الخطاب القومي في الثقافة الجزائرية - الدكتور عمر بن قينة

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:42 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

الدراسة الرابعة : الحس.. القومي*

في  شعر محمد العيد آل خليفة

الشاعر محمد العيد آل خليفة 1904-1979م) شخصية متميزة في مسيرة الشعر الحديث، بالقضايا التي عكسها شعره والموضوعات التي تناولها. وشخصيته الفكرية والأدبية في شعره، وحسه الخاص والعام، وطنياً وقومياً أولاً، وإنسانياً بعد ذلك بصفة أشمل، فكان شعره نتاج مرحلة هامة من نهوض الحركة الوطنية عموماً، والحركة الإصلاحية خصوصاً، تفاعل معها وعبر عنها، تعبيراً حياً صادقاً، بود وإخلاص، فجسد شعره جوانب مختلفة مما كان يتفاعل في المحيط حتى مطلع السبعينيات من قضايا وانشغالات، وطموح وآمال، فكان بذلك نغماً جوهرياً في صوت الجزائر) بوجهها العربي الإسلامي، وملامحها الإنسانية، كما احتل مكانة مرموقة بغزارة إنتاجه وتنوعه، وصدقه في فنه ومشاعره، صدقاً يعوض عن بعض من جوانب فنية أخرى لدى أخرين قد يعظم عندهم أمر الأصباغ إلى أبعد حد ممّا يخفي زيفا ونفاقا لم يمارسها العيد) قط، بل كان يكتب من وحي قناعته وإيمانه: وطنيا وقومياً ودينيا وإنسانياً، واستجابة لانفعال معين نحو قضية أو موقف أو فكرة أو شخصية أيضاً أو غيرها. منساقاً في كلّ الأحوال لقيم الخير والحرية والعدل والموّدة والمحبة والرحمة والتكافل والبذل، ممّا عكسته قصائده الوطنية والإنسانية والإخوانية وغيرها في التعبير عن حدث أو فكرة، أو تصوير خاطرة أو سواهما، مما يعكس حقاً شخصية شاعر فنان، يهزه الحدث الكبير كما تطربه اللفتة الصغيرة، والصورة الجميلة، مثل الفكرة العابرة، والموقف الإنساني النبيل، والسلوك الجميل، بكل أبعاد ذلك وظلاله التي قد تتسع وتتنوع مشبعة بحس أخلاقي وروح وطنية وظلال صوفية أيضاً في بعض الحالات.

فعاش الشاعر حياة فكرية زاخرة بالعمل والانتاج حتى استنفد طاقته في البذل والعطاء، منذ فجر شبابه.

ولد محمد العيد) يوم: 27 جمادى الأولى 1323 28/8/1904م) في مدينة عين البيضاء) في الجهة الشرقية من الوطن حيث تلقى تعليمه الابتدائي في التعليم الحرّ، وتابعه في مدينة بسكرة) التي انتقلت إليها أسرته سنة 1337هـ 1918م) لينتقل بعد ذلك إلى تونس) وعمره سبع عشرة سنة 1921م) فقضى سنتين تلميذاً في جامع الزيتونة) الذي كان أحد المراكز التعليمية الهامة في المغرب العربي) ويستقطب طلبة العلم من الجزائر) حيث تلقى فيه كثير من رجال الحركة الفكرية والأدبية الحديثة جزءاً هاماً من تعليمهم، كما تخرج فيه بعض من رجال الحركة الإصلاحية، وفي مقدمتهم ابن باديس) نفسه زعيم الحركة الإصلاحية المعاصرة في الجزائر).

بعد سنتين اثنتين قضاهما العيد) في الزيتونة) نعتقد أنه بدأ فيهما نظم الشعر عاد إلى الجزائر) التي كانت تبدو له الحياة فيها تحت الاحتلال الفرنسي كابوسا مقيماً فضاق بهذا الوضع وقد تمكنت من نفسه مشاعر قاتمة، للوضع العام ولواقعه الشخصي وهو في مطلع شبابه، وقد اجتث الاحتلال الفرنسي من النفوس كل بذور الأمل في الحياة الهانئة السعيدة، كما سدّ كل آفاق الثقة في الناس والأمل في المستقبل، فوجد هذا الشاب، نفسه وهو في العشرين من عمره يعيش إحساس بائس في الثمانين أو في التسعين من عمره ضجرا من الحياة:

 

حوادث لا تنفك مستعرات

سلمت وإن كنت ابن عشرين حجة

فيرجع طرفي خاسئ النظرات

أردد طرفي سابرا كنه غورها

يحاول طمس الحق بالشبهات

تبارك رب العرش لست بملحد

إلى القلب أو يوحي له بشكاة

ولكن وجداني ينمّ بحسرة

غير أن الشاعر لم يلبث حتى شرع يتلمس طريقه إلى الخلاص الجزئي من هذه الدوامة البغيضة، فانغمس في التعلم، والتعليم، مشاركا في الحركة الشعرية والاصلاحية في محيط بدأت الحركة الوطنية فيه تشهد حيوية مطردة، فتولى التعليم الحرّ في بسكرة) وغيرها، فعمل معلما ومديراً لمدرسة الشبيبة الإسلامية) في الجزائر) العاصمة 1928-1940م) التي دعي إليها من بسكرة) فمديرا لمدرسة التربية والتعليم)، في باتنة) سنوات 1940-1947م) ثم مديرا لمدرسة العرفان) في عين مليلة) من 1947م) إلى 1954م).

كما عمل عضواً في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) منذ تأسيسها 1931م) الذي أسهم فيه، مشاركا بشعره في النهضة الأدبية، فظفر بلقب شاعر الشباب) وأمير الشعراء) وقد نشر في معظم الصحف العربية الجزائرية، صدى الصحراء) المنتقد) الاصلاح) المرصاد) السنة) الصراط) الشريعة) الشهاب) البصائر).

وقد صار شعره في الصحافة العربية إضافة إلى عمله في مدارس جمعية العلماء) الحرة مصدراً من مصادر المتاعب المتجددة له، فأضحى عرضة للتحقيق والاستنطاق والملاحقة والاستفزاز، مما انتهى به في آخر الأمر بعد إعلان الثورة المسلحة 1945) إلى السجن، ثم الإقامة الجبرية في بسكرة) التي فرضتها عليه إدارة الاحتلال الفرنسي حتى الاستقلال 1962) حين أستأنف مشواره الشعري مشيداً بكل ذكرى لثورة نوفمبر) التي حققت الاستقلال، مبتهجاً بعيد الاستقلال في كل ذكرى له أيضاً، معبرا عن مشاعره وآماله الوطنية وآمال أمته، كان آخرها قصيدة له في الذكرى العاشرة للاستقلال 1972م) قال فيها[1]):

 

فرصة فيها نعاطيك الودادا

أيها الشعب المفدى هذه

من أفاويق الرضى تنفي النكادا

ونساقيك كؤوسا حلوة

عشت نشرا بعدما متّ اضطهادا

عشت عشرا من سني التحرير، بل

وقد لاذ الشاعر حينئذ بعزلة هادئة، في توق صوفي بعيداً عن الصراعات، متعففا عن الخوض في شؤون الناس وشجونهم كتعففه عما يتطاحنون حوله. ملازماً بيته تحت وطأة المرض، سعيدا بالتقدير والاحترام راضياً عن وضع بلاده. فلم يكن قريباً من فئة باغية مضت تتكالب على الغنائم، ولا من أخرى انتهازية تسعى بشراسة لتحقيق المأرب المريبة وغيرها، بل كان الإنسان البسيط بساطة إيجابية، الطيب بفطرته، القنوع بطبعه، الزاهد في مأرب الدنيا ومتاعها، فكانت أمنيته الوحيدة في عهد الاستقلال، أن يطبع ديوانه ويحج إلى بيت الله الحرام، فلما تحقق له طبع ديوانه وأدواؤه فريضة الحج لم يعد يتمنى إلا أن يلقى الله سليما معافى، وعلى هذا الوضع اعتكف في بيته حتى لقي الله في: 1979 مشيعاً بالحب والتقدير من تلاميذه وأصدقائه وشعبه.

لقد كان محمد العيد) من الشعراء العصاميين الذين مكنوا لدور الشعر نضاليا في حركة النهضة العربية الحديثة، كما كان صوتا متميزاً في مسيرة الحركة الشعرية في الجزائر) التي يعتبر الأمير عبد القادر) بدايتها في النهضة الحديثة والعيد) علمها البارز، في التعبير عن مختلف القضايا الوطنية والعربية- الإسلامية والإنسانية، والهموم الاجتماعية العامة، والخاصة أيضاً، حين كان الشاعر ذا دور معتبر، وصاحب كلمة واعية، وذا ضمير وطني إنساني حيّ، كما كان الشعر سلاحاً قومياً فاعلاً لا افرازات شخصية، والشاعر مجاهداً بإيمانه وفكره وموقفه وروحه في صمت الواثقين العاملين لا دجالاً انتهازياً مرتزقاً، يتاجر بالشعارات، وبالمواقف ويتلون مع كل وضع وظرف.

ومحمد العيد) الشاعر لم يخرج قط عن موروثه الحضاري العام، إيماناً صادقاً في القول وتعبيراً شعرياً عن قناعة وموقف وانفعال، وقد صارت وظيفة الشعر عربياً عموماً وجزائرياً خصوصاً، وظيفة نضالية في مسيرة الكفاح السياسي من أجل الحرية والاستقلال والوحدة سياسياً، ومن أجل الرفاهية والتقدم اجتماعياً واقتصادياً وعلمياً.

وهنا يبدو للشعر دور فاعل بأثره واستقطابه، لما يتميز به من نغم قد يجنح الشاعر عبره إلى خيال بلا شواطئ ولا مرافئ مشدوداً لهم قومي عام، ومتطلعاً لحلم وطني لذيذ جميل ذي ألوان مختلفة، تشي بظلال لآمال عذبة ساحرة. تختصرها كلمات من نوع، حرية، سيادة، كرامة، إخاء، صدق، أخلاق، وفاء، وحدة وتطور وتقدم، وهو ما عانقه العيد) بود حميمي عبر كوكبة من القصائد في ديوانه، حتى آخر قصيدة له، فمكن بفنه ونضاله لأهمية الكلمة الشعرية الصادقة ووظيفة الشعر في الأمة.

لقد كان الشعر قطب الفنون الأدبية التي تختلف مستويات فعلها وتأثيرها في الأمم سواء منها تلك التي تنتج هذه الفنون أو تلك التي تتلقاها عبر وسائط مختلفة، مما هو مرهون بطبيعة الظروف وبمقدرة الفنان وأماناته، ومن هذه الأمم أمتنا العربية التي توصف بالأمة الشاعرة) أو الشعر ديوان العرب) عكس أوضاعهم، وحياتهم، وعاداتهم وتقاليدهم، حربهم وسلمهم، أمالهم وأشواقهم، في نطاق عام أو خاص، فهي أمة شعر بطبيعتها، تنتجه وتتذوقه، وله مكانته المعتبرة فيها، ودوره المتعدد الوجوه الذي يكبر بطابعه الإنساني الناضج، فتتعدد لذلك مهام الشاعر الجيد المسكون بالفن وهموم الإنسان والإنسانية والوطن، فلا يقع أخيراً في هذه الدائرة المشعة المشبعة بالظلال الفكرية والفنية والمواقف الوطنية والإنسانية الأصيلة، إلا الشعراء الممتازون، ذوو المهام التاريخية، أولئك الذين لا يكتبون الشعر لهوا ولغوا وبحثاً عن مجد غير شرعي، قد تسهم فيه الدعاية الأيديولوجية والإشهار الحزبي والفئوي، بل استجابة لحافز إنساني سام قويّ، وتعبيراً عن موقف أصيل، وإعراباً عن فكرة جادة ناضجة، أو تصويراً لحالة إنسانية أو وضع مادي أو معنوي أو ما إلى ذلك.

من هذه الفئة من الشعراء ذوي المهام التاريخية أدبياً وفكرياً وإنسانياً محمد العيد) الذي انبثق من صلب بيئة عربية إسلامية، فهو ابن أمة عربية شاعرة في جزء من الوطن الأكبر حيث شهد مأساة الحياة الإنسانية تحت الاحتلال الفرنسي الذي جثم بكلكله على الجزائر) قرنا واثنتين وثلاثين سنة 1930-1962م) فوجد الشاعر نفسه منذ فجر فتوته في مواجهة المحنة العامة، استبداداً وظلماً وقهراً ومسخاً، يحاول به الاحتلال فعل كل شيء بالوطن، وفي المقدمة سلخه عن امتداده الطبيعي عربياً، وإسلامياً عموماً، لتجريده من انتمائه الحضاري، فانتهى الأمر بالشاعر من البداية إلى التموقع في خندق النضال الوطني، متحسساً آلام الأمة والوطن وآمالهما، كما اتسعت رؤاه وأفكاره لتحتضن قضايا الإنسانية في مختلف أنحاء الوطن العربي والعالم الإسلامي وخارجه، تعيش في أعماقه أشواق مجنحة لرؤية الوطن العربي كله متحرراً متوحداً، قوياً عزيزاً ورؤية الأمة الإسلامية جمعاء تستعيد دورها التاريخي الحضاري، متكاتفة متآزرة ولسان حاله هنا يردد قول رسول هذه الأمة محمد ص) عن ضرورة اتحادها في مختلف الظروف "كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً".

لهذا وغيره يعتبر محمد العيد) علما متميزا خاصة من بين الشعراء الجزائريين في القرن العشرين، بوفرة شعره ذي الموضوعات الكثيرة المتعددة والقضايا المختلفة، ونضاله به وصدقه، وإخلاصه لفنه، وللقضايا التي تناولها والموضوعات التي كتب فيها باختلاف في الأهمية بينها، كما وتعبيراً وشكلاً، في غزارة مادة وجودة تعبير ومستوى تبليغ، فبات ديوانه الضخم الذي ضمّ هذا الشعر معلما بارزاً من معالم الحركة الثقافية عموماً والشعرية في الجزائر) خصوصاً، بكل ما في ذلك من نضال وأشكال طموح، وألوان انكسار أيضاً، فعكس في النهاية خاصة إبان الاحتلال الفرنسي ما اعتمل به المحيط العام، سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً، كما عكس أيضاً شخصية صاحبه ذات الرؤى الوطنية والقومية المتوثبة والروح الإسلامية الجياشة، والنفس المتشائمة أيضاً من جهة أخرى.

وهكذا تبدو لنا غزارة المادة، كما يبدو لنا تعدد الموضوعات التي كتب فيها الشاعر، والقضايا المختلفة التي عبّر عنها، في أوضاع عديدة وبرؤى كثيرة، كما نجد ذلك في ديوانه هذا الذي نشرته وزارة التربية أول مرة سنة 1967م، وأعادت نشره ثانياً الشركة الوطنية للنشر والتوزيع في سلسلة شعراء الجزائر) سنة 1979م وهي باسمها الجديد المؤسسة الوطنية للكتاب) تعيد اليوم نشره في طبعة جديدة، إثراء للحياة الأدبية وتقديراً لهذا الشاعر وجهده وفنّه.

ونحن إذ نتصفح هذا الديوان الزاخر نجدنا أمام ألوان شتى من الصور المختلفة، ومن التعبير  عمّا هو وطني وإنساني وديني شخصي وغيره، عبر مختلف الموضوعات التي تتصدرها الأدبيات والفلسفيات) وهي قصائد في الحديث عن الأدب والشعر وأصحابهما، ووصف المعاناة الشخصية المتعددة الوجوه، وقد اتسم معظمها بضروب من المناجاة وألوان من التأمل، فيناجي الشاعر بحر الجزائر) وليلها، كما يناجي هزاره وليلاه التي تيمته فذاب فيها هياماً، وأصلى بينها قلبه نارا:

 

وأذاقت حينها

 

أصلت القلب نارها

وتعشقت زينها

 

منذ تعرفت سرّها

اين ليلاي) أينها؟

 

لم يجبني سوى الصدى

وهي مناجاة الحرية التي استعار لها الشاعر صفات الحبيبة المحبوبة التي تخطف القلب وتنأى فيصعب الوصل ويكبر العناء. وإن لم يكن الشاعر موغلاً في الرمز هنا فقد توفر على تلك الشفافية الأنيقة التي تجعلنا ننفذ بيسر عبر ليلى) الحبيبة إلى الحرية) الحلم الجميل الأنيق، في وطن كان لا يزال 1938م) يئن تحت وطأة الاحتلال الفرنسي، كما يتأمل الشاعر تأمل أديب فيلسوف حاله وحال وطنه مثل تأمله محيطه والناس من حوله، وحتى النظرة العابرة، كما ترى في آفة العين) حسب تعبيره في العنوان فيعاني ما تجره النظرة الخاطفة على الفؤاد البريئ:

حوله فافتتن

 

ما لطرفي رنا

بالضّنى فامتحن

 

سامني في الدنا

كما يتألم لوضع البائسين في الأرض ممن حرموا المأوى والكساء، والطعام الشراب فباتوا من دون كرامة إنسانية:

 

على الثرى في الصبح بالي الثياب

 

بدا لعيني تاعس ناعس

كما يهيج النار عود الثقاب

 

فهاج من حزني ومن لوعتي

وربما تطلع الشاعر من هذه الصورة المحسنة إلى رؤى أبعد:

 

أم أنت جنّ زال عنك الحجاب

 

هل أنت إلاّ بشر مثلنا

وكثيراً ما يشبع الشاعر تأمله الهادئ بألوان مختلفة من الوصف الأنيق، فيتفيأ مثلاً ظلاله في الريف الجميل، ريف الطهر والصفاء، والحقل الزاهر والبدر المنير في سماء الجمال الأخاذ:

وجوها لعضال الداء ترياق

 

عيش البوادي نضير لا نظير له

تشدو وتهفو به ورق وأوراق

 

والحقل محتفل الأشجار من طرب

كأنها في نحور الغيد أطواق

 

وفي الكرم عناقيد تحف بها

له إلى الله إخبات واطراق

 

والبدر في الليل يبدو زاهدا ورعا

وقد غفت من رعاة الحي أحداق

 

أو عاشقا ساهرا في الحي منفردا

ولا عداك على الغافلين إشفاق

 

يا ساهر الليل لا خانتك باصرة

فكلنا لجمال البدو عشاق

 

أنزل إلينا قليلاً نصطحب زمنا

وتحتل الشؤون القومية والإسلامية حيزاً معتبراً بعد هذا، فتحفل عشرات القصائد بالحس الإسلامي المتميز، حتى في القصائد ذات الطابع السياسي والإخواني والشخصي، في شكل تهنئة أو تحية أو غيرها، مثل الحديث عن دوريات ومنشورات إسلامية، أو شخصيات من عالم الفكر الإسلامي، إضافة إلى الموضوعات الإسلامية الجوهرية، مثل ذكرى المولد النبوي) ووداع الحجاج) والترحيب بهم في عودتهم وكذا الموضوعات القومية بمضمونها الإسلامي، في مثل تحيته جمال عبد الناصر) أو حديثه عن الثورة الجزائرية ذات الروح الإسلامية:

من حارث فيها ومن همّام

 

شعب الجزائر كله أبطالها

تغزو البلاد بصيتها المترامي

 

إن الجزائر أصبحت بجهادها

أدرى بثورتهم على الأورام

 

فاسأل نوفمبر) عن بنيها إنّه

فغدا بذلك غرّة الأيام

 

قد دكَ فاتحه المعاقل فاتحا

وهذا الجانب يجد امتداداً له بعدة أشكال في قسم الأخلاقيات والحكميات بالديوان، ثم قسم الاجتماعيات والسياسيات، وكذا قسم اللزوميات، فهو في أخلاقياته وحكمياته يتحدث عن تارك الصلاة) والزكاة) كما يسرد مواعظ دينية وأخلاقية شعراً هو أول من يعلن الاعتبار بها، في مثل قوله:

 

فهل أنا بعد الموت بالشعر لامع

 

يقولون لي أمسيت بالشعر لامعا

يصانعني قولا بها من يصانع

 

فيا ويح نفسي من دعاو كثيرة

به أنا في وادي الأضالّيل واقع

 

وربّ كلام قلته أو سمعته

فإطراؤهم إيّاي للجنب صارع

 

إذا لم يداركني من الله عفوه

وتشغلنا أمالنا والمطامع

 

تنادي المنايا للمتاب بلاوني

وتطرد الأفكار الإسلامية في اجتماعياته وسياسياته، عند الحديث عن ذكريات ومواقف، أو في الحديث عن فلسطين) ومصر) وليبيا) ومجاهدها الكبير عمر المختار):

عمّا انجلى والحرب ذات سجال

 

خاض الجهاد مظفراً حتى انجلى

ليفوز منه بطعمها العسال

 

كتب الاله له الشهادة مرة

أبدية قرنت بكل جلال

 

في كلّ قلب مؤمن ذكرى له

ويستمر ذلك في لزومياته، قصائد ومقطوعات، في مواعظ وخواطر، عند الحديث عن شهر رمضان) وغيره، في مثل هذا الخطاب الذي نفض فيه الشاعر يده من الناس لنفاقهم وريائهم، متوجهاً إلى الله لائذاً بحماه:

 

فلم أجد ما حسبت

 

حسبت للناس عهدا

وساءني يوم غبت

 

كم سرني من رآني

وتبت يا رب تبت

 

وليت نحوك وجهي

ثم تتقارب مستويات الحس الإنساني بين إخوانيات الشاعر ومراثيه والذكريات في الديوان، فهو في الإخوانيات الصديق الحميم الذي يبادل أصدقاءه باقات شعر وود وإخلاص ووفاءه، كما يعلن في المراثي حسرته وأساه معتبرا مشيدا بالخصال النبيلة، موجهاً مواسياً في النكبات، مرشداً داعياً إلى الاعتبار، كما تبقى الذكريات هنا مرتبطة بالمراثي تحمل معظم سماتها العامة في قصائده، عن وفاة كل من أحمد شوقي) وحافظ إبراهيم) وذكرى الوفاة لكل من ابن باديس) والإبراهيمي) ثمّ الأمير عبد القادر).

وقد توسط هذه الموضوعات قسم الثوريات) وهي قصائد جميعها من مناخ ثورة التحرير 1954-1962)، وتأتي بعد هذه وتلك قصائد ومقطوعات مختلفة، هي متفرقات) يتسم معظمها بالقصر، في شكل صور وخواطر وانطباعات، عن أشخاص ومناسبات وهيئات وغيرها.

أما الأناشيد) القسم الأخير في الديوان فهي أناشيد للشباب ولفرق كشافة كتبها في أوقات مختلفة ومتباعدة 1936-1950م) من ضمنها أيضاً نشيد نساء الجزائر).

وقد تضمن هذا القسم قصيدتين الأولى عن الفاتح العربي عقبة بن نافع) بعنوان نشيد عقبة) سنة 1965) والثانية في تهنئة الملك المغربي محمد الخامس) بمناسبة عودته من منفاه 1955م) بعنوان أمير المؤمنين غنمت نصرا).

وبين المتفرقات) والأناشيد) يجد القارئ قسماً صغيراً للألغاز يتكوّن من تسعة ألغاز بسيطة بين قصيدة ومقطوعة، لم يكن الشاعر مرتاحاً لإدراجها في الديوان عندما طبع لأول مرة، لأنه يعتبرها محاولات بسيطة أملتها مناسبات عارضة مع تلاميذه، ما كان ينبغي على القائمين بأمر الديوان إعداداً وطبعاً إثباتها[2]).

وهي وجهة نظر الشاعر التي تختلف عن وجهة النظر لدى غيره، فمهما قل شأن هذه الألغاز فهي تحتفظ -بالنسبة لشاعر كبير- بدلالتها على جانب معين مهما صغر أو تضاءل من شخصية الشاعر وروحه، إضافة إلى ما يمكن تلمسه فيها من بعد ما اجتماعي خاص أو غيره في القهوة) بعنوان الجارية السوداء) حين اختفت من الأسواق في الجزائر) عند اندلاع الحرب العالمية الثانية:

 

على البيض واستعصى عليهم وصالها

 

وجارية سوداء عز منالها

جواري أخرى لا يطاق احتمالها

 

تولت وصدت عنهم فتعوضوا

لقد تنوعت موضوعات شعر العيد) تنوعاً كبيراً، وبرزت فيها شخصية الشاعر المؤمن الصادق، كما برزت فيها أشياء مختلفة، منها ما يتعلق بظروفه وطبيعة تكوينه الاجتماعي والنفسي، ومنها ما يتعلق باتجاهه القومي من منظور ديني، ففي زاوية من الجانب الأول نلمس نزعة التشاؤم التي بكرت في وفودها عليه، وهو في العشرين من العمر حين قال:

 

حوادث لا تنفك مستعرات

 

سئمت وإن كنت ابن عشرين حجة

وهذا يعني أن القصيدة في حدود 1924م) وهو الشعور الذي بقي مطرداً في سنة 1936م) بعد اثنتي عشرة سنة:

 

وفي شبابي شبت

 

عوجلت بالهمّ طفلا

وفي هواي نكبت

 

في صحتي هد جسمي

وهو إن أوحى ببعض المبررات الخاصة والعامة مبكراً، فقد أبقى أيضاً في 1937م) على هذا النزوع التشاؤمي نفسه الذي انجر عن علاقته بالآخرين:

 

وإن أحاطت بي الأفواج والحلق

 

لا أمنح الناس ميثاقي ولا ثقتي

حتى الشراب، فلا ماء ولا ألق

 

أصبحت أياس صاد لا يعللني

ثم يدخل الشاعر في صراع مع نفسه 1950م) وهو يتمزق أمام الآمال الكابية في ألم مقيم معاتباً نفسه عما هي عليه من مشاعر سود، توقا للخلاص من هذا الكابوس:

 

ولم أقض اللبانة من وجودي

 

هجدت فضاع حظي في هجودي

تنوء بوزرما تحت القيود

 

وتنأى بي عن الآمال نفس

وعودي للصفاء المحض عودي

 

فيا نفسي عن الكدرات عفّي

هذه النزعة التشاؤمية المبرحة جعلت الشيخ محمد البشير الابراهيمي) يكتب له ذات يوم من تلمسان) سنة 1355هـ 1936م) قائلاً، طالما قرأت في وجهك الشاحب آيات الحزن وتلمحت في قسماتك دلائل الهم والأسى وكم حركتك بمعاريض من القول علني أستبين شيئاً من حقيقة هذا الهم الدفين.. وهذا الأسى المبرح الذي أعلم أنك تقاسيه فكنت كمن يستجلي المعنى الدقيق من اللفظ المعقد.. أتظن أننا جاهلون بهذه المنازع العجيبة التي تنزعها في شعرك وبمناشئها من نفسك.. طالما سمعت منك كلمة اليأس) وبودي ألا أسمعها منك مرة أخرى، لأنني أعدها غميزة في شاعريتك، ولولا شذوذ نعرفه في نفوس الشعراء كأنه من معاني كمالهم لما صدقنا باجتماع اليأس والشعر، وكيف ييأس الشاعر وهو ملك مملكة الآمال وسلطان جو الخيال..[3]) فما كان من الشاعر إلا الردّ شاكراً معلناً صعوبة الخلاص من دائه:

 

والبرء منه عسير

 

اليأس داء عسيف

قلب كسيف كسير

 

يدق بين ضلوعي

والانتكاس خطير

 

أخشى عليه انتكاسا

هذا الانتكاس الذي يرهبه الشاعر بقي معلناً حضوره، وإن تلوّن أحياناً في أشكال مختلفة، غير أن أملاً سياسياً ما لاح في الأفق سنة 1962م) فكسر قليلاً تواجد ذلك التشاؤم، حين أحسّ الشاعر قرب الإفراج عنه في إقامته الجبرية وإعلان الاستقلال عندما نقرت نافذته فراشة تدعى بوبشير)[4]) يتفاءل الناس برؤيتها التي يعتبرونها إيذاناً بأخبار سارة وشيكة:

 

غداة سمعت صوت أبي بشير)

 

جزمت بقرب إطلاق الأسير

وأستفتيه عن شعبي الكسير

 

أناجيه بآمالي وحالي

حتى يقول:

وهم ليس يجمل بالبصير

 

ودع عنك التشاؤم فهو وهم

وإن اتخذت نزعة التشاؤم منعرجاً نحو النزوع إلى التصرف، فقد أبقى الشاعر على كوة الأمل الواسعة في خير وطنه ومستقبله في عهد الاستقلال، وهو ما عبر لنا عنه تعبيراً مباشراً سنة 1972م) حين قال: "كيف أتشاءم الآن) في عهد تحررت فيه بلادي، وأحرز الشعب على استقلاله، لم أكن أتصور أنني سأعيش حتى أشهد الاستقلال"[5]).

هذا جانب مما يلفت النظر والفكر بوضوح في ديوان العيد) إلى جانب ثورياته واجتماعياته وغيرها أيضاً، لكنَ الذي يبقى جلياً عبر مختلف أقسام الديوان هو ذلك الشعور الإسلامي الفياض، والإحساس العميق بالانتماء للأمة العربية حيث تبدو العروبة والإسلام محور تفكيره وانفعاله بالقضايا والأحداث، سواء منها ما تعلق بالجزائر أو بسواها.

هو الإيمان القومي الذي نجده يتواجد لأدنى سبب في قصيدة أو في مقطوعة زيادة على القصائد التي يكون موضوعها، في مثل الحديث عن أقطار عربية وإسلامية، أو قضاياها المختلفة.

والانتماء للعروبة لديه جزء أساسي من الانتماء الأشمل للأمة الإسلامية، كما أنه لا عروبة بلا إسلام، وهو انتماء أبدي طموحاً في نفس الشاعر إلى وحدة رشيدة تكون مصدر المنعة والقوة والغلبة في النهاية.

من حولها قصف المدافع يرعد

 

نبني العروبة من جديد قلعة

ومن المحيط إلى الخليج تمدد

 

فلتحي وحدتنا بها في منعة

ملء القلوب وعهدنا المتأبد

 

وليحي في ظل العروبة ودنا

لهذا يعلن الشاعر إيمانه بضرورة الوحدة كحتمية تاريخية لمغادرة التخلف نحو العزة والمجد والسؤدد:

 

على وحدة عظمى بشرق ومغرب

 

ومن مطلبي جمع العروبة كلها

وحين يتحدث عن بلده الجزائر) يربط ذلك بمحيطها العربي والإسلامي خاصة في المناسبات الكبرى، فيقول عنها:

 

لك عصبة بقلوبهم والأذرع

 

بين المشارق والمغارب إخوة

فصلي حبال إخائهم لا تقطعي

 

مدّوا إليك بها حبال إخائهم

وهذا الموقف غير مفصول عن تفكيره الإسلامي الذي لا يرى أيّ خيار للشعب الجزائري أو "الأمة الجزائرية" خارج محيطها الإسلامي:

 

لسلوكها أعظم به من مهيع

 

تأبى سوى الإسلام فيها مهيعاً

من نفس الرؤية يدعو المسلمين جميعاً للنهوض مسترشدين بدينهم الذي هو دين عمل وقوة وعزة ومجد:

 

شعائره وأوفوا بالعقود

 

بني الإسلام أحيوا الدين أحيوا

ومجد محمد مجد الخلود

 

فدين محمد دين الترقي

من هذا المنطلق يؤكد في مواضع مختلف من الديوان هذا الانتماء لأمة عربية إسلامية بتكامل العنصرين لا تنافرهما، في مثل قوله:

 

عليّ وعن شعري وعن كنه مطلبي

 

يسألني عن نسبتي كل وافد

وديني هو الإسلام والقدوة النبي

 

فقلت لهم أرض العروبة موطني

يعلن ذلك دونما تعصب أعمى عرقياً أو دينياً، وإن هو رأى الجامع بين العرب اللغة العربية زيادة على روابط الدين والأرض والتاريخ، فهو يرى أنها بدورها لغة القرآن التي يجلها، بل يقدسها غير الناطقين بها من المسلمين في معظم أقطارها حيث يعتبر الإسلام واجباً "وجوب المقاصد، وهي واجبة وجوب الوسائل"[6]) بتعبير فضيل الورتلاني) ومن ثمّ فهي دعامة لهذا الانتماء الإسلامي وليست أداة لنزوع عنصري:

 

ما بيننا تقضي بكلّ وئام

 

في الدين والدم واللسان أواصر

صعب العلاج ومعول هدّام

 

ما العنصرية غير داء مزمن

إنّ الهوى صنم من الأصنام

 

فدعوا الهوى، والعاكفين على الهوى

ومهما يكن من شيء فإن المتصفح ديوان محمد العيد) يدرك بوضوح تنوع الموضوعات واختلاف المستويات الفنية، جودة وضعفاً في التجربة الشعرية التي استمرت لديه نصف قرن، في إطار بيئته ومحيطه، ولم يشنه كثيراً في ذلك الشكل التقليدي، لأنه أيضاً لم يأسره نهائياً في قوالب جاهزة، قد عزز الإيمان والصدق والواقعية مكانته الشعرية، وهو الذي عبر بإخلاص عبر قضايا ووصف أوضاعاً ومناسبات كما مدح الرسولص) وغيره من أعلام تاريخ وفكر وشخصيات دينية، مثلما مدح وطنه الأصغر الجزائر) ووطنه الأكبر العربي) وتغنى بهما، كما مدح أمته الإسلامية الكبرى بحب ووفاء تام.

وكل ذلك بلغة الود الصادق والرغبة الجادة في التبليغ، لا لغة الزخارف والأصباغ التزييفية واللهو اللفظي والشعوذة الفكرية.

فإن كنت تجد نفسك -إذن- في الركام الشعري المختلف، المتعدد الوجوه أمام تجارب لشعراء آخرين لا يتعدى عمل بعضهم أشكالاً تنعت بصفةالاستمناء الأدبي) غير الموجه لأحد، أو لقضية خارج رغبة الإفراز المجردة فإنك واجد في شعرالعيد) طابع المعاناة، ونية التوصيل والتبليغ العام التي ترفض أن يكون تبليغاً لفئة محدودة في إطار أيديولوجي ضيق.

ليس المعيار الفني هنا إذّن محدداً بأشكال معينة في التجديد ولا محصوراً في قوالب تقليدية زخرفية أيضاً، بل يتجاوز الأشكال والزخارف المصطنعة، والأصباغ والشطحات البهلوانية بالألفاظ كما هو شائع عند بعض إلى الإنفعال بالحدث وحسن التعبير عن التجربة وجودة بنائها، والأثر في المتلقي، وهذه نقطة أساسية في العملية الإبداعية حيث ينحو الأثر نحو الإيجاب بدخول المتلقي في حالة شعورية ذهنية، فكرية روحية حين يشارك الشاعر التجربة وينفعل بها معه، مما يخولنا القول: إن التجربة ناجحة، وهو نجاح غير منتظر في غياب الصدق الفكري والواقعي، والفني، وقوة العاطفة في ذلك، وصدق الانفعال وجودة التبليغ، وهي عناصر تتوقف عليها في النهاية عملية الإفادة والإمتاع، وحصول"اللذة الفنية" أو "الطرب الفني" بتعبيرج. ب. سارتر) وهو ما توفر على جانب منهمحمد العيد) في شعره الذي كان شاهداً أميناً صادقاً عن جوانب مختلفة في الحياة على أيامه ، فكان اللسان الصادق والنغم المتميز فيصوت الجزائر) المعبر عن روحها وانتمائها الحضاري.

فلا عجب بعد كل هذا أن يكون محور شعره ذلك الشعور بالانتماء الأكبر للعروبة والإسلام: موطناً وهوى.

لقد غردمحمد العيد) طويلاً للجزائر، وللوطن العربي والعالم الإسلامي، فأعطى الشعر والوطن خمسين سنة[7]) من عمره، إنتاجاً وعملاً ونضالاً فكرياً مستميتاً، ولم يتوقف إلا بعد أن زحفت عليه متاعب صحية مختلفة، حاول في الذكرى العاشرة للاستقلال1972) أن يتجاهل طلائعها المكثفة الجادة جداً لينجز آخر قصيدة له محيياً العاملين الجادين داعياً الجيل الجديد للعمل والإخلاص فيه، وفاء لأجيال التضحية والفداء، وكان راضياً عما استطاع أن يخدم به وطنه، قانعاً بوضعه، وهو الذي عزف عن الملذات، ولم يكن من فئات انتهازية مختلفة جنحت مطامعها ومطامحها المادية، وتنوعت مآربها وأغراضها المختلفة، فقنع بحصول الحلم الجميل، في أن يرى وطنه مستقلاً ظافراً بحرية طالما غازلها أو غازلته سراً وعلانية، رمزاً ومباشرة.

وقد أبقى على هذا الحب المقدس للوطن في النفس حتى آخر لحظة من حياته، حين لقي ربه، سعيداً راضياً، بعد ما"... أدى بجهده وبشعره رسالة نضالية مضنية، وإن لم يتوفر في شعره فن رفيع كما ينتظره البعضوذلك من طبيعة الظروف والمرحلة التي نشط فيها)، فقد توفر فيه التأثير القومي والنضالي، والموقف الواضح في التوعية والصدق الخالص في التعامل مع التجربة الفنية، ونقلها مفعمة بالحرارة والحب، إلى قارئه في الجزائر وخارجها.. في وطنه الأكبر.. وطن العروبة والإسلام".[8])

ويبقى ديوانمحمد العيد) الضخم593 صفحة) معلماً بارزاً في الحركة الأدبية عموماً والشعرية خصوصاً، في الجزائر وفي الوطن العربي، وهو الذي لم ينفصل لديه هم وطنه الأصغر عن هموم وطنه الأكبر.

 



* نص المقدّمة التي كتبتها للطبعة الثالثة من ديوان محمد العيد) المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر، 1992. مع تصرف طفيف جدا هنا.

[1]) نشرت القصيدة يومئذ في آخر حوار لنا معه، في مجلة الأثير) عدد: 5 سنة: 1. عام 1972 بعد بثها في القناة الأولى صباح يوم 5/7/1972م) كما نقلتها بعد ذلك مجلة الجيش).

            انظر: القصيدة، ومخطوطتها المصورة إلى جانب حوار مع الشاعر، في كتاب شخصيات جزائرية) د. عمر بن قينة. ص:91-98 مطبعة البعث) قسنطينة الجزائر) 1403هـ 1983م).

[2]) راجع رأيه في حديث لنا معه، تضمنه كتاب شخصيات جزائرية) ص: 92 مطبعة البعث، قسنطينة الجزائر) 1983م.

[3]) محمد البشير الابراهيمي. الآثار. ج:1- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر 1398هـ 1978م)- ص159-160 وقد نشرت الكلمة مع قصيدة الشاعر بعنوان: بين عالم وشاعر) في مجلة الشهاب، ج:م:12 جوان 1936م، وبنفس العنوان وردتا معاً في المصدر أعلاه، وفي ديوان الشاعر.

[4]) تذكر هذه الفراشة بوبشير) لاعتبارها طائراً صغيراً، وتؤنث أم بشير) لاعتبارها فراشة كبيرة.

[5]) د. عمر بن قينة: شخصيات جزائرية، مطبعة البعث) ط: 1- الجزائر 1403هـ 1983م) ص93.

[6]) الفضيل الورتلاني، جريدة البصائر، سلسلة أولى، ع: 16، الصادر في 2 صفر 1355هـ 24 افريل 1936م) الجزائر.

[7]) مما كتبه وهو في العشرين من عمره أي سنة 1924م).

            -أسطر الكون

            -صدى الصحراء، وهما قصيدتان ناضجتان تدلان على أنّ هناك تجارب شعرية سابقة للشاعر قبل العشرين من عمره، ولم تنشر هذه التجارب في إبانها لأسباب مختلفة لم يضمها الديوان أيضاً لتلك الأسباب وغيرها، كضياعها أو الاكتفاء بما سبق نشره في الصحافة عموماً أو تداوله التلاميذ والأصدقاء، ثم اكتفاء في النهاية بما ضمه ديوانه في الأخير لقوله ذات يوم بالخصوص، إن الديوان "ضم أكثر شعري، وما لم يتضمنه الديوان لا يخل في شيء.

            د. عمر بن قينة، شخصيات جزائرية، مطبعة البعث، قسنطينة الجزائر) 1983م، ص92- انظر أيضاً: صوت الجزائر في الهامش التالي، رقم (4) .

[8]) د. عمر بن قينة، صوت الجزائر في الفكر العربي الحديث، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر ص36.

 

 

E - mail: aru@net.sy

 

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244