|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:42 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
الخطاب
القومي وخصائصه
في
الفكر الجزائري الحديث
لمختلف
العوامل التاريخية في (الغرب الإسلامي) أو (المغرب العربي) بات الحسّ القومي يقوم
على دعامتين حضاريتين أساسيتين: هما (اللغة) و(الدين) في فضاء تاريخي وجغرافي معين منذ القرن الثاني
الهجري، على أرض شرعت منذئذٍ تتحدّد هويتها الحضارية، تعيش عليها أمة لم تلبث حتى
اتخذت لغة القرآن أداة فكر وبحث وخطاب: خلفت لغات أخرى أهمّها (البربرية) التي
أضحت عاجزة عن استيعاب فكر جديد،
فضلاً عن ذلك الجانب المعنوي في (العربية) لكونها اللغة التي يتلى بها القرآن،
وتؤدى الشعائر الدينية، في أمة احتضنت الإسلام بشغف حاملاً لواء (التوحيد)
و(الوحدة) والحق و شرعت منذئذٍ تتحدّد (هوية أمة) حرّة، على أرض جغرافية مترامية
الأطراف ذات دين واحد وحيد ولغة واحدة موحّدة، يحكمها كلّها بشرع الله أبناؤها
أنفسهم تحت مظلّة الإسلام، فكان القرآن هادياً في الأحكام، ولغته (العربية) أداة
خطاب، وتبليغ، وتحفيز. بقدسيتها وجرسيتها، منذ خاطب بها فاتح الأندلس (طارق بن
زياد) البربري تلك الحشود من جنوده المسلمين (عرباً، وبربر)، جميعهم كانوا مشدودين
وجدانياً للغة الخطاب (العربية) بمضمونها الديني، وقد شرعت حينئذٍ تنهض أمة جديدة،
هي أمة حضارة، تعرَّب فيها "البربر وتبربر العرب"، حتى لم يعد هنالك في
هذه المنطقة من الوطن العربي فارق فكري ونفسي بين اسمي "عربي" و"مسلم"
الأمر الذي كان يتكرّس عبر القرون، قبل أن يمدّ الاحتلال الأوروبي الحديث أيادي
السوء فيه، ويحرّك بيادق الفرقة والفتنة التي لا تخلو منها أمّة، ولا فترة في
التاريخ، ومع ذلك صمدت المنطقة متشبثة بهذا العمق للانتماء حتى اليوم، رافضة كلّ
أشكال الردة والزيغ. فلمختلف
العوامل التاريخية والجغرافية والنفسية تتداخل إذن في (المغرب العربي) عناصر
(القومية) كلحمة وسدى: متكاملة متلاحمة، حتى يكاد لا يبين ذلك التداخل وهو يكوّن
صورة انصهرت عناصرها في لوحة واحدة، ورؤية واضحة في التفكير العام، وفي الضمير
الشعبي ذاته؟ فالقومي هنا: (مسلم عربي) في النهاية، يسكن هذه المنطقة الجغرافية
التي باتت جزءاً لا يتجزأ من الوطن العربي، يتكلّم العربية ويدين بالإسلام. بات
من خصائص الخطاب القومي التلاحم فيه بين (اللغة العربية) لساناً و(الإسلام) ديناً
على أرض لم يلبث الغرب الاستعماري الحديث حتى استهدفها كذلك لضرب تلك العلاقة
بشكّل أخصّ، فكانت بؤرة التفكير.... في سياسة الاحتلال الفرنسي بالجزائر
(1830-1962)، خصوصاً، واستمرت بوجوه أخرى ووسائل جديدة بعد (الاستقلال)!. فكان
العمل لضرب التلاحم وتفكيك عناصره في الأمة مهمة محورية لتسهل السيطرة على الأرض والإنسان،
وتجريده من عنصري المناعة فيه (اللغة والدين) ممّا لم يكتمه قادة الاحتلال وضباطه
من قواد الجيوش الغازية، منذ الساعات الأولى في شهر (جويلية 1830م) تاريخ انتهاء الحكم العثماني في (الجزائر)، وإعلان الاحتلال الفرنسي. لقدانطلقت بعض (النظريات) في (المشرق
العربي) تربط (العروبة) باللغة وحدها "كلّ ناطق بالضاد، لا فرق في ذلك بين
المسلم وغير المسلم" كما ورد ذلك على لسان (أحمد طبارة) في المؤتمر العربي
الأول، في (باريس) خلال (17-23 جوان 1913م) فتعلن من نفس المنظور فشل (الرابطة
الدينية) كأساس للوحدة، والقومية في النهاية. كما عبّر رئيس المؤتمر السابق ذكره
(عبد الحميد الزهراوي): "إن الرابطة الدينية عجزت دائماً عن إيجاد الوحدة
السياسية... العاطفة الإسلامية لم تقدر مرة..... أن تحمل أميراً مسلماً على التنازل عن حقوقه لأمير آخر من
المتدينين حتى لو كان خليفة". أمّا في (المغرب العربي) أي (الإسلامي)
بالضرورة، فالصورة تختلف تماماً، خصوصاً في (الجزائر)، فالعروبة والإسلام
متكاملان، متناغمان عموماً، وهنا مقياس (الوطنية) التامة في تاريخنا الحديث،
فالوطني هو القومي (عربياً) و(العربي) حتى في الفكر (الشعبي) هو (الإسلامي)، وهذا
هو ذلك بالضرورة، فحين نرى مفكراً
أو سياسياً هنا ينطق باعتزاز، وفي شموخ: أنه (وطني) فهو يعلن (وجدانياً)
أنّه مرتبط بهمّ قومي عام، في فضاء حضاري عبر المساحة الجغرافية العربية: تاريخاً،
ولغة، وعقيدة، بدءاً وختاماً. وفي
مختلف المواقع بالمحيط الشعبي نفسه: فإنّ أحدهم حين ينفعل سلباً أو إيجاباً معلناً
لك: (نحن العرب لنا من الأمجاد....) أو (فينا من السلبيات.....) يشرح لك مباشرة
بحركاته، وصريح لفظه أنّه يريد بالضرورة (المسلمين). هذا
التفكير جار حتّى في المناطق التي يزعم بعض فيها، أو يزعم لهم (الغرب) وآخرون
أنّهم (أمازيغ) أو (بربر) يختلفون (قومياً) عن (العرب) فيعلن لك بعضهم (نحن العرب)
وهو يفكر (نحن المسلمون) من دون أن يلغي إذن إسلامه (عروبة) ولا تتناقض هذه مع ذلك
وقد كان (استحداث) النسب العربي عموماً، ولآل البيت خصوصاً مطلباً مهمّاً، يعني
(الرفعة) ويتيح التبجيل في تلك المناطق (الأمازيغية) أو (البربرية) قبل أن تفعل
عوامل مختلفة فعلها في اهتزاز ذلك قليلاً منذ سنوات، قبل استقلال (الجزائر) سنة
(1962) وبعده. ففكرة
(الوطنية) المحلية ترتدي إذن ثوب (القومية) بعنصريها؛ انتساباً إلى أمة عربية، لم
يصر لها شأن إلا بالاسلام، الذي
انطلق يمدّ خيوطه خارج (الجزيرة العربية) بلغة القرآن (العربية) فيغدو الإسلام في
الخطاب القومي في الفكر الجزائري لب
الانتماء. فإنّ همّش هذا العنصر أو ألغي في بعض أقطار (المشرق العربي) مثل
(السودان) و(سوريا) و(لبنان) وحتّى (مصر) فهو الجوهر في (المغرب العربي الإسلامي)،
عموماً، و(الجزائر) خصوصاً، فالرابطة الإسلامية بمضمونها اللغوي (العربية) كانت
(الاسمنت المسلّح) في تراصّ القبائل والعشائر ذاتها، وعندما تشرع هذه الرابطة تهن
تفسح المجال لتلاشي سائر الروابط الأخرى: السياسية، وحتى القبلية، والعائلية،
فالمفارقة العجيبة إذن: أنّه إذا قيل في (الجناح الشرقي) من (الوطن العربي).
"نعني بالعرب كل ناطق بالضاد" فإنّ المضمون في (الجناح الغربي) يعلن:
"نعني بالعربي كل مسلم يتحدث بالعربية" فتتكامل اللغة مع الدين؛ فيكتسي
البعد القومي طابعاً حضارياً، لاقتناع أنّه لم يكن للعرب شأن من خارج جزيرتهم إلا
بالإسلام. فباتت
كلمة (العربي) في الخطاب الوطني، الشعبي منه خصوصاً تعني آلياً (المسلم) لذا
كثيراً ماأصيب الجزائري، أي المواطن العادي بخيبة أمل صريع الدهشة من امرئ يتكلّم
(العربية) ولا يصوم رمضان فيأكل الطعام نهاراً، حتى أن خادم مطعم ما بالجزائر
(العاصمة) مثلاً يقدم خدماته للأجانب الأوروبيين في رمضان (نهاراً) يرفض أن يقدم
طعاماً لامرئ حين يسمعه يتكلم العربية، بل يوبّخه، ولا يستسيغ منطقه أنّه
"عربي مسيحي" أو "غير مسلم" بل إن هذا المنطلق يعرضه لسخرية،
ويجعله في موقف أكثر حرجاً. وما
أكثر الحوادث التي جرت في مثل هذا الموقف، حين كان تواجد الإخوة (المتعاونين)
العاملين في (الجزائر) من (سوريا) و(مصر) و(لبنان) كثيفاً، في الستينات
والسبعينات. منذ
بداية الوعي القومي بالجزائر، كان البعد الإسلامي (جوهر الانتماء) فإن أعلنت حقيقة
الصراع مع الاحتلال الأوروبي: ألاّ وطنية من دون عمق عربي، فإنّه أيضاً لاقيمة
لعروبة من دون إسلام، هو ثلاثي مقدس، فثلاثية (الخطاب القومي) في (الجزائر) إذن:
الأرض وطناً، والعربية، لغة، والإسلام ديناً، فتبقى العقيدة الإسلامية هنا جوهر
الانتماء الحضاري، هي التي جعلت للأمة هوية واضحة المعالم، ذات أثر وتأثير، محلياً
ودولياً، جابهت بها (الجزائر) نفسها المحن الكبرى، عند الهجمة الأوروبية على
العالم (الإسلامي) فاستنجدت بالحكم العثماني، وبها أيضاً تصدّت للغزو (الإسباني)
ثم (الفرنسي) اللذين تجنّد (الشعب الجزائري)، لمحاربتهما بقيم (الجهاد)
و(الاستشهاد) تحت راية (الله أكبر). وكان
ممّن بكّروا للكتابة في الموضوع بهذه الرؤية (محمد بن العنابي) المولود بالجزائر
سنة (1189هـ/1775م) المتوفى بمصر سنة (1267هـ/1851م) بكتابه في الفكر القومي
الإصلاحي: "السعي المحمود في نظام الجنود"(2) الذي أسهم في نقمة الاحتلال
الفرنسي عليه، فنفاه من (الجزائر) سنة (1830م) بتهمة العمل لإعادة الحكم الإسلامي
للجزائر، فهاجر إلى (مصر) حيث استقرّ، وقرّبه حاكم (مصر) يومئذ (محمّد علي:
1769-1849م)، وأعجب بكتابة المذكور، فأسند إليه الإفتاء الحنفي في (الإسكندرية)
والتدريس في (الأزهر) كما أمر أحد تلاميذه (الشيخ إبراهيم السقا) بتلخيص (السعي
المحمود) فكان عنوان ذلك التلخيص "بلوغ المقصود: مختصر السعي المحمود"
الذي لا يزال (مخطوطاً) في دار الكتب المصرية(3). وقد
كتب (ابن العنابي) كتابه في (مصر) سنة (1242هـ/1826م) قبل احتلال الجزائر، ربّما
أثناء عودة له من حجّ ثان أو ثالث، حين كان (الحاج الجزائري) المثقف يستطيب المكث
بعض الوقت في (مصر) في الذهاب إلى الحج أوفي العودة منه فضلاً عمّا قد يكون للرجل
هنا من مهمات سياسية، فهو مفكّر إصلاحي، وعالم دين، ورجل سياسة، و"لم يكن
مجرّد عالم بالفقه وما إليه من العلوم الشرعية، بل كان أيضاً دبلوماسياً ناجحاً، وخبيراً بشؤون
الدول"(4) وهو الذي خرج في مهمة سياسية إلى (المغرب) مبعوثاً من (عمر باشا)
في (الجزائر) لطلب العون في بناء الأسطول الجزائري الذي أصيب في مواجهة (الأسطول
الإنكليزي) سنة (1916م) إبان حملة (اللورد اسكموث)المعروفة(5). وهذه
الحادثة من بين التجارب التي حرّضت من دون شك (ابن العنابي) على اتخاذ مواقفه
القومية المعلنة، وحفّزته على كتابة (السعي المحمود) داعياً فيه أبناء أمّته
الإسلامية عموماً، إلى اقتباس عناصر القوة والغلبة من (الكفار) أنفسهم للتدريب
"على ما ألفوا من صنائعهم وحيلهم... على الوجه الذي ابتدعه الكفرة، يحصره
أمران: أحدهما أمور حربية، والثاني أمور سياسية"(6)، فالأمور الحربية، هي في
اتخاذ الجيش، وقواده، وتسويمهم، وتدريبهم، والخطط في ذلك، واجتماع الكلمة،
و"إجراء العدل، وبذل الحقوق لمستحقيها"، حيث يكون المدخل لأمور سياسية،
هي في جوهرها متوغلة فيما اعتبره (أمور حربية) "لتحذير الحكام من الظلم
والاستبداد، والجور في الأحكام، ومنع الناس حقوقهم، وإيثار من لا يستحق، ممّا
يعتبره (ابن العنابي) هنا (من أسباب خراب الملك وزوال الدولة)، وفي ذهنه مآل"
أنظمة فيلحّ في خطابه القومي بمضمونه السياسي على ضرورة العدل لدى (الحاكم)
وإظهاره (شعائر الدين) و(نصرة المظلوم) و(كفّ يد القوي عن الضعيف)، و(مراعاة
الفقراء) و(ذوي الخصاصة) فيرى في النهاية أن إهمال موضوع السياسة نفسه:"يضيع
الحقوق، ويجزئ أهل الفساد ويعين أهل العناد"(8). فتبرز
هنا الروح الإسلامية أهمّ سمة في الخطاب لدى (ابن العنابي) الذي توزعت حياته بين
(الجزائر) حيث ولد في أسرة ذات شهرة بمدينة (عنابة) و(مصر) حيث لقي ربّه، بعدإسهام
فكري فيها، فكأنما هو بمولده في (قطر) ووفاته في (آخر) وعمله بين ذلك وهذا: فيهما
معاً يجسّد ذلك التوق في التكامل الدائم في كون وطن العروبة، مفتوحاً لكل عربي،
وتبقى الروح في ذلك إسلامية، يشاطره فيها كلّ معاصريه في (الجزائر) من أهمّهم
(حمدان بن عثمان خوجة: 1189-1255هـ/1775-1840م) بكتابه (المرآة) (9)، الذي كتبه
بعد نفيه أيضاً من (الجزائر) إلى (باريس) سنة (1833م) وكرّر فيه الحديث عن المظالم
التي ألحقها الاحتلال الفرنسي بوطنه (الجزائر) ودينها الإسلامي فذكر مواطنته
(الجزائرية) في الكتاب أكثر من أربع عشرة مرة (10)، وردّد الحديث عن انتمائه
القومي عموماً: عربياً إسلامياً أكثر من ثلاث عشرة مرة (11)، فأكّد أن الجانب
الديني هو الذي جعل (الجزائريين) يستنجدون بالأخوين (عروج) و(خير الدين) كما جعلهم
يستقبلون بالأحضان مسلمي (الأندلس) الفارين من بطش النصارى (لتنطلق من هذا الحس
الديني المشترك روح المقاومة للاحتلال (الإسباني) ويصير ذلك الصراع مع (فرنسا)
صراعاً بين حضارتين (نصرانية) و(إسلامية) فكان الدين مقياس (الحرارة) و(الانتماء)
و(الأمان) في (الجزائر) للمسافر نفسه، ومن هنا تأتي ثقة (البربر) التامة في
(المرابطين) كذلك (12). ولا يلبث عنصر (اللغة) حتى يتكرس في (الهوية القومية)
فالعربية هي الارتباط بالجزائر وطناً وانتماءً لدى (حمدان) ممّا حرّض الاحتلال
الفرنسي على السعي لإزاحة هذا العامل، بمضمونه الديني، ليكون بديله (اللغة
الفرنسية)(13)، وسيلة للسلخ والمسخ القومي، كي ينفصل الجيل اللاحق عن مجاله
الحضاري، والانحياز إلى مجال حضاري آخر مغاير قومياً وحضارياً في النهاية. من هذا المنطلق صارع (حمدان) بقلمه
(الاحتلال) مخاطباً الرأي العام الفرنسي نفسه، من (باريس) ذاتها حتى يئس، فانتقل
إلى (اسطنبول)حيث وافته المنية. انطلق
(حمدان) من (وطنية إقليمية) إلى قومية عمقها الارتباط بالأمة الإسلامية، حتى رأى
بعض الباحثين أن الفكر القومي في الوطن العربي انطلق على قلم هذا المفكر الجزائري،
وهو يصوّر المواجهة مع الغزو الفرنسي؛ فصوّرها (حمدان) مواجهة بين أمة أوروبية
تسعى في النهاية للفرنسة والتنصير، وأخرى عربية تستميت في الدفاع عن لغتها
وإسلامها، وبهما تقاوم، فكانت في النهاية، مواجهة بين "حضارة غازية وأخرى
مغزوة". وتتجلّى
في هذه المرحلة المتقدمة: معالم الخطاب القومي مدوية شعراً لدى الأمير المجاهد عبد
القادر الجزائري(1807-1883) مفتخراً بعروبته، عموماً، وبنسبة الهاشمي خصوصاً،
وبباديته العربية وكرمها، وبإسلامه الذي مكّن الإنسانية الرفيعة، مثل الإخاء والمحبة
والعدل والإنصاف والصدق والوفاء ونجدة المستغيث؛ فيغدو الرسول (ص) رمزاً (عروبياً)
في فكر (الأمير عبد القادر) الذي تبدو عروبته منضوية تحت إسلامه وبه صار لها
إشعاعها، بالوحي ينزل على سيد (الكائنات)!
فيشعّ
من هنا الخطاب العروبي (بوجهيه اللغوي والديني)، وبرؤيته السياسية الواضحة، في
خطاب نفسي تدميراً لمعنويات العدو، ورفعاً لمعنويات المجاهد الجزائري في حرب المواجهة
بين (المجاهدين) الجزائريين بقيادة (الأمير)، وجيوش المحتلين، وعملائهم.
لذا
تشيع هذه الأريحية العربية بخلفيتها الإسلامية في قصيدته عن البادية "مافي
البداوة من عيب تذم به"، حيث تتكرّس فيها القيم البدوية العربية، مطعمة
بالأخلاق الإسلامية، فيبقى الخطاب متضمناً عناصر اللغة والدين، زيادة عن عناصر التاريخ
والجغرافية، في فضاء حضاري احتضن كلّ ذلك من أعالي الخليج إلى ضفاف الأطلسي، فلا
تتأخّر عن ذلك حتى اللفتات الأخلاقية، في مثل قوله:
وقد أبدى في هذه القصيدة ذاتها ثقة في الشيم العربية التي لم
نعد أهلها، في زمن الخنوع العربي، حين استمد روح (الآية القرآنية): (وأعدوا لهم ما
استطعتم من قوة..).
فهنا
تشع الأخلاق الإسلامية، إلى جانب القيم العربية المكينة، قبل الإسلام وبعده، في
نجدة المظلوم، وحماية الضعيف من بطش القوي، وطغيانه. هذه الصور في الخطاب القومي لدى (الأمير
عبد القادر) تتلاحق في معظم قصائده، بما فيها قصائده في (الفخر) وفي مقدمتها تجربته
في معركة (خنق النّطاح) سنة (1247هـ/ 1932م) حيث يركز على بسالته كمجاهد وطني،
تساوي صمود جواده مع صموده وصبره للطّعان، فتغدو ضرباته نفسها (ضربات) عروبية،
بروح جهادية، بصدقها وحسن بلائها الذي أعاد للجهاد وظيفته المقدسة في مقارعة
الأعداء، وإذلالهم:
وتطّرد
أشكال (الخطاب القومي) لاحقاً، لدى أعلاّم آخرين، من بينهم رائد (الصحافة العربية
الإصلاحية) في (الجزائر) المفكر الشاعر الصحفي الإصلاحي: عمر بن قدور الجزائري
(1886-1932م) الذي نبّه مبكّراً: بمقالاته الصحفية والفكرية المختلفة وقصائده إلى
المخاطر المحدقة بالجزائر، والوطن العربي والأمة الإسلامية عموماً؛ فكان شعار
جريدته (الفاروق) (1913-1915م)، بيت شعري له، هو:
فهو
بقدر ما استمات في الدفاع عن هوية (الجزائر) في مجالها الحضاري، أمام إرادة
الاحتلال الفرنسي المعاكسة، تطلّع بنظرة إلى هموم أمّته العربية، وفي المقدمة
مواجهة الشعب الليبي للاحتلال الإيطالي، فكتب عن الموضوع (شعراً) و(نثراً) فنشر في
جريدة (الحضارة) بالأستانة في (أكتوبر 1912م) قصيدته، "الأسوة الحسنة في حرب
طرابلس"، وأعاد نشرها بجريدته (الفاروق) في (جوان 1913م) بعنوان "فتاة
طرابلس الغرب".
أشاد فيها بموقف الشعب التركي إلى جانب الجيش الليبي، في مواجهة
المحتلين الإيطاليين في (درنة) كما أشاد في سواها عموماً بالمقاومة العربية
الشعبية في تصدّيها لهؤلاء المحتلين شعراً، ونثراً، فكتب في جريدة (الحضارة) في
عددها:(132) س:3، الصادر في (17 تشرين أول 1912)، مقالاً بعنوان "ليتقوا
اللّه في طرابلس"، ختمه بيتين له، أعلن فيه أن المنطقة باتت مسرحاً
"لتوغّل المجاهدين الأبطال، وزحفهم على عدوّهم.. إن إيطاليا ليست بفاتحة
طرابلس الغرب وبرقة كما تدّعي، وأن قانون إلحاق طرابلس الغرب وبرقة، ليتمسكوا بعدم
إعطاء العدوّ اليوم ما منعوه أمس.. إنّى أول من يودّع الشرق إن ظهرت خبايا مذكرات
الصّلح على ما يرضي الأعداء، ويسيء للشرق ويذهب بسمعته، كما ودّعت مراكش قبلها"(20)، و(تونس) و(الجزائر)
التي كان احتلالها بداية الوباء الأوروبي الاحتلالي في (المغرب العربي) فقال في
خاتمة مقاله:
ولا
يلبث الشاعر عبر ذلك حتى يدخل في دوامة من الحيرة تشبه (مندبة) على (أمّة) أضاعها
بئس (الخَلفُ) في عمل وسياسة، لنعم (السلف) في أفعاله وأقواله:
ثم
يغدو إحساسه بالتآمر على الإسلام شديداً، وهو يخمّن (المآمرة) في (تركيا) على وحدة
المسلمين، تحت راية العقيدة الإسلامية، فقال في قصيدته "دمعة علىالملة"
بجريدته (الفاروق) سنة (1913):
فمن
الخطاب العربي الخاص، إلى الخطاب الإسلامي العام، عنصران يتكاملان ولا يتنافران،
لدى (ابن قدور) في مجال حضاري له شخصيته المتميزة فيه، بثقافتها الإسلامية التي
تستوعب كل الروافد الإنسانية. ولعلّ
(عمر بن قدور) من أوائل من تنبّهوا لمؤامرة (التتريك) وضرب الوحدة الإسلامية التي
سخّر (الغرب الأوروبي) فيها الضابط التركي (مصطفى كمال أتاتورك) (1881م-1938م)،
لتنفيذها، في قيادته لحزب (الترقي) التسمية التي أدانها بسخرية الشاعر الجزائري
(محمد بن عبد الرحمن الديسي 1854-1921م).
ورد
ذلك في قصيدته (الحميدية) للسلطان (عبد الحميد الثاني: 1842-1918) حين خلعه
(1909م) حيث رأى "في خلعه إحدى حلقات المؤامرة و(فجيعة) للمسلمين جميعاً:
منتهياً
إلى "مسألة إكراههم لشيخ الإسلام على الإفتاء بشرعية الثورة على
السلطان" وخلعه، لينتهي ذلك بوصول (مصطفى كمال) زعيم (الحزب الوطني) إلى رأس
(الجمهورية 1923) وإلغاء الخلافة نهائياً (1924) بدعم أوروبي يهودي صهيوني. فيأخذ
الخطاب القومي منحنىً أدبياً متميزاً مع هذا الشاعر، في أوصافه وحتّى في غزله الذي
زخرت به مخيلته، وهو الكفيف الذي فقد بصره في نحو السابعة من عمره: كما عكست ذلك
تجربته في سينيته المعروفة بـ "الباريسية" حيث ينتقل من الوله إلى
مجادلة مع تلك (الباريسية) التي عرّضت بجنسه وقومه:
فيثور
لكبريائه معتزاً بانتمائه لأمة عربية، حملت لواء الإسلام، واقتحمت ربوع (فرنسا)
حتى مشارف (باريس) ولولا الحظوظ العواثر، لباتت هذه الباريسية وما ملكت يداها سبياً
له، وهو السيد الآمر الناشر لواء الحق والعدل:
فتقارب
(الديسي) من زاويتي النظر هنا مع (ابن قدور) وبخطابيهما في الفكر القومي قبل الحرب
العالمية الأولى، فتتمهّد الأرضية لتطوّر إيجابي بعد نهاية الحرب، في الفكر القومي
الجزائري بموازاة الحركة السياسية
عموماً، والإصلاحية خصوصاً، بزعامة (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين:
1931-1956م)، حين تأسست، وهو التأسيس الذي هلّلت له الأمة للروح القومية في خط هذه
الجمعية، بمضمونيها المعلنين:
(عروبة وإسلاماً)، فينشر الشيخ (السعيد الزاهري: 1899-1956م)، في مجلة
(الشهاب) سنة (1931م) قصيدته (تحية العلماء) مفتتحاً بالبيت التالي:
فتغدو
شخصية محمد (ص)، رمزاً مشبعاً بالظلال القومية، فينشد الشاعر (عثمان بن الحاج)
الخلاص من الاحتلال بالنضال العربي تحت راية (الإسلام) لتحرير (الجزائر) حين كتب
في مجلة (الشهاب) نفسها سنة (1953) قصيدة بعنوان، (حياة محمد) مصدر استلهام.
تمخضت
الحرب العالمية الأولى إذن عن واقع جديد، برزت فيه قوى سياسية وفكرية واضحة، من
بينها جناح الفكر الإصلاحي، تحت لواء (جمعية العلماء)، فعرف الخطاب القومي حيويته الدافقة،
وهو يتوقّد رؤى ناضجة، وأهدافاً واضحة، فأنشأت هذه الجمعية ذاتها جريدتها
(البصائر) التي كان شعار سلسلتها
الأولى (1935-1939) قوله تعالى:( وقد جاءكم بصائر من ربّكم فمن أبصر
فلنفسه، ومن عمي فعليها، وما أنا عليكم بحفيظ). وشعار
سلسلتها الثانية- بعد الحرب العالمية الثانية- (1947-1956م): "العروبة
والإسلام"، فتردّد خلال ذلك كلّه شعار "الجزائر وطننا، العربية لغتنا،
الإسلام ديننا"، هذا فضلاً عن الدوريات الأخرى، أهمها "الشهاب"
لمؤسسها (الشيخ عبد الحميد بن باديس: 1889-1940م)، جريدة أسبوعية (1925-1929م)،
فمرتين في الأسبوع، ثمّ مجلة شهرية (1929-1939م)، "راقية تؤرّخ للحركة
الفكرية الجزائرية في مرحلة من أهمّ مراحلها التاريخية".(27). فازداد
الخطاب القومي توقّداً، كما نقلته مختلف الروافد الفكرية، يومئذٍ، وفي مقدّمتها
(الصحافة العربية الجزائرية)، فمضى
الحديث عن الانتماء لأمة عربية إسلامية بالضرورة حتمياً لمواجهة سياسة (المسخ)
الاستعمارية، فكتب (الفتى القبائلي) من منطقة(القبائل الأمازيغية) وهو اسم مستعار
للشيخ (الفضيل الورتلاني: 1900-1959م) يصف رحلة له مع الشيخ (ابن باديس) في بعض
الولايات من شرق الجزائر فيدخل خلال ذلك بإحدى المدن (قالمة) في حوار مع شباب
المدينة الذين استمعوا إلى محاضرة (ابن باديس) فوصف (الورتلاني) ذلك مُعَبِّراً عن
الروح التي سادت (الحدث) ومعرباً عن رؤيته القومية، فكان خطابه قومياً قلباً
وقالباً، تعاضدت فهي كلّ العناصر، أرضاً ولغة، فبعد وصف أدبي رائق للمشهد الذي
تزاحم فيه المواطنون على محاضرة (ابن باديس) قال: "كان الموضوع شبه درس ومجلس
محادثة. على أنّه قابل للحصر في الأخير، في كلمة واحدة، وهي (كن مسلماً ولا تكن
مستسلماً) وهي الروح التي أحسست بسريانها في شرايين الأفراد وقت شرحها، ثم سنحت لي
الفرصة لاستنطاق أولئك الشباب بكلمات لطيفة في تركيبها، ضخمة في معانيها ومغزاها.
قلت لهم. وهل
يرضى أحدكم بأن يدعى كاثوليك؟ أجابوا أن (لا) وأرثوذكس؟ أجابوا أن (لا...لا) ومعاذ
الله، كما أجابوا عن سؤال: وابروتيستان؟ س:
فلقبكم الديني إذن ماذا؟ ج:
طبعاً الإسلام. وعليه
فأنتم مسلمون، هذا، محلّ اتفاق، ولكن لا تكونون في هذه النسبة صادقين، إلاّ إذا
عرفتم حقيقة المنتسب إليه، ثم: س:
هل يرضى أحدكم أن يدعى إسبانيا**. ج:
في حماس لا... س-
وأغريقي؟ ج-
لا... لا..لا... س-
ومالطي؟ ج-
(ضحك واستغراب) أعاذنا الله. س-
إذن فلقبكم الجنسي ماذا؟ ج-
طبعاً، عرب. مرحى"(28). هذا
الحسّ القومي تكفّلت السنون اللاحقة بمضاعفة درجته حتى الهيام. والكاتب يغادر
(الجزائر) إلى (باريس) والمشرق العربي، وقلبه (القاهرة) فتاق في آرائه أثناء
الثورة الجزائرية إلى وحدة (المغرب العربي) كخطوة أولى لوحدة عربية تتعدّد فيها
الأحزاب، وتنضّج الأفكار. فقال."ليس في الجزائر إلا... الأمة الجزائرية
الثائرة...". من أجل إعلانها "دولة مستقلّة ذات سيادة، في إيجاد أو في
وحدة مع مراكش وتونس".(30). وكثيراً
ما أكّد هذا المفكر الجزائري سابقاً ولاحقاً الانتماء باللغة والدين، فمن دونهما
لا معنى لوطنية ذات شأن، من دونهما هي وطنية ميتة، فكتب سنة (1936) يقول:
"الجزائري المسلم العربي... لا طمع له في ذلك بحال، مالم يدرس الإسلام
والعربية، درساً يعرفه بحقيقة دينه الإنساني وعروبته الشريفة، وهو بغيرهما لا ينظر
إليه كشخص في أمة"(31). تلازمت
العناصر الثلاثة: الأرض والتاريخ الوطني كجزء من التاريخ القومي العام، واللغة
والدين في الخطاب القومي، على الأقلام الجزائرية، وفي المقدمة قلم زعيم الحركة
الإصلاحية (عبد الحميد بن باديس 1889-1940م)، الذي عالج الموضوع من زوايا مختلفة،
في مقالاته، ومحاضراته، وخطبه، ودروسه، في التفسير وغيرهما، فكان الإسلام في كلّ
آرائه ومواقفه وأفكاره: روح العروبة، لا شأن لها من دونه، انطلاقاً من شخصية
الرسول (ص)، في مناسبات مختلفة، وأشكال عديدة من التعبير، من بينها مناسبة (المولد
النبوي) حيث يطغى الجانب الإسلامي العام، توحّداً،وتآزراً، وعملاً لبناء حضاري
شامخ، فقال في المناسبة يومئذٍ، سنة
(1929) "لسنا وحدنا في هذا الموقف الشريف لإحياء هذه الذكرى العظيمة، بل
يشاركنا فيها نحو خمس مئة مليون من البشر.... تخفق أفئدتهم فرحاً وسروراً، وتخضع أرواحهم جلالاً وتعظيماً
لمولد سيد العالمين. قلوب
خمسة مئة مليون، هذه قوة كبيرة في هذا العالم، مرتبطة بالحب، متدرعة بالإيمان، فلو
شعرت حقيقة الشعور، ببعضها لأثمرت للإنسانية فوائد كبرى وعملت لها أعمالاً
عظيمة".(32). وفي
سياق الرفض لاستسلام حضارة مغزوة هي الحضارة العربية الإسلامية في (الجزائر)
لحضارة أوروبا الغازية، كتب (ابن باديس) سنة (1355هـ/1937م)، عن موضوع الانتماء
الحضاري المعبّر عنه بالجنسية القومية:"هذه المقوّمات والمميزات هي اللغة
العربية التي يعرب بها ويتأدب بآدابها، والعقيدة التي يبني حياته على أساسها،
والذكريات التاريخية التي يعيشه عليها، وينظر لمستقبله من خلالها، والشعور المشترك
بينه وبين من يشاركه في هذه المقومات"(33). فالجنسية
القومية أمر ثابت دائم، أما الجنسية السياسية التي تربطها مصالح ظرفية أو متغيرة،
فهي عرضة لكلّ تحوّل، باندماج أضعف في أقوى، أو زوال علاقة في غياب القومية. من
هنا يأتي موضوع له بعنوان عام هو (الوحدة العربية) نشره في (الشهاب) سنة (1356
هـ/1938م) و أدرج تحته عنواناً فرعياً في صيغة سؤال:"هل بين العرب وحدة
سياسية"؟ فيأتي تساؤله عما استغلّ فيه العرب وحدتهم القومية لوحدتهم
السياسية، فيحدد المجال الجغرافي، والتاريخي واللغوي، والعاطفي، ليخلص إلى القول:
إن الوحدة السياسية ممكنة لمختلف العوامل، وواجبة في البَدْءِ والختام، بعدما حلّل
الموضوع، بتأنٍ قائلاً:"إذا قلنا العرب، فإننا نعني هذه الأمّة الممتدة من
المحيط الهندي شرقاً إلى المحيط الإطلانطيقي غرباً، والتي فاقت سبعين مليوناً
عدّاً تنطق بالعربية، وتفكّر بها وتتغذّى من تاريخها، وتحمل مقداراً عظيماً من
دمها، وقد صهرتها القرون في بوتقة التاريخ حتى أصبحت أمة واحدة. هذه
الأمّة العربية، تربط بينها -زيادة على رابطة اللغة- رابطة الجنس، ورابطة التاريخ،
ورابطة الألم، ورابطة الأمل، فالوحدة القومية والأدبية محقّقة بينها لا
محالة" والوحدة السياسية ممكنة، بل "تجب". هذه
العناصر القومية إذن تستمد من
الإسلام قوتها ومناعتها، فهو الروح في مقوّمات القومية، مما نافح به (ابن باديس)
في خطابه القومي السياسي، فكتب سنة (1356هـ/1938م)، مقالاً بعنوان مفصل هكذا
"الجزائر المسلمة، تبرهن في أحرج مواقفها على تمسّكها بشخصيتها: بإسلامها
وعربيتها" ختمه بقوله: إن الواجب يفرض على أبناء الأمة "حماية الإسلام
والعربية اللذين هما أعزّ كل عزيز على الأمة"(35). حميمية العلاقة القوية بين الإسلام واللغة
العربية جعلته مناوئاً صلباً للنزعات العرقية بروحها الجاهلية، في دروسه،
ومقالاته، وخطبه، من أهمها خطبته المرتجلة في (نادي الترقي) بالجزائر (العاصمة)
ذات مساء، من سنة (1354هـ/1936م) ردّاً على تدخّل باللهجة القبلية أو (الأمازيغية)
للشيخ (يحي حمودي) قائلاً: "إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام
منذ بضعة عشر قرناً، ثمّ دأبت تلك القرون تمزج مابينهم في الشدة والرخاء، وتؤلف
بينهم في العسر واليسر، وتوحدّهم في السّراء والضّراء، حتى كوّنت منهم منذ أحقابٍ
بعيدة عنصراً مسلماً جزائرياً، أمّه الجزائر وأبوه الإسلام، وقد كتب أبناء يعرب وأبناء
مازيغ آيات اتّحادهم على صفحات هذه القرون، بما أراقوا من دمائهم في ميادين الشرف،
لإعلاء كلمة الله، وما أسالوا من محابرهم في مجالس الدرس لخدمة العلم، فأيّ قوة
بعد هذا يقول عاقل تستطيع أن تفرقهم؟"(36). فكان
الموقف قومياً بروح إسلامية، تنطلق فيه من موقع قوّة، وهو (الأمازيغي) الأصيل، من
قبيلة (صنهاجة) البربرية (الأمازيغية) التي مكنت للإسلام والعربية في (الجزائر)
وأنجبت أعلاماً في اللغة العربية والفقه، والدراسات القرآنية، فلا أحد يستطيع
المزايدة عليه، فهو نفسه إذن الذي طهر قلبه وتعرّب فكره وانتماؤه بعدما بات اللسان
رطباً بتلاوة كتاب الله الكريم، بلسان عربي مبين. لذا
يرى في كلّ دعوة تناهض العربية والإسلام فعلاً استعمارياً، يسخّر عملاءه لإنجازه،
سعياً لضرب وحدة الأمة، فيضيف في كلمته السالفة الذكر منبّهاً إلى جهود الاحتلال
الفرنسي في التفريق بين أبناء الأمة الواحدة "ياعجباً لم يفترقوا وهم
الأقوياء، فكيف يفترقون وغيرهم القوي، كلاّ واللّه، بل لا تزيد كل محاولة للتفريق
بينهم إلا شدة في اتّحادهم، وقوة لرابطتهم (ذمتي بما أقول رهينة، وأنا به زعيم)
والإسلام له حارس واللّه عليه وكيل"(37). فالجزائر
في الخطاب القومي (الباديسي) جزء صغير من منطقة (المغرب العربي) الذي هو جزء من
الوطن العربي الذي تبرز شخصيته في محيطه الإسلامي، فكل عمل لوطنه الصغير هو عمل
لوطنه الكبير (عربياً) فالأكبر (إسلامياً) كما عبّر عن ذلك بوضوح سنة
(1355هـ/1937م) في محاضرة بعنوان "لمن أعيش؟" لتكون خلاصة إجابته عن
سؤاله في قوله:"أعيش للإسلام والجزائر"، ففي الإسلام سعادة البشرية،
والجزائر وطني الخاص، لنا وراءه أوطان عزيزة علينا، نعمل لخيرها وسعادتها، في
مقدمتها "المغرب الأدنى والمغرب الأقصى اللذان ماهما والمغرب الأوسط إلا وطن
واحد: لغة وعقيدة، وآداباً وأخلاقاً وتاريخاً ومصلحة، ثم الوطن العربي
والإسلامي".(38). ومن
منطلق الفهم الصحيح لحال أمته عتب (ابن باديس) بود على الشاعر (أحمد شوقي) في قصور
فهمه لأوضاع جزء من وطنه العربي (الجزائر) حين زارها ذات مرة، فلم يصدّ ذلك (ابن
باديس) عن إقامة حفل تأبيني سنة (1351هـ/1933م) في الذكرى الأولى لوفاة (حافظ)
و(شوقي): (1932) نشر في الشهاب سنة (1352هـ/1934م) معرباً في خطابه عن ضرورة العمل
في أمتنا بمضمون الحديث النبوي، في اعتبار أبناء الأمة الواحدة، كالجسد الواحد إذا
أصيب فيه عضو "تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمى" فيأتي تكريم
الشاعرين من منطلق الانتماء للغة الضاد وأمة القرآن، كما قال الكاتب "إننا
باحتفالنا هذا بذكرى شاعري العربية... نكرم سبعين مليوناً من أبناء العربية الذين
يعدون لغتهم القومية، ونكرّم خمس مئة مليون من أبناء الإسلام الذين يعدونها لغتهم
الدينية. ليس للجزائر من حافظ إلاّ ما للأوطان العربية الأخرى من شعره وأدبه وفنون
قوله، أما شوقي فقد قدر له أن يزور هذه الجزائر في شبابه، وينزل بعاصمتها أربعين
يوماً للاستشفاء، ويقول عنها (... لا عيب فيها سوى أنها قد مسخت مسخاً ، فقد عهدت
مساح الأحذية فيها يستنكف النطق بالعربية، وإذا خاطبته بها لا يجيبك إلا
بالفرنسوية) فاعجبوا للاستدلال على حالة أمة بمساح الأحذية منها... إلاّ أن فقيدنا
العزيز لو رأى من عالم الغيب حفلنا هذا لكان له في الجزائر رأي آخر، ولعلم أن
الأمة التي صبغها الإسلام، وهو صبغة الله، وأنجبتها العرب وهي أمة التاريخ، وأنبتتها
الجزائر، وهي العاتية على الرومان والوندال لا تستطيع، ولن تستطيع أن تمسخها
الأيام ونوائب الأيام"(39). لقد
كان الحسّ القومي لدى (ابن باديس) في تنام مستمر كما عكس ذلك خطابه في أشكاله
المختلفة، معرباً عن مواقف اتسمت بالثبات في الإجلال لأمة كرّم الله لغتها بالقرآن
وشرّفها بالنهوض برسالة الإسلام، عالج ذلك حتى في شروحه للقرآن الكريم، عن دور
العرب، ومكانتهم في القرآن نفسه، فكان عنوان (العرب في القرآن)، موضوع خطاب مطول
له أثناء الاجتماع العام لجمعية العلماء بنادي الترقي، نشر في غرة (المحرم
1358هـ/فيفري 1939م) مذكّراً فيه بإنصاف القرآن للأمة العربية التي نزل بلسانها:
فقال "الحقيقة التي يجب أن أذيعها في هذا الموقف هي أن القرآن وحده هوالذي
أنصف العرب"(40). وهو أمر طبيعي؛ فاللّه ماكان ليجعل هذه الرسالة العظيمة
لغير أمة عظيمة، إذ لا ينهض بالجليل من الأعمال إلاّ الجليل من الأمم والرجال. ولا
يقوم بالعظائم إلاّ العظائم من الناس"(41). فهؤلاء القوم الذين أعزّهم اللّه
إذن من حقّهم الاعتزاز "بقوميتهم وهم قوم ذّوُو عزّة وإباء... فكان من حكمة
القرآن أن يجلب نافرهم ويقرّب بعيدهم، بأنّ هذا القرآن أنزل بلسانهم"(42). هذه
المنطلقات الفكرية في الخطاب القومي لدى (ابن باديس) إذن تستند إلى مبرّر شرعي،
وهو خطاب بناء، لا هدم، تشرئب فيه الرؤية إلى وحدة قومية لخير الإسلام نفسه
والإنسانية جمعاء، انطلاقاً من وحدة إقليمية، وقد طالب كثيراً بوحدة (المغرب
العربي) كخطوة أولى نحو (وحدة عربية) فلاحظ عملاً:(مغربياً) أو (مغاربياً) لذلك،
مع التنبيه إلى سلبية مشرقية تجاه هذا المغرب الكبير "مضت حقبة من الدهر كاد
فيها الشرق العربي أن ينسى هذا المغرب العربي... حيثما توجهنا إلى ناحية من نواحي
التاريخ وجدنا هذا المغرب العربي. طرابلس، تونس، الجزائر، مراكش، يرتبط بروابط
متينة روحية ومادية تتجلّى به وحدته للعيان"(43)، مما يحرّض على العمل لدعم
حقيقة تلك الروابط الروحية والمادية، لإنجاز الهدف المنشود، ومن أهم الخطوات في
ذلك: إلغاء الحدود المصطنعة، التي أبدع الاحتلال الأوروبي في تشكيلها: مادياً واجتماعياً، ونفسياً، وإتاحة الفرص
لمختلف أشكال التعاون سياسياً واقتصادياً، والتزاور اجتماعياً وثقافياً، وهذا ما
باح به (ابن باديس) حين زيارته (تونس) سنة (1356هـ/1937م) بمناسبة إحياء ذكرى وفاة أحد أساتذته:
الشيخ (محمد البشير صفر 1280هـ-1863م- 1335هـ/1917م)، فعبر عن حسّ قومي إنساني
رفيع ابتداء من أول جملة "إن لتونس هوى روحياً بقلبي لا يضارعه إلاّ هوى
تلمسان" واصفاً إياها بعروس
"الشمال الإفريقي ووساطة عقد وحدته" وهي التي أنجبت أستاذة
(البشير صفر) الذي جعل من علومه العربية في (تونس) والأجنبية في (باريس) "آلة
لنفع أمته، لا آلة لإشباع معدته"(45)، فحذا (ابن باديس) حذوه في خدمة أمته
بالجزائر كجندي "من جنود الإسلام والعروبة في القطر الجزائري"(46)،
لتعميق الروابط بين أبناء الأمة العربية عموماً، وبين أبناء المغرب العربي، تلك
الروابط المختلفة "التي ذاقت
بها هذه الأقطار حلاوة الاستقلال تحت ظلّ الإسلام"(46). ومن نفس المنطلق يعبّر الكاتب المصلح
الشيخ (محمد البشير الإبراهيمي: 1889-1965)، متدرجاً من الخاص إلى العام بانتمائه إلى أمة عربية هي جزء من العالم
الإسلامي فكتب سنة (1951)، قائلاً: "قومي هم العرب أولاً، والمسلمون ثانياً،
فهم شغل خواطري، وهم مجال سرائري"(47)، فعروبته إذن بمضمونها التاريخي
واللغوي تستمد ثراءها من عقيدته، فهما متكاملان، لذا قال سنة (1948): إنّه
"يعتزّ بعروبته إلى حدّ العلوّ، ويعتدّ بها، إلى حدّ التعصّب، ويفخر بأبوة
العرب له إلى حدّ الانتخاء"(48). فتتعاضد
اللغة والدين تلازماً في فضاء حضاري يحدّد هوية الأمة الحضارية، فهما لبّ
الانتماء، الذي جعل الاحتلال الفرنسي يسعى لضرب ترابطهما بإجلاء العربية وتوطين
الفرنسية، وتحييد الدين، هو الترابط المنطقي الطبيعي كما صوره (الإبراهيمي) سنة
(1948م) في مقال عنوانه:"اللغة العربية في الجزائر، عقيلة حرّة ليس لها ضرّة"
جاء فيه:"اللغة العربية في القطر ليست غريبة ولا دخيلة، بل هي في دارها وبين
حماتها وأنصارها... دخلت هذا الوطن مع الإسلام على ألسنة الفاتحين... فلمّا
أقام الإسلام بهذا الشمال الإفريقي
إقامة الأبد وضرب بجرانه فيه أقامت معه العربية لا تريم ولا تبرح ما دام الإسلام
فيها مقيماً لا يتزحزح... يزيدها طيباً وعذوبة أن القرآن بها يتلى، وأنّ الصلوات
بها تبدأ وتختم"(49). فتبقى
(الجزائر) جزءاً من الوطن العربي اختياراً تحت مظلة (الإسلام) لا قسراً تحت بنادق
احتلال، فقال الكاتب في محاضرة له بمعهد الدراسات العربية في (القاهرة) في مطلع
خمسينات القرن العشرين: "الجزائر قطعة ثمينة من وطنكم العربي الأكبر، وجزء
قيم من تلك المملكة التي شادها أسلافكم على الإيمان، وساسوها بالإنصاف، ولم يكن
فتحهم لها فتحاً ممّا يعرفه العسكريون في جميع الأزمنة، ولا استعماراً... يذّل فهي
صاحب الدار لعزة الفاتح، وإنّما كان فتحاً للأذهان وغرساً للدين والإيمان
ونشراً للعدل والإحسان وإعزازاً
للسكان، وإنقاذاً لهم من عتوّ الرومان"(50). فتصير
(العروبة) إذن من هذه الرؤية في خطاب (الإبراهيمي) هي (الإسلام)، بإيمانها وروحها
الجهادية التي نشرت الإسلام، فيصف (العروبة) بالمؤمنة والمجاهدة حرفياً، هكذا،
وردت على لسانه، في (المؤتمر الثالث للأدباء العرب) بالقاهرة، في (ديسمبر 1956)،
حين قال: "أحييكم تحية العروبة المؤمنة المجاهدة... في بلدكم وبلدنا وبلد كل
عربي وكلّ مسلم".(51). كان
المنزع القومي إذن سيداً في فكر (الإبراهيمي) وخطابه بركيزتيه الأساسيتين (اللغة)
و(العقيدة) خصوصاً في القضايا الفكرية والسياسية الساخنة، وعينه على تكامل بين
أقطار الأمة العربية، ابتداءً من جناحها الغربي، وانتهاءً بجناحها الشرقي. فجاءت
في هذا الجناح الغربي العربية نفسها وعاء للدين، تدعيماً للبعد التاريخي
والجغرافي، فلم تعد (عروبة الشمال الإفريقي) لدى (الإبراهيمي) موضع نقاش، وهو
يقرّر في مقال له سنة (1951)، قائلاً: "عروبة الشمال الإفريقي بجميع أجزائه
طبيعية، كيفما كانت الأصول التي انحدرت منها الدماء، والينابيع التي انفجرت منها
الأخلاق والخصائص، والنواحي التي جاءت منها العادات والتقاليد، وهي أثبت أساساً،
وأقدم عهداً وأصفى عنصراً من إنكليزية الإنكليز، وألمانية الألمان، قضت العروبة
بقوّتها وروحانيتها وأدبها، وسمّو خصائصها... كل هذه العوامل صيّرت هذا الشمال
عربياً، قارّ العروبة، على الأسس الثابتة، من دين عربي، ولغة عربية، وكتابة عربية،
وآداب عربية، ومنازع عربية، وتشريع عربي، وجاء التاريخ وهو الحكم في مثل هذا فشهد
وأدّى، وجاءت الجغرافيا الطبيعية فوصلت هذا الشمال بمنابت العروبة من جزيرة العرب،
وجاء الزمن بثلاثة عشر قرناً تشهد سنوها وأيامها بأنها فرغت من عملها، وتمّ
التّمام، ووقع الختم...هذه العروبة الأصيلة العريقة في هذا الوطن هي التي صيرتنا
وطناً واحداً"(52)، فلا يختلف هنا (المغرب الأقصى) ولا (تونس) عن (الجزائر)
كما لا تختلف في ذلك (موريتانيا) و(ليبيا) التي كانت يومئذٍ (سنة 1850) عاملة
لافتكاك سيادة صادرها الاحتلال الإيطالي، والهيمنة (الإنكليزية) و(الأمريكية)
لأنّها حاربت بنفس القيم العربية وروحها الجهادية، فهي حسب عبارة (الإبراهيمي)
ذاته: "بأجزائها الطبيعية قطعة ثمينة من وطن العروبة الأكبر، ومعقل حصين من
معاقل الإسلام الباذخة"(53). من
هنا تغدو كلّ قضايا الوطن العربي شاغلاً للشيخ (الإبراهيمي) من زاوية الخطاب
القومي في الموقف الجزائري، وفي مقدمتها قضية (فلسطين) فبكّر للكتابة عن المؤامرة
الغربية سنة (1947)، قائلاً: أيظن الظانون أن الجزائر بعراقتها في الإسلام
والعروبة تنسى فلسطين؟"(54). فلا
يلبث الكاتب حتى يدين المؤامرة الغربية سنة (1948) لتقسيم (فلسطين) و(وعد بلفور)
والغفلة في الوطن العربي، والعالم الإسلامي فكتب: "ياقوم! ماظلمت فلسطين، يوم
قسمت، ولكنها ظلمت يوم بذل بلفور وعده للصهيونية باسم حكومته ومامنا... إلامن شهد
يوم الوعد، وشهد يوم التقسيم، وشهد مابينهما، ومن عرف مصادر الأمور عرف مواردها،
فانظروا -ويحكم- ماذا فعل الصهيونيون من يوم الوعد إلى يوم التقسيم، وانظروا ماذا
فعلنا".(55). لقد
أطرد تلازم الأرض والتاريخ واللغة والدين كجوامع في الخطاب القومي على الأقلام
الوطنية الجزائرية، روحها الإسلام الذي جاء به محمد (ص): "رسول القومية
العربية" بتعبير (ابن باديس) نفسه، سنة (1939). لذا
بدا الخطاب القومي حازماً، مقارعاً لقوى التشرذم قومياً، ومحلياً، وقد شرعت تطل
(النعرات) الجهوية (العرقية) في (الجزائر) نفسها من حين إلى آخر، برعاية الاحتلال
الفرنسي، لافتعال تناقض بين (عربي) و(أمازيغي بربري) فيها فتصدّى لها الخطاب
القومي بحزم رجال الحركة الإصلاحية بقيادة (ابن باديس) الذي عمل لإثبات شخصية (الجزائر) ضمن ذلك البعد العربي، في إطاره الإسلامي، مناوأة للنزاعات
الجهوية، وسياسة الاحتلال الفرنسي راعيها وحاميها. هذا
الخطاب القومي، وجد دعمه في الموقف القومي المسؤول لرجال فكرمن منطقة (القبائل) أي
(زواوة الأمازيغية) نفسها، من أهمّهم الشيخ (الفضيل الورتلاني) السالف الذكر،
والشيخ (باعزيز بن عمر: 1906-1977م)، الذي كان يوقّع بعض مقالاته باسم (الفتى
الزواوي) معلناً الاعتزاز بالانتماء لأمة عربية، هي جزءٌ من أمة الإسلام، فكتب في
ذلك مقالات عديدة، خصوصاً في جريدة (البصائر) ومجلة (الشهاب) منها مقال بعنوان
قصير قوي، هو"العروبة" حيث قال سنة (1936):"العروبة كلمة تخفق بها
اليوم قلوب الملايين من الناطقين بالضاد على نحو جديد، من الشعور القومي الفياض...
وإنّا لنشعر من قبل ومن بعد.. بدم العروبة.... يجري في عروقنا، وهو صاف لم يمازجه
كدر، وإن اختلف المظهر"(57)، بعدما غدا الهاجس القومي حالة دائمة في نفسه،
مشدوداً فيها إلى (الشرق) فكتب مقالة "اشتغالنا بالشرق أنسانا
أنفسنا"(58). وفي
مقدمة شعراء الإصلاح والثورة الذين مارسوا الخطاب القومي، بعد الحرب العالمية
الأولى، من موقع نضالي: الشاعر (محمد العيد آل خليفة: 1904-1979م) فمن نماذجه التي
انطلقت منطلقاً وطنياً لتصير ذات عمق قومي عام قصيدته "العروبة أمتنا
الكبرى" في اثنين وسبعين بيتاً، تطلّع فيها إلى وحدة بين أجزاء هذه الأمة
تكون بها مصدر منعة وقوة وغلبة، ووجود مؤثّر في الحياة، فقال:
هي
زبدة القناعة الفكرية لدى هذا الشاعر، الذي كان يرى دائماً أن قوة العرب في تعاونهم
ووحدتهم، أمام هجمة الاحتلال الأوروبي، والحيلولة دون انفراده بكل قطر على حدة،
لتسهل الهيمنة والابتزاز، فنبّه لذلك إلى ماكان يعد للقطر العربي (فلسطين) في
دهاليز الغرب والصهيونية، مع حضور مخزّ لخنوع عربي، سها الشاعر عن التعريض به
تحريكاً للهمم، فكان طموحه المثالي بعيداً عن بؤر سياسية عفنة، يسبح فيها (أشباه
رجال)، فكتب سنة (1367هـ/1947م)، قصيدته: "فلسطين العزيزة"، فقال فيها
معتداً؛ ساهياً عن مخاز تستشري في المحيط السياسي العربي:
لكن
النغم الغاضب سرعان ما يأخذ في التطور، بنماذج أخرى، لديه، مثل (يامصر) سنة
(1952م)، معاضدة لهذا القطر العربي في مواجهته للنفوذ (الإنكليزي)، ومايمارسه من
(استفزاز) تحت هيمنته، ممّا يقتضي مواجهة جهادية بالسّلاح، بدل (احتجاجات)
العاجزين الخانعين، يقعد بهم نقص في الحس القومي، وضياع القيم الوطنية الجهادية،
فقال:
هنا
يكبر التوق إلى تحرير كلّ الأقطار العربية، انطلاقاً من مناسبات عديدة، من بينها
مناسبة "استقلال ليبيا" وهو عنوان في قصيدته التي نشرها يومئذٍ (1952)
في (البصائر) آملاً للشعب الليبي الخلاص النهائي من كلّ أشكال الاحتلال، ونفوذه
الاستعماري، معتزاً بالروابط القومية بين الشعب العربي الليبي، والشعب العربي
الجزائري:
فيكون
ذلك مناسبة يتطلع عبرّها الشاعر إلى جميلة حسناء هي (الحرية) التي طال الشوق
إليها، وعزّ لقاؤها في ليل استعماري بغيض، مستخدماً في ذلك رمزاً أنيقاً؛ هو هذه
(الوَرقاء) التي كسرت طوقَها:
إلى
جانب (محمد العيد) يقف الشاعر (مفدي زكريا: 1908-1977) شامخاً، على إيمان قوي
بوحدة (المغرب العربي) أو (شمال إفريقيا) كجزء من (الوحدة العربية) الكبرى، فيقول:
حتى
بدأ همّ الشاعر الأول: الدعوة لهذه الوحدة في (المغرب العربي) أساساً قوياً للوحدة
العربية الشاملة. فأجزاء (المغرب العربي) أو (الغرب الإسلامي) تبقى عضواً في جسد
(الأمة العربية) وكثيراً ما ركز على الأقطار الثلاثة (المغرب الأقصى) (الجزائر)
(تونس) خصوصاً وقد تقاسم (القطران الأخيران) المحن في أكثر من منعرج في الصراع مع
الاحتلال الأوروبي:
وقد
حرص (زكرياء) على تأكيد ذلك نظرياً، في مقدمة ديوانه(تحت ظلال الزيتون) حين
قال:"إذاً كانت عقيدتي التوحيد، فإن وحدة مغربنا الكبير كرصيد للوحدة الكبرى
لا تختلف قط عن عقيدتي في وحدانية الله، لذلك تراني أشدو فوق كل غصن من غربنا
الكبير، وأمجّد كلّ من يعمل على خيره وخير العرب أجمعين"(65). هنا
تبقى اللغة والعقيدة كسدى ولحمة طافحة على السطح في خطاب الشاعر، مثل فكره وهي
الحقيقة الأزلية لدى معظم الشعراء والمفكرين في المغرب العربي، في مجال جغرافي
ومحيط تاريخي حضاري في صلته الحميمية بالشرق العربي، لإيمان قوي بكون العرب
"إنّما نهضوا بظهور الإسلام الذي مكّنهم، أو تمكنوا به من إنشاء دولة وفتح ممالك
وتشييد حضارة"(66). هذه
الحقيقة لم تتراجع قط في الخطاب القومي، وتطرد أبداً، وباتت أيضاً حقيقة في قناعة
من مارسوا الفكر والسياسة معاً، في (المغرب العربي) فالأستاذ (عبد الحميد مهري)،
من (الجزائر) أثناء تدخّله في "المؤتمر القومي- الإسلامي الأول" في
بيروت ( سنة 1994) يقول: "إن حركة المقاومة التي واجه بها المجتمع الجزائري
الاستعمار الفرنسي كانت تتضمّن الإسلام والعروبة في معناها القطري، منذ الأمير عبد
القادر إلى تحركات الوطنية المعاصرة، ثم جبهة التحرير الوطني التي قادت معركة
الاستقلال"(67). وهو
ما أكده المفكر التونسي، الأستاذ (محمد مزالي) في المناسبة نفسها، حين
قال:"إن البعد القومي والبعد الإسلامي من ثوابت الهوية الوطنية ومن مقوّماتنا
الحضارية والروحية والثقافية الأساسية منذ أربعة عشرة قرناً، ولا يمكن أن نقابل
بين الاتجاه القومي والإسلامي كما حاول ويحاول ذلك بعض أعداء الوطن العربي"(67). وهي
الحقيقة التي تعيش في وجدان كلّ أبناء المغرب العربي المخلصين النزهاء، كما
يزكّيهاعربياً أولئك الذين تشبّعوا بالبعد الحضاري الإسلامي الذي نهض به أبناء
الأمة العربية جمعاء، ممّا يجعل عملية الفصل بين (العروبة) و(الإسلام) جهداً
عميلاً لأعداء الأمة، وربّما كان من أفضل من أجادوا التعبير -عربياً- عن التلاحم
بين العنصرين الشيخ الأستاذ الدكتور (يوسف القرضاوي) حين قال في المناسبة السالفة
الذكر نفسها: "الثابت أنّه لا انفصال بين العروبة والإسلام إلاّ إذا انفصل
الجسد عن الروح، إذ لا غنى للعروبة عن الإسلام ولا معنى للإسلام بغير العروبة. العروبة
لسان الإسلام، ولغة قرآنه وسنته ووعاء ثقافته وحضارته، والعرب هم عصبة الإسلام،
وحملة رسالته إلى العالم.. وأرض العرب هي منطلق دعوة الإسلام"(69). فالعروبة
والإسلام من طبيعتهما إذن التكامل، لدى أقطاب فكرنا العربي الحديث، ومنه الفكر
الجزائري، حيث يتآزر العنصران، ولا يتناقضان في أي شيء، كما يحرص أعداء الأمة
العربية والإسلامية على اختلاق تناقضات. وهكذا
فإن الخطاب القومي في الفكر الجزائري الحديث، مهما تنوّعت صيغة، وأشكال التركيز
فيه: يبقى فيه الإسلام مقوماً أساسياً أولاً على رأس الخصائص، لأنّه الروح بالنسبة
للجسد، كما وصفه بذلك كثيرون، في أرض درج عليها الإنسان عموماً، والكاتب والشاعر
خصوصاً، بلغة نزل بها القرآن فرفع شأنها درجات، وصار لها مصدر عزة واعتزاز، كما
باتت أداة تعبير له عن تفكير، في إطار حضاري، تطلّع فيه المفكرون الجزائريون
-كتاباً وشعراء- في مختلف المراحل إلى أن يكون فاعلاً في صنع بديل إيجابي فاعل في
السياسة، يخلف واقعاً مزرياً تعيشه أمة الإسلام، ومنها الأمة العربية. |