|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:42 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الدراسة الخامسة : صور من الأثر القرآني في التعبير الأدبي.. لدى كتاب جزائريين ينبغي القول من البداية أن التفكير الديني والتعبير عنه ذو صلة حميمة بالتفكير الوطني والقومي لدى أهم الكتاب الجزائريين، كما أن الأثر القرآني في كتابات هؤلاء أو بعضهم على الأقل غير مفصول عن أثر الفكر القومي بعمقه الإسلامي. لاعتبار أساسي وهو أن العربية والدين لديهم وجهان لعملة واحدة هي (الجزائر) وطناً بهويتها الحضارية عربياً وإسلامياً: "إن الشعب الجزائري جزء من الأمة العربية الماجدة مازال محتفظاً بخصائص العروبة كأقوى مايكون الاحتفاظ، ومن ثم فهو رأس مال العرب يجب أن يحافظوا عليه، وهوكذلك جزء له قيمته من الأمة الإسلامية العظيمة مازال محتفظاً بشعائره، متصلباً في عقائده الكريمة السمحة، ومن ثم فهو رأس مال عظيم للمسلمين يجب عليهم -حيثما كانوا- أن ينظروا إليه نظرة الأخوة المقتضية للنجدة والنصر"(1). هذه الرابطة الروحية الحضارية الواسعة عبر عنها (ابن باديس)، شعراً: وإلى العروبة ينتسب شعب الجزائر مسلم كما عبَّر عن الوحدة نثراً، على المستوى المحلي والعام فقال عن ضرورتها معرضاً بدعاة التفريق حين كتب تحت عنوان: "ما جمعت يد الله لا تفرقه يدُ الشيطان"(2). مقتبساً من القرآن الكريم مستوحياً، قائلاً: "ياعجباً! لم يفترقوا وهم الأقوياء، فكيف يفترقون وغيرهم القوي، كلا، والله، بل لا تزيدهم كل محاولة للتفريق بينهم إلا شدّة في اتحادهم وقوة لرابطتهم (ذمتي بما أقول رهينة، وأنا به زعيم)، والإسلام له حارس والله عليه وكيل... نتحد لننفع، أنفسنا وننفع إذا استطعنا غيرنا. ومعاذ الله والإسلام أن نتحد على أحد، أو نتفق على باطل، أو نتعاون على إثم أو عدوان". ومن الإيمان بالعلاقة الوطنية الضروري تمتينها نمت العلاقة الحضارية الوطيدة بعمقها الإسلامي الجوهري الذي لا قيمة لانتماء آخر خارجه؛ كتب كثير من الكتاب الجزائريين ذوي الفكر الناضج الأصيل، من بينهم (الفتى الزواوي) وهو اسم مستعار للشيخ الكاتب الخطيب (باعزيز بن عمر) إبّان الاحتلال الفرنسي معبراً عن علاقة الانتماء تلك:"إن علاقتنا بالشرق والشرقيين علاقة متينة قوية تزداد على مر الأيام متانة وقوة، وتغذيها عدة روابط روحية من دينية ولغوية وأدبية نشعر بنا كلها شعوراً لولاه لضاق بنا العيش ولذهبت النفوس حسرات"(3). علاقة الفكر القومي بالفكر الديني لدى الكتاب الجزائريين على سبيل الموازنة تبقى أمراً واسعاً، وهو موضوع يجري التفكير فيه لوقت لاحق إن شاء الله، ولفرصة أخرى نتمنى أن تسمح بها الظروف، فلا تتأخر طويلاً، أمّا في موضوع اليوم فسأقف وقفة أولى - ربّما عجلى- عند جانب معين لدى بعض من الكتاب الجزائريين، وهو أثر القرآن الكريم في التعبير الأدبي عندهم. في هذا المجال تجدنا أمام أشكال أو وجوه من الأثر القرآني في النثر الأدبي لدى الكتاب الجزائريين، أهمها شكلان: يتمثل أولهما في ظاهرة الاقتباس الخاصة بآيات مختلفة من القرآن الكريم، ويتمثل الثاني في أثر القرآن في سياق تعبير ذي ظلال قرآنية، قد ترد فيه جملة أو كلمة كما قد يوحي به مضمون التعبير أو شكله، أو هما معاً: صياغةً؛ وحكمةً، ومثلاً أوعبرة أو غير ذلك، وإذا كانت ظاهرة الأثر القرآني واضحة في النثر الجزائري عموماً بكل أشكاله وألوانه فإنّها أكثر وضوحاً عند كتاب من دون غيرهم، بسبب ثقافتهم الدينية العميقة ومحيطهم الاجتماعي والفكري الخاص والعام. في البيت والمعهد والمسجد والعمل، مما يتعذر تتبعه خارج إطار عملي- منهجي الخاص- لكننا هنا في مقال نقصر القول في ذلك على نماذج قصيرة محددة في أعمال بعض الكتاب الجزائريين الذين نلمس في كتاباتهم هذا التأثير بالقرآن اقتباساً أو تضميناً أو استلهاماً. فالكاتب الجزائري المصلح (عبد الحميد بن باديس)(4) حين همّ في نص محاضرة له بالحديث في ذكرى المولد النبوي عن المسؤولية، والرسالة المحمدية لجأ إلى ضرب من التعبير في سياق براعة استهلال حين قدم بالآية القرآنية: "يا أيها النبي إنا إرسلناك شاهداً مبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا"، ليخلص من ذلك إلى أن الذكريات الكبرى في مسيرة أية أمة هي عون لها لاجتياز الصعاب، وطاقة تمدّ الناس بهذا العون، وتمنحهم الثقة في النفس لتخطي المحن، فانعكست في رؤاه المختلفة ظلال قرآنية في كلمات معينة متوجة بآية كريمة، فقال في آخر موضوعه: "إن قلوباً وضعنا فيها اسم الله واسم محمد لهي بمأمنَ من عمل الظالمين وكيد الخائنين، فجددوا نورها وقوتها بمثل هذه الذكرى...واقصروا أعمالكم وجملوها بالإحسان والتقوى، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون". وهذا الأسلوب شائع جداً في تفكير هذا الكاتب وتعبيره، حتى أنّه عندما يكتب عن رحلاته الأدبية الاجتماعية يعنون بعضها بمثل قوله: "للتعارف والتذكير" وفي ذلك إيعاز بالآية القرآنية التي يرد نصّها في مواضع، وهي قوله تعالى: "وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين". وقد شاع هذا الشكل من الاقتباس في العناوين عند آخرين، غير ( ابن باديس) منهم (محمد البشير الإبراهيمي)، في مثل قوله: "وشهد شاهد"(5) و(أحمد توفيق المديني)، في موضوعه (ولسوف يعطيك ربك)(6) الذي نشره بالبصائر في مساحته الأسبوعية (منير السياسية العالمية)، وغطّى ثلاث صفحات الجريدة، في إحساسه كأديب وسياسي ورحالة تجاه مظاهر الاحتفالات في (المغرب الأقصى) بمناسبة عودة الملك المغربي (محمد الخامس) من المنفى يومئذٍ (1955)م. لإعلان الاستقلال عن إدارة الاحتلال الفرنسي، فرأى الكاتب تعلق الشعب المغربي بالرجل العائد، فبدا له حب الأمة زعيمها نعمة منه، وابتهاجها جزاء من الله تعالى، لنضالها وتضحياتها في سبيل الاستقلال، فوصف فرحة المواطنين وصفاً أدبياً شائقاً مستمداً من القرآن الكريم في تعابيره مثل قوله تعالى: "وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"، فقال واصفاً معبراً عن مشاعره وانطباعاته المختلفة في مثل قوله: "شعب حيّ ناهض، شاعر بحقوقه وبواجباته... وهل أحدثك عن أقواس النصر التي وضعها القوم على مسافة العشرين ميلاً... والعيون الناضرة؟ هل رأيت العيون الناضرة؟ لقد كنت طوال ذلك الطريق أحدق النظر في أعين القوم الذين يحيطون بنا وقد أطلقوا العنان لسرورهم ولحبورهم"(7). فقد شدت اهتمامه الفرحة العارمة التي انعكست على الملامح وبرزت في العيون، فاختار ما عبّرت عنه العيون بدل الوجه لمركزيتها وقوة نفاذها، فعبرت عن سمات جمالية أخّاذة. ونظرة متألقة بهجة شكراً للّه على النعمة، فكانت الآية القرآنية حاضرة في ذهن الكاتب فأشبعت الصورة التي كوّنها انطباعه وهو يتأمل من حوله ومايدور في ذلك المحيط الزاخر بالسعادة الغامرة. ولم يلبث المشهد حتى شرع يوحي بأضوائه المتلألئة والبهجة الغامرة إلى الكاتب بأحاسيس مختلفة ومشاعر كثيرة استدرجت صورة فنية استمد الكاتب مادتها الأدبية من القرآن الكريم، كما وردت في سورة (القدر) فقال في سياق التسجيل الخاص بمشاعره وانطباعاته المختلفة عن البلد وهو يزوره للمرة الأولى في مناسبة وطنية وفي مناخ النضال التحريري "إن لم تكن تلك الليلة هي ليلة القدر التي بشر اللّه بها في القرآن المجيد، فهي ولا ريب ليلة القدر السياسي في المغرب العربي"(8). هذه الإشعاعات النورانية في نفس الكاتب نلمسها لديه وهُو يُعبرَ ذات يوم عن أحاسيسه عندما اهتدى إلى مدرسة دينية في أعالي (الجزائر) حين حلّ بها لأول مرة في منتصف العشرينات (1925م)، قادماً من (تونس) التي هاجر إليها أبواه قبلاً فولد فيها، حين زار العاصمة الجزائرية لاحظ الطابع الفرنسي الذي كان يطبع الحياة، ولم يشرع في اكتشاف الجانب الآخر بطابعه العربي الإسلامي قابعاً في الزوايا إلا بمرور الوقت، فكانت بدايته المفاجأة التي أثلجت صدره وهو يدخل تلك المدرسة متتبعاً أصوات أطفال يتلون آي الذكر الحكيم: "كنت أتجول يوماً وحدي في مرتفعات المدينة وأجوب نواحي شارع النصر أي نصر فرنسا في الجزائر طبعاً عندما سمعت أصوات صبيان يرددون سوراً من القرآن الكريم، ماذا؟ أيمكن أن يبقى وجود لتلاوة القرآن وحفظه في مثل هذا الوسط الاستعماري الموبوء الفاجع:؟ وفاجأتني الآية (إنا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون)، وتتبعت الأصوات بنفس مطمئنة وقلب منشرح وإذا بي أمام باب مهلهل لمنزل يكاد يكون خرباً... مدرسة الشبيبة الإسلامية، يالله! هذا وجه جديد للجزائر العربية المسلمة. هذا مقام سجود وعنوان خلود".(9) فاعتبر الكاتب ذلك نوراً أضاء جوانب نفسه لما أصابها من أكدار، بفعل وجود الاستعمار وقيمه في الحياة، فأزال عنها غشاوة، ورأى "الجزائر الخالدة" وجهاً لوجه في الأحياء الشعبية بوجهها العربي الإسلامي. التعبير القرآني وظلاله اللغوية والروحية نجدها لدى هذا الكاتب حتى وهو يصف أخلاق شخص من علماء الدين في مدينة (قسنطينة) سنة (1925)م عندما وصلها "لو كان الملائكة يمشون على الأرض ويختلطون بالناس ويغشون المجالس لكان المولود بن الموهوب واحداً منهم لا محالة، أتذكره دوماً ولا أنساه أبداً، أتذكره ملاكاً في شخص رجل، تلوت قوله في صفات المؤمنين الصادقين (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)، الآية، إلاّ وتمثلته أمامي بوجهه المنير وطلعته المهيبة وصوته الخافت ولهجته الصادقة وإيمانه القوي وخلقه المنير". وأطرد ذلك في وصف عالم آخر من علماء الدين الذيِّن استغلتهم الإدارة الفرنسية ثم استيقظت ضمائرهم، فبات الهمّ مقيماً في نفوسهم، وقد وصفه الكاتب بالعالم "الجليل الذي طوقت الحكومة جيدة بحبل من مسد"(10). وقد استخدم التعبير القرآني (حبل من مسد)، لفعل الأغلال، لا لعلاقة الحالة المعنوية أو تشابه وضع. رغم أن حال الكاتب كان تعبيراً عن سخطه على الاحتلال الفرنسي الذي كان يستعد للاحتفال الصاخب بالذكرى المئوية لاحتلاله (الجزائر) ممّا حزَّ في نفس هذه الشخصية (عبد الحليم بن سماية)، وأيقظ ضميرها أكثر. التعبير القرآني لديه يسري أيضاً وهو يتحدّث عن إنشاء (نادي الترقي) في العاصمة الجزائرية (1929) فاعتبر ذلك بالنسبة للشخصية الجزائرية بوجهها العربي الإسلامي "نشورا" بعد موت، كما تطرد الألفاظ القرآنية أوّلاً في وصف المجاهد الليبي (عمر المختار)، وهو يذكره بخير سنة 1931، "رحمه الله رحمة واسعة وحشره مع النبيين والصّدَيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا"(11). كماوصف شخصية (ابن سعود) في (ديسمبر 1929) برجل "الحزم والتبصَر" أمام فئة (باغية) في حربها ضدّه "لم تراع فيها للعروبة ولا للإسلام إلا ولا ذمة"(12). وهكذا يأتي الأثر القرآني في التعبير عند (المدني) بمختلف الأشكال والألوان اقتباساً وتضميناً واستيحاءً، كما يرد ذلك في عناوين، وفي صلب الموضوع، وفاتحته، وخاتمته. ولا يكاد الوضع يختلف كثيراً في أسلوب (محمد البشير الإبراهيمي)، الذي يقتبس التعبير القرآني عنواناً لمقالة "وشهد شاهد"، إيعازاً بالنص، كما يتضمّن ظلالاً لمعان قرآنية بألفاظ قرآنية أيضاً، مثل (العدل) و(الفعل) و(السؤال) وهو يتحدث عن الوضع تحت الاستعمار الفرنسي (سنة 1950) في مقال بعنوان: "حدّثونا عن العدل فإننا نسيناه"، يقول فيه:"كيف يجد العدل مجالاً بين حاكم لا يسأل عمّا يفعل، وبين محكوم يسأل عمّا لم يفعل؟ وكيف يجد العدل سبيلا إلى نفوس زرع فيها الاستعمار - أول مازرع- بذرة احتقار المسلم الجزائري، ثمّ ربّاها- على الاستعلاء على المسلم الجزائري، ثم علمها -أول ماعلم- هضيمة المسلم الجزائري، وتجريده من أسباب القوة والحياة بكل وسيلة، وترويضه على الذلّ حتى يطمئن إليه، ويعتقد أنه كذلك خلق، أو لذلك خلق، فإذا سلب ماله عد سلامته من الضرب غنيمة وإذا ضرب جسمه عد نجاته من ضرب العنق منحة كريمة"(13). ثم يوظّف الألفاظ القرآنية وظلالها في أكثر من صورة وهو يتحدث عن الاستعمار الفرنسي "هلمّ إلى الدّين تجد الاستعمار الذي كفر بالأديان يقول لك بصريح القول والعمل: أنا أحق منك بالتصرف في دينك، فلا تدخل المسجد إلا بإذني، ولا تصل إلا من وراء إمامي، ولا تحجّ إلاّ برخصتي، ولا تصم إلا على رؤيتي... ثم ارجع البصر في الدنيا وقوانينها التي يسوسنا بها الاستعمار تجد ذلك المعنى لائحاً في كل حرف منها، فائحاً من كل كلمة من كلماتها، واضحاً في كلّ تأويل من تأويلاتها، بيّنا في كلّ تطبيق من تطبيقاتها"(14). وقد وظف الكاتب قصة (فرعون) ومجالها (مصر) توظيفاً حسناً في هذا الإطار، في موضوع نشره (سنة 1949) ولم يخل الحديث عن ذلك من الألفاظ القرآنية نفسها، مثل (المفسدين) و(شيطان مريد) إضافة إلى الصيغ القرآنية كما نرى في آخر هذه الفقرة التي يقول فيها:"هذه مصر كنانة السهّام، أرض العبقرية وسماء الإلهام، وقبلة العرب، ومحراب الإسلام تدفع بقوة إيمانها ألوهية فرعون جديد، وتدفع بيقظتها كيد شيطان مريد، بعد أن أنقذها الإسلام من تعبد الفراعنة الأولين، وإن فرعون الجديد لعال في الأرض- كأخيه- وإنه لمن المفسدين"(15). وفي الدعوة إلى دحر الاستعمار الغربي وأذنابه يستمد الكاتب الآية القرآنية في قوله: "وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة"، حين يعبّر عن ضرورة الخروج - في التطلع إلى التحرر والنهضة- من التمنيات الباردة في الدعوات المجردة إلى الاستعداد للعمل الجاد المخلص إلى جانب ذلك، فيقول:"أيّها المسلمون عيدكم مبارك إذا أردتم، سعيد، إذا استعددتم، لا تظنّوا أن الدعاء وحده يرد الاعتداء؛ إن مادة دعا يدعو، لا تنسخها مادة عدا يعدو، وإنّما ينسخها أعدّ يعد، واستعد يستعدَ، فاعدوا واستعدَوا تزدهر أعيادكم وتظهر أمجادكم"(16). أما حين يتطرق (الإبراهيمي) إلى الحديث في الأمور الدينية، ومناسباتها فإنه يحرص في الأساس على تجسيد العبرة منها، فيقع تبعاً لذلك أسير المعاني الجليلة للمناسبة أكثر امتعاضاً ممّا قد يشوّه صورتها، فنجد له في هذا المجال نصوصاً كثيرة مختلفة حافلة بالألفاظ القرآنية والمعاني المختلفة الخاصة بها في الإسلام، ولتكن كلمة (الجهاد) التي تكررت في النصوص القرآنية؛ فسعى من هب ودبَ في الحرص على ذكرها، وعلى أن يوصف بها إعلاء لشأنه لا تقرير حقيقة أو ضرورة:"لم تتبذل كلمةعربية مثل ما ابتذلت كلمة (الجهاد) على السنة هذا الجيل في الشرق الإسلامي، فلعلها أصبحت أكثر الكلمات دوراناً على الألسنة، وسيرورة في الأفواه، ووصفاً بها لكل غادٍ ورائح، ومع هذا الدوران الكثير لا توجد كلمة أفرغ من معناها منها"(17). فيقرن لذلك مجاهدة النوازع والأهواء بغيرها بمضمون إسلامي واضح قائلاً انطلاقاً من الفكرة السابقة، "إذا كثر المجاهدين قلّ الجهاد... إننّا لا نصدق جهاداً في عدوّنا الخارجي إلا إذا صدقنا- قبل ذلك وتوطئة لذلك الجهاد في نفوسنا التي بين جنوبنا جهاداً يصفَي أكدارها ويطهرها من المطامع الدنية والأعراض السخيفة"(18).كما يبرز الأثر القرآني في تعبير الكاتب بكل جلاء شكلاً ومضموناً في حدبثة عن الشؤون الدينية وعلاقتها بحياة الناس . " مافسح العبادات عندنا وصيرَها عادمة التأثير إلا تفسيرها بمعاني الدنيا وتفصيلها على مقاييسها، فالخوف من الله كالخوف من المخلوق، والرجاء في الله على وزن الرجاء في غيره، ودعاؤه كدعاء الناس، والتوكل كالتوكَل والقرب كالقرب، والعلاقات كالعلاقات... ولو أن المسلمين فقهوا توحيد الله من بيان القرآن وآيات الأكوان لما ضلّوا هذا الضلال البعيد في فهم المعاملات... أما شهر رمضان عند الإيقاظ المتذكرين فهو شهر التجليات الرحمانية على القلوب المؤمنة ينضحها بالرحمة وينفح عليها بالروح... فإذا هي كأعواد الربيع جدة ونضرة وطراوة وخضرة، ولحكمة ما كان قمرياً لا شمسياً ليكون ربيعاً للنفوس منتقلاً على الفصول ليروض النفوس على الشدة في الاعتدال، وعلى الاعتدال في الشدة... يحرّك النفوس إلى الخير ويسكنها عن الشر.. ويطلقها من أسر العادات ويحررها من رق الشهوات ويجتثّ منها فساد الطباع ورعونة الغرائز"(19). أمّا الأستاذ الشيخ (الفضيل الورتلاني) فإن الأثر القرآني في تعبيره الأدبي يختلف باختلاف الموضوعات التي يكتب فيها، فيستمد في بعضها اللفظ الصريح الذي قد يأتي معكوساً أو محوراً، كما نرى في حديثه عن إحدى المدن الجزائرية سنة 1353هـ(1934)م، حيث راقته الطبيعة في منطقة معروفة بأرضها الخصبة لكنه ضاقَ بسلوك الإنسان فيها تحت الاحتلال، فاختصر حديثه الطويل عن المدينة بقوله: "أرض طيبة وعبد كفور"(20)فوظف هنا بذكاء الآية الخامسة عشرة من سورة (سبأ) التي تقول: "لقد كان لسبأ في مسكنهم آية، جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور"، فأوعز الكاتب بتوظيف هذه الآية لخلل ما اجتماعي حلّ فيه الكفر بالنعمة محلّ شكرها، وإن عاد بعد نحو سنة في موضوع ثان نشره. في موضع آخر ليقول:"إنّه عبّر بذلك من أجل استفزاز القوم وتحفيزهم ليغيروا ما بأنفسهم كي يغيَر الله حالهم من تخلف وركود وخنوع إلى نشاط وعزّة وسؤدد.... لا قيمة لأمة من دونها، فقال:"أما اليوم وقد فتح الله هذه البلدة بفضل ما بذرته الجمعية (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) فيها من حبوب مثمرة... فلئن قلنا فيها يوماً إنها بلدة طيبة وعبد كفور، فهي اليوم بلدة طيبة ورب غفور"(21). وترتسم ظلال دينية مختلفة في رحلة (محمد المنصوري الغسيري) التي كانت بعنوان "عدت من الشرق"(22) خاصة في مرحلتي (مكة) و(المدينة) قد مارست أمكنة نزول الوحي أثرها العميق في نفس الكاتب فتألقت مشاعره الدينية وحسّه الذي كاد يتحول معه إلى صوفي يعيش لحظات وجد خاصة، كما مارست ذكريات الغزوات أيام البعثة المحمدية فعلها على ذهنه، مثلما حدث ذلك أيضاً في مساجد (القاهرة) و(الاسكندرية) في مرحلة (مصر). كما تواجد الأثر القرآني وظلاله وإيحاءاته... المتنوعة في مواضع مختلفة من التعبير في كتابات (مالك بن نبي) الأدبية خاصة مذكراته التي نشر جزأيها تحت عنوان عام هو "مذكرات شاهد القرن". فانعكس في تعبيره الأدبي الكثير من الصور الأدبية المستمدة من القرآن الكريم، من بينها مثلاً ماعكس ظلال الآيات الثلاث (31-32-33)، من سورة (النبأ) التي تصف عباد الله المتقين الذين فازوا برضاه في جنات الخلد: "إن للمتقين مفازاً، حدائق أعناباً، وكواعب أتراباً". فالحسناوات الكواعب صورة جمالية والجمال من مكملات الإحساس بالسعادة والرضى، والمتعة التي وعد بها الله أيضاً عباده المؤمنين المتقين الصادقين في الجنة، فكانت صورة المرأة الناهد مطلباً روحياً وجسدياً تقلص لدى الكاتب في الجانب الجسدي من رؤى الشخصية التي صورّها تعشق في المرأة جمالها وفتوتها كمطلب جسدي دنيوي متجدد لدى بعض ممّن يفتن بالمرأة إشباعاً للغريزة وحدها "ينطَ من كاعب إلى كاعب"(23). وعلى هذا النسق ترد الكلمات المختلفة في مواضع أخرى، وهو يصف شخصية طرقية تتدثر بالدين لابتزاز المواطنين "كان رجلاً يتخبطه الشيطان من المسّ"(24) أو في حالة وصفه مكائد الاستعمار الفرنسي وخططه لتدمير الإنسان الجزائري من الداخل، فيصيبه في عقيدته وقيمه المختلفة: "فكنتُ أخشى أن يجيء المستعمر إلى منطقة أفلو يعيث فساداً في تلك العجينة الإنسانية الطيبة التي تنطوي على سذاجات وخامات بدوية وفضائل عظيمة أيما عظمة"(25). ومهما يكن من شيء، - في هذه... الوقفة العجلى- فإنّ التأثر بالقرآن الكريم لدى الكتاب الجزائريين يختلف باختلاف تكوينهم؛ اتساعاً وعمقاً، كما يختلف الأثر القرآني في التعبير الأدبي باختلاف ثقافة الكتاب، فتختلف تبعاً لذلك طبيعة الاقتباس وأشكاله، كما تختلف طرق التضمين، والسبل الخاصة بتسرب الآيات القرآنية أو الكلمات الى تعبير كل كاتب. لكنه في معظم الحالات يبقى التشبع بالثقافة الدينية والتمكن من اللغة العربية سمة بارزة لدى أغلبهم، تضاف إليها سمات أخرى من أهمها تلك التي يتضح فيها توظيف الصيغ القرآنية وظلال القرآن وتعابيره في سياق إيجابي، يعبّر عن كاتب مسلم ذي قناعة أصيلة بما يدعو إليه، وإيمان عميق بما يصرَح به أو يخطه قلمه، ويعلنه فكره. إنّها وقفة أولى جديرة بإثارةالتساؤل حول موضوع الأدب والأثر القرآني لدى بعض كتابنا وانتماءاتهم الفكرية، وحسهم الديني، وتشبعهم بالنص القرآني، وهو موضوع نتمنى أن يحظى بالاهتمام الجاد خاصة في دراسة الشخصيات الفكرية في أدبنا الحديث. (1) آثار محمد البشير الإبراهيمي - ج،4، ص : 391، سلسلة التراث، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1985م. (2) مجلة (الشهاب)، ج:11، 11، في ذي القعدة، 1354، هـ (فيفري 1936)/. (3) مجلة (الشهاب)، ج:5، م:11، في جمادى الأولى 1354 هـ، (1935)م، لم تتميز الآية من النص في المصدر إلا بحروفها المشكولة. (4) ابن باديس، حياته وآثاره، ج:4، ص: 16، دار اليقظة العربية- دار مكتبة الشركة الجزائرية 1388 هـ(1968). (5) عيون البصائر، 2، ص: 206، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1971م. (6) جريدة (البصائر) سلسلة ثانية، عدد 344، في 23 ربيع الثاني 1372هـ (9،12، 1955) أعاد الكاتب نشر النص كلّه في الجزء الثالث من مذكراته (حياة كفاح) فغطى نحو تسع صفحات، حين نشر الكاتب الموضوع أول مرة (1955)، وردت (الناظرة) في الحالتين بالظاء خطأ، واستدركه حين ضمنه الجزء الثالث من مذكراته. (7) البصائر، سلسلة ثانية، عدد 344، في 1372 هـ (1955)م، -حياة كفاح، أحمد توفيق المديني، ج:3، ص: 52، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1982م. (8) حياة، كفاح، أحمد توفيق المديني، ج:2، ص: 38، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1977م. (9) المصدر السابق، ص :38. (10) المصدر السابق، ص: 48. (11) المصدر السابق، ص: 319. (12) المصدر السابق، ص: 321. (13) عيون البصائر، الإبراهيمي، ص: 402. (14) المصدر السابق، ص: 403. (15) المصدر السابق، ص: 531. (16) المصدر السابق، ص:533. (17) أثار محمد البشير الإبراهيمي، ج:4، ص: 215، سلسلة التراث، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1985م. (18) المصدر السابق، ص: 216-217. (19) المصدر السابق، ص:80. (20) مجلة (الشهاب)، ج:7، م: 10، غرة، ربيع الأول، 1953م، (14 جوان 1934م). (21) البصائر، سلسلة أولى، عدد 17، في 9 صفر 1355، هـ ، (1ماي 1936م). (22) نشرها في (البصائر ) السلسلة الثانية، ابتداء من العدد،: 250، الصادر في 5 ربيع الثاني 1373، (11-12-1953م)، حتى العدد: 1376، الصادر في 24 شوال 1373هـ (25 جوان 1954م). (23) مذكرات شاهد القرن، ج:1، ص: 322، دار الفكر، بيروت، 1969م. (24) المصدر السابق، ص:323. (25) المصدر السابق، ص:326. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |