الخطاب القومي في الثقافة الجزائرية - الدكتور عمر بن قينة

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:41 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

الدراسة الثانية: صورة من: الرحلة إلى الحجّ

في النثر الجزائري الحديث‏

أدب الرحلة من الفنون الأدبية التي عرفت ازدهاراً في أدبنا العربي منذ القرون الأولى، ومنه الأدب الجزائري، وكانت هنا نشأتها لغاية الحجّ أساساً، والتعليم بعد ذلك، ومن النماذج القريبة المهمّة في ذلك رحلة (الحسين بن محمد السعيد الشريف الورتلاني) في القرن الثاني عشر (1125-1193هـ/ 1713-1779م) المعروفة بعنوان (نزهة الأنظار في علم التاريخ والأخبار)(1)‏

غير أنّنا بدخول القرن التاسع عشر ثم القرن العشرين في مرحلة تطوّر الأدب الجزائري الحديث نلاحظ تراجعاً لرحلة حجّ مستقلة كنصّ مدوّن، فإن استمرت وفود الحجاج السنوية نحو البقاع المقدسة، ومن بينها أعلام أدب وفكر، فإنّنا لم نعثر على رحلات حجّ مستقلة: تسجَل الأشواق إلى البقاع المقدسة، كما تصور المعالم والمشاعر والانطباعات أثناء أداء هذه الفريضة الدينية، لعوامل مختلفة، بل سرعان ما صارت الرحلة إلى الحجّ جزءاً من رحلة عامة، يأتي فيها الحجّ أو العمرة فقط جزءاً، ربما لتراجع الحوافز والمثيرات التي تدفع هذا الكاتب أو ذلك لكتابة انطباعاته والتعبير عن مشاعره، رغم أنّ طبيعة الاحتكاك بالمكان والإنسان جديرة بتحريك المشاعر وإثارة العواطف، وتجسيدها على الورق كمطلب فكري وروحي ونفسي لدى الكاتب الأديب الفنان خصوصاً.‏

رغم أننا لم نعثر في القرن العشرين خصوصاً على رحلة مستقلة خاصة بالحجّ يكون هو غايتها ومقصدها في منطلقها فإننا نجدها جزئية في رحلات محدودة، أولها: رحلة (الغسيرى) العامة "عدت من الشرق"(2) حيث طرأت له فكرة الحجّ وهو في (القاهرة) عندما وصلها من (الجزائر) سنة (1953) في وفد من (الكشافة الإسلامية) سنة 1953 عبر (تونس) و (ليبيا)، ولم تلبث حتى وجدت طريقها إلى التنفيذ خاصة بعد الدعوة من السعودية إلى (محمد البشير الإبراهيمي) ومعه (الغسيري) وغيره أيضاً، كي يكونوا ضيوفاً على الحكومة السعودية أيام الحجّ، وهو ما بدأ الكاتب يتحدّث عنه بقوله: "حان وقت الحجّ ونحن بقاهرة المعز لدين الله(3) فحنّت النفس واشتدّ الشوق إلى تحقيق الأماني الروحية العذاب فوق ثرى مهبط الوحي والاتّصال بالحاضر والماضي، فوق معالمه وأماكنه المقدّسة"(4) فقد نمت رحلة الحجّ هذه كفكرة إذن بسرعة في ذهن الكاتب وهو في (القاهرة) فتاق إلى تحقيقها، تبرّح به أشواق روحية للبقاع المقدّسة من أجل أداء فريضة الحجّ، ومشاهدة الأرض التي نزل فيها الوحي على النّبي محمد (ص).‏

فتحدّث عن الإجراءات الإدارية في (مصر) والسفارة السعودية في (القاهرة) "فما وجدنا منها إلاّ كلّ إجلال وتعظيم" تقديراً للعلم والثقافة ورجالهما، كما وصف السفر على طائرة سعودية "تحرّكت فسارت ثم ارتفعت وحلقت فوق سماء القاهرة وعلت أصوات الحجاج الكرام بالتلبية وذكر اللّه" مثلما وصف هبوطها بمطار (جدة) حيث حظوا باستقبال رسمي، ووضعت الحكومة السعودية تحت تصرفهم سيارة انطلقت بهم من (جدة) إلى (مكة) حيث بدأت تهتزّ المشاعر للذكريات في أرض النبوة والجهاد ونكران الذات في سبيل اللّه. فوصف الكاتب بعضا ممّا كانت تحتدم به نفسه من مشاعر، حيث أوحت الأماكن بما ألهب العاطفة واضطرمت له المشاعر من أشواق روحية اشتد بها الظمأ لمشاهدة أماكن الوحي، والتمعّن في إيحاءاتها وظلالها "هناك بدأت النفحات الربانية تهب على أرواحنا، فشعرنا بلذة الإيمان باللّه، وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وراعتنا قداسة الأماكن، وعاودتنا الذكريات الحلوة"(5) فلم يلبث التاريخ حتى أعلن حضوره عبر الأماكن والمواقع التاريخية التي شهدت الصراع بين الإيمان والكفر زمن الرسالة المحمدية، حتى كان الجماعة على أبواب (مكة) المكرّمة "ما هي إلا ساعة من نهار حتّى كنّا على أبواب أقدس بقعة على وجه الأرض، طالما تضرّعنا إليه في أن يكتب لنا زيارتها لأداء واجب له علينا فرضه منذ عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام".‏

فوصف دور (مكة) في الحضارة ومكانتها في قلوب المسلمين وتاريخهم كعاصمة للعالم الإسلامي، كما وصف ما شهدته من حركة تحديث وتطوير في مجالات مختلفة.‏

ثم يحدثنا عند النّهوض للطواف، عن مظاهر (التلبية) وعباراتها الدافئة تنطلق ألفاظها من "شفاه مئات الألوف من الحجاج بالحرم المقدّس، وما أدراك ما الحرم المقدس!"(6) حيث أدرك الحاجة إلى (مطوّف) "فما راعني إلاّ وكل شيء يحتاج إلى مطوّف، فهو دليل، وهو مدافع عن الحاج، وهو معلم يلقّنه الأدعية" (7) لكنه هو يتحرّر من الأدعية الجاهزة، لأن حاجته إلى الله تتطلّب أدعية أخرى نابعة من القلب، تختلف عن تلك التي وضعها آخرون لأوضاع عامة، أو لحالات مشتركة، يريدها أدعية نابعة من أعماقه، له ولوطنه، لمعالجة آلام ومحن، أو طلب مغفرة أو رجاء عون ليتحرّر الوطن من قهر الاحتلال.‏

كما يسجّل الكاتب أحاسيسه ومشاعره على أثر السعي بين (الصفا) و (المروة) مع الشيخ (محمد البشير الإبراهيمي) في الثامن من ذي الحجة معرباً عن الصلة التي تدقّ بين الإنسان في هذا الموقف وخالقه، يرجوه مغفرة وثوابا، فيصف لنا في ذلك أيضاً حال (الإبراهيمي) في إحدى هذه اللحظات قائلاً: "رأيت لأول مرة صاحب الفضيلة الشيخ البشير الإبراهيمي تحت نوع من التأثر العميق وهيجان الشجون وتأثير نور الإيمان على روحه الطاهرة يتحوّل إلى طفل صغير يبكي ويغمغم.... وكأنه وهو يستعرض حاضر العالم الإسلامي قلق غير راض بما يراه عليه من الذلّ والهوان، فتتولّى العبرات المترجمة خلجات نفسه" (8) كما يتحدث عن النزول في (عرفات) يوم (9 ذي الحجة) مسجّلاً بعض الملاحظات على الحجاج، كما يتحدث عن (المزدلفة) و (منى) في (العاشر ذي الحجة) حيث "أدركنا العيد، وللعيد في منى روعة أخرى، وإنّ فيه لذكرى، وإن فيه لشجونا، وإن فيه لعبرة لأولى الأبصار" فتبرز في ذلك العبرة في قصة (إبراهيم) وولده (إسماعيل) عليهما السلام رمزاً للفداء والتضحية، وحرباً "على النفس وأثرتها وأنانيتها وكبريائها"(9) ليتخذ الكاتب من ذلك مناسبة للشرح والتعليق بحسّ ديني تخفق به كلمات الكاتب ومشاعره متأثراً بالجوّ الديني العام.‏

ثم يعود الكاتب إلى الحديث عن الرجوع إلى (مكة) لطواف الوداع، وزيارة بعض المواقع والمعالم، والانتقال إلى (المدينة) المنوّرة، حيث تتألق روحه من جديد، ويغمره إحساس بالطمأنينة والرضى "ما أروع أن تصافحنا الذكريات تترى فوق أديم شهد نبراساً للهدى أضاء على أربعة عشر قرناً من التاريخ، وما أجلّ أن تدور عجلة الزمن فتقصر المسافات وتدنو البعاد، وتسهل الأوعار، فتتحققٌّ الأماني سراعاً بين عشية وضحاها، فيبلغ أسارى حب محمد (ص) ما أرادوا وما ظلّوا منذ المهد يحنّون إلى رؤية معالمه ومغانيه في أمد وجيز جداً جداً، هي ساعة من زمن مرت كخيال في أجواء الحجاز، نقلتنا من (جدة) إلى (المدينة) وكأنها صدى لأشواقنا، وكأنها قوّة دفاعية لتحقيق أمانينا بسرعة البرق ما لم يحلم به أوالينا"(10).‏

هكذا صاغ (الغسيري) الحديث عن حجّه بأسلوب أدبي جيد في ظلال دينية موشّاة بتوق صوفي خاص، انطلق بركوب (الطائرة) ونزولها أيضاً، سواء في (جدة) أو في (المدينة) بعد ذلك، كما صحبه في كلّ المواقع وانفعل به في مختلف المواقف، فجاشت نفسه بهذه الأحاسيس التوّاقة إلى صفاء روحي في علاقة الإنسان بخالقه، في موطن حضارة إنسانية زاهرة، نهضت بانتصار الرسالة السماوية التي بعث بها محمد (ص) فكادت تجعل من العالم رقعة إسلامية واحدة يسودها العدل والإخاء والحب والأمن والسّلام بين البشر.‏

كما أننا نجد الرحلة إلى الحجّ جزئية جداً في رحلة (المدني) في شهر (جويلية 1957)صحبة وفد سياسي إلى (السعودية) التي طغت فيها المهام السياسية على غيرها، فتحدث عنها حديثاً سريعاً تحت عنوان "حج وحاجة(11)" (12) اختلط فيها الحديث عن الحج بالسياسة، واكتفى- اختصاراً- بثبت برنامج النشاط في (السعودية) ثبتا تقريرياً سريعاً، تضمن ذكر (عرفات) و (منى) و (الطواف) بشكل سريع جداً خال من حرارة المناسبة الدينية لطغيان الاهتمام السياسي بكل أجوائه، متحدثاً عن المقابلات السياسية والنشاط العام في التعريف بالثورة الجزائرية خاصة في يوم الوقوف بعرفات حيث يجتمع جميع الحجاج.‏

لذا تبقى هذه الرحلة قليلة الأهمية بالنسبة لرحلة (الغسيري) المتميّزة التي عكست فعلاً طبيعة الانفعال بالمناسبة والمكان، فزخرت بمختلف الأحاسيس والمشاعر والصور ذات الظلال الدينية المشرقة.‏

ورحلة (الغسيري) إلى الحجّ رغم أنها من رحلة عامة تعددت أغراضها فإنها تأتي متميّزة فكرياً وفنياً في هذه الفترة، فلم نعثر على رحلة حجّ مدونة منشورة غيرها بصرف النظر عن رحلة (المدني) و (سعد الله) كما سيأتي بعد حين.‏

ومهما يكن من شيء فإن عدم العثور على نصّ مستقل لرحلة حجّ لا ينفي قيام كتاب وأدباء كثيرين برحلات حجّ مثل غيرهم، لكنّه يلفت النظر إلى عزوف لدينا عن فنّ أدبي إنساني جميل أصيل في تراثنا وحضارتنا الإسلامية، وقد مارسه أبناء المغرب العربي أنفسهم بشغف أيضاً، فكان من أهمهم (ابن بطوطة)(13) ذو الشهرة العالمية حتى الآن.‏

أمّا (العمرة) وحدها أو (الحجّ الأصغر) كسنّة مؤكدة فإن وصفها وارد أيضاً مرتين فقط في الرحلة الجزائرية في هذه الفترة -حسب علمنا حتى الآن- وبشكل جزئي أيضاً في رحلتي (المدني) و (سعد الله).‏

فتحدّث الأول عن (عمرة) له صحبة (فرحات عباس) رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة في المنفى، في (6 مارس 1959) حين كانا في السعودية في مهمة سياسية يصحبهما وزيران آخران في الحكومة المؤقتة، فبعد استقبالهم في مطار (جدة) انطلقوا إلى (مكة) حيث أدّى الرجلان العمرة التي لم يكد يتجاوز حديث الكاتب عنها السطور التالية "بعد استراحة قصيرة (في جدة) ذهبنا ممتطين سيارتنا الرسمية إلى منبع النور ومصدر الهدى مكة المكرمة حيث أدّينا العمرة، وصلّينا بساحة مسجدها المطهّر فريضتي المغرب والعشاء، ورأيت الرئيس فرحات عباس، المتفرنج، رأيته واللّه يرتعد فرقا وهو بين يدي الله، وقد اصفّر لونه حتى أصبح ليمونة صيف، وارتعش إلى درجة أنني كنت أمسك به حتى لا يقع، ووجم كأنما هو صوفي من رفقاء الجنيد(14) أمام جلال اللَّه، وعظمة الله وروعة بيت الله. وهكذا تفجّر إيمانه فإذا هو أقوى وأصدق إيماناً(15)" (16)‏

فهو إن أجاد وصف جانب ممّا يعتري المرء في لحظات التأثر والخشوع فقد اختصر اختصاراً مخلاّ في نقل تفاصيل المشهد في هذا الموقف غير العادي، ولم يخل هذا الاختصار نفسه من مبالغة في قوله "كنت أمسك به حتى لايقع" فلم يوح كلامه باللحظة المحددة التي استدعت (تدخّله) لتجنيب رفيقه السقوط، كما لم يوح هذا الكلام بالموقف الخاصّ به الذي أثّر فيه، فجعله على تلك الحال، حتى بدا أنّ ذلك حالة لازمت رفيقه حين عبّر بكلمة "كنت" فلم يعد بمقتضاها من همّ له إلا حماية صاحبه من السقوط على الأرض.‏

أمّا (سعد الله) فإن حديثه عن أداء العمرة كان جزءاً من حديثة عن الأماكن المقدّسة أثناء حضوره "الندوة العالمية الأولى لمصادر دراسات تاريخ الجزيرة العربية"(17) مع وفود مختلفة من بينها وفد المغرب العربي الذين كانت رغبتهم شديدة في زيارة الحرمين الشريفين اشباعاً لحاجة روحية كان يحسّها كل واحد منهم، فوصف الكاتب استعداده الرّوحي لأداء هذه السنة، كما سجّل انطباعات مختلفة قبل الطواف وأثناءه وبعده "قادنا المطوّف إلى الحرم لأداء العمرة، وكان الوقت حوالي الساعة الثانية صباحاً، وكان الجوّ رطباً والنفس مشوقة رغم الحاجة إلى النّوم والطعام، ومع ذلك فإن شعور المرء بأنه يمشي على الأرض التي ولد فيها الرسول ونزل فيها الوحي وانهزم فيها الكفر وانتصب فيها مقام إبراهيم، جعل كل تعب يهون وكل حاجة دنيوية تتضاءل، وكان المطوّف خبيراً بأداء الشعائر فصيح اللسان، ويبدو أنه متمرّس أيضاً على الطواف بالوفود الرسمية"(18).‏

وقد لاحظ الكاتب أثناء هذا الطواف ما يلحق العربية من أذى: لحنا وتهشيماً وتحريفاً يرتكبه (عرب) أيضاً كما لاحظ لأحد زملائه "بعد أداء العمرة.... مدى تعدد ألسنة المسلمين واختلاف أشكالهم وأزيائهم وألوانهم، فأجابني بكلّ تأكّد وبساطة: ذلك هو المجتمع الإسلامي الذي أراده الرسول صلى الله عليه وسلم، فرغم اختلاف عناصره وتعدّد أصقاعه فإن أهله يجتمعون حول الكعبة في كتلة متراصة"(19).‏

تحدّث الكاتب عن قضاء خمسة أيام في (_مكة) مجاوراً الحرم لا يكاد يخرج إلا للضرورة إشباعاً لرغبة دينية، كما تحدّث عن ثلاثة أيام قضاها في (المدينة) سعيداً فيها، فوصف غبطته بالفرصة وسروره بتحقيق "أمل عريض" كما عبّر عن ذلك وهو ينزل في مطار (المدينة) قائلاً أيضاً: "لم أكد أصدّق أنني أسير على تراب المدينة وانظر إلى جبالها ونخيلها وعمرانها عندما كانت السيارة التي أقلّتنا من المطار تقطع الطريق إلى فندق (الرحاب) الذي وضعنا فيه رحالنا والذي كان معدّاً لإقامتنا والذي لا يفصله عن الحرم النبوي سوى الطريق. وبعد أن اغتسلنا وغيرنا ملابسنا توجّهنا فوراً إلى الحرم فأدّينا حقّ المسجد وحقّ قبر الرسول صلى الله عليه وسلم. ولا أستطيع في هذه العجالة أن أصف المشاعر التي غمرتني وأنا أشاهد المسجد من بعيد ثم وأنا داخله من قريب، وكذلك عندما كنت أقف عند الضريح الطاهر"(20) ضريح محمد رسول الله(ص).‏

وخلال هذه الأيام الثلاثة مضى الكاتب يشبع أيضاً فضوله في معرفة المساجد والمكتبات ومواقع الغزوات بحسّ المؤرخ، ولكن أيضاً بحسّ مسلم متديّن عملي استحوذت على مشاعره ظلال المكان الروحية بتاريخه الحافل ابّان انتشار الرسالة المحمّدية وأثرها في النفوس عبر القرون والأجيال.‏

وقد بدا تأثر الكاتب واضحاً تجاه البقاع المقدسة، وقد ارتفعت درجة التأثر تلك والرجل يقترب من الحرم النبوي حتى بدا في نفسه ميل ما... إلى أن يقيم... حيث راحة النفس وطمأنينة الروح، وطهر الحياة.‏

ومهما يكن من شيء فإن قلّت رحلة الحجّ الجزائريية المدونّة في القرن العشرين لمختلف العوامل الخاصة والعامة، فإن ما كتب منها عبّر بوضوح عن أصالة الرابطة الروحية وعمق الشعور الذي يشدّ الإنسان في (الجزائر) إلى مهبط الوحي، حيث يمكث الشوق والحنين مقيماً في النفوس إلى البقاع المقدسة، فبقدر ما يبقى الهاجس فريضة دينية ينبغي أن تؤدى، يصاحبها التوق إلى معرفة أرض الوحي الطاهرة، وقد انتشرت منها الرسالة النبوية تذيع الأخوة والعدل والحب بين الناس، وتمكن لكلمة الله بين الجميع.‏

وهكذا بدا للأماكن المقدّسة جلال خاص في نفوس الحجاج الجزائريين كما صورته هذه الرحلات المفعمة حبّاً.. وتوقاً صوفياً، فبرز أثره قوياً عليهم، خاصة على (الغسيري) و(سعد الله) وهما في (مكة) و (المدينة) وغيرهما من الأماكن التاريخية وما حولهما، يستحضران ظروف البعثة المحمدية وإشعاعها الإنساني وأثرها الحضاري والأخلاقي والديني بالخصوص على الإنسان، فصفت النفس وسمت الروح إلى آفاق تلك الرسالة وبما توحي به من حبّ وخير وفضيلة وتسامح، وإخلاص العبادة لله وحده بكلّ ما تتطلّبه من طهارة في القلب وفي الجسم واستقامة في السلوك، في محيط سمته العدل والإخاء والأنصاف بين الناس.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244