك قام المتنبئون وأصحاب التيجان، والمرتدون. كلهم يريدون أن ينالوا من الحكم الجديد، وأن يستقلوا، وأن يكون لهم دولة وسلطان114). ماذا فعل أبو بكر لقاء هذه الأحداث الكبيرة التي تهدد الوحدة، وتقوض دعائم الدين؟ حدد الأفضليات فبدأ أولاً بإصلاح ذات البين فقرب وجهات النظر بين المعارضين، وطلب من عمر بن الخطاب وغيره أن يكونوا خير المصلحين115). وبعد أن أنهى هذا الخصام، وقوى الجهة الداخلية، وقارب وجهات النظر بين المعارضين، تصدى كأفضلية ثانية إلى المتنبئين الذين ادعوا النبوة فقاتلهم وأرسل الجيوش في طلبهم116)، ثم كأفضلية ثالثة جمع جمعه ودفع بقوات كبيرة إلى فارس فقاتلت وانتصرت117)، وكأفضلية رابعة أمر الجيوش أن تلتقي لحرب الروم في الجبهة الشامية، ووصلت القوات واجتمعت في معركة اليرموك118). وكذلك فإن أبا بكر حدد لخالد بعد الانتصار في أجنادين أفضليات الفتوح فقال: "وأخبرك أن تنزل إلى دمشق إلى أن يأذن الله بفتحها على يدك، فإذا تم ذلك فسر إلى حمص وأنطاكية119)، وعندما وجه قواته إلى الشام حدد أفضلية القتال في هذه الحرب على سائر الجهات فقال: "فوالله لقرية من قرى الشام أحب إليّ من رستاق عظيم في العراق120)". وكذلك فإنه حدد في جبهة العراق نفسها أفضليات فقال لخالد وأمره أن يبدأ من أسفل العراق121) ويجعلها كأفضلية أولى، أي أن أبا بكر كان يحدد أفضليات على المستوى الاستراتيجي، ويحدد الأفضليات على المستوى التكتيكي والعملياتي ضمن الجبهة الواحدة، أو ضمن المهمة الكبيرة الاستراتيجية. 21- الإمداد القتالي المتتالي. يأتي عادة هذا الإمداد من احتياج القوات المسلحة إلى الرجال والعتاد سداً للاستهلاك، ولإكمال الملاكات، أو لتعزيز القوات المقاتلة. كانت خطة الإمداد عند أبي بكر تهدف إلى إرسال الجيوش خلف بعضها، يتخللها زمن قصير أو طويل تبعاً للإمكانية في تحضير الرجال والعتاد. ففي حروب الردة أمد أبو بكر خالد بن الوليد. وأمد المثنى، وأمد زياد بن لبيد القاضي بالمهاجر بن أبي أميّة122)، ولما طلب أبو عبيدة من الجراح المدد في الجبهة الشامية أرسل إليه جيشاً بعد جيش، فكلما اكتمل تشكيل وانتظم أرسله خلف تشكيل وعلى محاور مختلفة123)، وكانت الجيوش التي أرسلها إلى جبهة الشام لا يتجاوز عدد كل واحد منها على ثلاثة آلاف مقاتل، فلم يزل أبو بكر يمدها حتى بلغ عدد كل جيش سبعة آلاف وخمسمائة مقاتل124)، فقد أرسل أولاً جيش يزيد مع مقاتلي اليمن، ثم أتبعه بجيش شرحبيل بن حسنة، ثم استنفر أهل مكة والطائف وأمر عليهم عمرو بن العاص125). 22- التعاون. التعاون عند أبي بكر هو قانون القتال إذ كان يحرص أن تتعاون الجيوش مع بعضها، وما إرساله الجيوش لفتح الشام بصورة متعاقبة وقتالية إلا لتتعاون، وكان هناك تعاون وثيق ومثالي بين جيش يزيد وجيش شرحبيل للقضاء على قوات الروم في تبوك126)، وكذلك بين الجيوش الأربعة في معركة اليرموك. ومفهوم التعاون عند القائد الأعلى أن يعرف كل قائد حدود التعاون، والأعمال التي سيقوم بها أثناء إسناد المهام، والتكامل بين الجيوش المتعاونة فلا يعمل أحدهما عمل الآخر، أو عملاً غير صائب أو مُجدٍ، وعلى هذا فإن المقاتل بجانب زميله المقاتل يعاونه، والجماعة بجانب الجماعة تقاتل معها، والفصيلة مع الفصيلة، والسرية مع السرية، والكتيبة مع الكتيبة، واللواء مع اللواء، والفرقة مع الفرقة، والجحفل مع الجحفل، والجار مع الجار، والقائد مع المرؤوسين، واسمع وصية القائد الأعلى لعمرو بن العاص: "وكاتب أبا عبيدة وأنجده إذا أرادك، ولا تقطع أمراً إلا بمشورته.."127) ولقي هذا التعاون كل إيجابية وذلك عندما اصطدم عمرو بن العاص بجيشه في فلسطين مع الروم وانتصر عليهم، ثم كتب إلى أبي عبيدة قائلاً له: "بسم الله الرحمن الرحيم. من عمرو بن العاص إلى أمين الأمة. قد وصلت أرض فلسطين ولقينا عساكر الروم مع بطريق يقال له "روبيس" في مائة ألف فارس، فمنّ الله علينا بالنصر، وقتل من الروم خمسة عشر ألف فارس، وفتح الله على يدي فلسطين بعد أن قتل من المسلمين مائة وثلاثون رجلاً فإن احتجت لي سرت إليك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته."128)ذلك هو مدى التعاون بين القائدين وبين الجيشين اللذين سارا كل واحد منهما باتجاه. وعلى اعتبار أن جيش أبي عبيدة لم يلاق صعوبات، فقد كتب إلى عمرو بن العاص بالاستمرار في مهمته التي أولاها إياه القائد الأعلى، وطلب إليه أن ينفذ أوامر أبي بكر وتوجيهاته129)، وأوصى أبو بكر كلاً من خالد بن الوليد وعياض بن غنم على التعاون في فتح فارس والحيرة فقال: "ليكن أحدكما ردءاً للمسلمين ولصاحبه بالحيرة، وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس.."130)وهذا هو تعاون الجار من الخلف الذي من مهمته منع وصول العدو من الخلف، وإنذار الجيش الذي يقاتل في الأمام، والمساعدة في الالتفاف، أو التطويق، أو ضربه من المجنبات والخلف، وجعله بين فكي الكماشة بين الجيش الذي يقاتل في الأمام وبين الجيش الذي يقاتل في الخلف "فليقم أحدكم وليقتحم الآخر على القوم.."131). 23- نظام القتال. كان أبو بكر موسوعة في نظم القتال، يعطي لكل حالة قتالية جوابها وحلها، فهو يبين كيفية الهجوم والدفاع والمطاردة، كما يوضح شروط الاستطلاع، وتسيير الدوريات وقتال الجيوش ومهامها ونظام التعاون فيها، والمعنويات ومعاملة الجنود، والقتال الليلي وشروطه ومن قوله في نظام قتال الجيوش في التعاون وأحقية القيادة: "إذا كان بكم قتال فأميركم الذي تكونون في عمله."132)ثم لما اجتمعت الجيوش في بصرى كانت القيادة ليزيد لأن بصرى من دمشق تطبيقاً لهذا النظام وتنفيذ أحكامه133). ومن قوله في الثبات والصمود: "وإذا لقيتم القوم فلا تولوهم الأدبار.."134)وفي الاستطلاع كان يقول لعمر بن العاص عندما وجهه لقتال الروم في الشام: "وابعث عيونك يأتوك بأخبار أبي عبيدة.."135) وفي خبرته في القيادة وأسس نظامها، فإنه كان يولي الجيوش لقادة عرفوا بالشجاعة والجرأة والخبرة، ويولي أمر الطليعة لقادة اختصوا بها وعرفوها فقال لعمرو: ".. وقدّم سهل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل والحدث بن هشام وسعيد بن خالد.."136)ثم قال: ".. وقدم قبلك طلائعك فيكونوا أمامك.."137)وخلاصة القول: إن أبا بكر يعلم نظام قتال الجيش العربي، فإذا ما قمنا بجمع ماقيل في القتال وفي مجال الحروب والعمليات لتكون لدينا كتاب كبير يحوي بين دفتيه نظاماً كاملاً في القتال. 24-التوَّجهات العملياتيّة. هي التوجهات التي كان أبو بكر يمليها على قادته شفهية أو كتابية، حضوراً أو غياباً. وأهم هذه التوجيهات تلك التي أعطاها لأبي عبيدة ابن الجراح، وخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص وغيرهم، وأهم ما تتضمنه هذه التوجيهات: الهدف والأعمال الواجب تنفيذها أثناء القتال والمكان المقصود والطرق أو المحاور المؤدية إلى الهدف والاتجاهات، وتحديد أمكنة الجيش وتمركزه والحراسة والطلائع والأشخاص الذين يقومون بهذه المهمة، وتعيين القادة للقلب والأجنحة والساقة، والحالات الخاصة التي تتعلق بالقائد أو بالمقاتلين، والتأمينات الاستطلاعية والإدارية، ورفع المعنويات، والحث على الصبر والثبات، وبذل المال والنفس، والاستنصار بالله، والصلاة، ورفع شعار المشورة والتعاون، أي أن هذه التوجيهات تحتوي كل المعلومات القتالية والفنية والإدارية والإنسانية138). ومن أشمل توجيهاته تلك التي وجهها إلى عمرو بن العاص التي قال فيها: "اتق الله في سرك وعلانيتك، واستحيه في خلواتك فإنه يراك في عملك... وكن والداً لمن معك، وارفق بهم في السير... واعلم يا عمرو أن معك المهاجرين والأنصار من أهل بدر فأكرمهم واعرف حقهم، ولا تتطاول عليهم بسلطانك.. وأصلح نفسك تصلح لك رعيتك... وإني قد وليتك على من قد مررت من العرب، فاجعل كل قبيلة على حميتها.. وإذ رأيت عدوك فاصبر.."139) كما أن توجيهاته إلى يزيد بن أبي سفيان كانت عميقة، فيها من المبادئ القتالية والأمور التنظيمية والمفاجأة وكتمان السر ومجابهة العدو140). 25- الاحتياط الاستراتيجي. كان أبو بكر يهتم كثيراً بهذا الاحتياط، ويوليه أهمية كبرى، لأنه يساعد على مجابهة المواقف المفاجئة وغير المتوقعة، وعلى إمداد القوات التي يتطلب موقفهما القتالي مزيداً من الرجال والعتاد، وعلى سد الخسائر التي تحصل في الجيوش المقاتلة، وعلى تشكيل قيادات أو جيوش جديدة لأحد جبهات القتال. مايكون هذا الاحتياطي بيد القائد الأعلى الذي يتصرف به طبقاً لما يمليه الموقف والظروف المتبدلة في الحرب. وقد يكون حجم الاحتياطي كبيراً أو صغيراً بحسب ظروف البلد الاقتصادية والمادية البشرية والخبرة القتالية ومعنويات المقاتلين وإمكانياتهم التدريبية. فعندما أرسلت القوات العربية مع أسامة بن زيد طمع الطامعون من المرتدين في الهجوم على المدينة وعلى القيادة العامة فشكلوا قوة مؤلفة من عدد من القبائل، وأرادوا بها النيل من الحكم الجديد، لكن أبا بكر جمع القوة الاحتياطية التي استبقاها بيده وهاجم بها هؤلاء الأخلاط من المرتدين141)، وكذلك فإنه أمدّ خالد بن الوليد بالاحتياط عندما حارب المرتدين142)، وبخاصة قبل معركة اليمامة، وأمده في جبهة الشام، كما أمدّ به الجيوش التي توجهت لقتال الروم، كما عزز أبا عبيدة بن الجراح143)، وكان يكمل النقص أثناء المعارك كما جرى بعد معركة اليمامة144)، وشكل القيادات التي أرسلها لفتوح الشام وأكملها145). 26- الخنق الاستراتيجي. هو عزل منطقة القتال عن كل إمداد، وقطع طرق المواصلات جميعها عن العدو بغية استنزاف قوته القتالية، ووسائطه المادية، وإضعاف معنوياته ليسهل التغلب والانتصار عليه146) بأقل الخسائر البشرية والمادية. عندما أرسل أبو بكر العلاء بن الحضرمي ليقاتل المرتدين في البحرين147)، وكان قبل أن يلتحق هذا القائد في تلك المنطقة المثنى بن حارثة الشيباني الذي تجرأ على الفرس وهاجمهم في عقر دارهم148). كانت تعليمات القائد الأعلى أن يكون القائد العام في مسرح العمليات العلاء، وأن يساعده في ذلك المثنى الذي عهد إليه أن يحتل النقاط الاستراتيجية من أراضي البحرين أهمها القطيف، وأن يمنع الفرس من التحرك أو الاتصال مع المرتدين، وبهذا العمل فقد أتاح للعلاء بن الحضرمي أن يستنزف قوة المرتدين ويضعف معنوياتهم، ويشتت شملهم، فهربوا فاقتفى أثرهم، وقضى على أكثرهم149)، كما أرسل أبو بكر إلى خالدٍ بسليط الذي كان من مهمته قطع خطوط المواصلات المؤدية إلى اليمامة، وأن يكون ردءاً لظهر قوات خالد، وأن يمنع القبائل التي يمكن أن تهاجم الجيش من الخلف150)، وبهذا العمل استطاع خالد أن يتفرد بمسيلمة، وأن يستنزف قوته، وكما تم ذلك عند محاصرة دمشق، فقد قطعت الطرق المؤدية إلى دمشق طريق برزة وطريق حمص- دمشق، وطريق دمشق -الكسوة، من جهات ثلاث151)، ولما طال الحصار ورأى الروم أن لاأمل من النجدات بعد أن قطعت محاور الطرق فضعفت معنوياتهم وانهارت قواهم، مما عجل باستسلام المدينة وفتحها152). 27-الهجوم على المستويين التكتيكي والاستراتيجي. بدأ أبو بكر حروبه بهجوم تكتيكي، وتلاه بهجوم استراتيجي وهي القاعدة الصحيحة المتبعة في الحروب. وما من نصر استراتيجي إلا ويسبقه نجاح تكتيكي، ففي حروبه مع المرتدين هاجمهم قبل أن يهاجموا المدينة، فقد شكل قوة من بقية المقاتلين- بعد خروج أغلب المقاتلين مع أسامة بن زيد إلى شمالي البلاد على حدود الروم، وخرج بها إلى ذي القصة فقاتل المرتدين وانتصر عليهم، وعاد إلى المدينة بعد أن ترك قوة عسكرية في تلك المنطقة. وفي نظري أن هذا الانتصار- الذي يعتبر على المستوى التكتيكي أهم انتصار في حروب أبي بكر الصديق لأنه مهّد لهجوم استراتيجي شمل ثلاثة مسارح عمليات كبيرة في شبه جزيرة العرب، وفي العراق، وفي بلاد الشام، وأضعف من معنويات أعدائه فأصبحوا يخشون بطش أبي بكر وانتقامه، ويقولون: لولا أنه يملك من القوة ماتجرأ على الخروج من المدينة، ولما أرسل أسامة، وأيقنوا أن القوة لاتزال في زخمها، حتى ولو مات محمد، وخرج أسامة، مما حدا ببعض القبائل أن تعود إلى حظيرة الوحدة، وحدا ببعضها الآخر أن تكف وتمتنع عن المجابهة أو الخروج من الدين. وكرر أبو بكر هجومه التكتيكي ثانية- وذلك عندما وصل جيش أسامة من مهمته الذي نفذها بنجاح- فخرج من المدينة باتجاه الأبرق التي تبعد حوالي 100كم شمال شرقي المدينة، ففتح قواته وهاجمهم، واستطاع أن يهزمهم ويطاردهم . ومن هنا وبعد أن حقق نجاحاً تكتيكياً أمر بتشكيل أحد عشر تشكيلاً رسم لهم خطته الاستراتيجية في اكتساح شبه جزيرة العرب، والقضاء على المرتدين. بدأ الهجوم الاستراتيجي منذ هذه اللحظة، فخرج خالد بن الوليد إلى بزاخة ثم إلى البطاح، وعكرمة بن أبي جهل إلى اليمامة، وعمرو بن العاص إلى تبوك ودومة الجندل، وشرحبيل بن حسنة يتحرك خلف جيش عكرمة، وخالد بن سعيد بن العاص إلى مشارف الشام، وطريفة بن حاجز إلى شرقي المدينة ومكة، والعلاء بن الحضرمي إلى البحرين، وحذيفة بن محصن الغلفاني إلى عُمان، وعرفجة بن هرثمة البارقي إلى مهرة، والمهاجر بن أبي أمية إلى حضرموت، وسويد بن مقرن المزني إلى تهامة وعدن. من الملاحظ أن هذا الهجوم قد اتصف بصفات جعلت الباحثين العسكريين يؤمنون بريادة وعبقرية أبي بكر الاستراتيجية في الهجوم، فهو قد غطى أرض الجزيرة العربية كلها جنوبها وشمالها، شرقها وغربها، وعين لها القادة الاستراتيجيين الذين لهم خبرة وماض مجيد في الحروب والمعارك، وحدد الاتجاهات الرئيسية والثانوية، فالرئيسية أرسل إليها خالد بن الوليد، والثانوية أرسل إليها القادة الذين تناسب أوضاعهم وإمكانياتهم القتال في هذه الاتجاهات، كما عزز الاتجاهات الرئيسية. بتشكيلات من نفس هذه التشكيلات المشكلة بالأوامر والتعليمات عند بدء الهجوم وقيد العدو وحدّ من حركته الاستراتيجية، فهو الذي أرسل عكرمة بن أبي جهل وشرحبيل ليقيدا حركة مسيلمة الكذاب وليمنعاه من التحرك نحو المدينة، وليظل متربصاً بقواته في منطقة اليمامة. ومن هذا التثبيت والتقيد يمكن لأبي بكر أن يتفرغ لغيره من المرتدين في أنحاء الجزيرة، وبالتالي يمكن للتشكيلات التي انتهت من مهمتها أن تتحرك لقتال مسيلمة، وبذلك يحصل التفوق، وتتحقق النسبة للقيام بالهجوم الاستراتيجي الذي سوف يحقق نصراً لامحالة طالما أن شروط هذا الهجوم قد تحققت. لقد نجح هجوم هذا القائد على المستوى الاستراتيجي أيضاً في جبهة العراق عندما تفرغ لها بعد أن انتهى من حروب الردة، ووجه إليها قائدين من أكفأ قواته هما خالد بن الوليد وعياض بن غنم، وأمرهما أن يدخل أحدهما من أسفل العراق والآخر من أعلاه، ليلتقيا بعد نجاحهما بالحيرة، وخطط لكل واحد منهما نقطة البدء وخط الهجوم، وعين لهما المحاور والمناطق الاستراتيجية والأفضليات كما نجح أيضاً في هجومه الاستراتيجي على الجبهة الشامية، إذ أرسل الجيوش التي أحاطت بقوات الروم من جميع جوانبها الثلاثة، وأمرها بالانتشار على جبهة واسعة عند الدفاع، وجبهة ضيقة عند الهجوم، وتجميع القوات عند اقتحام قوة الروم الكبيرة، والتقت بعد ذلك الجيوش جميعها في هذه الجبهة لتقاتل عدواً مشتركاً هو الجيش الرومي الذي كان يتفوق عدة وعدداً. فانظر إلى فعالية هذا الهجوم وأهميته وكيف بدأ بتشكيلات متعددة في القتال مع المرتدين، وانتهى بتوحيد جيش قوى ضارب استراتيجي خاض غمار الحروب السابقة، والتقى في أرض بقيادة قائد واحد انتصر على الروم وخاض معهم معركة فاصلة انتهت برحيلهم من غير رجعة عن هذه الأرض. على الرغم من نجاح قادة أبي بكر في جميع الجبهات، فإنه لم يعهد للقيادة الاستراتيجية لأحد من هؤلاء حتى على مستوى الجبهة الواحدة، وبقيت الإدارة الاستراتيجية بيده، يحرك الجيوش المختلفة من المدينة، وهو على علمه بقيادة خالد الذي برز في كل الجبهات، ومع ذلك فلم يسلمه قيادة استراتيجية، بل بقي قائد جيش شأنه في ذلك شأن عياض بن غنم في العراق، وقادة التشكيلات في حروب الردة. وعلى مايبدو فإن أبا بكر ترك لمرؤوسيه من القياديين التخصص بالأمور التكتيكية، واحتفظ لنفسه بالأمور الاستراتيجية؛ هذا ليس معناه انتقاصاً لقادته، وإنما ليفهم أن كل مرؤوس عليه أن يجتهد لكي ينجح في المهام والمعارك التي كلف بخوضها. 28- المناورة الواسعة بالقوى والوسائط. لقد تميز أبو بكر بمناورته الاستراتيجية، فقد شكل في حروب الردة أحد عشر تشكيلاً دفعة واحدة، وبثها في طول شبه الجزيرة وعرضها على مساحات واسعة، بحيث غطى الأماكن جميعها التي ذرّ فيها قرن العداء والردة. وبفضل نشاطه في المناورة، فقط تمكن أن يحرك تشكيلات من اتجاه إلى آخر بغية تعزيز الاتجاه الأكثر خطورة إذ أوعز إلى عكرمة وشرحبيل أن يلتحقا بتشكيل خالد الذي كلف فيما بعد بقتال مسيلمة، وحشد كل الإمكانيات والوسائط لتعزيز هذا الاتجاه لأنه يعلم أنه أخطرها وأهمها، وإذا ما نجح هذا الاتجاه فإنه سيكون سبباً لنجاح الاتجاهات الأخرى. وكذلك فإنه عزز وأمر بتحريك تشكيل المهاجر بن أبي أمية وعكرمة إلى حضرموت لدعم ومساندة تشكيل زياد بن لبيد، وبهذا فقد تمكن من الانتصار على خصمه الأشعث بن قيس، واستطاع أن يدحره ويشتت شمل المرتدين في ذلك الاتجاه. هذا كله مع السرعة في المناورة، والتحرك ضمن المساحة الواسعة، وضمن الزمن المقدر تكتيكياً ضمن المعركة والاستراتيجي الذي استغرق زمناً قياسياً أقل من سنة. أما حروب العراق فقد كانت المناورة الاستراتيجية على أراضي هذا البلد من الشمال والجنوب من أعلى العراق ومن أسفله، ثم قام. إكمالاً للمناورة- بتعزيز الجيشين الداخلين بتشكيلات بقيادة أربعة قادة153)أمرهم أبو بكر بالانضمام إلى جيش خالد بن الوليد وبهذا التعزيز أصبح الجيش الذي سيدخل من أسفل العراق قادراً على خوض المعارك بكل حرية واطمئنان، ونفذ مهمته، وأنقذ جيش عياض الذي توقف في دومة الجندل، وبفضل مناورة جيش خالد التكتيكية، استطاع أبو بكر توجيه هذا الجيش باتجاه الأهداف ذات الأهمية الاستراتيجية. أما حروب الشام فقد أرسل أبو بكر الجيوش المتتابعة من اتجاهات مختلفة وأسند لكل جيش مهمة في المناورة ضمن اتجاهه، وهل كانت مناورة أوسع من المناورة التي امتدت من حمص حتى جنوبي دمشق باتجاه الأردن حتى الواقوصة؟ ومع هذه المناورة الواسعة، فقد استطاعت هذه الجيوش أن تجتمع عند الشعور بالخطر إذ نقلت قواها ووسائطها بسرعة إلى الاتجاه الخطر بل الأخطر من كل الاتجاهات. وبمناورة القادة التكتيكية السريعة، اجتمعت التشكيلات والتعزيزات في منطقة حساسة اختارتها القيادة العربية، وتوفي أبو بكر وأتم هذه المناورة المخططة عمر بن الخطاب الذي أرسل بتعزيزات كبيرة إلى منطقة القتال بقيادة سعيد بن عامر154)، وأمر فيما بعد اليرموك أن توجه الجيوش لإكمال الفتح. لقد تميزت مناورة أبي بكر الواسعة بالسرعة، وبتحرك الجيوش على محاور مختلفة، وبتحديد نقطة الوصول، وبحرية العمل للقادة المرؤوسين، وبالتعاون أثناء التحرك، وكيفية التعامل مع العدو، ويعتبر تحرك خالد بن الوليد من العراق إلى الشام نموذجاً للمناورة الواسعة التي أمره بها أبو بكر الصديق، كما يعتبر تحرك جيش يزيد من المدينة، وبقية الجيوش لتلتقي بوقت واحد تجاه الجيش الرومي الذي حشد كل إمكاناته القتالية. وظهرت براعة القائد الأعلى في المناورة عندما حدد لهذه الجيوش جميعها منطقة الأعمال القتالية المقبلة التي غطت مع بعضها جبهة عريضة من الشمال من حمص وحتى الجنوب من غزة، بحيث تمكنت هذه الجيوش أن تشكل سداً منيعاً أمام القوات الرومية؛ ومن ميزة هذه المناورة أيضاً أنها بهذا الامتداد تستطيع -في حال الهجوم- أن تلتف من الشمال والجنوب، فأبو عبيدة بن الجراح من الجناح اليميني في حمص، وعمرو بن العاص من الجناح اليساري في فلسطين، يعاونهما الجار اليساري لأبي عبيدة وهو يزيد والجار اليميني لعمرو وهو شرحبيل، وكان خالد بن الوليد الذي سيصل ويحتل القلب في الجنوب من نهر اليرموك حيث وقعت هناك المعركة الفاصلة، وكذلك فإن هذه المناورة أعطت للقائد العام لجبهة الشام إمكانية جمع الجيوش في نقطة واحدة بعد انتشارها العريض، وهكذا دل أبو بكر بهذه المناورة على أنه قائد استراتيجي استطاع أن يحرك الجيوش، وينقل القوى إلى الاتجاهات الخطرة، ويسيطر سيطرة تامة على التجميع والانتشار، وأن يوجه الجيوش الكبيرة والمتعددة إلى حيث يريد. 29-قتال الاتجاهات. أو الجبهات أو النطاقات أو القطاعات. اتسم قتال أبي بكر الاستراتيجي على أنه كان يقاتل عدوه بالاتجاهات، وذلك بأن يوجه كل جيش إلى نطاق قطاع) معين من الأرض، ويسند إليه مهمة محددة، كما يأمر تلك الجيوش أن تتعاون لتحقيق الهدف العام، آخذاً بعين الاعتبار قوة العدو، وطبيعة الأرض، ولهذا فإنه يمكن أن يوجه جيشاً كبيراً أو صغيراً إلى اتجاه ما، ثم يوجه تشكيلاً أقل إلى اتجاه آخر، وقد يعين لهذه الاتجاهات من لهم علم بالأرض أو العدو الذي يقاتله، ومن لهم خبرة وتجارب سابقة، وحازوا على ثقة القيادة العليا. ففي حروب الردة أرسل أحد عشر تشكيلاً إلى جهات مختلفة، وقطاعات متباينة، وقبائل مختلفة. وفي فتوح العراق أرسل جيشين أحدهما من اتجاه الجنوب والآخر من اتجاه الشمال. وفي فتوح الشام أرسل أربعة جيوش أحدها باتجاه حمص، والثاني باتجاه دمشق، والثالث باتجاه الأردن، والرابع باتجاه فلسطين. إن هذه الاتجاهات كانت تقاد من قبل القائد الأعلى مباشرة في كل ما يتعلق بأمور الحرب، ومنه تصدر الأوامر إلى كل قائد اتجاه بما يتناسب مع المهمة الملقاة على عاتقه؛ أما قادة الاتجاهات فلهم أن يتصرفوا في حدود الأوامر الصادرة إليهم، ولهم الحرية على المستوى التكتيكي. ومن حقهم إعطاء الأوامر التي يرونها ضرورية إلى قادة التشكيلات القطاعات) لديهم متقيدين بفكرة القائد الأعلى، والوضع الراهن المتشكل. وإذا اجتمع عدة جيوش فإنهم يشكلون جبهة. في هذه الحالة يكون قائد الجبهة تابعاً تبعية مباشرة للقائد الأعلى كما كان خالد بن الوليد قائد جبهة الجزيرة في حروب المرتدين، وكما كان قائد جبهة العراق في حروب الفرس، وأبو عبيدة بن الجراح قائد جبهة الشام. وإذا كان العدو قوياً فإن أبا بكر كان يجمع جميع الجبهات بقيادة أحد القادة منهم، وتكون هذه الجبهة مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالقائد الأعلى كما حدث أن اجتمعت جبهتا العراق والشام لقتال الروم في معركة اليرموك. وهنا في هذه الحالة، تركّز الجهود الرئيسية للدولة على هذا الاتجاه، وتدار العمليات على المستوى التكتيكي بإمرة القائد العام للجبهات، وعلى المستوى الاستراتيجي بإمرة القائد الأعلى. وإذا دعت الحاجة لتعزيز تلك الاتجاهات، فإن القائد الأعلى كان يجمع المقاتلين الاحتياطيين المتوفرين في المدينة وماحولها، ثم يرسل هذا التشكيل مدداً، كما أمدّ أبو بكر سليط بن قيس الأنصاري لخالد بن الوليد في حروبه باليمامة155)، أو أن يأمر القائد الأعلى أحد الاتجاهات بالانضمام إلى اتجاه آخر لمعاونته، كما قام جيش خالد في العراق فأنقذ جيش عياض، وكما قامت كل الاتجاهات لمعاونة اتجاه جيش شرحبيل في الأردن. إن قتال الاتجاهات كان يقصد منه أبو بكر تضليل العدو عن الجهد الرئيسي، وتوجيه القوات المعادية إلى اتجاه مميت، أو قليل الأهمية، والتعاون الوثيق بين الجيوش التشكيلات)، وإمداد الجيش الذي تباطأ، أوتوقف بسبب قوة العدو وشدة المقاومة، والتطويق الذي يقوم به التشكيل الذي نجح في مهمته، إذ يعمل على الالتفاف على مجنبة ومؤخرة العدو الذي كان يقاتل تشكيلاً آخر، كما لايسمح بنفس الوقت بإجراء عملية التطويق لقواته وقوات الاتجاه الآخر يمنع العدو من أن يلتف أو يصل إلى مجنبات الصديق، كما أن قتال الاتجاهات كان يعطي استقلالاً في القيادة، والحرية في المناورة، والسرعة في التقدم، وفي خرق القوات المعادية كما في قتال خالد بن الوليد على الجبهة العراقية عندما ابتدأ من الجنوب متجهاً نحو الشمال، ليلتقي بقوات عياض بن غنم، وأخيراً فإن هذا النوع من القتال ينظف مسرح العمليات من العدو إذ يقضي حتى على البؤر الصغيرة، فلا يترك وراءه سوى الموالين وبعض القوات الصديقة لتثبت الاحتلال، ونشر العقيدة الجديدة. 30-قتال الجيوش المتلاقية، أو قتال التلاقي. هي الجيوش التي تسير على محاور مختلفة، وتنطلق من مكان واحد أو عدة أمكنة، لتلتقي بعد ذلك في نقطة واحدة وهدف واحد. ويحدد لكل جيش في هذه الحالة مهمة قتالية عليه أن ينفذها قبل أن يتلاقى مع غيره. وهذه الطريقة تعطي ميزات قتالية من أهمها سرعة المسير على المحور المحدد، وسرية التنقل، والتقليل من الضوضاء مما يتيح الإخفاء والتمويه، وزيادة التكتم، وتضليل العدو حيث يظن أن هذا الجيش المتقدم هو وحده، كما أنه يمكن جذب العدو وجعله يقدر تقديراً خاطئاً القوة الحقيقية، والكتلة الرئيسة. يمكن اتباع هذه الطريقة في حال وجود الخصم منتشراً في أمكنة متفرقة، وفي حال ضعف الخصم، وعدم قدرته على الوقوف أمام الرتل المتقدم، كما يعطي هذا النوع من القتال حرية الاختيار للقائد الأعلى الذي يمكنه أن يعين القائد الذي يريد، والاتجاه حسب حجم التشكيل، والهدف التام الذي سيحققه هذا التشكيل، والمراحل القتالية أي المهام القتالية كما يسمونها مهمة مباشرة، وتالية، واتجاه هجوم). كما يعطي هذا النوع من القتال لقائد التشكيل استقلالاً في القيادة، وحرصاً شديداً على تنفيذ المهمة المعطاة له مهما اعترضه من صعوبات وعقبات، وتنافساً شريفاً بين الجيوش المتلاقية باذلين في ذلك أغلى ماعندهم، ومقدمين التضحيات عن رغبة واندفاع، ومعنويات قوية إذ أن العرب تقاتل في القبائل التي تحافظ على شرفها وعزتها، وتحاول ما أمكنها ألا يؤتى الخذلان من قبلها، وعار الهزيمة من جانبها، فهي بذلك تكون أشد مراساً، وأثبت قتالاً، وأقوى شكيمة، وأمضى عزيمة وعناداً كقبيلة جديلة التي قاتلت كتلة واحدة مع قائدها جرير تحت قيادة المثنى في معركة البويب وغيرها من المعارك156)، كما يحقق ويعطي هذا النوع من القتال تعاوناً وثيقاً بين هذه الجيوش، حتى إذا تأخر الواحد لوجود بعض الصعوبات ساعده الجيش الآخر، كما حدث لعياض ومساعدة خالد له157). لقد أدرك أبو بكر الصديق أهمية هذا الأسلوب القتالي، وطبقه أحسن تطبيق، فقد أرسل في حروب الردة جيش عمرو بن العاص ليلتقي بجيش شرحبيل بن حسنة في معركة قضاعة ووديعة، وكذلك في معركة دبا إذا التقى حذيفة مع عكرمة158)، وفي معركة مهرة التقى عرفجة بن هرثمة مع عكرمة، والتقت الجيوش كلها في معركة اليمامة159)، وفي فتوح العراق التقى خالد مع عياض160)، وكذلك فإن خالداً عندما استلم مهمته في العراق حرك جيشه وقسمه إلى ثلاثة أرتال لتلتقي فيما بعد في الكاظمة161) وفي فتوح الشام تحركت الجيوش الأربعة من المدينة، وجيش العراق من الفراض لكي تلتقي جميعها في اليرموك162). إن قتال التلاقي يشبه قتال الاتجاهات، إلا أن الأول يكون على مستوى ضيق تكتيكي وعملياتي وأحياناً استراتيجي، أما قتال الاتجاهات فهو ذو مستوى استراتيجي، وكذلك فإن في الأول جيوشاً أقل عدداً من الثاني أي يمكن أن نعتبر قتال التلاقي على مستوى فيالق، وقتال الاتجاهات على مستوى جيوش أو جبهات، والأول يقوده قائد عام من بين الجيوش المتلاقية، أما الثاني فيقوده القائد الأعلى في المدينة، وتكون القيادة إليه مباشرة كما حدث في حروب الردة، وكما حدث في معركة اليرموك. 31- التفتيت. هو التأثير على العدو نفسياً ومادياً، بحيث يجعله غير قادر على المقاومة، مصاباً بالشلل في أجهزة القيادة، فاقداً إرادة القتال، مستسلماً بدون معركة163). لقد اختار أبو بكر لهذا التفتيت خالد بن الوليد، كما كان على معرفة تامة بإمكانيات العدو، ونقاط ضعف، وخاصة عندما اتخذ قراراً هاماً وهو فتح العراق بعد الانتهاء مباشرة من حروب الردة164)، وقدّر العدو الصديق في جميع حروبه بحيث خرج من هذا التقدير أنه يتفوق بقواه المعنوية والمادية على خصمه، كما فعل تماماً في حروب الردة، ثم درس ردود الفعل المتوقعة من قبل الفرس، وكذلك من قبل الروم فيما لو قام بحرب ضد هاتين الفئتين، أيقوم الروم بمساعدة الفرس؟ كلا؟ لأن بينهما عداوة، ويحبون أن يروا الانتقام من بعضهما البعض، وكذلك فإن الفرس دولة ضعيفة، جيشها قوي، لكن قيادته ضعيفة، والجو السياسي. ملائم لشن مثل هذه الحروب، وأما على مستوى التأثير المادي فإن أبا بكر وكز الامبراطورية الفارسية بخصرها بواسطة المثنى بن حارثة الشيباني الذي تجرأ أن يقوم بعدة غارات على أطراف الامبراطورية فيصيب منها، دون أن تحرك ساكناً، أو تدفع عنها مهاجماً، لهذا فقد قام القائد الأعلى بالمبادأة فوراً، وأعلن الحرب على فارس، وأرسل إليها أكفأ قادته يكيل لها الضربات المتتالية، موجهاً الضربات الحاسمة، بادئاً من أسفل العراق، وقام بعدة مناورات أدت إلى تحطيم قوة العدو نفسياً ومادياً، وبذلك استطاع أن يقوم أبو بكر بتفتيت مادي ومعنوي لهذه الامبراطورية ولجيوشها165)، وحين أدرك أنه قد حقق مهمته في هذا الاتجاه ركز على اتجاه الشام، وفتت أيضاً بنفس الأسلوب قوى العدو الرومي مادياً ومعنوياً، بل استطاع أن يخرج من المعارك جميعها منتصراً، متوجاً تلك الانتصارات بمعركة اليرموك التي قضت نهائياً على الامبراطورية الرومية166). 32-الإنذار القتالي: قبل أن يوجه أبو بكر الجيوش لحروب المرتدين، كتب إلى القبائل العربية المرتدة إنذاراً، يتضمن تذكيراً بعهد الله، والوفاء لرسوله، والإذعان لما جاء به، ثم دخل وانتقل بعد ذلك إلى التهديد إن لم ينصاعوا إلى الأوامر، وإن هم أبدوا تمردهم وارتدادهم، فمصيرهم القتل والحرق والسبي167). لقد حمل هذا الإنذار قائد التشكيل المرسل إلى العرب المرتدة ليقرأه عليهم ولينذرهم، فإن استجابوا نجوا، وإن امتنعوا قُتّلوا تقتيلاً168)، "فمن استجاب له وأقر وكف وعمل صالحاً قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرتُ أن يقاتله على ذلك، ثم لايبقى على أحد منهم قدر عليه، وأن يحرقهم بالنار، ويقتلهم كل قتلة، وأن يسبي النساء والذراري...169)ولما توجه خالد بن الوليد تلقاء فارس -بعد أن تلقى أمراً من القائد الأعلى- سار بجيشه حتى وصل تخوم الأراضي. وهنا وجه خالد إنذاراً -عندما وصل إلى الحيرة وقبلها إلى الكاظمة- إلى كسرى وإلى قبيصة بن أياس الطائي وكيل كسرى في تلك الديار، وقد تضمن هذا الإنذار معلومات تشبه معلومات الإنذار الذي وجهه أبو بكر إلى المرتدين170)، كما كان ينذر كل قائد حامية قبل الهجوم عليها. 33- الإدارة. عني أبو بكر بإدارة البلاد، فقسم الجزيرة إلى ولايات، وجعل على كل ولاية أميراً، يتولى شؤونها، ويتصرف بها في حدود الشرع، وكذلك فإن خالد بن الوليد كان يولي بعض القادة على المدن التي يتم فتحها في العراق. فالوالي من الوجهة العسكرية مسؤول عن تأمين الدفاع عن ولايته، وحراسة الثغور والمنافذ، وقطع الطرق على العدو إن أراد كيداً بالجيش العربي، وفي حال الضرورة دعم هذا الجيش الذي تقدم لاحتلال أرض جديدة، كما كان القعقاع بن عمرو في الحيرة عندما تحركت الجيوش العربية باتجاه الشمال، أو باتجاه دومة الجندل171)، وكذلك فإن خالد بعد معركة الولجة ترك قسماً من قواته في الجنوب وفي الأراضي والمدن التي احتلها لتكون له ردءاً، وحماية لظهره، وبعد أن احتاج إلى هذه القوات قبل معركة أليس سحبها وضمها إلى وحداته المقاتلة172). الولايات والأمراء على البلاد في زمن أبي بكر كما يلي: 1- مكة عتاب بن أسيد. 2-الطائف عثمان بن أبي العاص. 3- صنعاء المهاجر بن أبي أمية. 4- زبيد ورمع أبو موسى الأشعري. 5-الجند معاذ بن جبل. 6-البحرين العلاء بن الحضرمي. 7-نجران جرير بن عبد الله. 8-جرش عبد الله بن ثور. 9-دومة الجندل عياض بن غنم173) كما وعين خالد بن الوليد في أرض العراق عند حربه للفرس في تلك المنطقة: 1-الحيرة القعقاع بن عمرو 2-الأنبار الزبرقان بن بدر 3-عين التمر عُوَيم بن الكاهل الأسلمي174). 34-الشورى. اعتمد أبو بكر الشورى في شؤون القتال، فهو الذي شكل مجلساً من كبار القادة ومن أصحاب الرأي يستشيره في شؤون الحرب ومشكلاتها175). هذا على مستوى مجموع القوات المسلحة؛ وأما على مستوى كل جيش أو مجموعة جيوش، فإنه كان يوصي أيضاً بالشورى176)، وفي معركة اليرموك اجتمع مجلس حرب جيش الشام فأدلى كل واحد برأيه177). ولقد كانت دعوة أبي بكر إلى هذا المبدأ صريحة واضحة، إذ أعلنها من أول يوم استلم فيه القيادة، فلقد استشار مجلسه في أمر المرتدين وحربهم178)، وكذلك استشاره في فتح العراق، وفي فتح الشام179). لكل عضو في المجلس ملء الحرية بالإدلاء برأيه، ويطرح للمناقشة، ويخرج الجميع بتصور عام، واستقراء لكل المسائل المطروحة، والنظرة المستقبلية. ليست آراء المجلس ملزمة لرئيس المجلس، وإنما يستطيع القائد الأعلى أن يقرر بعد أن يستمع إلى آراء الجميع، ثم يمضي قدماً لما يقرره ويراه صواباً180). 35-الرواتب. حُدد للخليفة القائد الأعلى للجيش ستة آلاف درهم سنوياً يتقاضاها من الخزينة181)، كما حدد للمقاتل- أن يأخذ- أربعة أخماس الغنيمة كلما حصل عليها، وينفّلها له قائد الجيش، ثم يرسل بالخمس إلى الخليفة في المدينة. وهذه الغنائم مرتبطة بالانتصار على العدو، واحتلال مدنه وأراضيه وأمتعته، وعلى هذا فإن الغنيمة ليست دراهم، أو أعتدة، أو ملابس، وإنما تكون من كل ماحصل عليه الجيش واستولى عليه. وكان يصيب الفرد في معركة واحدة أكثر من ألف وخمسمائة درهم182)، بالإضافة إلى الأسلحة والأعتدة، أي أن راتب الجندي كان يعادل أضعاف راتب الخليفة السنوي. وكانت موارد الخزينة من خمس الغنائم، والزكاة، والجزية. كلها موضوعة تحت تصرف أبي بكر ينفقها ويعطي منها رواتب للموظفين، وعمال الزكاة، ووجوه الانفاق الأخرى183). 36-قواعد الإمداد. هناك قاعدة رئيسية هي المدينة المنورة، وقاعدتان تحتل الدرجة الثانية هما مكة والطائف، وقواعد متقدمة كالبحرين وعُمان. مهمة هذه القواعد جميعاً الإمداد بالرجال والعتاد والوسائط المادية المختلفة التي يحتاجها الجيش في حروبه وفتوحاته، في كل قاعدة رئيس لها مهمته تحضير وإعداد هذه الأعتدة والمواد، وتأمين وسائط النقل الكافية التي كانت تقع في الأغلب على عاتق المقاتل نفسه. وقد لعبت القواعد المتقدمة دوراً كبيراً في إمداد الجبهات، وبخاصة بالوسائط المادية، أما القاعدة الرئيسية فكانت تهتم أكثر بإمداد الرجال والقادة، وكثيراً ماكانت القواعد المستولى عليها من العدو يتوفر فيها جميع ما يحتاجه الجيش، وبخاصة من مواد الطعام. 37-المهمة الصعبة. لقد استلم أبو بكر المهمة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الردة قد انتشرت ولم يؤمن بعض الصحابة في قتال المرتدين كما تخلف قسم منهم عن المبايعة، واستشرى النفاق، وتطاول المتنبئون، وأعلنوا نبوتهم، وادعى أصحاب التيجان الملك، واضطربت المدينة، وأصبح الناس سكارى وماهم بسكارى، يحتاجون إلى من يقودهم وينظمهم ويعيد تعبئتهم على أسس جديدة، والفتن في أرجاء الجزيرة كقطع الليل المظلم، أفاق أهلها على النور وهم حديثو عهد بالكفر، فافتتنوا عند موت رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان على أبي بكر أن يتصدى لهذه المهمة بكل عزيمة وقوة، فيكون له قلب كبير يتحمل ويحتوي هؤلاء الأصحاب، وأن تكون له عزيمة وشدة يتلقى بها كيد الذين ارتدوا، وأن يُسكت الذين أعلنوا النبوة والملك، وأن يداري في حكمه تلك الفئة التي ضلت وأضلت، وأن يعيد تنظيم الجيش، ويعده الإعداد القتالي السريع، لكي يأخذ على عاتقه مهمة قتال المرتدين، وقتال الفرس والروم. وقالت عائشة: "توفي رسول الله فنزل بأبي مالو نزل بالجبال لهاضها."184) لقد كان أبو بكر لها، فبدأ أول مابدأ بإعلان الحرب التي لاتبقي ولا تذر على كل من تسول له نفسه النيل من الحكم الجديد، فوجه الجيوش إلى كل حدب وصوب، واعتمد على القوة العسكرية، واتخذ مقر قيادة ميدانية بالقصبة، وأخذ يصدر الأوامر تباعاً، ويعين القادة، وينظم التعبئة، حتى آن له أن ينهض بهذه المهمة الصعبة185). هل كان رجل غير أبي بكر قادراً على تلقي هذه المهمة؟ كلا إنه الوحيد الذي عجم عودها، واستعد لها، حتى إن عمر بن الخطاب لم يكن مستعداً إذ فاته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، وذهل من هول هذه المصيبة التي ألمت بالمسلمين186)، وكذلك فإنه لم يقنع بادئ الأمر بقتال المرتدين. وهكذا فإن الصحابة لم يكونوا مهيئين لاستلام هذه المهمة، وكان أبو بكر هو المهيأ الوحيد لاستلامها. هذه مجمل ريادة وقيادة أبي بكر على مدى زمن قصير، فلقد كان ماضيه مشرفاً، وثقافته متلألئة، ومنزلة عالية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستقامته دستوراً، وجوده نافعاً، ولحزمه شديداً، وشجاعته منقذة، وفراسته حكمة ورؤية ونوراً، ونظره ثاقباً بصيراً، وقراره سريعاً وصحيحاً، ومبادأته ناجحة، وعقله راجحاً، وقيادته مركزية مبتكرة، واستراتيجيته متفوقة بعيدة المرمى، متوازنة التخطيط والتنفيذ، وتعاونه مثمراً، استخدم الاحتياط الاستراتيجي في زمانه ومكانه، وكذلك الخنق الاستراتيجي، والهجوم، وناور باتساع بالقوى والوسائط، وأدرك أهمية السرعة، وخفة الحركة في ميادين القتال، وابتكر وطور قتال الجيوش المتلاقية، ونظام التفتيت القتالي، وفوق كل هذا فقد كان إدارياً منظماً لإدارة البلاد ولإدارة الحرب بآن واحد. حقاً إنه صاحب الريادة الذي اكتشف بها ماكنا نجهله، وعلّمنا العلم العسكري الرائد. (1) البخاري- باب الجزية: 6، مسلم- باب الوصية: 20، الدرامي- باب السير: 54. (2) البخااري- باب الاعتصام: 18، مسلم- باب الجهاد: 61، أبو داود- باب الإمارة: 22. (3) سورة الأحزاب- الآية: 36. (4) خفيف العارضين. أي خفيف صفحتي الخدين من الوجه. انظر فيروز آبادي- المحيط: 2/346. (5) أجنأ. له ميل في الظهر، وليس بالأحدب، إنما هو في كاهله انحناء على صدره: انظر ابن منظور- لسان العرب: 1/50، 51. (6) الأُزره. اللباس الذي يلبسه الإنسان، ومنه الحديث: أزرة المؤمن إلى نصف الساق ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين. انظر الزبيدي- تاج العروس: 3/11. (7) حِقو. هو معقد الإزار عند الخصر، ومن شدة نحفه يسترخي الإزار من حقويه. انظر ابن منظور- لسان العرب: 14/189. (8) الأشاجع واحدها أشجع، وهي مفاصل الأصابع: أي كان اللحم عليها قليلاً حتى بدت وظهرت العروق عليها. انظر ابن منظور لسان العرب: 8/174، ابن سعد الطبقات: 3/188، ابن واضح- تاريخ اليعقوبي: 2/116، البلخي- البدء والتاريخ: 5/76، 77، ابن عبد البر- الاستيعاب في معرفة الأصحاب: 3/973. (9) ناصف- التاج الجامع للأصول: 3/163 (10) الطبراني- المعجم الكبير: 1/5، ابن هشام- السيرة النبوية: 1/249، النووي- تهذيب الأسماء واللغات: 2/1/181. (11) ابن ماجه- باب الإقامة: 142. (12) محموص الفخذين. نحيفهما. انظر فيروز آبادي- المحيط: 2/310. (13) الزمخشري- خصائص العشرة الكرام البررة: 47. (14) ابن سعد- الطبقات: 3/171. (15) الرازي- كتاب الفراسة: 8 وما بعدها، أبو طالب الأنصاري- السياسة في علم الفراسة: 20/41 الحكيم- الفراسة: 16، أبو بكر الرازي- أحكام الفراسة: 2/32. (16) ابن عبد البر- الاستيعاب في معرفة الأصحاب: 3/977. (17) البلاذري- فتوح البلدان: 104. (18) أبو يعلى- مسند أبي يعلى: 1/82، 84. (19) سورة النور- الآية: 22. (20) إن شهاب الزهري- المغازي البنيوية: 122، شلبي- اشتراكية أبي بكر: 75. (21) في حديث رواه أبو داود. انظر ناصف- التاج الجامع للأصول: 4/51. (22) الطبراني- المعجم الكبير: 1/14، وجدي- دائرة معارف القر ن العشرين: 3/746. (23) الطبراني- المعجم الكبير: 1/8، شلبي- اشتراكية أبي بكر: 14. (24) الطبراني- المعجم الكبير: 1/13، الدواداري- الدر الثمين: 3/168. (25) الزمخشري- خصائص العشرة الكرام البررة: 25. النووي- تهذيب الأسماء واللغات: 2/1/181. (26) أبو يعلى- مسند أبي يعلى: 1/25. (27) أبو يعلى- مسند أبي يعلى: 1/34. (28) الدواداري- الدر الثمني: 3/168، 169، الأفغاني -عائشة والسياسة: 215-217. (29) العقاد- عبقرية الصديق: 43 ومابعدها. (30) ابن سعد- الطبقات: 3/176. (31) ابن الجوزي- تاريخ عمر بن الخطاب: 30. (32) ابن سعد- الطبقات: 3/176. (33) ابن عبد البر- الدرر: 47، 48، الزمخشري- خصائص العشرة الكرام البررة: 26، شلبي- اشتراكية أبي بكر: 26 ومابعدها. (34) ابن هشام -السيرة النبوية: 1/319، الراوي- تاريخ الدولة العربية: 4. (35) ابن هشام- السيرة النبوية: 1/319. (36) ابن هشام -السيرة النبوية: 1/319. 320. (37) ابن سعد- الطبقات: 3/182، 183، ابن قتيبة- الإمامة والسياسة: 1/14، ابن واضح- تاريخ اليعقوبي: 2/106. (38) ابن هشام- السيرة الذاتية: 2/661، الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/450. (39) الواقدي- فتوح الشام: 1/4. (40) وجدي-دائرة معارف القرن العشرين: 2/323. (41) البخاري- باب الاعتصام: 3، مسلم-باب الإيمان: 32، البلاذري- فتوح البلدان: 103، ابن واضح - تاريخ اليعقوبي: 2/110. (42) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/551. (43) الأزدي- فتوح الشام: 4 ومابعدها. (44) الجاحظ- العثمانية: 38، 39. (45) البخاري -باب مناقب الأنصار: 45، الترمذي- باب المناقب: 15، الجاحظ- العثمانية: 51. (46) الجميدي- المسند: 1/121. (47) الترمذي- سنن الترمذي: 9/277، الدرامي سنن الدرامي: 1/391، البلخي- البدء والتاريخ: 5/177. (48) البخاري- باب فضائل أصحاب النبي: 3، الترمذي- باب المناقب: 15، الجاحظ -العثمانية: 97، 99. (49) ابن قتيبة- الإمامة والسياسة: 1/27، ابن واضح- تاريخ اليعقوبي: 2/110. (50) البلاذري- فتوج البلدان: 136، ابن خلكان- وفيات الأعيان: 2/172. (51) البلاذري- فتوج البلدان: 157، ابن عساكر- تاريخ مدينة دمشق: 1/521. (52) الطبري- تاريخ الأم والملوك: 2/489 ومابعدها، 518. (53) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/502، ابن خياط- تاريخ ابن خياط: 100. (54) السيوطي- تاريخ الخلفاء: 26. (55) ابن الأثير- أسد الغابة في معرفة الصحابة: 3/212، السيوطي -تاريخ الخلفاء: 26، شلبي- اشتراكية أبي بكر: 54. (56) ابن سعد- الطبقات: 2/42، ابن عبد البر- الدرر: 158، النووي- تهذيب الأسماء واللغات: 2/1/184. (57) ابن سعد الطبقات: 2/151. (58) البلخي- البدء والتاريخ: 2/153، القرطبي- تفسير القرطبي: 2/464. (59) السيوطي- تاريخ الخلفاء: 26، الحلبي- السيرة الحلبية، 2/166 الكاند هلوي- حياة الصحابة: 1/557. (60) ابن قتيبة- الإمامة والسياسة: 1/15، البلاذري- فتوح البلدان: 131. (61) ابن خياط -تاريخ ابن خياط: 102، ابن كثير- البداية والنهاية: 6/305. (62) الزبيري- نسب قريش: 239. (63) الزبيري-نسب قريش: 418. (64) الجاحظ- العثمانية: 86، 94، النووي- تهذيب الأسماء واللغات: 2/1/182. (65) الجاحظ- العثمانية: 86. (66) ابن الجوزي- تاريخ عمر بن الخطاب: 52، الدواداري- الدرّ الثمين: 3/170. (67) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/365. (68) الخضري- تاريخ الأمم الإسلامية: 1/159. (69) الطري- تاريخ الأمم والملوك: 2/443، اليافعي- الجنان: 1/97. (70) أبو يعلى- مسند أبي يعلى: 1/69، ابن قتيبة- الإمامة والسياسة: 1/14، البلخي -البدء والتاريخ: 5/152. (71) هاري وهازارد- أطلس التاريخ الإسلامي: 6. (72) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/477، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/131. (73) الطبري -تاريخ الأمم والملوك: 2/479، ابن واضح- تاريخ اليعقوبي: 2/107. (74) السيوطي- تاريخ الخلفاء: 30. (75) ابن حزم- المفاضلة بين الصحابة: 231. (76) الزمخشري- خصائص العشرة الكرام البررة: 39. (77) الزمخشري- خصائص العشرة الكرام البررة: 40. (78) الجاحظ- العثمانية: 25. (79) السيوطي- تاريخ الخلفاء: 21، حسين -الشيخان: 98، 99. (80) ابن سعد- الطبقات: 3/184، الذهبي- تاريخ الإسلام: 1/386. (81) البخاري- باب البيوع: 15، ناصف- التاج الجامع للأصول: 2/94، شلبي- اشتراكية أبي بكر: 13ـ هيكل- الصديق: 32. (82) أبو هلال العسكري- الأوائل: 1/211، 215، السيوطي -الوسائل إلى مسامرة الأوائل: 97. (83) ابن سعد- الطبقات: 3/186. (84) ابن سعد- الطبقات: 3/187. (85) ابن سعد- الطبقات: 3/192. (86) ابن سعد- الطبقات: 3/192 ومابعدها. (87) الكاند هلوي- حياة الصحابة: 1/483. (88) ابن واضح- تاريخ اليعقوبي: 2/107، ابن دحلان- الفتوحات الإسلامية: 1/35. (89) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/594، ابن عساكر تهذيب تاريخ دمشق الكبير: 5/355. (90) البلاذري- فتوج البلدان: 116، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/155. (91) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/480، ابن الأثير- الكامل في التاريخ : 2/137. (92) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/504، 505. (93) الطبري -تاريخ الأمم والملوك: 3/93. (94) الواقدي- فتوح الشام: 1/133-140، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/156. (95) البلاذري- فتوح البلدان: 150. (96) الطبري -تاريخ الأمم والملوك: 2/590. (97) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/602، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/407. (98) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/554، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/147. (99) سورة الحجرات- الآيات: 14-17، وجدي- المصحف المفسر: 687. (100) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/554. 101) الطبري -تاريخ الأمم والملوك: 2/605، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/166. 102) ابن سعد- الطبقات: 7/404، البلاذري- فتوج البلدان: 105، ابن الأثير- أسد الغابة في معرفة الصحابة: 4/4. 103) ابن عبد البر- الاستيعاب في معرفة الأصحاب: 30/1188، ابن حجر- الإصابة في تمييز الصحابة: 5/2 ومابعدها، ابن الأثير -أسد الغابة في معرفة الصحابة: 2/420 ومابعدها. 104) ابن سعد- الطبقات: 4/94، ابن واضح- تاريخ اليعقوبي: 2/111، ابن عبد البر- الاستيعاب في معرفة الأصحاب: 2/420. 105) الطبري- تاريخ الأمم والملوك:4/84؛ ابن عساكر- تهذيب دمشق الكبير: 1/132. 106) البلاذري- فتوح البلدان: 187. 107) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 3/113، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/214، ابن دحلان- الفتوحات الإسلامية: 1/35. 108) البلاذري- فتوح البلدان: 150. 109) خطاب: قادة فتح العراق والجزيرة: 86. 110) الطبري -تاريخ الأمم والملوك: 2/483، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/132. 111) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/480. 112) ابن حجر- الإصابة في تمييز الصحابة: 3/296، ابن الأثير- أسد الغابة في معرفة الصحابة: 3/65. 113) ابن واضح- تاريخ اليعقوبي: 2/102-105. 114) ابن واضح- تاريخ اليعقوبي: 2/107. 115) ابن واضح- تاريخ اليعقوبي: 2/103-105. 116) ابن واضح- تاريخ اليعقوبي: 2/108-110. 117) الطبري -تاريخ الأمم والملوك: 2/557 ومابعدها، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/148. 118) ابن واضح- تاريخ اليعقوبي: 2/111،112. 119) الواقدي- فتوح الشام: 1/38. 120) الشيباني- شرح السيد الكبير: 1/47. 121) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/551، 553، 554. 122) الزبيري- نسب قريش: 316، ابن واضح- تاريخ اليعقوبي: 2/111، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/361، ابن حجر- الإصابة في تمييز الصحابة: 2/361. 123) ابن واضح- تاريخ اليعقوبي: 2/112. 124) البلاذري- فتوح البلدان: 150. 125) الواقدي- فتوح الشام: 1/4، 7. 126) الواقدي- فتوح الشام: 1/6. 127) الواقدي- فتوح الشام: 1/7. 128) الواقدي- فتوح الشام: 1/11. 129) الواقدي- فتوح الشام: 1/11. 130) الطبري- تاريح الأمم والملوك: 2/573، 574. 131) الطبري -تاريخ الأمم والملوك: 2/573. 132) البلاذري -فتوح البلدان: 150، غلوب -الفتوحات العربية الكبرى: 234. 133) البلاذري- فتوح البلدان: 155. 134) الواقدي- فتوح الشام: 1/4. 135) الواقدي -فتوح الشام: 1/7. 136) الواقدي- فتوح الشام: 1/7. 137) الواقدي- فتوح الشام: 1/8. 138) الشيباني- شرح السيد الكبير: 1/46، 47، الواقدي -فتوح الشام: 1/2، 4، 7، وتر- الإرادة العسكرية حروب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: 159-162. 139) الواقدي- فتوح الشام: 1/7/8. 140) المسعودي- مروج الذهب: 1/415. 141) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/478 ومابعدها، ابن واضح- تاريخ اليعقوبي: 2/107. 142) ابن واضح- تاريخ اليعقوبي: 2/111، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 361، 385. 143) ابن واضح- تاريخ اليعقوبي: 2/112. 144) ابن واضح- تاريخ اليعقوبي: 2/112، ابن الأثير- الكامل في التاريح: 2/366. 145) البلاذري- فتوح البلدان: 150، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/402 ومابعدها. 146) جمهرة من المؤلفين العسكريين المختصين- الموسوعة العسكرية: 2/185. 147) ابن سعد- الطبقات: 4/361 ومابعدها، ابن عبد البر- الاستيعاب في معرفة الأصحاب: 3/1086، ابن حجر- الإصابة في تمييز الصحابة: 4/259. 148) ابن الأثير- أسد الغابة في معرفة الصحابة: 4/299. 149) ابن واضح- تاريخ اليعقوبي: 2/110. 150) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/505. 151) البلاذري- فتوح البلدان: 121، الطري- تاريخ الأمم والملوك: 2/626. 152) راجع الفصل الخامس- حصار وفتح دمشق . 153) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/554. 154) الواقدي-فتوح الشام: 1/110. 155) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/505، ابن الأثير-الكامل في التاريخ: 2/138. 156) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/652، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/179. 157) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/578، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/152. 158) ابن كثير- البداية والنهاية: 6/330. 159) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/504 ومابعدها. 160) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/554. 161) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/554. 162) الواقدي- فتوح الشام: 1/128ومابعدها، أكرم- سيف الله: 476. 163) مجموعة من المؤلفين العسكريين المختصين - الموسوعة العسكرية: 1/287. 164) الطري- تاريخ الأمم والملوك: 2/553 ومابعدها. 165) ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/384 ومابعدها. 166) ابن عساكر- تاريخ مدينة دمشق: 1/443 ومابعدها. 167) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/489، 502، 518. 168) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/480-482، الخضري- تاريخ الأمم الإسلامية: 1/475. 169) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/481، 484. 170) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/551، 552. 171) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/574. 172) أكرم- سيف الله: 382. 173) الطبري -تاريخ الأمم والملوك: 2/617، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/420، الخضري -تاريخ الأم الإسلامية: 1/195. 174) الطبري- تاريخ المم والملوك: 2/574،576،578. 175) ابن واضح- تاريخ العيقوبي: 2/107، ابن دحلان- الفتوحات الإسلامية: 1/135 176) الواقدي- فتوح الشام: 1/4،8, 177) الشيباني -شرح السير الكبير: 1/49، 50. 178) ابن قتيبة- الإمامة والسياسة: 1/14، البلاذري- فتوح البلدان: 103 179) الكاند هلوي- حياة الصحابة: 448 ومابعدها. 180) انظر النقاش بين أعضاء المجلس عند الكاند هلوي- حياة الصحابة: 448-451. 181) ابن سعد- الطبقات: 3/184، 186، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/424. 182) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/556، 557، 562 ، خماش- الشام في صدر الإسلام 334 ومابعدها. 183) الخضري- تاريخ الأمم الإسلامية: 1/196. 184) البلاذري- فتوح البلدان: 132. 185) البلاذري- فتوح البلدان: 132. 186) الذهبي- تاريخ الإسلام: 1/336 ومابعدها. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |