الخطاب القومي في الثقافة الجزائرية - الدكتور عمر بن قينة

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:41 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

القسم الأول: بحوث ودراسات

الدراسة الأولى: معالم في جهود الرّحالة المسلمين‏

من القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي إلى: القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي‏

فنّ الرحلة من التقاليد المفيدة في تراثنا الحضاري، وفي إنتاجنا الفكري والأدبي خصوصاً، منذ القديم حتى اليوم.‏

فقد بدأ فنّ الرحلة في النثر العربي في فترة مبكّرة، كما عرف العرب الرحلة عبر تاريخهم الطويل، منذ كانت رحلتهم للتجارة، من مكة شتاء إلى اليمن، وصيفا إلى الشام، كما هو ثابت في القرآن الكريم.‏

وإذا كانت أغراض الرحلة قبل الإسلام التجارة عموماً والبحث عن الكلإ والماء للماشية في المراعي، فإنها اتخذت لها بعد الإسلام طابعاً جديداً في دوافعها التي بدأت تتعدّد ومقصدها المتطور جداً، ثم في شكلها المتميّز أدبياً وعلمياً بصفتها عملاً مدوّنا ذا طابع فكري-علمي، بجوانبه التاريخية والجغرافية والاجتماعية والأدبية، وهي جوانب تختلف حظوظها في الرحلات بحسب الكاتب وهدفه وطريقة تعبيره في صياغة رحلته.‏

ذلك أنه بعد ما خرج العرب من معركة الفتوحات لتبليغ رسالة الإسلام في الأرض تكوّن لديهم رصيد من المعلومات عن الأوطان المفتوحة وتطلّعوا إلى ما وراءها، كما بدأت تتّسم رؤية الرّحالين للأوضاع في هذه البلدان وفي الأقطار العربية، كما هو الحال خارجها من بلدان المعمورة لمعرفة مناخها ونوع الحياة فيها:‏

تنفيذاً لرغبة خاصة أو قياماً بمهمة في سفارة أو غيرها.‏

وهكذا شرع فنّ الرحلة يحتلّ مكانة معتبرة في النثر العربي، وقد بدأ ذا اهتمامات تاريخية جغرافية، تدرّج في التطوّر للاهتمام بحياة الناس وعاداتهم وتقاليدهم ونظم الحكم وأساليب العيش، وأشكال العلاقات بين الناس، كما مضى يتطور ليكتسي أسلوباً أدبياً يعانق فيه الواقع الخيال، ويتآزران في وصف الأوضاع والبلدان وحياة الناس ومشاعرهم.‏

وبالموهبة والحس الأدبي والخيال يكتسي عمل الرحالة أهميته الأدبية الخاصة التي تعطي الرحلة رونقها الأدبي الذي تنهض فيه أساساً على المشاهدة المباشرة وحدها، أو مع السماع والإطلاع على المصنفات التاريخية والجغرافية وغيرها، لذا اختلفت مستويات الرّحلة في طابعها الأدبي أو في قربها منه أو بعدها عنه، فمنها ما كان رحلة أدبية خالصة، ومنها ما كان عملاً تاريخياً محضاً أو جغرافيا بحتا أو هما معا أو أثنوجرافيا(1) صرفا. وربّما اجتمعت عناصر مختلفة من هذه كلّها في لبوس أدبي يوفّر معرفة واطّلاعاً ومتعة أدبية وأثراً فكرياً وفنياً.‏

وعند النظر في مسيرة الرحلة في النثر العربي تلوح لنا فيها معالم بارزة جسدتها أعمال كثيرة لرحّالين مختلفين، يأتي ذلك الاختلاف من نوع العمل عند كلّ رحّالة وكذا عصره ممّا يخرج بحثه عن موضوعنا هنا، لكنها جميعاً تبرز مكانة معتبرة للرحلة في النثر العربي منذ القرون الأولى للحضارة العربية الإسلامية.‏

وقد كان من أول الجهود البارزة في فترة متقدمة عمل اليعقوبي (أبو العباس أحمد بن يعقوب)(2) في القرن الثالث الهجري بمؤلّفه (كتاب البلدان) الذي عكس شغف المؤلف بالرحلة وتطلّعه لما يجري في الأوطان، وكذا البلاذري (أحمد بن يحيى)(3) صاحب (فتوح البلدان) الذي يغلب في عمله "جانب التاريخ على جانب الجغرافيا... ولقد حفظ لنا البلاذري مادة هامة في محيط الجغرافيا التاريخية يستحيل معها إغفال ذكر صاحبها في عرض للأدب الجغرافي"(4).‏

ولا يكاد يهلّ القرن الرابع الهجري(10م) حتى يشهد بالخصوص ثلاثة أعلام، أولهم: المسعودي (أبو الحسن علي بن الحسن المسعودي)(5) صاحب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) الذي يقول فيه: "صنفنا كتابنا في أخبار الزمان وقدمنا القول فيه في هيئة الأرض ومدنها وعجائبها وبحارها وأغوارها، وجبالها وأنهارها، وبدائع معادنها وأصناف مناهلها وأخبار غياضها، وجزائر البحار، والبحيرات الصغار وأخبار الأبنية المعظمة، والمساكن المشرّفة، وذكر شأن المبدأ وأصل النسل وتباين الأوطان"(6)، وقد أعطى المسعودي أهمية كبرى للمشاهدة والبحث أثناء التّرحال "ليس من لزم جهة وطنه وقنع بما نمي إليه من الأخبار عن أقليمه كمن قسّم عمره على قطع الأقطار ووزّع أيامه بين تقاذف الأسفار، واستخراج كل دقيق من معدنه، وإثارة كل نفيس من مكمنه"(7).‏

وقد بدا المسعودي في كتابه ذا اهتمام "بالعرض الأدبي الذي يحتلّ أحياناً بالنسبة له المكانة الأولى... كان أديباً قبل كل شيء وناشراً للمعارف على منهج الجاحظ... مع ميل أكثر نحو الجدية ونحو الأسلوب القصصي"(8).‏

وثاني الثلاثة المقدسي (محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء المقدسي، شمس الدين أبو عبد اللَّه)(9) صاحب (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم).‏

يقول عنه صاحب (الأعلام) "رحالة جغرافي، ولد في القدس وتعاطى التجارة، فتجشّم أسفارا هيأت له المعرفة بغوامض أحوال البلاد، ثم انقطع إلى تتبع ذلك فطاف أكثر بلاد الإسلام" (10) وقد اتسم عمله بالأصالة، واعتبر "من أكثر المصنفات الجغرافية في الأدب العربي قيمة" لكونه شخصية متميزة "تختم بجدارة المدرسة الكلاسيكية للجغرافيا العربية، وسلسلة الجغرافيين الكبار للقرن العاشر" (11).‏

أما ثالثهم: البيروني (محمد بن أحمد أبو الريحان البيروني الخوارزمي)(12) فإن كتابه (الآثار الباقية) يعتقد (كرتشوفسكي) أنه "كتاب لا مثيل له في جميع آداب الشرق الأدنى، وقد أحسّ العلماء بسمو شخصية البيروني العلمية منذ بزوغ فجر الاستعراب العلمي"(13) رغم أن أحد الباحثين العرب يرى أن هذين الرجلين الأخيرين "المقدسي والبيروني لم يكن هدفهم (*) الرئيسي الرحلة في حدّ ذاتها قدر اهتمامهم بوضع مؤلف في تقويم البلدان، كما فعل المقدسي مثلاً أو وصف حضارة غير إسلامية كما جاء في دراسة البيروني للثقافة الهندية"(14).‏

وهكذا يكون البيروني همزة الوصل بين القرنين الرابع والخامس من الهجرة (10-11م) وهي الفترة التي بلغ فيها فنّ الرحلة النضج "فقد زخر بمصنفات مهمة بلغت أوج التطور الخلاّق كحركة مستقلة بذاتها" (15) تحددت سماتها في المؤلفات السّابق ذكرها، ثم اطّردت في القرن الخامس الهجري، حيث يبرز في البداية البكري (أبو عبيد اللَّه ابن عبد العزيز البكري)(16) صاحب كتاب (المسالك والممالك) وهو -هذه المرة- من الغرب الإسلامي، ويعتبر "أكبر جغرافي أخرجته الأندلس كما يقول دوزي" (17)، ومن نفس المنطقة يذكر الباحثون شخصية أخرى هو الفقيه ابن العربي (أبو بكر محمد بن العربي)(18) الذي ترك (اشبيلية) في اتجاه المشرق في نحو السادسة عشرة من عمره، غير أن رحلته التي تنسب إليه بعنوان: (الرحلة) أو (ترتيب الرحلة) تعتبر مفقودة.‏

وابتداء من هذه الفترة بخاصة تبدأ منطقة الغرب الإسلامي عموماً والمغرب العربي خصوصاً تشهد حركة متطورة في أدب الرحلة تستلم فيها من المشرق الإسلامي عموماً والشرق العربي خصوصاً المشعل في هذا الفنّ الأدبي بخلفيته التاريخية والجغرافية والاجتماعية، فيبرز في ذلك أعلام يتميز من بينهم في هذا القرن (السادس الهجري) الشريف الإدريسي (أبو عبد اللَّه محمد بن محمد بن عبد اللَّه بن إدريس) (19) من أسرة الأدارسة العلويين بالمغرب الأقصى وقد عرف بكتابه الذائع الصيت (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) الذي أمتاز بشكل خاص "بغزارة مادته في جغرافية المغرب وصقلية" (20) أما المؤلف فقد وصفه أحدهم بالمفكر المثقف الرزين (21).‏

ثم جاء بعده علم آخر في القرن السادس الهجري، هو ابن جبير (محمد بن أحمد أبو الحسن) (22)، صاحب (تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار) المعروفة بـ(رحلة ابن جبير) وهي خلاصة رحلته الأولى للحجّ التي دامت سنتين(23 ) وقد سجّلها على شكل مذكّرات بعد عودته إلى (غرناطة) التي وصلها في الثاني والعشرين من المحرم، سنة خمس مئة وثمانين (20 أفريل 1185.) وقد ذكر فيها "بدقة فائقة جميع مراحل رحلته"(24) وارتقى بها في الأخير إلى مستوى أدبي رفيع في عصره، وأهّلها لأن تكون "نموذجاً لا ينازع على أفضل ما كتب في أدب الرحلة الخالص في العصور الوسطى... ما صبغ رحلات سابقيه من تداخل واسع بين شتَى الموضوعات، وبذلك اتسمت بطابع أدبي أنقى، فكانت أكثر آثار العصور الوسطى قيمة في هذا المجال(25).‏

وقد خطت الرحلة في الأدب العربي بعد (ابن جبير) خطوات أخرى متقدمة بمستواها الأدبي واتساع مجالها الجغرافي، انتقلت إلى مستوى عالمي أوسع على يد الرحالة ابن بطوطة (أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي)(26) الذي جاب الآفاق البعيدة انطلاقاً من رحلته إلى الحجاز للحجّ، الرغبة التي كانت تشتد في نفسه، فسافر "معتمداً حجّ بيت اللَّه الحرام وزيارة قبر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، منفرداً عن رفيق آنس بصحبته، وركب أكون في جملته لباعث على النفس شديد العزائم، وشوق إلى تلك المعاهد الشريفة كامن في الحيازم، وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكور، وكان والديّ(27) بقيد الحياة فتحملت لبعدهما وصبا، ولقيت كما لقيا من الفراق نصبا، وسني يومئذ اثنتان وعشرون سنة"(28).‏

ويظهر جلياً أن (ابن بطوطة) ذو شغف شديد بالرحلة حتى عدّ علما بارزا فيها و "طرازاً فريداً لا يماثله كثيرون"(29)، قطع العالم الإسلامي، فكان خاتمة الرحّالين وأكبرهم خاصة من أولئك "الذين انتظمت دائرة أسفارهم العالم الإسلامي كلّه"(30) انطلاقاً من (طنجة) في أقصى المغرب العربي، فحظيت لذلك رحلته باهتمام كبير، واحرزت على تقدير معتبر في الدراسات العربية والإسلامية والعالمية، الأمر الذي دفع أحدهم للاعتراف بأهميته قائلاً عنه إنه: "كان آخر جغرافي عالمي من الناحية العملية، أي أنه لم يكن نقالة اعتمد على كتب الغير، كان رحّالة انتظم محيط أسفاره عدداً كبيراً من الأقطار"(31) في ظروف صعبة يقلّ فيها الأمن وتكثر المتاعب الصحية، وتتعددّ ألوان المعاناة في كسب القوت كما تكبر الحاجة إلى المال، لأن السفر يومئذ "لم يكن متعة ولا نزهة إنما كان مغامرة بالنفس والمال، فما كانت هناك طرق مواصلات مأمونة، ولا كانت هناك وسائل للراحة"(32).‏

وقد جاء بعد ابن بطوطة (الحسن بن محمد الوزان)(33) المعروف باسم (ليون الإفريقي) (Leon Iafricain ) الذي ضاقت مساحة رحلته (وصف افريقيا) (Description de Lafrique ) (**) عن سابقها، لكنها أخذت أهميتها بالخصوص من شخصية صاحبها وحياته التي عرفت اضطرابات كثيرة خاصة بعد أسره (***)، لذلك تعتبر رحلته ذات أهمية بموضوعها وبالظروف التي كتبت فيها، خاصّة أنه جاء في فترة وظرف حيث "يكاد يعدَ بوجه عام آخر المؤلّفين الكبار في محيط الجغرافيا العربية ببلاد المغرب"(34) وهو بذلك خاتمة فترة معينة في مسيرة أدب الرحلة قبل عصر النهضة، برز فيها الرّحّالون المغاربة بنشاط واسع إلى جانب غيرهم من الرحالين المشارقة سواء ممن سبق ذكرهم في الأولين أو من الذين لم نذكرهم في الآخرين، أمثال (ياقوت الحموي)(35) صاحب (معجم البلدان) الذي هو من نوع المعالجة الجغرافية، و (عبد الباسط بن خليل الملطي)(36) صاحب كتاب (الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم).‏

وإذا كنّا نلاحظ بعد هذه الفترة تقلصاً في نشاط الرّحالة، وقلة لذلك في الإنتاج، فإننا لا نلبث حتى نلمس انتعاشاً لفنّ الرحالة، فنلتقي بأسماء كثيرة خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر من الهجرة (17م) و (18م) خاصة في المناخ الجديد للنشر بعد شيوع فن الطباعة الذي بدأ يساعد على نشر بعض الآثار القديمة والحديثة، فمضت منطقة المغرب العربي بشكل خاص تواصل دورها، حيث برز فيها مجموعة من الرحالين الذين باتت لهم شهرتهم ومكانتهم في فنّ الرحلة، لعل أوّلهم: العياشي (أبو سالم عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر"(37) الذي دوّن رحلته (العياشية) تحت عنوان ثان هو "ماء الموائد" ويعتبر نموذجاً "لجميع مؤلفي هذا العهد الأخير الذي لم يطرأ فيه أي تقدم في الميدان"(38) وكذا ناصر الدرعي (أبو العباس أحمد بن محمد)(39) المتوفي بتامقروت بالمغرب الأقصى، وهي القرية التي ينتسب إليها رحّالة سابق عنه هو (التّامقروتي) (40) أما عنوان رحلة الدرعي فهو تقليدي لا يختلف عمّا بات شائعاً من ضروب التعبير التي منها نسبة الرحلة إلى صاحبها(الرحلة الناصرية) وكذا (محمد بن أبي القاسم الرعيني)(41) المعروف أيضاً بكلّ من (القيرواني) و (ابن أبي دينار) وعمله في الرحلة هو (كتاب المؤنس في أخبار إفريقيا وتونس) وأبو رأس الناصر (محمد بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن أحمد بن الناصر الجليلي)(42) الذي أدّى فريضة الحجّ مرتين، الأولى سنة (1204هـ-1790م) والثانية سنة (1226هـ-1811م) وأَلّف رحلته (فتح الإله ومنته في التحدّث بفضل ربي ونعمته) التي حفلت بحديث كثير عن النفس، ومشاعره وأحاسيسه وقد "عاصر أحداثاً هامة في حياة بلاده وفي حياة العالم الإسلامي قاطبة" (43).‏

ثم هنالك: ابن زاكور الفاسي (أبو عبد اللَّه محمد بن أبي القاسم بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد)(44) ورحلته (نشر أزاهير البستان فيمن أجازني بالجزائر وتطوان) وهي ذات قسمين الأول "خاص بالجزائر وعلمائها وطرق التدريس بها، والثاني حديث عن تطوان ومشايخها"(45) كما أن هناك رحلة ابن حمادوش (عبد الرزاق بن محمد بن محمد)(46) المعروفة باسم (رحلة ابن حمادوش الجزائري) المسماة (لسان المقال في النبإ عن النسب والحسب والحال) والذي كان رحّالة كثير الاهتمام بطبائع الناس وغرائب الأشياء، دقيق الملاحظة"(47).‏

ويكون (ابن حمادوش) مع رحّالة جزائري معه ذي أهمية خاتمة القرن الثامن عشر، هذا الرحّالة الجزائري الآخر الذي عاصر (ابن حمادوش) هو الشيخ الورتلاني (الحسين بن محمد السعيد الشريف الورتلاني)(48) صاحب (الرحلة الورتلانية) المعروفة أيضاً بعنوان مرتبط بالسابق (نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار) يقول الأستاذ (محمد بن أبي شنب) وهو يقدم لهذه الرحلة التي حققها: "أنفس تصنيف رصَعت جواهره في وطن الجزائر، وأعلق تأليف اشتهر بين البوادي والحواضر، لاشتماله على عوارف المعارف، وظرائف الطرائف، وأوابد العوائد وفرائد الفوائد ونسق الأوصاف الكاملة وحلّ المسائل الشائكة، تارة راتعا في رياض الفقه والحديث والتوحيد وتارة واردا أحياض التفسير والتاريخ والتجويد، وآونة طامحاً إلى التصوف والنصح والوعظ باذلاً في ذلك كلّه غاية الجهد والنكظ، فاصلا جمانه بمرجان الحكايات الأنيقة ومرصّعا وشاحه بياقوت الأشعار الرقيقة وغير ذلك مما هناك" (49).‏

أما المؤلف نفسه، فإنه بعد التوطئة وذكر الله والثناء على رسوله(ص) يقول:‏

"لما تعلق قلبي بتلك الرسوم والآثار والرباع والقفار والديار والمعاطن والمياه والبساتين والأرياف والقرى والمزارع والأمصار، والعلماء والفضلاء والنجباء والأدباء من كلّ مكان، من الفقهاء والمحدثين والمفسّرين الأخيار، والأشياخ العارفين والإخوان والمحبين والمحبوبين من المجاذيب المقرّبين والأبرار من المشرق إلى المغرب، سيّما أهل الصحو والمحو إذ ليس لهم مع غير اللَّه فرار: أنشأت رحلة عظيمة، يستعظمها البادي ويستحسنها الشادي، فإنها تزهو بمحاسنها عن كثير من كتب الأخبار مبيناً فيها بعض الأحكام الغربية والحكايات المستحسنة والغرائب العجيبة وبعض الأحكام الشرعية مع ما فيها من التصوف ممّا فتح به عليّ أو منقولاً من الكتب"(50).‏

وهذه الرحلة من أحسن ما ختم به القرن الثاني عشر الهجري (18م) في مجالها لا لطابعها الفكري والأدبي فحسب، بل لما انعكس فيها أيضاً من أوضاع مختلفة في الوطن العربي اقتصادية وثقافية واجتماعية، وسياسية كذلك، إضافة إلى الجانب الديني.‏

ونعبر من الورتلاني أخيراً في القرن الثاني عشر الهجري إلى الثالث عشر (18و 19م) برحّالة شهد القرنين معا هو الزياني (أبو القاسم بن أحمد بن علي الزياني)(51) الذي أنجز رحلته في سنة (1238هـ-1818م) وأسماها (الترجمانة الكبرى) و "هي رحلة إلى أسطنبول وفهرسة ومختصر جغرافية، وموسوعة صغيرة ضمّت أخباراً عديدة في مختلف الفنون والمواضيع"(52).‏

وهكذا نجد أنفسنا نلج القرن الثالث عشر الهجري (19م) ونحن أمام وضع جديد ينمّ عن حركة فكرية في الوطن العربي بدأت معالمها تلوح في الأفق، وقد انطلقت من إحياء التراث، وإبراز الصور الإيجابية فيه إضافة إلى حركة الترجمة من الغرب والقيام بالرحلات العديدة المختلفة إلى أوروبا خاصة بعد حملة (نابليون) على (مصر) سنة 1798 وسياسة (محمد علي) ومن تبعه في تشجيع البعثات العلمية إلى الخارج، وكان من رجال البعثات من أسهم في كتابة الرحلة، فكان إذن من أوجه الاحتكاك ما كتبه الرحّالون ونقلوه إلى أوطانهم ومواطنيهم لتعريفهم بإنجازات الغرب، وما في تلك الإنجازات من محاسن يمكن الأخذ بها ومساؤئ يمكن تجنّبها، مع اختلاف كبير بين الرحّالين في النظر إلى ذلك، حسب ثقافة الرحّالة وتكوينه الفكري واتجاهه السياسي ومعتقده الديني كذلك.‏

وكما اتسع مجال الرحلة أكثر، وكان من أبرز سماتها اتجاهها إلى أوروبا، بدأت أيضاً تكتسي طابعها الأدبي والسياسي والفكري، مع تراجع الجانب الجغرافي والتاريخي فيها، فصار ثانويا.‏

وإذا تعذّر منهجيا تتبع كلّ الرحلات العربية في هذا القرن فإنه ينبغي أن نذكر باختصار بعض أعلامها الذين أُثرت كتاباتهم ورحلاتهم الأوروبية في الوطن العربي الذي شرع يتطلع إلى نهضة فكرية للخروج من التخلف وقهر قوى الاحتلال الغربية المتكالبة على الوطن العربي.‏

ويأتي في مقدمة الرحّالين في هذه الفترة أعلام نذكر منهم على الخصوص (رفاعة الطهطاوي)(53) الذي حرص في رحلته إلى (باريس) على لفت النظر إلى الإيجابيات في الإنجازات الغربية الحديثة، وقد هدف كما يقول: لحثّ "ديار الإسلام على البحث عن العلوم البرّانية والفنون والصنائع، فإن كمال ذلك ببلاد الإفرنج أمر ثابت شائع.... وقد أشهدت اللَّه سبحانه وتعالى على أن لا أحيد في جميع ما أقوله عن طريق الحق وأن أمشي ما سمح به خاطري من الحكم باستحسان بعض أمور هذه البلاد وعوايدها على حسب ما يقتضيه الحال، ومن المعلوم أني لا أستحسن إلاّ ما لم يخالف نصّ الشريعة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة وأشرف التحية. وليست هذه الرحلة مقتصرة على ذكر السفر ووقائعه، بل هي مشتملة أيضاً على ثمرته وغرضه، وفيها إيجاز العلوم والصنائع المطلوبة، والتكلّم عليها على طريق تدوين الإفرنج لها واعتقادهم فيها، وتأسيسهم لها" (54).‏

وإلى جانبه يقف (خير الدين التونسي) (55) الذي كان "برنامجه: أن العالم العربي -الإسلامي غير مستعد لأن يدمج إدماجا، وأن يغزى عقائدياً، لذلك سيطرت على تفكيره مشكلة الإصلاح من الباطن لا من الخارج و إحياء القيم الإسلامية السرمدية كالشورى والحرية والعدل ونظام الحكم الذي حاد عن الشريعة الإسلامية وانقلب إلى حكم مطلق استبدادي أدّى إلى الخراب والتأزم المجحف، فكان نداؤه موجهاً أولاً وبالذات إلى زعماء الشعوب العربية الإٍسلامية خاصة منهم رجال الدين الذين تواطؤوا مع رجال السياسة على إقرار نظام الحكم المطلق... وكان نداؤه موّجهاً ثانيا إلى أوروبا المتشككة في حسن استعداد المصلحين للوثوب والنهضة"(56).‏

بالإضافة إلى كلّ من (الطهطاوي) و (خير الدين) يمكن أن نذكر أيضاً بشكل خاص اسمي (أحمد فارس الشدياق) (57) و (فرانسيس مراش) (58) وقد التقى موقف (الطهطاوي) و (خير الدين) في رفض الأخذ من الغرب ما يتعارض والإسلام، فبقيت الوطنية لديهما "ممزوجة بالدين، فيما أضحت في ذهن الشدياق ومراش علمانية" (59) تكفي عند (الشدياق) الوحدة جنساً وأرضاً ولغة لوطنية المرء، ونصرانية (مراش) من هذا المنظور لا تقلل من عروبته ووطنيته عن المسلم "ممّا يبيّن أن العروبة في نظره رابطة سياسية لا دينية" (60).‏

ثم يزداد مجال الرحلة اتساعاً، كما يتعدد الرحالون في الشرق العربي، وفي مغربه خاصة بعد الاحتلال الفرنسي، سنة 1881 في (تونس)(61) و (الجزائر) سنة 1830 التي تبرز أمامنا فيها أعمال معينة في هذه الفترة.‏

تتقدّمها رحلة الأغواطي (الحاج ابن الدين الأغواطي)(62) التي وصف فيها مناطق من الشمال الإفريقي والسودان والحجاز استجابة لرغبة خاصة من (ويليام هودسون) مساعد القنصل الأمريكي في الجزائر (63) (ويليام شيلر) ولا شك أن نية (هودسون) تدخل ضمن النشاط الغربي بوجهيه الاستعماري والاستشراقي، وقد التمس طريقه إلى إحدى غاياته عبر (ابن الدين) الذي كتب رحلته بالعربية(64) ليتولّى ترجمتها إلى الإنكليزية (هودسون) نفسه الذي يقول "لقد أعددت ترجمة لرحلة قصيرة في شمال إفريقيا قام بها الحاج ابن الدين الأغواطي، وهذه الرحلة كتبها صاحبها بطلب مني، وقد دفعت له الثمن.‏

إنني أعتقد أن الرحلة تحتوي على معلومات تهمّ جغرافية إقليمية بحيث قد تكون مفيدة للرحّالة في المستقبل. إن معظم المدن والشعوب التي تحدث عنها ابن الدين غير معروفة معرفة جيدة، بل إن بعضها لم يشر إليه أي رحالة أو جغرافية أوروبي من قبل، حتى ليون الإفريقي نفسه لم يذكرها"(65).‏

ولعل أول ميزة لهذه الرحلة أنها تصف أماكن في مجال عربي- إسلامي لإشباع فضول لدى غربي وحاجته إلى المعلومات الجغرافية والتاريخية والاجتماعية واللغوية، وهي هنا تختلف عن الموجة العامة التي اتخذت وجهتها أوروبا في هذه الفترة لوصف إنجازات الحضارة الغربية وهو ما انصبّ الحديث عنه في رحلات كثيرة مختلفة عبر أنحاء الوطن العربي كلّه مشرقاً ومغرباً، فتعددّ الرحّالة واختلفت اهتماماتهم، كما كثرت الرحلات وتنّوعت أغراضها وأشكالها، كما تباينت مستوياتها: الفكرية واللغوية والفنية، وهذا موضوع آخر أمسى الاهتمام به ضروريا في كلّ قطر عربي، للانطلاق من النتائج نحو سمات مشتركة أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.‏

خاتمة:‏

ومهما يكن من شيء، فإنّ في تتبعنا الخطوط الكبرى لمسار الكتابة في الرحلة العربية خلال عشرة قرون كنصّ مكتوب ابتداء القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) حتى مطلع القرن الرابع عشر الهجري (العشرين الميلادي) برزت أمامنا نتائج مختلفة، منها خصوصاً ما يلي:‏

أولاً : الاهتمام المبكّر بهذا الفن الأدبي الجديد في النثر العربي الذي لم يلبث حتى بات تقليداً جيداً محبّبا، في حضارتنا الإسلامية، فأبدع فيه كثيرون عشرات المجلدات، أنجزت عنها دراسات عديدة مختلفة بأقلام مستشرقين وعرب ومسلمين، كما ترجمت رحلات عديدة من هذه المجلدات إلى لغات مختلفة، في مقدمتها (الإنكليزية) و (الفرنسية) و (الألمانية)و (الإيطالية) ومن أهم ما ترجم رحلتا: (ابن بطوطة) و (ليون الإفريقي)(****).‏

ثانياً : بدأت الرحلة من الشرق الإسلامي: نحو أقطار عديدة إسلامية، وغيرها، وسرعان ما استلم في القرن الخامس الهجري الغرب الإسلامي مشعل هذا الفنّ النثري بكتاب (البكري) المعروف (المسالك والممالك) فبدأت منطقة (المغرب العربي)خصوصا تشهد حركة متميّزة سواء في اتجاهات الرحّالة داخل الوطن العربي والإسلامي أو خارجهما، فكان كتاب "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" لمؤلفه "الشريف الإدريسي" من ( المغرب الأقصى) معلماً بارزاً في مسيرة أدب الرحلة العربية.‏

ثالثاً : لم تلبث الرحلة حتى جمعت في اتجاهات أصحابها بين الرحلة داخل العالم الإسلامي ومنه العربي وسواه في أوروبا والصين، كما عكست ذلك خصوصاً رحلة (ابن بطوطة).‏

رابعاً : كثيراً ما حفلت رحلات البعض بالنقل عن سابقين، والاقتباس من معاصرين، لكنها شرعت تتخلّص من ذلك بالتدريج، فأعرضت عن الظاهرة تماماً في العصر الحديث.‏

خامساً : ابتداء من القرن التاسع عشر بدأت تتكثّف الرحلات من الأقطار العربية خصوصاً في اتجاه أوروبا بفعل الاحتكاك الحاصل بالغرب، بعد نتائج الغزو الفرنسي في (مصر) سنة (1798م) واحتلال كلّ من (الجزائر) في (1830) و (تونس) في (1881).‏

سادسا : استغلَ الاحتلال الأوروبي في القرنين الثامن عشر، والتاسع عشر خصوصاً رحلات الرحالة المسلمين، لمعرفة البلدان الإسلامية وأحوال شعوبها، لاحتلالها، والسيطرة عليها. بعدما أدرك المحتلون الأوروبيون قيمة الرحلات في وصف الطرق، والمسالك، والأوطان، فسخّروا لذلك رجالا من أبناء المسلمين أنفسهم، ومن بعض رجال الاستشراق والكنيسة (المبشرين) ليدونّوا معلوماتهم، عن مشاهداتهم انطباعاتهم وآرائهم.‏

سابعاً : بلغت الرحلة مستوى جيداً أواخر القرن الرابع الهجري كفنّ مكتوب صارت له سماته وملامحه بين الأنواع الأدبية الشائعة يومئذ (مثل الشعر والمقامة وسواهما) وخطت خطوات معتبرة بمجالها الجغرافي الذي ازداد اتساعاً بعد ذلك برحلة (ابن بطوطة).‏

ثامناً : بدأت الرحلة العربية بطابع جغرافي تاريخي، ثمّ تطوّرت نحو الطابع الأدبي، والسياسي والاجتماعي والاقتصادي في النهاية.‏

تاسعا : عكست رحلات الرّحّالة المسلمين جوانب مختلفة من المسيرة التاريخية للأمة الإسلامية، في بناء الدولة في عصورها الأولى، وفي تشتت أقطار الوطن العربي، وانحدارها نحو التخلّف، وسقوطها في قبضة الاحتلال الأوروبي الإسباني، والفرنسي، الإنكليزي، الإيطالي.‏

عاشراً : صورت الرحلة الحديثة خصوصاً صدمة المواجهة الحضارية الحديثة بين غرب غاز، ووطن عربي مغزوٍّ، فانطلقت في نفوس الرحّالة وهم يتّجهون نحو أوروبا: الرغبة في البحث عن أسباب قوّة ومنعة وازدهار مكّنت للغرب الغازي والمسيطر، وخذل غيابها الإنسان المسلم، ومنه العربي، فبقي يعاني خضوعاً وتخلّفاً وتبعية بعيداً عن المبادرة الريادية الحضارية الحديثة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244