الرّيادة فـي حـروب وفتوحات أبي بكر الصّديق - الدكتور محمّد ضاهر وتر

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:40 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

الفَصل السّابع

قادة الجبَهات والجيوش والتشكيلات‏

تشكل الجبهة عادة -في المفهوم العسكري الحديث- من عدة جيوش، ويشكل الجيش من عدة تشكيلات من عدة جحافل فيالق) أو فرق، أو ألوية، ويشكل التشكيل -حسب المستوى- من عدة فرق، أو ألوية أو كتائب، فإن كان المستوى جحفلاً فيلق) تشكل من عدة فرق، وإن كان المستوى فرقة تشكلت من عدة ألوية، وإن كان لواء) تشكل من عدة كتائب أو أفواج.‏

لقد كان في زمن أبي بكر ثلاث جبهات هي شبه جزيرة العرب، العراق، الشام. فلم يعين القائد الأعلى قادة جبهات؛ إنما كان يدير الجيوش والتشكيلات في هذه الجبهة بصورة مباشرة أي أن قائد الجيش أو التشكيل يتبع القائد الأعلى؛ إلا أنه في جبهة الشام تجمعت الجيوش كلها في جيش واحد كبير، وأصبح هذا الجيش يتبع مباشرة إلى أبي بكر الصديق، وقاد هذا الجيش الكبير خالد بن الوليد؛ أما قادة الجيوش فقد كانوا يشكلون في كل جبهة عدداً كبيراً؛ أما قادة التشكيلات فقد ظهروا بصورة واضحة في معركة اليرموك عندما تشكل هذه الجيش من عدة كراديس) وكل عدة كراديس يشكلون فرقة فيلق) ولكل فرقة قائد، ولكل كردوس قائد.‏

أولاً: القادة في جبهة شبه جزيرة العرب‏

ظهر أول ماظهر في هذه الجبهة القائد الأعلى أبو بكر الصديق الذي قاد المعارك الأولى ضد المرتدين ومعه الإخوة الثلاثة النعمان بن مقرن المزني قائد الميمنة، وأخوه أبو عبد الله قائد الميسرة، وأخوه سويد قائد الساقة(1) ، وظهر كذلك أسامة بن زيد الذي نفر بالجيش الكبير(2) تنفيذاً لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه كبار قادة الجيش.‏

لما رجع أسامة من مهمته أعيد تنظيم الجيش، وعين القادة طبقاً لهذا التنظيم، فقد شكل أبو بكر أحد عشر تشكيلاً وعهد بقيادتهم إلى خالد بن الوليد، عمرو بن العاص، خالد بن سعيد بن العاص، شرحبيل بن حسنة، عكرمة بن أبي جهل، سويد بن مقرن المزني، العلاء بن الحضرمي، طريفة بن حاجز، المهاجر بن أبي أمية، حذيفة بن محصن الغلفاني، عرفجة بن هرثمة البارقي.‏

1- أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي ت54/674‏

ورث عن أبيه الصفات العسكرية التي تؤهله لمركز قيادي مرموق فقد كان جديراً بالقيادة لما تحلى به من جرأة وشجاعة وإقدام وحسن تصرف وقرار صحيح، ولما يتميز به من حزم ومرونة(3) .‏

تأثر بالقائد العظيم والرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم حيث نشأ في رعايته، وحاز على ثقته ومحبته وصحبته، وكان يردفه خلفه، ويأخذه مع الحسن بن علي(4) .‏

عرض نفسه كجندي في معركة أحد، ورُدّ لصغره، ثم أجيز في السنة التالية وفي معركة الخندق، وشهد المعارك التي تلت.. وفي غزوة حنين صمد حين هرب المقاتلون، وقاتل حين تراجع الأبطال من بني قومه. وقد شهد غزوة مؤتة. فقاتل تحت قيادة أبيه في هذه الغزوة، وقتل أبوه في هذه المعركة، وهو يحمل حب الثأر والانتقام من قاتلي أبيه(5) ، ثم رُقي إلى مرتبة القيادة فقاد السرايا التي تندب لقتال الأعداء، وأظهر حنكة في قيادته، وطبق مبادئ القتال المعروفة، وأكثر ما كان يطبق المفاجأة والسرعة في الأعمال القتالية، ووضوح الهدف والرؤية، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيادته: "إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل وأيمْ الله إن كان لخليقاً لللإمارة..."(6) .‏

فيما يروى أنه كان أسود اللون، في وجهه آثار الجدري، ممتلئ الجسم، أفطس(7) . وكان يرى فيه النشاط والحيوية والقوة(8) .‏

معرفته بأبي بكر معرفة العقيدة، والاحترام، ومجاورة بيت النبوة، وفي المعارك حيث كان يقاتل جنباً إلى جنب مع أبي بكر في حروب وغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، وثبت في المعارك كما ثبت أبو بكر تماماً، وبخاصة في غزوة حنين(9) ، ولطالما أن أبا بكر قد عرفه من قبل، وعلم من بأسه وقوته في الحروب، وشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبو بكر لن يتوانى أبداً أن يسلمه الجيش الذي سيصل إلى حدود بلاد الروم.‏

كلف أسامة بقيادة الجيش وفيه كبار القادة(10) ، وهو صغير السن لا يتجاوز الثامنة عشرة من عمره(11) ، وأسندت إليه مهمة الوصول إلى حدود البلقاء والداروم، واستنفرت القوات المسلحة، وجهزت بالأسلحة والذخائر والمؤن وحشدت بالجرف(12) ، وماعليها إلا أن تتلقى الأوامر للتوجه إلى مهمتها وهدفها، في هذه الأثناء انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وتوقف الجيش هنيهة لتلقي أوامر جديدة من الذي سيخلف الرسول صلى الله عليه وسلم. وبويع أبو بكر الصديق، وأوكل إليه أمر هذا الجيش إما ببعثه أوباستبقائه، وهو لايزال على أهبة الاستعداد(13) . أسامة يتحرج في قيادة هذا الجيش، وذلك لذر قرن الردة في القبائل، ولوجود من هو أكبر منه سناً، وأعلى منه منزلة، ولوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان يرى فيه الود والألفة والرحمة والعطف الأبوي؛ لكنه عاد فتجاوز كل هذا عندما أكد القائد الأعلى الجديد على تأكيد قيادته وتثبيتها، وأمره بتنفيذ أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم(14) ، وعلى هذا فإن أسامة قد تقلد هذه الدرجة، وهو لايزال في ريعان شبابه، مما لم يحصل عليها غيره من الذين بلغوا من العمر الكهولة، ولهذا فهو مؤهل لأن يستلم هذه القيادة التي أسندها إليه القائد الأعلى السابق واللاحق،(15) وقد اعترف له الجميع، وها هو عمر بن الخطاب يقول: "ما كنت لأحيي أحداً بالإمارة غير أسامة.."(16)

لما عاد من مهمته منتصراً، اشترك في حروب الردة مع خالد بن الوليد، وقاتل قتالاً شديداً في اليمامة(17) ، وكان كعادته ثابتاً، شجاعاً، مرناً مندفعاً، حازماً، يتصرف في مناورته كأنه سهم حارق، وفي حركته كأنه سيل جارف.‏

كان لأسامة دور كبير في محاربة المرتدين، فهو منذ خروجه من المدينة نحو الشمال اصطدم بقبائل قضاعة التي ارتدت عن الإسلام، وأظهرت عداوتها للخليفة وقادته، ولم تستطع هذه القبائل الصمود أمام جيش أسامة الذي كان يتميز بالاندفاع والحركية العالية وحب الثأر والانتقام من هؤلاء ومن أعداء أبيه، فعاد قسم كبير منهم إلى الإسلام ودفعوا الزكاة، وبقي قسم منهم غير قليل من الذين بقوا على إسلامهم، حتى كادت بعض القبائل تقتتل فيما بينها، وحدثت مذابح كثيرة فردية وجماعية.‏

لقد تدرج أسامة في القيادة، فكان مقاتلاً عادياً تدرب على فنون القتال، ثم ارتقى فكان قائد سرية كتيبة)، ثم ارتقى فكان قائد جيش ضم كبار الصحابة والقادة، ولذا فإنه يعتبر من قادة الجيوش الكبار، وهو لايزال صغير السن.‏

لقد أسندت إليه مهمة سياسية وإدارية بعد حروب الردة حيث تولى البصرة عندما اشتدت الفتنة في عهد عثمان(18) ، وقد أظهر من حنكة السياسة، وحسن التصرف مايليق به أن يكون زعيماً سياسياً ووالياً يتولى شؤون الناس، ويتصرف في أمورهم.‏

حقاً إنه جندي وقائد عقائدي، حمل لواء العقيدة وآمن بها إيماناً راسخاً لا يتزعزع(19) ، وجعل عنوان هذه العقيدة: "لا إله إلا الله..."(20) في كل حروبه، وكان يأبى أن يقاتل من يقولها. وهذا مايفسر اعتزاله القيادة والسياسة في أيام الفتن والإضراب، وبخاصة في أيام عثمان بن عفان. وكان يتميز بحس قتالي، وبإمكانية كبيرة على وضع الاحتمالات والتنبؤات العسكرية، وهو يتأتى من عقلية راجحة متزنة على تمييز الأمور ووضعها في نصابها.‏

إن جيش أسامة بعث في المسلمين قوة معنوية كبيرة، وثبط بالمقابل عزيمة أعدائهم من الفرس والروم، وأسكت القبائل المرتدة، وأوقف سيل الردة لباقي العرب الذين حدثوا أنفسهم بقولهم: "لو لم يكن المسلمون على قوة لما خرج من عندهم هؤلاء" وجرأت العرب على أن يقتحموا حدود فارس والروم.‏

2-خالد بن الوليد 21/641‏

خالد في كل قلم ولسان، وفي كل فكر وبيان، في العرب والعجم، وفي الشرق والغرب. كتبَ عنه الباحثون، وتناوله المؤرخون، وتحدث عنه العسكريون، وإنه لفي زبر الأولين والآخرين؛ وإنه لقائد عظيم، وعسكري عبقري، وملهمة في التاريخ، وعنوان للقادة المبدعين. ماذا أكتب عنه وقد كتب من المؤلفات الكثيرة التي تناولت كل جوانب حياته العسكرية وغير العسكرية، فإني أكتب عن فترته الذهبية في خلافة أبي بكر الصديق، وحروبه، وفتوحاته التي خاضها في تلك الفترة الزمنية القصيرة، دالاً على موهبته الفذة، وعبقريته اللامعة، وقيادته المتميزة، وعنفوانه المتوثب، وألمعيته القادرة على تحسّس الأعمال القتالية، فكأنها رادار تلتقط الصور الصادقة والحقيقية عن جو المعارك، وشاشة ترتسم فيها نقاط العدو وتحركاته بكل جلاء ووضوح.‏

أبو بكر وخالد من قريش يجمعهما نسب بني مرة، وهما من عشرة أبطن، أبو بكر من بطن من بني تميم(21) ، خالد من بطن مخزوم(22) . بنو مخزوم كانت لهم القبة والأعنة(23) ، وخالد فتح عينيه على الأمور العسكرية والتدريب والقيادة، ولم يكن بحاجة إلى الكسب لأن أباه الوليد كان من أغنى أغنياء قريش، مما أتاح له التفرغ لهذه المهمة تفرغاً كاملاً، فهو يقضي نهاره في التدريب بجميع أنواعه، وفي الفروسية، وركوب الخيل، وضروب القتال في أثناء السلم(24) ، حتى إذا أزفت الحرب استقبلها في جاهزية قتالية كاملة، واستعداد تام من جميع وجوهه. فقد جمعت له كل الفرص المواتية ليكون قائداً يشار إليه، وفارساً كبيراً من فرسان قريش(25) .‏

اجتمع أبو بكر وخالد في مكة، ويعرف كل منهما الآخر حق المعرفة وبما يتميز به ويوصف، ثم ا فترقا فترة قصيرة عندما هاجر أبو بكر الصديق إلى المدينة، وترك خالداً في مكة إذ لحقه بعد ثماني سنوات، اجتمعا بعد ذلك معاً في الغزوات تحت قيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واطلع أبو بكر من خلال هذه الغزوات على كفاءة خالدٍ العسكرية وإمكانياته القتالية، حتى إذا تسلم أبو بكر القيادة العليا، قرب خالداً واصطفاه للقتال في الأمور العسكرية، فكان نائبه وعصاه الطويلة والغليظة التي أدب بها المرتدين والفرس والروم، وكان ظله الذي رافقه ولازمه في كل مهمة صعبة وفي كل بأساء اشتد وانتشر خطرها.‏

لقد كان خالد قائداً في الجاهلية والإسلام. ففي معركة أُحد كان قائد الميمنة في جيش قريش، وفي غزوة الخندق كان قائد كتيبة هاجمت دفاعات الجيش الإسلامي في الخنادق، كما حاول في كوكبة من الفرسان اقتحام الثغر ومواضع الفصل من الخندق في الليل. وفي غزوة الحديبية كان قائد الخيل وقائد الطليعة. وفي الوجه المقابل وبعد إسلامه وفي غزوة مؤته استلم القيادة قيادة الجيش العربي الإسلامي بعد موت قائد الغزوة ونائبيه، وقاد الجيش إلى التملص والانسحاب اللذين يدلان على كفاءة عالية. وفي فتح مكة كان قائد الفرقة التي دخلت من أسفل مكة. وفي حنين كان قائد الخيل في الطليعة. وفي غزوة الطائف كان قائد المقدمة. وفي غزوة تبوك أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبة من الفرسان إلى أكيدر السكوني، كما أرسله إلى بني الحارث في كتيبة أيضاً، وكان في قيادته قائداً مظفراً منتصراً، سلمه الرسول صلى الله عليه وسلم أعنة الخيل وسماه "سيف الله"(26) .‏

جاء أبو بكر الصديق إلى الحكم وتزامنت مع مجيئه حروب الردة، فانبرى لها خالد بن الوليد(27) ، وكان له الدور الكبير في قتال المرتدين إذ أُرسل أول ما أرسل إلى "بزاخة" لقتال طليحة بن خويلد الأسدي ومن حالفه من زعماء القبائل فقضى عليهم جميعاً وشتتهم في مجاهل الصحراء، فمنهم من قاتل فهُزم، ومنهم من أحجم عن القتال لما رأوا ماحل بغيرهم(28) . وبعد انتهائه من حرب هذه الفئة وإخضاعها توجه إلى "البطاح" لقتال مالك ابن نويرة ومن معه الذين خادعوا في تصرفاتهم، فإن رأوا تهاوناً خرجوا عن الدين، وإن رأوا شدة بقوا محافظين على مكانتهم التي كانوا عليها من قبل الارتداد؛ لكن خالداً لم يدع للذين في قلوبهم مرض أن يخادعوا، ولا للمرتابين أن يداهنوا، ولا للمنافقين أن يتظاهروا بعكس ما يبطنون. وتم القضاء على مالك بن نويرة بين جدال المدافعين عن خالد وبين الملقين باللائمة عليه(29) . ومهما يكن من أمر فإن أبا بكر سكت عن أعمال خالد التي ظُن أنها خارجة عن الأحكام والأصول، وعاد يمارس أعماله القتالية التي عهد إليه بها(30) إن الأمر لايحتمل التريث، ولاسيّما أن الأمور تسير بسرعة في ساحات القتال، ولابد للأمور الثانوية التي تعترض مسيرة القتال أن تقطع وبسرعة، وهكذا أقبل خالد على بترها كما يقتضي الحال في مثل هذه الظروف، وقتل ابن نويرة، ودفف على غيره من المناهضين للمد الإسلامي(31) . بعد أن نفذ خالد مهمته في تلك المنطقة انتقل منها إلى اليمامة التي فيها بنو حنيفة وزعيمهم مسيلمة بن حبيب الكذاب(32) . وهنا خاض خالد معارك كبيرة حامية منها معركة "عقربا" وحصار "حديقة الموت" اللتان قتل فيهما عدد كبير من الطرفين المتحاربين، واندحرت قوات مسيلمة وحوصرت وطوردت، وفرت على أعقابها تريد الخلاص(33) .‏

كان خالد يحرص في حروب الردة الاستمرار في القتال دون أن يترك لأعدائه فرصة الانتظار والتحضير، وكان يسعى دائماً إلى الضغط المستمر على خصمه وعدم إتاحة أي وقت حتى مجرد التفكير في الرد أو التصدي، والرد على العدو بحزم وشدة بحيث يذيقه أشد الضر، ويسيمه سوء العذاب(34) ، والحماية لمؤخرة الجيش لأن القبائل التي كان يقاتلها خالد بن الوليد اعتادت حرب العصابات ولاتزال تمارس هذا النوع من القتال، فكانت مجموعات الحماية من مهمتها: درء الأعراب المرتدّة، ووقاية مؤخرة الجيش الإسلامي والأنساق الأخيرة، وبالإضافة إلى ذلك فقد عززت قوات خالد بتشكيل أرسله القائد الأعلى من المدينة لتقوم بهذه المهمة عندما فشلت القبائل الحليفة بمهمات مجموعات الحماية(35) ، والانقضاض العنيف نحو مركز القيادة وقتل القائد، وبقتله يضطرب الجيش، وينهزم العدو كما حصل تماماً عندما حمل خالد على مسيلمة بهجوم عاصف فأدبر هارباً فتبعه حتى قتله(36) ، والحذر الشديد أثناء التقريب وعند الوصول إلى أمكنة تمركز وتجمع القبائل المعادية، فكان لا يتقدم إلا بالاستطلاع وبث العيون وإرسال الدوريات والطلائع. كل ذلك حتى يأمن من المفاجأة ومن الكمائن المنصوبة ومن الغارات المفاجئة، والمطاردة العنيفة المتوازية والمتلاقية حتى لم يفلت شريد، ولم ينج طريد، كما حدث مع قوات مالك بن نويرة(37) ، وكما حدث لقوات مسيلمة حين التجأت إلى حديقة الموت، فلم يغن عنها هذا الالتجاء شيئاً، ولم يشفع لها هربها من ساحة القتال(38) .‏

يعود نجاح خالد في حروب الردة إلى أبي بكر الذي اتخذه قائداً عاماً لمحاربة المرتدين، والذي عرف فيه تلك الكفاءة القتالية، والضراوة في الحرب، وعرف فيه قائداً ألمعياً، وجندياً باسلاً. أبو بكر كان المخطط والعقل المبدع لعمليات خالد. فهو الذي حدد له المراحل القتالية، ونقاط البدء والنهاية، والمراكز والقبائل، كما شرح له بتوجيهاته العملياتية أن يبدأ بطيء ويثني ببني أسد وحلفائها، ويثلث ببني تميم وحلفائها، ويرابع في بني حنيفة وحلفائها(39) ، كما حدد له قادة هذه القبائل موضحاً له نفسيات هؤلاء القادة وإمكانياتهم، وحتّم عليه أن يعيد تنظيم الجيش وإعادة تعبئته، وإسناد المهام إليه من جديد في كل مرحلة، وأن لايبدأ بالمرحلة أو المهمة التي تلي إلا بعد الرجوع إلى القائد الأعلى لأخذ المزيد من التوجهات التي قد تعدل أو تغير من التوجيهات الأولى بناءً على المعلومات والمعطيات الجديدة(40) ، مما أتاح لخالد أن يتصرف في حدود هذه التوجيهات، وأن يسترشدها، ويجعلها نظاماً لقتاله في حروب الردة. وعندما انتهى خالد من قتال طليحة تابع قتاله دون أن يتوقف أو يراجع مهماته القتالية كما أمره أبو بكر في ذلك، وتوجه تلقاء البطاح ومالك بن نويرة(41) مباشرة بدليل اعتراض الأنصار الذين كانوا معه على هذا التصرف لافتين انتباهه إلى التقيد بتوجيهات القائد الأعلى بهذا الشأن(42) ، ولكنه أصر على المضي والمتابعة دون توقف مشيراً إلى أن القائد الأعلى هو الذي أمره بذلك، ومعنى هذا أن أبا بكر أعطاه حرية التصرف، فإن استطاع أن يتوقف بعد المرحلة فعل، وإن لم يستطع تابع مهمته القتالية(43) وهنا رضخ الأنصار لطلبه واستجابوا لندائه وانضموا إلى جيشه(44) .‏

إن الثقة التي أعطاها أبو بكر لخالد كانت دافعاً له لأن يدخل معاركه وهو على يقين بالنصر، وكانت تقوية لمعنوياته، وأملاً لأحلامه في القضاء على الفتنة وفي تنفيذ المهمة التي أسندت إليه. اعترض المعترضون على قتال وقتل مالك بن نويرة، ومنهم عمر بن الخطاب؛ لكن أبا بكر أسكت كل الألسن التي تمس ذلك القائد الموثوق، وقال لعمر: "ارفع لسانك عن خالد"(45) . كان أبو بكر يعلم أن خالداً له هذه الموهبة، وقد قارن بين أن يقيل خالداً من منصبه وبين أن يبقيه على رأس الجيش، فإن أقاله، فلا أحد يمكن أن يحل محله في تلك الحرب الأهلية التي خاض غمارها، وعجم عودها، وبذلك يمكن أن تلحق النكسة بجيش المسلمين، ويتأخر عن تنفيذ مهماته، لهذا فضّل القائد الأعلى أن يتجاوز عن سيئات خالد -التي ظهرت في حروبه والتي منها قتل ابن نويرة، وصلح أهل اليمامة- ونكاح ابنة مجاعة بن مرارة(46) ، والتي شابها بعض التشويه- وأن يسرحه في مهمته لقتال المرتدين: "ياعمر ماكنت لأشيم سيفاً سله الله على الكافرين(47) ، وبالدفاع عن خالد والتجاوز عن سيئاته أكسبه رغبة في القتال، وتمسكاً بخططه الحربية، وسيفاً مسلولاً على رقاب أعدائه، ومهابة في قلوب خصومه، حتى إن الذي كان يتكلم بحق خالد أمسك إكراماً لأبي بكر الصديق، وامتثالاً لأوامره، وإفساحاً لحريته في أن يتصرف مايشاء تجاه خالد وحروب الردة.‏

القائد الأعلى كان يعطي الخطوط العريضة، والتوجيهات العملياتية على المستوى الاستراتيجي، والأمور الهامة، والنقاط البارزة في القتال، والقائد العام كان يتصرف في حدود هذا كله، ولا يخرج خالد عن الإطار العام. وروح هذه التعليمات، ويتصرف حسبما تمليه عليه الظروف التكتيكية، والواقع الراهن المتشكل. وهذا برأيي هو التصرف السليم والصحيح، لأن هذا المبدأ يعطي للقائد العام حرية في أن يدرس الموقف دراسة دقيقة بناءً على المعلومات الجديدة والأرض والعدو والإمكانيات، ثم يقوم بتنفيذ مهامه، وهذا ماكان يفعله خالد ابن الوليد الذي تلقى المهمة القتالية والكبرى، والفكرة من أبي بكر، ثم يمضي قدماً مراعياً في ذلك كل أسباب النصر، والمبادئ الأساسية، والتعاليم الواسعة، كما أن هذا التصرف من جانب القائد الأعلى يعطي للقائد العام لأن يسرع في عملياته القتالية وأن يستمر بها، فلو رجع خالد في كل مرة أو كل مرحلة إلى أبي بكر لتوقف القتال مدة قد تؤخره لتنفيذ مهامه القتالية المكلف بها وكذلك فإن خطوط المواصلات والاتصال الشخصي مع القائد الأعلى في كل مرة يقتضي سفراً طويلاً من أرض نجد أو اليمامة، وانقطاعاً عن ممارسة القيادة قد يؤثر على مجرى القتال ووتيرته العالية التي كان فيها، ولهذا فإن القائد العام لم يحضر إلى المدينة إلا أثناء استدعائه بشأن مالك بن نويرة، وأثناء إسناد المهمة القتالية الجديدة بعد انتهاء الردة وتكليفه بحرب الفرس في العراق(48) .‏

إن أبا بكر كان يعلم أن خالداً شديد في قتاله، غليظ في معاملته لأعدائه، وأن سيفه يقطر دماً، وأن رمحه يسدد دائماً إلى صدور خصومه، تراه دائماً في لباس القتال، وفي جاهزية قتالية دائمة. إنه المناسب أكثر من غيره لقتال المرتدين. وبشدته هذه منع بعض القبائل من الدخول في الحرب، وجعلهم يعلنون دخولهم فيما خرجوا به مسلمين طائعين، وبذلك تفرد بالقبائل التي نشزت، وبالعدو الذي أعلن العصيان المسلح على الدولة فأذاقهم أشد العذاب، فحرقهم، ومثل بهم، وزاد في الاقتصاص منهم(49) . ولولا أسلوب خالد هذا في القتال لانتشرت الردة أكثر مما انتشرت، ولطال أمد القتال، ولصعب القضاء عليها، ولكلفت من الخسائر الشيء الكثير، ولعادت التفرقة والتجزئة التي كانت عليها الجزيرة العربية قبل الإسلام، ولما استطاع العرب المسلمون فيما بعد أن يفتحوا بلاد فارس والروم.‏

رافق شدة أبي بكر مضاء خالد في مهمته. لقد استخدم القائد الأعلى الشدة في قتال المرتدين، حيث وافق خالداً في تصرفاته الشديدة، وفي بعض الأحيان فإنه كان يظهر العنف والقوة أكثر من خالد، وذلك عندما أرسل إليه كتاباً يطلب منه "أن يقتل كل محتلم" من جماعة مسيلمة الكذاب الذين نجوا بعد المعارك المتتالية، والذين عقد خالد معهم الصلح ووفى لهم(50) ، وطلب أيضاً أن يقتل وينهب ويهدم ويحرق، فلا تأخذه بهم شفقة ولا رحمة.‏

استخدم خالد المحاور القتالية التي تؤدي إلى المناطق المتجه إليها. فقد سار من المدينة على طيء مستخدماً الطريق المتجهة نحو الشمال الشرقي حتى وصل إلى "بزاخة" عبر الطريق، ومنها إلى البطاح عبر الطريق الممتد جنوب شرق بزاخة ومنها إلى اليمامة، ومنها إلى المدينة، ثم العراق. هل حدد أبو بكر لخالد محاور القتال والتحرك؟ إنه لم يحدد، بل ترك له الحرية، معتمداً في ذلك على حسن تصرفه واجتيازه المحور المناسب، بحيث يؤمن له الوصول السريع. وكان خالد في هذا يختار أقصر الطرق وأسهلها، والإخفاء والتمويه عن أنظار العدو، والظهور فجأة أمام القبائل المرتدة في زمن ومكان لاتتوقعها، وكان في سلوكه تلك المحاور يتبع الأصول في المسير، وفي ترتيب التحرك، وأمان المسير بالدوريات والاستطلاع والاقتراب والحذر، والابتعاد عن الضوضاء.‏

أعطيت الأوامر لخالد بن الوليد أن يتوجه إلى العراق. فانسحب من عقرباء باتجاه الشمال الغربي حتى وصل بالقرب من فيد... وهنا عسكر الجيش بانتظار تلقي مهمات جديدة، أو أن الجيش بقي بالانتظار في منطقة اليمامة، وسافر خالد إلى المدينة من عقرباء عبر الطريق الصحراوية التي تمر بنجد فقابل القائد الأعلى ثم عاد فتحرك من شمال فيد باتجاه الشمال الشرقي، ثم انعطف نحو الشمال الغربي ماراً بالحفير قاطعاً وادي البطن ثم عاد إلى الكاظمة، ومنها انطلق في فتوحاته على طول الشريط النهري للفرات حتى وصل إلى الفراض.(51)

لقد كان خالد في فتح العراق مبارزاً كبيراً ماهراً، سرعان مايقضي على خصمه، وبالقضاء على خصمه، تنهار معنويات عدوه، ويفر طالباً النجاة، كان حدث أن تبارز مع "هرمز" فقتله(52) ، ومع "قارن" الذي خرج إليه معقل بن الأعشى البنّاش فقتله(53) . وكذلك فإن خالداً استخدم التطويق من المجنبات والخلف والأمام فلم يترك للجيش الفارسي أن يتملص، أو أن ينسحب كما حدث في معركة "الولجة"(54) ، وحصار الحصون فلم يزل على الحصار حتى يستسلم قائد الحصن ومن معه كما فعل بحصون الحيرة(55) ، وكان هادفاً في إعادة تنظيم جيشه كلما دعت الحاجة إلى ذلك بشكل يتناسب مع المهمة القتالية وقوة العدو، وطبيعة الأرض كما فعل عندما تقدم إلى "الأنبار"(56) وقد أجاد خالد قتال التلاقي فهاجم المصيخ(57) من ثلاثة اتجاهات، وكذلك عند أول دخوله العراق قسم جيشه إلى ثلاثة تشكيلات(58) ، وهذا النوع من القتال كان يعطي خالداً حرية في القيادة، وسرعة في المناورة، والتعاون إذ يستطيع التشكيل الذي تقدم ونجح في مهمته أن يساعد التشكيل الآخر الذي اصطدم بمقاومات عنيفة حالت دون تقدمه، وتضليل العدو عن الاتجاه الرئيسي، وتحقيق المفاجأة، والتطويق. وطبق خالد في قتاله مع الفرس أيضاً تجزيء القوات المعادية، فكان يحارب كل جزء لوحده ويتغلب عليه. ومن إيجابيات هذا المبدأ أنه حقق لخالد مبدأ التفوق على هذا الجزء سيما وأن القوات الفارسية مجتمعة كانت أضعاف القوات الإسلامية، وحقق للأمراء الهدف العام وهو تدمير هذه القوة وإبادتها والوصول إلى النصر وقد استخدم هذا المبدأ في معركة "ألّيْس" عندما فصل القائد العام نصارى العرب عن فارس وقاتلهم لوحدهم، وفي معركة الحيرة عندما قتل ابن صاحب الحيرة مع مجموعة القتال وأمر قادته بمحاصرة كل حصن لوحده(59) ، وفي معركة عين التمر حين فصل تشكيل عقبة بن أبي عقة من العرب وأسره، ولما رأى الفرس ماحل بعقه انهزموا فطاردهم، وقتل منهم الكثير(60) . وبالمطاردة كان خالد يهدف إلى إبادة الفرس، إذ كان بعد نجاح اقتحام الحصون، أو بعد المعارك كان قادة الفرس ومقاتلوهم يفرون من المعركة لكن فرارهم لاينجيهم من مطاردة خالد لهم وقتلهم. ففي معركة "أليس" طارد الفرس، وأقسم على نفسه ألا يستبقي منهم أحداً، ومضى في مطاردتهم حتى كانت الدماء كالأنهار(61) .‏

لايغريه مال من غنيمة، ولايرده عن هدفه مكسب من عرض، ولا يسف إن جمع السلاح والأعتدة والأنعام، ولا يزهو بنفسه إن انتصر، ويصبر إن أصابته البأساء والضراء في الحرب. فغنم ماغنم من حصن العذيب وفي معركة عين التمر وبعد أن استولى على حصون الفرس، وغنم مغانم كثيرة، ظن العدو أنه متى ظفر بهذه الغنائم فإنه سوف يتلهى أو يتوقف عن القتال؛ لكن خالداً ظل محافظاً على هدفه، وأكمل فتح الحصون(62) ، وفي منطقة البصرة بالكاظمة نزل وتمركز اضطرارياً بعيداً عن الماء فأوصى جنده بالصبر والاحتمال(63) ، وفي معركة الولجة- التي تبعتها انتصارات كثيرة في المذار وفي منطقة البصرة- أمر المقاتلين أن يدعو الغرور جانباً، وألا تأخذهم لذة النجاح والغلبة، وأن يكونوا على يقظة وحذر، وجاهزية قتالية كاملة، وفي معركة أليس استنصر بالله وجاء ربه بقلب ملؤه الثقة والتواضع.‏

إن السمعة الحربية لخالد بن الوليد أتاحت له أن ينتصر على عدوه بسهولة، وأن يدب الرعب في خصومه، وأن ينهاروا عند سماعهم بمقدمه. فهو قائد لم يهزم، حتى في معركة واحدة بالرغم من تفوق عدوه عدة وعدداً، ولهذا فإن بعض المدن التي فتحها كانت صلحاً كالحيرة التي عقد مع أهلها معاهدة صلح(64) ، وكذلك صالح القرى التي حول الأنبار(65) ، وكذلك فإن بعض الأقوام كانت تفر منه بمجرد الاتجاه إليهم كما حدث عندما هاجم الرضاب.‏

كان خالد يعلم أن القوة في الرمي، ولهذا فإنه كان يشدد على دقة الرمي، ويقوم بتدريب الرماة بشكل جيد، ففي معركة الأنبار ظهر دور هؤلاء الرماة، فكانوا يسددون على العيون فيصيبونها(66) ، وتدل هذه المعركة على دقة الرمي والتدريب، وعلى المستوى الرفيع الذي وصل إليه هؤلاء المقاتلون في التصويب والتسديد.‏

لقد كانت مهنة الجهاد عند خالد محببة إليه، فهو يؤثرها على كل الأعمال ويجعلها في مقدمة اهتماماته. وكان يقول: "لقد شغلني الجهاد عن تعليم كثير من القرآن"(67) وقد عبّر عن حبه لهذه المهنة بقوله: "ما من ليلة يهدى إلي فيها عروس أنا لها محب أحب إلي من ليلة شديدة البرد، كثيرة الجليد، في سرية أُصبِّح فيها العدو."(68)

كان يحب أن يُترك له حرية التصرف على المستوى التكتيكي، وألا يقيّده القائد الأعلى بأمور هو ألصق بها، وأقرب إليها، ولما أراد أبو بكر أن يتدخل في الشؤون التكتيكية، وأن يفسد عليه خططه وتحركاته قال لأبي بكر: "إما أن تدعني وعملي، وإلا فشأنك بعملك."(69) حقاً إنه القائد الذي تصرف بحكمة وشجاعة ومرونة وحركة عالية على مستوى المعارك التكتيكي.‏

أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على خالد بن الوليد فقال: "نعم عبد الله سيف من سيوف الله."(70) ، وهاقد أتاه ثناء القائد الأعلى أبي بكر الصديق على الانتصارات العديدة التي حققها في بلاد فارس، فقتل منهم الكثير، وشردهم، وأعمى أبصارهم، وتركهم يتجهون في الأرض، لايدرون ماذا يفعلون، وفتح البلاد الكثيرة، ودخل المعارك البرية والنهرية، واستخدم الهجوم، وكذلك الدفاع المتحرك والنشيط، وطارد فلول المنهزمين، وأبادهم، مستخدماً الشدة والعنف في قتالهم، واستولى على الشريط النهري من الخليج ومن مصب الفرات وحتى "عنه" و "الفراض" قاطعاً في ذلك مئات الأميال. كان يقاتل في كل ميل، وفي كل أرض ومدينة يمر عليها. هذا هو القتال الزاحف الذي لايبقى ولا يذر أمامه من آثار العدو شيئاً. لهذه الأعمال صدر الثناء: "عجزت النساء أن يلدن مثل خالد"(71)

يعود انتصار خالد في فتوحه العراق، وقتاله الفرس إلى الدعم الذي لقيه من أبي بكر الصديق، وإلى التخطيط الجيد من قبل القيادة العليا في المدينة، وإلى متابعة القتال، وإعطاء التعليمات أولاً بأول، وإلى الإمداد المتواصل بالرجال والعتاد والأسلحة، وإلى التعاون الوثيق فيما بين جيش خالد وبقية الجيوش التي كانت تقاتل في تلك الجبهة كجيش عياض بن غنم، وإلى انضمام بعض التشكيلات الكبيرة كتشكيل المثنى بن حارثة الشيباني، وإلى تقسيم وتوزيع قطاعات القتال على القادة، بما يتناسب مع حجم الوحدات التي تهاجم تلك القطاعات "النطاقات" ومع المهمة ومع قوة العدو، وإلى السرعة العجيبة التي كان يتنقل بها القائد العام من اتجاه إلى آخر، أو من منطقة إلى أخرى، أفلا تُعد سرعة كبيرة عندما تحرك خالد من حدود العراق إلى دومة الجندل، لإنقاذ جيش عياض بن غنم، وإلى المناورة السريعة التي كان يجريها على جبهة القتال بالقوة والوسائط المتوفرة لديه، وإلى ابتكار الأساليب القتالية الجديدة كالتسديد على العيون في معركة الأنبار، وقتال التلاقي في منطقة البصرة وفي المصبخ(72) ، وإلى المفاجأة التي استخدمها في معركة أليس وغيرها، وإلى السمعة الحربية، وإلى امتهان الجهاد ورغبته الأكيدة في القتال، وإلى الأسباب الأخرى البدنية والعقلية والمعنوية.‏

من حرب الفرس إلى حرب الروم، ومن أرض العراق إلى أرض الشام. معركة كبيرة خاضها خالد قبل أن يتوجه إلى الشام حيث قاتل في الفراض الاتحاد المختلط من الجنسيات العربية والفارسية والرومية فقضى عليهم جميعاً، ومكث في الفراض عشرة أيام ثم عاد إلى الحيرة بانتظار الأوامر الجديدة من القائد الأعلى ومن مركز القيادة العامة في المدينة.‏

صدرت إليه الأوامر أن ينضم إلى جبهة الشام، بغية تركيز الجهود الرئيسية لقتال الروم، بعد أن كادت هذه الجبهة تتوقف عن التقدم، وبعد أن وجدت صعوبات كبيرة في القضاء على الروم. تحرك خالد من الحيرة إلى عين التمر باتجاه الشمال الغربي ماراً بوادي السرحان إلى قراقر، ثم إلى سوى حتى وصل القريتين، ومنها إلى نحو الجنوب الغربي ماراً بشرقي دمشق حتى وصل إلى اليرموك(73) ، ومن المؤرخين من يعتقدون أن خالداً سار من الحيرة إلى عين التمر، والفراض، ثم انعطف نحو الغرب ماراً بـ سوى، أراك، تدمر، القريتين، أذرعات، بصرى، اليرموك(74) . ومن المرجح أن يكون هذا القائد قد سلك هذه الطريق وذلك لقصرها، بغية الاتصال بقوات أبي عبيدة بسرعة، ولأن خالداً يهوى مثل هذه المغامرات التي تحقق له الفوز بمهمته، ولأنه قائد اعتاد ركوب المشقة والصعاب، ويندر على قائد غيره أن يسير بجيشه كما سار خالد.‏

وصل خالد إلى اليرموك بعد نصب وسغب، وعقدت القيادة اجتماعاً خرجت على أثره بإقرار تولية خالد القيادة العامة- كما أمر القائد الأعلى بذلك- للجيوش المشتركة في القتال، فقسم جيشه إلى ميمنة وميسرة وقلب واحتياط بيد القائد، وعين القادة وأسند المهام، وجدد الموجهين والقضاة والقارئين، ثم بدأ يعد التحضيرات للدخول مع الروم في معركة فاصلة، ودخل عدة معارك قبل معركة اليرموك، ولم يلبث أن جاءه خبر موت أبي بكر وتولية عمر بن الخطاب الذي قام بعزل خالد كقائد عام، وإسناد هذه المهمة إلى أبي عبيدة بن الجراح الذي كتم هذا الأمر مدة. تابع خالد معاركه تحت قيادة أبي عبيدة في فتح الشام وبخاصة في فتح دمشق، وفي فحل، ومرج الروم، وفي حمص وفي قنسرين ومرعش. وكان مثالاً للجندي، وقدوة للقادة على مر الأجيال.‏

رأى أبو بكر وهو القائد الأعلى أنه لايتم النصر على الروم إلا بخالد الذي خاض معارك الردة والعراق فلم يهزم، والذي كان للمهام الصعبة، فأرسل إليه يستحثه السير بسرعة إلى جبهة الروم، ونفذ هذه المهمة الشاقة في المسير، وابتكر نظام الكراديس في معركة اليرموك، وأعاد تنظيم الجيش بشكل ابتكاري وإبداعي، وكان هدفه من ذلك إظهار أن الجيش العربي كثير في عدده، وتأميناً للمرونة في القيادة، والسرعة في القتال والمناورة، وتوفيراً للاحتياط لدى القائد.‏

إن عامل الزمن عامل مهم في القتال، فإذا رماك خصمك بأقل مما رميته به بأقل من الثانية بسلاح واحد ذي ميزات متشابهة فقد انتصر عليك، فكيف إذا كانت بالساعات والأيام؟ فإنها ستكون حتماً للذي سبق وحضّر وأعد العدة. ولهذا فإن خالداً كان يدرك قيمة العامل الزمني إذ لما قطع الطريق من الحيرة إلى اليرموك كان يرمي إلى ذلك العامل إلى اقتصار الزمن، حتى ولو كان محفوفاً بالمخاطر كالعطش أو التيه في الأرض. وهذه السرعة اتبعها أيضاً في حرب العراق وذلك عندما تحرك من الحيرة إلى دومة الجندل لمساعدة عياض، حيث قطع المسافة بسرعة كبيرة وزمن قصير.‏

لم يتم خالد مابدأه مع الروم إذ جاءته الأوامر أن يتنحى عن قيادة الجيش ويتولاها أبو عبيدة بن الجراح، وظل يقاتل كنائب، وله مكانته وتقديره، واشترك في الفتوحات وكان له دور كبير فيها، إلى أن توفي بحمص. وله ضريح حتى الآن يحج إليه الزوار، ويتبركون به.‏

إن خالد بن الوليد اقترن بأبي بكر الصديق الذي كان معجباً بقيادته وبخبرته القتالية، وبانضباطه العالي، وخاصة عندما أتاه نبأ العزل فاستقبله بكل طواعية، وبعقله الراجح الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أرى لك عقلاً رجوت ألا يسلمك إلا إلى خير(75) ". وبجوده وكرمه(76) ، وبحبه للعسكرية التي كان يعتبرها أولى الأعمال وأجدرها بالعناية والحب(77) ، وبشجاعته التي تعتمد على الإقدام دون التهور(78) ، وبتدريبه المتواصل الطويل الذي بدأه منذ أن كان يافعاً واستمر به حتى آخر حياته(79) ، وبمعنوياته العالية التي كان يتمتع بها حتى في أعقد الظروف وأصعب المهام(80) ، وبشدته في القتال(81) ، وبحسه الحربي الذي لايخطئ وبأناته ووثوبه(82) ، وبحمله للنصب والسغب، وتصرفه في حدود الفكرة العامة للقائد(83) ، وبقراره الصحيح النابع من معطيات صحيحة وتقدير صحيح(84) ، وبعقيدته النابعة من إيمان بالنصر من عند الله(85) ، وبجاهزيته القتالية الكاملة في كل زمان ومكان أينما حل بجيشه، وفي أي وقت ارتحل(86) . وبعد فإنه "لم ينبغ في العرب ولا غيرهم أبرع منه في قيادة الجيوش ولا أشجع ولا أحذق."(87) .‏

(1) الذهبي- تاريخ الإسلام: 1/30، ابن خلدون- ديوان المبتدأ والخبر: 2/2/66.‏

(2) ابن عبد البر- الاستيعاب في معرفة الأصحاب: 1/75، ابن عساكر- تهذيب تاريخ دمشق الكبير: 1/117.‏

(3) خطاب -قادة فتح الشام ومصر: 35-38.‏

(4) ابن الأثير- أسد الغابة في معرفة الصحابة: 1/65.‏

(5) ابن سعد- الطبقات: 2/128، 129.‏

(6) ابن سعد- الطبقات: 4/65،66، البخاري- باب المغازي: 42، 87، مسلم -باب الفضائل: 63، 64، الترمذي- باب المناقب: 39.‏

(7) ابن عبد البر- الاستيعاب في معرفة الأصحاب: 1/75، ابن الأثير- أسد الغابة في معرفة الصحابة: 1/66، ابن كثير- البداية والنهاية: 6/304، 305.‏

(8) ابن سعد- الطبقات: 4/65 ومابعدها.‏

(9) ابن سعد- الطبقات: 2/151.‏

(10) ابن حجر- الإصابة في تمييز الصحابة: 1/29، ابن عبد البر- الاستيعاب في معرفة الأصحاب 1/75، ابن الأثير- أسد الغابة في معرفة الصحابة: 1/64، 66.‏

(11) الذهبي- سير أعلام النبلاء: 2/355.‏

(12) ابن عساكر- تهذيب تاريخ دمشق الكبير: 1/117، ابن كثير- البداية والنهاية: 6/35.‏

(13) ابن سعد- الطبقات: 2/191، ابن واضح -تاريخ اليعقوبي: 2/106.‏

(14) ابن واضح- تاريخ اليعقوبي: 2/106/ ، البلخي- البدء والتاريخ: 5/152، ابن حجر- الإصابة في تمييز الصحابة: 1/29.‏

(15) ابن سعد- االطبقات: 2/190، ابن عبد البر- الاستيعاب في معرفة الاصحاب: 1/76، ابن عساكر- تهذيب تاريخ دمشق الكبير: 1/117.‏

(16) ابن سعد- الطبقات: 4/67.‏

(17) البلخي- البدء والتاريخ: 5/152.‏

(18) ابن كثير- الكامل في التاريخ: 3/59.‏

(19) خطاب- قادة فتح الشام ومصر: 48.‏

(20) ابن سعد- الطبقات: 4/69، ابن الأثير- أسد الغابة في معرفة الصحابة: 1/65.‏

(21) الزبيري- نسب قريش: 275، ابن حبيب- المحبر: 12، ابن حزم -جمهرة أنساب العرب: 1/135.‏

(22) ابن حزم- جمهرة أنساب العرب: 1/141، ومابعدها، ابن عبد البر- الاستيعاب في معرفة الأصحاب: 3/963، ابن الأثير- أسد الغابة في معرفة الصحابة: 2/102، 3/307.‏

(23) ابن عبد البر- الاستيعاب في معرفة الأًصحاب: 2/427، ابن الأثير- أسد الغابة في معرفة الصحابة: 2/101.‏

(24) ابن سعد- الطبقات: 7/394، ابن الأثير- أسد الغابة في معرفة الصحابة: 2/102.‏

(25) ابن حبيب- المنمق: 528، كمال -الطريق إلى المدائن: 188 ومابعدها.‏

(26) الزبيري- نسب قريش: 320، الذهبي -سير أعلام النبلاء: 1/264، 267، 268.‏

(27) ابن عبد البر- الاستيعاب في معرفة الأصحاب: 2/429.‏

(28) البلاذري- فتوح البلدان: 133، ابن واضح- تاريخ اليعقوبي: 2/108، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/123، فارق- تاريخ الردة: 24 ومابعدها.‏

(29) الزبيري- نسب قريش: 321.‏

(30) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/502 ومابعدها، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/35.‏

(31) البلاذري- فتوح البلدان: 136، الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/502، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/136.‏

(32) الزبيري- نسب قريش: 321.‏

(33) البلاذري- فتوح البلدان: 121، ابن الأثير -أسد الغابة في معرفة الصحابة: 2/103.‏

(34) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/501، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/123.‏

(35) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/505، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/138.‏

(36) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/505، ابن حزم- جوامع السيرة: 341، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/139.‏

(37) البلاذري- فتوح البلدان: 107.‏

(38) البلاذري- فتوح البلدان: 121، الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/514، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/139.‏

(39) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/480، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/132.‏

(40) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/480.‏

(41) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/502، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/135.‏

(42) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/501، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/136.‏

(43) البلاذري- فتوح البلدان: 122.‏

(44) البلاذري- فتوح البلدان: 122‏

(45) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/502، البلخي- البدء والتاريخ: 5/160، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/137.‏

(46) الزبيري- نسب قريش: 321.‏

(47) البلاذري- فتوح البلدان: 136، الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/503، البلخي: البدء والتاريخ: 5/160، ابن خلكان- وفيات لأعيان: 2/172.‏

(48) أبو يوسف- الخراج: 169، البلاذري- فتوح البلدان: 243.‏

(49) ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/123.‏

(50) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/516.‏

(51) أبويوسف- الخراج: 169، البلاذري- فتوح البلدان: 242ن 243.‏

(52) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/557، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/148.‏

(53) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/558، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/148.‏

(54) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/559، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/148، 149.‏

(55) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/568، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/151.‏

(56) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/574 ومابعدها.‏

(57) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/580، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/152.‏

(58) خطاب- قادة فتح العراق والجزيرة: 105.‏

(59) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/565.‏

(60) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/576، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/151.‏

(61) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/560، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/149.‏

(62) الدينوري- الأخبار الطوال: 112، الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/576، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/151.‏

(63) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/555، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/148.‏

(64) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/563، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/149.‏

(65) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/574، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/151.‏

(66) ابن حجر- الإصابة في تمييز الصحابة: 2/98، 99.‏

(67) ابن حجر- الإصابة في تمييز الصحابة: 2/99.‏

(68) الذهبي- سير أعلام النبلاء: 1/269،270‏

(69) ابن حجر- الإصابة في تمييز الصحابة: 2/99.‏

(70) البخاري- باب فضائل أصحاب النبي: 25، باب المغازي: 44، مسلم -باب الزكاة: 145، الترمذي- باب المناقب: 49، ابن الأثير- أسد الغابة في معرفة الصحابة: 2/102.‏

(71) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/563، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/149.‏

(72) الطبري- تاريخ الأمم والملوك: 2/580.‏

(73) خطاب- قادة فتح العراق والجزيرة: 125.‏

(74) أبو خليل- أطلس التاريخ العربي: 235، مادون- الخريطة التاريخية: 1‏

(75) ابن سعد -الطبقات: 4/252، 7/394.‏

(76) ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/207.‏

(77) ابن حزم- المفاضلة بين الصحابة: 297، الذهبي -سير أعلام النبلاء: 1/269، 270، ابن حجر- الإصابة في تمييز الصحابة: 2/98.‏

(78) الطبري -تاريخ الأمم والملوك: 2/560، ابن الأثير- أسد الغابة في معرفة الصحابة: 2/95.‏

(79) الطبري -تاريخ الأمم والملوك: 2 /561، ابن الأثير- أسد الغابة في معرفة الصحابة: 2/101.‏

(80) الطبري -تاريخ الأمم والملوك: 2/578، 594.‏

(81) الطبري -تاريخ الأمم والملوك: 2/560‏

(82) ابن وضاح- تاريخ اليعقوبي: 2/108.‏

(83) الطبري -تاريخ الأمم والملوك: 2/501، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/136.‏

(84) الطبري -تاريخ الأمم والملوك: 2/626، ابن الأثير- الكامل في التاريخ: 2/164.‏

(85) الطبري -تاريخ الأمم والملوك: 2/567، 579، 603 ابن الأثير-الكامل في التاريخ: 2/155، 156.‏

(86) الطبري -تاريخ الأمم والملوك: 2/626.‏

(87) ابن حزم- الفاضلة بن الصحابة: 298.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244