|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:42 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
أعلام وملامح ونصوص مارو Clement Marot - 1497-1544 كليمان مارو من شعراء البلاط. عاش في كنف فرنسوا الأول وأخته مرغريت وكان شعره من النوع السطحّي الخفيف المستوحى من الظروف والمناسبات عاش حياة يسرٍ وهناءة تخللتها منغّصات، فسجن مرات ونفي وفقد أمواله. وكان في كل مرة يلتمس من سادته وأصدقائه العون المادي والمعنويّ. وقد أرسل القصيدة الآتية من السجن إلى صديق له ليسعى في فكاكه. إلى ليون جاميه L. Jamet(1) .. أودّ أن أقُصّ عليك حكاية جميلة، عن الأسد والجرذ: كان ذلك الأسد أقوى من خنزير عجوز، ومرةً وجد جرذاً حبيساً في مَصْيدة، عاجزاً عن الخروج، لكثرة ما التهم من الشحم واللحم ولم يكن ذلك الأسد وغداً فقد وجد وسيلةً وطريقة لإنقاذه بمخالبه وأنيابه حطّم المصيدة، فانطلق الجرذ مسرعاً، وركع أمامه باحترام وحياه برفع قبّعته، شاكراً ألفَ مرة لذلك الحيوان الكبير، وأقسمَ بربّ الفئران والجرذان أن يردّ له الجميل! ومرةً خرج الأسد من عرينه ليبحث عن فريسة، ولسوء حظه وقع في مَصيدة وألفى نفسه مقيداً إلى حجر راسخ وفي الحال وافى الجرذُ فرحاً ومندهشاً، لا مقْطعةَ معه ولا سكّين فلم يسخر منه ولا شمت به، بل شتم القطط والقطّات والقطيْطات واثنى على الجرذان والجرذات والجريذات ووجد الفرصة المناسبة لذلك الأسد المنكوب قال: صهْ أيها الأسد المقيّد فالآن أنقذك إنك تستحق مني هذا الجميل، لأني عرفت قلبك الطيب، حين خلصتني وأنجدتني بشهامتك الأسديّة، والآن سأنجدك بشهامتي الجرذية.. *** فتح الأسد عينيه وأجالهما نحو الجرذ قائلاً: يا آكل الحشرات المسكين، ليس في وسعك حيلة، ما لديك موسى ولا سكين، لتقطع أي حبل أو حُبيلة، فتطلقني من هذا الأسر خيرٌ لك أن تختبئ حتى لا يراك الهرّ *** قال سليل الفئران: سيدي العظيم! حقاً إني ابتسم من كلامك هذا لا تقلق لأن لي كثيراً من السكاكين! إنّ أسناني العظيمة البيضاء الجميلة أشد قطعاً من المناشير غمدها لثتي وفمي وبها أستطيع في الحال، قَطْعَ ما يكبلك من الحبال! وبدأ السيد جرذ بالقضم ولما انتهى انطلق الأسد الأسير، قائلاً في نفسه: حقاً لا يضيع الجميل، حيثما صُنِع وأنّى زُرع" *** هذه هي الحكاية بنظمها البديع إنها قصة طويلة وقديمة شهدها إيسوب وأكثر من مليون من الناس فتعال لتراني وتفعل مثل ذلك الأسد وسأبذل جهدي في فكري واجتهادي، لأكون حافظاً للجميل مثل ذلك الجرذ! وأنا أعلم أن الله أعطاك كثيراً من المزايا لم يمنحها ذلك الأسد العظيم.. n تعليق: يلاحظ في هذه القصيدة السهولة والوضوح والإمتاع، والاغتراف من أمثال اليونان والترتيب المنطقي في العرض والنتيجة. كما أن النص الأصلي بلغته الفرنسية يتميز بوجود بعض الكلمات اللاتينية والمدلولات القديمة والزخرفة اللفظية البديعة وجمال الإيقاع الموسيقي. رونسار Ronsard - 1524-1585 نشأ رونسار في بيئة أرستوقراطية، ولازم البلاط الملكي ثم سافر إلى انجلترا وألمانيا وإيطاليا ودرس اللاتينية واليونانية وكوّن حوله جماعة (الثريا) عام 1540 بدأ بكتابة ملحمة الفرنسياد ولم يكملها، وألهمته الحروب الكثيرة المدمّرة نغمات الألم والحزن التي لقيت القبول والرضا في الأوساط الشعبية الفرنسية. كاسندرا(2) هيّا يا عزيزتي، لننظر إن كانت الوردة التي فتحت ثوبها الأرجواني لشمس الصباح لم تفقد عند المساء طيات ثوبها الذي لونه يشبه لونكِ *** واأسفاه، انظري يا عزيزتي، كيف أنها في برهة قصيرة أسقطت جمالها الذاوي في مكانها واأسفاه، واأسفاه..! أيتها الطبيعة، حقاً إنك أمٌّ قاسية! ما دامت هذه الوردة وأمثالها لا تعيش إلاّ من الصباح إلى المساء! **** إذن، يا عزيزتي، إنْ كنتِ تصدقينني، فما دمتِ في زهوة العمر وأوج النضارة اغتنمي، اغتنمي شبابك، لأن الشيخوخة ستذهب بجمالك كما فعلتْ بهذه الوردة..! n تعليق: 1-كان تشبيه الشباب بعمر الورد مألوفاً في الشعر الكلاسيكيّ ولكن رونسار عقد هذه المقارنة من خلال الحوار والحركة 2-يلاحظ العرض المنطقيّ ذو المقدمة والنتيجة على الرغم من الملامح العاطفية 3-في هذا النص وأمثاله بوادر للرومانسيّة هروب الشباب(3) .. أيتها الصخور، على الرغم من أن عمرك يبلغ ثلاثة آلاف عام، لم تتغيري حالةً وشكلاً . أما شبابي فقد انقضى . وهاهي الشيخوخة التي ما تفتأ تطاردني قد حولتني من الشباب إلى الشيخوخة..! *** أيتها الغابات، على الرغم من أنك تخلعين كل شتاء حُلتك المتموجة، فإن العام الجديد سيكسو هامتك وشاحاً جديداً أما هامتي فلن تجد مرةً أخرى شعراً جديداً *** أيتها الأمواج؟ التي لا ينقضي ترحالها أنت تقودين، المرة بعد الأخرى، دفقاتك في حركة لا تعرف التوقف أما أنا فأمضي، مع مرور الليل والنهار، دون تريّث ولو لبرهة قصيرة، إلى حيث لا عودة n تعليق: لاحظ مناجاة الطبيعة والمقارنة بينها وبين الإنسان، ونغمة الحزن والمسحة الغنائية التي تشبه غنائية لامارتين.. إنها بوادر للرومانسية. كورنيّ Corneille- 1606-1684 تعلّم بيير كورنيّ في معاهد اليسوعيين في روان، ثم أصبح محامياً، لكنه آثر المسرح، فاتجه أولاً إلى الكوميديا وكتب في عام 1635 أولى ملاهيه (ميليت Melite) ثم التفت إلى المأساة فكتب ميديا والسّيد التي لقيت نجاحاً باهراً ثم ألّف هوراس وسينّا وبوليوكت وبومبي ورودوغون ونيكوميد وأوديب وغادر المسرح نهائياً في عام 1674 خصائص مسرحه: 1-تقيّد بالوحدات المسرحيّة الثلاث في مسرحيّة السيّد، ثم بدأ يتململ من قيودها دون تمرد أو تصريح، فجعل يخضع لها أحياناً ويتسامح بها أحياناً أخرى، ويوسّع من حدودها لتتيح له بعض الحريّة وكان على يقين أن التقيّد بها إنما هو استجابة لرغبة جمهور مثقف محدود. وحين أصبح جمهوره كبيراً ومكوناً من مختلف الأصناف، ولا سيّما البرجوازية المتعلّمة التي تريد محاكاة الواقع مدّد المساحة الزمنية للمسرحية إلى عدّة أيام. 2-استمد بعض موضوعاته من الأساطير ولكنه اتجّه إلى التاريخ فاخذ يقتبس منه بعض موضوعاته ولكن بعد إغنائها بالحوادث وتعقيدها بالصراع. 3-لغته عالية فخمة ذات أسلوب خطابي بليغ مرهف 4-كان يحرص على الكشف عن المواقف النفسية والصراعات المعقدة التي تحتاج إلى خلق عوائق وصعوبات وإلى نضال عظيم وإرادة قوية مظفّرة، ولكن ضمن حدود الطبيعة البشرية. فعنده لا توجد هزائم. 5-هيمنة الفكر والمنطق على العواطف والغرائز فكل شيء عنده يجري بشكل منطقي ومعقول، ولا مجال للمصادفات والمفاجآت والمعجزات. 6-كان يرسم الأشخاص كما يجب أن يكونوا، أي يبث فيهم الإرادة القوية والشجاعة ومقاومة الأهواء تحقيقاً لهدفه الأخلاقي. ولذلك قال عنه فولتير: "إنه مدرسة لعظمة الروح". نصّ من مسرحيّة "السيّد"(4) الفــصــــل الرابــــــع إضاءة: دون رودْريغ هو ابن دون دييغو يحب شيمين بنت دون غورما. وحدث أن أهان هذا الأخير دون دييغو بصفعة، فانتقم رودريغ لوالده بقتل والد حبيبته: ثم اعتذر إليها بأنه- على الرغم من حبه إياها- إنما قام بواجبه. فقالت: وأنا أيضاً أريد أن يعاقب قاتل والدي. ورفعت قضيتها إلى فرديناند ملك إشبيلية. ولكنّ رودريغ سارع إلى قتال الأعداء المسلمين الذين حاصروا إشبيلية مفاجأة وانتصر عليهم وجاء إلى الملك ليروي له قصة المعركة ويعتذر لإسراعه إليها دون إذن منه. المعركة دون رودريغ : سيدي، لقد علمتَ أَنّهُ حين داهم المدينة هذا الخطر، ونشر فيها الذعر، كان عند والدي جماعة من أصدقائه الخُلّص، الذين طلبوا مني أن أبذل روحي ولمّا تزل مضطربة فسامحني يا سيدي على جرأتي حين مضيت دون مشورتكم، فلقد كان الخطر شديداً، وكانت الكتيبة جاهزة! وحين خرجتُ إلى ساحة القتال كنتُ أغامر برأسي ولئن وجب أن أُقتل فأحببْ إليّ بأن أموت مقاتلاً دونكم! دون فرديناند : إنني أسامحك لحماستك في الانتقام من ذلك العدو المهاجم؟ وأشعرُ أن الدولة التي دافعت عنها هي التي تخاطبني من خلال دفاعك وتأكدْ أنني بعد الآن لن أصغي إلى كلام شيمين إلاّ لأعزّيها.. فتابع حديثك! "يتابع وصف المعركة من أولها إلى آخرها، فيعرض قوة الأعداء وكيفية تسللهم، وكيف كمن بجنوده منتظراً اللحظة الحاسمة المناسبة للانقضاض وهي وقت نزولهم من المراكب. ثم يذكر نتيجة المعركة وهي هرب قسم من جنود العدو وقتل قسم آخر وأسر الكثيرين ومن بينهم ملكان.." ويتميز هذا الخطاب بطوله وتصويره المفصّل الدقيق وبالوضوح مع الترتيب المنطقي للحوادث وتحليل نفسية الأعداء بأسلوب تتجلى فيه الأبّهة والخطابة الشعرية. راســـــين J,Racine - 1639-1699 تعلّم جان راسين في صباه اللاتينية واليونانية ثم قصد باريس ليكمل تعليمه، وهناك مال إلى كتابة المأساة، وحاز نجاحاً باهراً في اندروماك، ثم كتب بريتانيكوس وبيرينيس وبايزيد ومتريدات وايفجينيا وفيدر وأتالي وإستر. خصائص مسرحه: 1-البحث عن الحقيقة والطبيعة أو ما يشبه الطبيعة أكثر من بحثه عن العظمة والبطولة، ويحلل بنفوذ الفيلسوف بواعث الأعمال والعواطف. 2-كان يستقي موضوعاته من الشعر التراجيدي والأساطير اليونانية أو من التاريخ أو من الكتاب المقدس، ويضيف من عنده المكتسبات النفسية العصرية، وربما وقع في الارتباك من جراء هذا التعارض والمزج. 3-اهتم بتصوير الحب وعرضه بلغة الغزل العصري، وألحّ على قضية الغيرة في الحب حتى جعلها دافعاً رئيساً في مسرحه، بينما كانت الإرادة القوية هي الباعث الأول في مسرح كورنيّ. 4-بدلاً من تمجيد القوة والكبرياء كانت مسرحياته تبدو في حُلَّةٍ حزينة تشعرنا بضعفنا. 5-يتميز أسلوبه بالتناغم والصدق والطبيعية. وهو أكثر اندفاعاً من أسلوب كورنيّ. فيه تتكلم كل شخصية بلسانها ولغتها وبحسب نموذجها ومواقفها ويتألق أسلوبه في مواقف الحب، ويصبح أنيقاً. نصّ من بريتانيكوس -الفصل الرابع(5) نرسيس يدفع نيرون إلى الجريمة إضاءة تزوجت الأرملة أغريبين والدة نيرون الامبراطور كلود. وزوجت ابنها نيرون بنت زوجها هذا. وكان لكلود ولد يدعى بريتانيكوس. وحين مات كلود عملت أغريبين لتنصيب ابنها مكانه، لتمارس نفوذها وحكمها من خلاله ولما شعرت أن نيرون يريد التحرر من وصايتها ونفوذها هددته بتنصيب الوارث الشرعي بريتانيكوس. وكان نيرون ينافسه على الحكم وعلى حب جونيا. وهنا يفكر نيرون بالتخلص من بريتانيكوس بالسمّ واقعاً تحت تأثير نرسيس الذي كان يريد الثأر لأخيه وقد قتله بريتانيكوس.. نرسيس : سيدي، لقد أعددتُ كلّ ما يلزم لموتٍ عادل: السمّ جاهز، لقد ضاعفت لوكوستا المشتهرة عنايتها المخلصة لي.. وقد قتلتْ به عبداً أمام عينيّ. إنّ ذلك السمّ الذي وضعته بين يدي أمضى من السيف في اختطاف الحياة نيرون : كفى يا نرسيس، إنني معترفٌ بهذه العناية ولا أريدك أن تمضي أبعد من ذلك نرسيس : ماذا؟ أرى أن كرهك لبريتانيكوس قد بات ضعيفاً يمنعني من أن.. نيرون : نعم يا نرسيس سنتصالح.. نرسيس : سأحترسُ من تحوّلك يا سيدي ولكن، ألم يكن منذ مدة قريبة سجيناً؟ إن هجومه سيبقى جديداً في قلبه مدة طويلة ولا يوجد سرّ لا يكشفه الزمان. وسيعلم أن يدي سوف تقدم له السمّ، الذي تمّ تحضيره حسب أوامرك. ربما تغفله الآلهة عن هذه الخطة، ولكنه قد يفعل ما لا تجرؤ أنت على فعله. نيرون : الأمر لا يتجاوز قلبه، وأنا سأكبح جماع قلبي . نرسيس : وجونيا؟ هل سيحظى بالزواج منها؟ هل ستقدم له أيضاً هذه التضحية يا سيدي؟ نيرون : لا.. هذا كثير، ومهما يكن من أمرٍ يا نرسيس فأنا لن أعدّه بعد اليوم من أعدائي نرسيس : وأغربين يا سيدي؟ هل أخذت على عاتقها ذلك وقد استردت له سلطانه المطلق عليك؟ نيرون : ماذا؟ ماذا قالت؟ ما الذي تعنيه؟ نرسيس : طالما افتخرت بذلك أمام الناس. نيرون : بأي شيء؟ نرسيس : بأنه لم تبق إلا برهة قصيرة ويحلّ صمتك المتواضع مكان هذا البهاء العظيم وهذا الغضب المشؤوم . وأنك كنت أول من اختار المسالمة. سعيداً بأن قلبه الطيب تفضّل بنسيان كل شيء. نيرون : ولكن، يا نرسيس، قل لي ماذا يجب أن أفعل؟ إني ضعيف الميل إلى عقابها على هذه الجرأة . وإذا صدق ظني فإن هذا النصر سيعقبه ندمٌ دائم. ولكن ماذا سيقول الناس في كل مكان؟ أتريدني أن أمضي على سَنن الطغاة . وأن تمحو روما كل أسمائي المشرفة؟ وتبقى لي فقط اسم دسّاس السمّ؟ وأن لا يرى الناس في انتقامي إلا جريمة قتل أبويّ؟ نرسيس : وهل تتخذ يا سيدي من طياشتهم موجهاً لك؟ وهل تتوقع أن يبقوا ساكتين إلى الأبد؟ وهل من طبعك أن تصغي إلى أحاديثهم؟ هل يمكنك أن تتناسى رغباتك الخاصة؟ وهل تكون الوحيد الذي لا يجرؤ على تحقيقها؟ ولكنك، يا سيدي، لا تعرف الشعب الروماني، لا، لا، إنهم مستمرون في كلامهم، وإن حذرك الشديد هذا سيضعف سلطانك . وفي الحقيقة إنهم يعتقدون أنهم جديرون بأن يهابهم الحاكم . لقد ألفوا النير على رقابهم منذ زمن طويل وهم يقدسون اليد التي تبقيهم في القيد . وسوف تراهم متحمسين في إرضائك.. *** هل تخاف عاقبة جرعةٍ من السمّ؟ اقتل الأخ واهجر الأخت! فإن روما حين تجد الضحايا لا بد أن تعثر لهم على جرائم مهما كانوا أبرياء . وسترى أنها ستعدّ أشأمَ الأيام، أيامَ ولد ذانك الأخ والأخت.. الخ *** "ويمضي الحوار هكذا حتى يقتنع نيرون بقتل برتيا نيكوس" n تعليق: 1-الاقتباس من التاريخ الروماني مع إدخال كثير من التعديلات والتعقيدات 2-التقيد بالطبيعة البشرية أو محاكاتها 3-التعمق في تحليل النفس البشرية 4-دور العاطفة أقوى من دور العقل.. فحجج نرسيس تبدو شبيهة بالمنطقية ولكنها حجج مزيفة لأنها تنطلق من النوازع والرغبات 5-ليس الأسلوب خطابياً بل هو حديث عادي بين شخصين يتكلم كلٌ منهما باللغة التي تناسب طبعه. موليير Moliere - 1600-1673 ولد جان بابتيست موليير في باريس لوالد يعمل في صناعة السجاد ويقدّمه للقصر. فعلّم ولده تعليماً حسناً وأراد أن يجعله يعمل معه ثم يخلفه في خدمة القصر، لكن الابن ألّف مع بعض أصدقائه فرقة مسرحية كوميدية قدمت عروضها في باريس ومناطق فرنسا ثم استقرّ بها المقام في باريس ليقدّم مسرحياته في قصر اللوفر والقصر الملكي، وكان يؤلف مسرحياته لهذه الفرقة أحياناً يقدم مسرحيات من تأليف معاصريه. أشهر مؤلفاته المسرحية: المتحذلقات، النساء العالمات، دون جوان، كاره البشر، أمغتريون، البخيل، طرطوف، البورجوازي النبيل، مريض الوهم. مميزات مسرحه: 1-صور موليير مجتمع القرن السابع عشر بجميع شرائحه تصويراً كاملاً، وأعطى كل نموذج الخصائص والحالات التي تناسبه وتناسب ظروفه. 2-كان همه الوصول إلى الحقيقة العامة للبشر في كل الأزمنة وتشخيص ما تنطوي عليه من مثالب كالحسد والرياء والبخل والكراهية والأنانية والتعاظم.. 3-يقوم مسرحه الكوميدي على الذوق السليم والقواعد الاجتماعية الجوهرية، وكل النقائض تعاقب إذا زادت عن حدها، كما كان يشير إلى خطورة بعض النقائص التي تعدّ غير ذات ضرر عام ولكنها تنعكس بصورة سيئة على العائلة كالتعالم والتحذلق وسوء المزاج والإفراط في مداراة الصحة. 4-كان يحرص على أن يعطي شخوصه الحياة والحركة ليمنحها وهم الحقيقة 5-أما أسلوبه، فقد كان يكتب مسرحياته بسرعة، شعراً ونثراً على حد سواء ولا يفكر إلاّ في التأثير المسرحي وليس بتأثُّر القارئ، وفي بعض الأحيان كان يقع في الإهمال والضعف والتشويش ولكن هذا الانطباع سرعان ما يزول على خشبة المسرح. إنه الأول بين كتاب المسرح الفرنسي الذين اهتموا بالتنوع والطبيعي والبارز. استعمل موليير في مسرحه اللغة الشعبية ونزل إلى مستوى الشعب وبذلك استطاع تطوير لغة المسرح النبيلة فأسلوبه أسلوب أشخاصه. وإجمالاً كان موليير "شاهد عصره" كتب عن الناس، وكان جمهوره من كل فئات المجتمع من البلاط إلى العامّة. وكان هدفه الإمتاع مع تقويم النفس البشرية عن طريق الإضحاك وفي داخل الإضحاك توجد المأساة، وشر البليّة ما يضحك! نص من "البورجوازي النبيل"(6) الخِطْبة كليونت : سيّدي، لم أشأ أن أرسل أيّ شخص لأطلب منك حاجة طالما فكرت فيها. ولأنها تخصّني كثيراً آثرت أن أقوم بها بنفسي. وبدون أي مواربة، أقول لكم: إن شرف أن أكون صهركم إنعامٌ عظيم أرجو أن تمنحوني إياه. السيد جوردان : قبل أن أجيبك يا سيدي، أرجو أن تعلمني: هل أنت نبيل؟. كليونت : يا سيدي، إن معظم الناس لا يترددون كثيراً حول هذه النقطة، إنهم يحذفون هذه الكلمة بسهولة. إنها تسمية لا تستحق أيّ اهتمام. ويبدو أن الاستعمال في هذه الأيام يسمح بانتحالها. أما أنا فأعترف أن لدي حولها بعض الأحاسيس الأكثر رهافة. إني أرى أن الخداع لا يليق برجل شريف. ومن الجبن أن نخفي ما خلقنا الله عليه. وأن نتجمل أمام الناس بلقب مسروق وأن ندّعي ما ليس فينا. لقد ولدتُ من دون شكٍ من آباء حملوا مسؤولياتٍ مشرّفة وكان لي شرف الخدمة العسكرية مدة ست سنوات. ولدي من المال ما يكفي لأن أحصل على مركز جيد في هذا العالم. ومع هذا كلّه لا أريد أن أنتحل اسماً يعتقد غيري من الناس أنهم يستطيعون الطموح إليه لو كانوا في مكاني. وبصراحة أقول لك: إني لست نبيلاً. السيد جوردان : هات يدك، لقد اتفقنا يا سيدي. إن ابنتي ليست لك! كليونت : كيف؟ السيد جوردان : بما أنك لست نبيلاً فلن تحظى بابنتي السيدة جوردان: ماذا تعني بنبيلك هذا؟ هل نحن الأخريات من ضلع القديس لويس؟(7) السيد جوردان : إخرسي يا امرأة، أراك جئتِ.. السيدة جوردان: هل أنت وأنا إلاّ من الطبقة البورجوازية الطيبة؟ السيد جوردان : اسمعوا هذا الكلام! السيدة ج : وأبوك؟ ألم يكن بائعاً مثل والدي؟ السيد ج : يا لهذه المرأة! إنها لاتُغفِلُ شيئاً.. إذا كان أبوك بائعاً فهذا من سوء حظه. أما والدي فلا يقول فيه ذلك إلا الجهلة. كل ما أريد أن أقوله لك أني أريد صهراً نبيلاً. السيدة ج : إن ابنتك بحاجة إلى زوج يكون خاصاً بها ومن الأفضل لها أن يكون شريفاً وغنياً ومهذباً من أن يكون نبيلاً شحاذاً وسيّء التربية. نيكول : هذا صحيح. إن أحد النبلاء في ضيعتنا أشد فظاظة وحمقاً من جميع الشبان الذين رأيتهم في حياتي. السيد ج (لنيكول): اخرسي أيتها الوقحة أنت تقحمين نفسك دوماً في المحادثة إن لديّ من المال ما يكفي ابنتي. ولست بحاجة إلى النبالة. وأريد أن أجعلها ماركيزة. السيدة ج : ماركيزة؟ السيد ج : نعم ماركيزة...! السيدة ج : واأسفاه، ليحفظني اللّه من ذلك السيد ج : إنه أمرٌ عزمت عليه السيدة ج : هذا أمرٌ لا أقبله. إن الزواج بمن هو أعلى طبقةً معرضٌ دوماً لانتكاسات مفجعة. وأنا لا أريد لابنتي إلا صهراً يقارب أبويها. وأن تنجب منه أطفالاً لا يخجلون من أن ينادونني جدتهم، وإذا جاؤوا لزيارتي يوماً بصحبة السيدة العظيمة وتغافلت هذه عن إلقاء التحية على بعض أهل الحي فإننا سنتعرض لكثير من الأقوال اللاذعة: سيقال مثلاً: "انظروا إلى هذه السيدة المركيزة المتعاظمة، أليست ابنة السيد جوردان التي كانت وهي صغيرة تجد نفسها سعيدة إذا لعبت معنا لعبة السيدة؟ إنها لم تكن قط متعالية كما هي الآن. جدّاها كانا يبيعان الأغطية عند باب المقبرة فجمعا لأولادهما مالاً ربما يلقيان من أجله الآن عقاباً شديداً وهما في ديار الآخرة. إن المرء لا يمكن أن يكون ثرياً وشريفاً في وقت واحد". إنني لا أريد أمثال أولئك الحمقى. أريد صهراً يعتز بابنتي وأستطيع أن أناديه قائلة: اجلس هنا يا صهري وتغدَّ معنا..! السيد ج : إنها لأفكار تصدر عن نفس صغيرة أن يطلب المرء البقاء في الوضاعة. لا تزيدي على ما قلت شيئاً. إن ابنتي ستكون ماركيزة بالرغم من كل الناس. وإذا مضيتِ في إثارة غضبي فسأجعلها دوقة..! n تعليق: 1-كتب موليير هذه المسرحية بأسلوب النثر وهو أقرب إلى الكلام الطبيعي. 2-استمد موضوعها من الوسط الاجتماعي الشعبي واختار شخوصه من هذه الطبقة فعبرت من خلال الحوار عما يدور في خلدها ونفسها من الأفكار والمشاعر لتكشف عن نفسها ونفسية الوسط الاجتماعي العام. 3-ينتقد موليير الطباع المنحرفة والأفكار والعادات الخاطئة كالتعاظم والتزييف وعدم إقامة وزن للشرف الحقيقي. 4-يجري الصراع بين طرفين أحدهما مخطئ وهو الأب والثاني مصيب وهو الخاطب والأم والخادم وهم الأكثرية الطيبة. 5-يجمع موليير بين الإمتاع والفائدة الأخلاقية. لافونتين J.de la fontaine- 1621-1695 جان دولافونتين هو كاتب الخرافات الشهير les fables وهو من آصَل كتاب القرن السابع عشر. استمد موضوعاته من الآداب القديمة ومن آداب القرون الوسطى، ولكنه طورها في شكل لم يستطع أحدٌ أن يضاهيه فيه. أعطى كل خرافةٍ شكلها الدرامي، وجعل من مجموعها ملهاةً كبيرة ذات مئةٍ من الفصول المتنوعة. مثّل الحيوانات طبقاً للتقاليد الشعبية، وإن لم يكن ذلك بالدقة العلمّية والطبيعية، وصور كلّ عواطف البشر وأهواءهم وظروفهم الاجتماعية وحِرَفهم، وبرز لديه حسُّ الطبيعة وصور البيئة الفرنسية كإطار لحيواناته. تقوم أخلاقيته على التجربة وأحياناً على النفعيّة والشكّلية، ولكنها في كل الأحوال تقوم على الحسّ السليم. إننا لا نتعلم الفضيلة من خرافاته، ولكننا نفهم من خلالها، بشكل أفضل، فكرة الاتحاد والتعاون. أسلوبه متنوع مثل موضوعاته، فهو يتقلب بين قاصّ وشاعرٍ وناقدٍ وشاعر ملحميّ، وشاعر غنائي. ومعجمه اللغوي أغنى من معجم موليير، وأشعاره المرنة والقوية تتبع خُطا تحركاتِ فكره. 1-موت الحطّاب(8) كان حطّاب فقير، يحمل حُزمة من الأغصان تغطّي كلِ جسْمه. وكان ينوء بحملها كما ينوء بعبءِ السنين. يسير منحني الظهر، متثاقل الخطا، ويئن من ثقل ذلك الحِمْل، ليبلغ كوخه الذي تغلفه سحابة من الدخان. وأخيراً لما وجد نفسه عاجزاً أمام أعبائه وألمه، أنزل الحزمة، وراح يفكّر في شقائه: أيّةَ مَسَرةٍ ذاقَ منذ وُلد؟ أليسَ أفقر إنسان على هذه الأرض؟ فأحياناً يُعوزه الخبز وأحياناً يفتقر إلى الراحة، زوجُهُ وأولاده والجنود والضرائب والدائنون والسُّخْرة، كل هؤلاء يجعلون منه الصورة الكاملة لأتعسِ مخلوق. فياموت أقبِلْ..! وعلى الفور، أتى ملك الموت قائلاً: "ما تريدني أن أفعل"؟ أجابه: "أظنك لا تتردّد في مساعدتي برفع هذا الحطب"..! *** إنّ الموتَ يأتي ليشفي كل الآلام ولكنْ، لنبق حيث نحن، الألم خيرٌ من الموت؛ هذا هو شعار البشر. 2-العربة والذُّبابة(9) كانت ستّةُ جياد تجرُّ عربةً، في طريق صاعدٍ رمليّ عسير السلوك، كانت أشعة الشمس تحيط بها من كل الجهات، وقد ترجّل منها كاهنٌ وعددٌ من النساء والشيوخ وفيما كانت الجياد تسبح في عرقها ويتعالى زفيرها جاءت ذبابة واقتربت من الجياد تريد أن تشحذ عزمها بطنينها أخذت تلسع هذا ثم ذاك معتقدةً أنها هي التي تُسيِّر العربة تحطّ على العريش، وعلى أنف السائق.. ولما سارت العربة، ورأت الركب يتابع المسير نسبت إلى نفسها وحدها هذا الفوز أخذت تذهب وتجيء كالمستعجلة، كأنها قائد في معركة يذهب في كل اتجاه، حاثّاً جنوده مستعجلاً النصر وعلى الرغم من هذا العمل المشترك، اشتكت الذبابة من أنها كانت وحدها تعمل، وأنها بجهودها حالت دون أن يساعدَ أحدٌ الجياد على الانسحاب من العمل! كان الكاهن يتلو صلواته في كتابه، إنها أحسن طريقة للاستفادة من الزمن وكانت إحدى النساء تغنّي عدداً من الأغاني والسيّدة الذبابة أيضاً أخذت تغني عند آذانهم، وتقوم بمائةٍ من الحماقات الأخرى وبعد جهد جهيد وصلت العربة إلى القمّة، فقالت الذبابة: الآن، لنلتقط أنفاسنا، لقد عملتُ كثيراً حتى أوصلتُ القومَ إلى السَّهل فهيّا، يا سادتي الخيول، ادفعوا لي أجور جهودي! *** هكذا يتظاهر بعض الناس بالاستعجال، فيتدخلون في شؤون الآخرين ويفرضون وجودهم في كل مكان ومن كل مكان يجب أن يطردوا خائبين! باسكال B.pascale - 1623-1662 عالمٌ وفيلسوف من فلاسفة بور رويال وخطيب مفوّه. ألّفَ كتابه: الرسائل البروفانسية les provinciales في أواسط القرن السابع عشر. وضمّنه ثماني عشرة رسالة في الدفاع عن أستاذه وصديقه أرنولد الذي أقيل من السوربون بسبب اعتناقه أفكار جانسينيوس المخالفة لفكرة الكنيسة الكاثوليكية حول النعمة الإلهيّة والقدر... وقد بلغ باسكال في هذه الرسائل أقصى درجات البلاغة والحماسة والقوة ووضوح الفكرة مع لباقة الدفاع ولطافة السخرية والحسّ الطبيعيّ ولذا يقول فولتير في هذا الكتاب: "إنه أوّل كتابٍ عبقريّ يُشاهَد في النثر". ويضيف: "يجب أن نربط بين هذا الكتاب وحقبة الترسيخ اللغويّ". ثم ألفّ باسكال كتابه: "الأفكار les pensèes" الذي يثير الإعجاب بأسلوبه الأدبي، فقد كتبه في الردّ على المتحرّرين من الدين، المجاهرين بالتجديف. ولأجل التأثير فيهم استخدم المنهج العلمي المنطقي. وكان أسلوبه النثري يلامس في بعض مقاطعه الروح الشاعرية من حيث روعة التصوير والحماسة في الخطاب، فكأنما هو شاعر غنائي. اللاّمتناهيان(10) "هذا النصّ من (الأفكار) طبع عام 1670. ويريد باسكال من خلاله أن يصوّر الإنسان على نحو أفضل، تلك القضية المرعبة حين يتساءل عن أصوله ومصيره، وأن يبرهن على عظمته وضآلته في وقت واحد".. " ليتأمّلِ المرء الطبيعة بكاملها في أوج عظمتها، ولينأَ بنظرة عن الأشياء الصغيرة التي تحيط به، ولينظر إلى هذه الشمس الساطعة التي جُعلت مصباحاً أبدياً لإضاءة الكون، حيث تبدو الأرضُ نقطة صغيرة إذا قورنت بالمدار الواسع الذي يرسمه ذلك الكوكب العظيم. وليتعجّب من أنّ هذا المدار نفسه ليس إلاّ حيزاً بالغ الصغر بجانب المدارات التي تسلكها الأجرام الدائرة في قبة السماء. ولكنْ إذا ما توقف نظرنا عند هذه الحدود فليجاوزها الخيال.. إنه سيكلُّ من التخيّل أكثر من كلَلِهِ أمام الطبيعة. إنّ كلّ هذا العالم المرئيّ ليس إلاّ خطّاً يكاد لا يبين ضمن ملكوت الطبيعة الفسيح، وإن أية فكرة لا يمكن أن تحيط به، ولا يجدي أن نضخّم تصورّنا فيما وراء الفراغات التي يمكن تخيلها. إننا إذ ذاك لن نظفر إلا بالنزر إزاء حقيقة الأشياء إنه فراغٌ مركزُه في كل مكان، ولا محيطَ يحدُّه، وفي النهاية إن ضياع خيالنا في هذه الفكرة هو أقصى ما يمكن أن نستشعره عن القدرة الإلهيّة غير المتناهية. وليعُدِ الإنسان إلى نفسه، فليفكرّ فيما هو عليه بالنسبة إلى الكون. إنه سيجد نفسه ضائعاً في هذه المنطقة المحوّرة من الطبيعة، ويتعلّم من هذا المأوى الصغير الذي يسكنه، وأعنى الكون، أن يقدّر الأرض والممالك والمدن وذاته قدْرَها الحقيقي: ما قدْرُ إنسانٍ في اللامتناهي؟ ولو شاء أن أُقدّم له معجزة أخرى أكثر إدهاشاً فليبحث فيما حوله من الأشياء التي يعرفها عن أصغر حشرة متناهية في الصغر، فإنه - على الرغم من ضآلة جسمها- سيجد لها أعضاء أصغر منها بكثير: أرْجلاً ذات مفاصل، وعروقاً في هذه الأرجل، ودماً في هذه العروق، وسوائل في هذا الدم، وقطراتٍ في هذه السوائل، وأبخرةً في هذه القطرات، فإذا استمرّ في هذا التقسيم فإنه سيُنفد طاقته في تلك التطوّرات!.. والآن، ليكن آخرُ شيءٍ يستطيع التوصل إليه موضوعَ حديثنا، إنه يفكر بأن هذا الشيء ربما كان أصغر شيء في الطبيعة، ولا أريد أن أصوّر له العالم المرئيّ فقط، بل الاتساع الذي يمكن تصوّره في نطاق هذا الجزيء الصغير: إن فيه عوالم لا نهائية، لكل منها سماؤه وسياراته وأرضه.. كما هو الأمر في الكون المرئي.. وفي هذه الأرض توجد حيوانات وحشرات وحشيرات، وسيجد فيها ما وجده في الأولى، دون توقّفٍ ولا نهاية. وسوف يضيع في هذه العجائب المدهشة بصغرها أكثر من ضياعه في السّماوات واتساعها..! ومنذا الذي لا يتعجّب من أن جسمنا الذي رأينا منذ قليل أنه لا يكاد يُلحظ في الكون العظيم، هو الآن عملاقٌ وعالم، بل كلُّ شامل بالنسبة إلى القدم الذي لا يمكن الوصول إليه؟ إن من يفكر في نفسه على هذا النحو سيرتعد خوفاً من ذاته، عندما يرى نفسه قائماً في حجمه الذي منحته إياه الطبيعة، بين هوّتيْ اللامتناهي والعدم. إنه سيرتعد لمشاهدته هذه العجائب. وأعتقد أنّه، وقد تحوّل فضوله تعجّباً، سيكون أكثر استعداداً لتأمّل ذيْنكَ الطرفين صامتاً أكثر من استعداده للبحث فيهما مزهوّاً. أخيراً، ما الإنسان في الطبيعة؟ إنه عدمٌ في مقابل اللاّنهائي وكلٌّ في مقابل العدم، ووسطٌ بين اللاشيء والكلّ، ولما كان بعيداً جداً عن فهم النهايتين فإن بداية الأشياء ومنتهاها بالنسبة إليه أمران محجوبان حتماً في سرّ لا يمكن هتكه. وهكذا يرى المرء نفسه عاجزاً عن رؤية العدم الذي منه أتى واللانهائي الذي فيه يغيب! بوسّوييه J. Bossuet - 1627-1704 كان جاك بوسّوييه خطيباً مسيحيّاً، اشتهر بكتابيه: المواعظ والمراثي. وكان أسلوبه في "المواعظ" يتصف بالخطابيّة والبساطة والمرونة مع الشدة وقوة التأثير، يستقي كثيراً من أفكاره وشواهده من الكتاب المقدّس، ويتبع أسلوب الأنبياء وآباء الكنيسة، ويُعدُّ علاوةً على نهجه الديني - أخلاقياً عميقاً ومستقيماً، أما مواعظه فكانت لوحاتٍ آخاذة، بارعة في تصوير مجتمع القرن السابع عشر. وإذا أضيف إلى ما تقدم عمقُ إيمانه وتضلّعه العلمي استطعنا أن نلمح من خلال نثره شاعراً غنائياً حقيقياً. أما المراثي فهي اثنتا عشرة مَرْثاةً نثريّة تتحدث عن فضائل بعض المتوفَّين العظماء وانجازاتهم. وقد جدّد هذا الفن وأدخل فيه الوعظ والتاريخ. ويبدو أسلوبه فيها أكثر رويَّةً وصنعةً منه في المواعظ، وهو هنا حادّ اللهجة، متسامي العبارة بصورة عامة، إلى جانب البساطة والعبارة العاديّة المألوفة في بعض الأحيان. رثاء هَنْرييت أميرة بريطانيا(11) "ماتت هذه الأميرة عام 1676 مفاجأةً وهي في سن الشباب. وكانت تُعدُّ الملكة الحقيقية لما تتميز به من اللطف والذكاء والمكانة" .... فكِّروا أيها السادة في ذوي السلطان هؤلاء، الذين ننظر إليهم من تحت بينما نرتعد في حضرتهم. إن اللّه ينزل بهم ضرباته ليعلّمنا. وإن ارتفاع شأنهم هو السبب في ذلك. وهو إنما يؤجلهم قليلاً ريثما يضحي بهم ليعلّم بقية أبناء البشر. أيها المسيحيون، لا يغمغمْ أحدكم متسائلاً: هل حقاً اختيرت هذه الأميرة لتقدّم لنا مثل هذا التعليم؟ ليس في هذا الأمر أيَّةُ صعوبة بالنسبة إليها. مادام الله - كما سترون أخيراً- ينقذها في الوقت الذي يُعلّمنا فيه. إننا يجب أن نكون على ثقةٍ من فنائنا، وإذا كان لا بد من نازلةٍ تفاجئ قلوبنا المولعة بحب الدنيا فإن فاجعتنا هذه عظيمة ورهيبة. أيها الليل المدّمر! أيّها الليل الرهيب! الذي ذاع فيه مفاجأة ذلك النبأ العجيب وكأنه قصف الرعد: السيّدة تحتضر.. السيدة ماتت. من منا لم يصعقه هذا النبأ حتى كأنما حلَّ في أسرته حادثٌ مروّع أليم؟ وفور وصول النبأ هرع الناس من كل مكان إلى سان كلود(12). كلّهم ذاهل إلاّ قلب هذه الأميرة. في كل مكانٍ عويل، وعلى كل مكان يخيم الألم واليأس وشبح الموت..! الملكُ والملكةُ وشقيق الملك والبلاط كلّه صرعى يائسون. وإخال أني أرى تحقّق قول النبيّ: "الملك ينوح، والأمير يحزن، وأيدي الشعب تهبط من الألم والدهشة"(13). ولكن الأمراء وأبناء الشعب عبثاً يئنّون، وعبثاً يضم الملك وشقيقة الأميرة المحتضرة بين أذرعهما ضماً شديداً، لقد كان ممكناً أن يقول أحدهما للآخر ما قاله القديس أمبرواز: "كنتُ أشُدُّ بذراعيّ ولكنّي فقدتُ على الفور ما كنت أمسكه" لقد أفلتت تلك الأميرة من هذه العناقات الحنونة، واختطفها الموت الأقوى من بين ذراعي الملك! ماذا؟ هل كان عليها أن تهلك بهذه السرعة؟ إن التغيرات تأتي لدى معظم الناس رويداً رويداً، وكأنما يُعدُّهم الموتُ لاستقبال ضربته الأخيرة، ولكن السيدة لم تلبث إلا من الصباح حتى المساء، وكأنها عشب الحقول: في الصباح ترونه مزهراً ناضراً، وفي المساء يغدو هشيماً. ولا شكّ أن هذه العبارات القويّة التي تعبِّر بها النصوص المقدسة عن هشاشة الإنسان تبدو دقيقةً ومنطبقةً انطباقاً على هذه الأميرة. هاهي تلك الأميرة المثيرة للإعجاب والعزيزة على كل قلب -على الرغم من قلبها الكبير - كما أبداها لنا الموت. سيغيب هذا الجثمان، وسيتلاشى ظلّ هذا المجد، وسنراها مجردة حتى من هذه الزينة الحزينة؛ وستنزل إلى هذه الأمكنة المظلمة وتلك المساكن القابعة تحت سطح الأرض، لترقد في الغبار مع عظماء العالم، كما يقول النبيّ أيوب، مع أولئك الملوك والأمراء الراحلين، حيث لا يكادون يجدون لها مكاناً عندهم، لأن صفوفهم هناك مرصوصة والموت العاجل يملأ كل تلك الأمكنة. ولكنّ خيالنا يخدعنا هنا أيضاً، فالموت لا يبقي أجساداً كثيرة لتملأ بعض الأمكنة، وهنالك لا نشاهد إلا هياكل القبور. هناك تتغير طبيعة لحمنا بسرعة، وسيكون لجسدنا اسمٌ آخر غير الجيفة. لأنه يحتفظ ببعض الأشكال البشرية، التي لا تبقى طويلاً، ثم لا يلبث أن يُصبحَ شيئاً آخر، لا أدري ما هو، شيئاً ليست له تسمية في أية لغة. حقاً كل شيء يموت في ذاته، حتى هذه المفردات المأتميّة التي نعبّر بها عن رُفاته البائس. n تعليق : يلاحظ الأطناب في تعظيم المتوفاة والمبالغة في وصف تأثير الكارثة على المتحدّث وعامة الشعب. والتقسيم المنطقي والممازجة بين التفكير والخيال والعاطفة وفخامة الأسلوب مع الاستشهاد بالنصوص المقدسة وربط الموضوع بالحكمة الإلهية والقناعة المسيحية. ويتصف أسلوب بوسوييه إجمالاً بالوضوح ونقاء اللغة وقوة التأثير. فينيلون Fenelon - 1651-1715 نشأ فينيلون نشأة مسيحية، وكان يود الانخراط في سلك الإرساليات إلى الشرق، ولكن تردّي صحته حال دون ذلك. فعيّن رئيساً لمدرسة تعنى بتربية البنات المنتقلات من البروتستانتية إلى الكاثوليكية. وفي أثناء ذلك كتب "تربية البنات" وضمنه آراءه التربوية. التي ربما سبق فيها روسّو. وفي عام 1693 انضم إلى الاكاديمية. وفي عام 1699 ألف "تيليماك" وله أيضاً كتاب "الخرافات": و"محاورات الموتى" وكلها ذات أهداف تربويّة. ولذلك اختير لتربية نجل لويس الرابع عشر. تميز أسلوبه بالسهولة والعفوية والبساطة النّساء وحب التبُّرج(14) "لا تخشوا على البنات شيئاً أكثر من حب الظهور. فهنّ يُولدن وقد رُكّب فيهن ميل شيديد لإثارة إعجاب الآخرين. ولما كانت قد سدّت في وجوههن السبل التي تفضي بالرجال إلى السلطة والمجد فقد عُوِّضن عن ذلك عذوبةَ الروح وجمال الجسد. ومن هنا تأتي طلاوة حديثهن وجاذبيته، وتطلعهن الشديد إلى الجمال وكل أشكال اللطافة الخارجية، والولع الشديد بالتزيّن: فغطاء رأسٍ، وعقدة شريط، وملقط شعر يكون أعلى قليلاً أو أخفض، واختيار الألوان.. كل ذلك بالنسبة إليهن على جانب كبير من الأهميّة. وأريد أن أعرِّفَ الشابّات قيمة البساطة المترفعة التي تبدو في التماثيل والأشكال الأخرى التي بقيت لنا عن النساء اليونانيات والرومانيات: لكمْ كنَّ يريْن من الملاحة والأُبهة في شعرٍ عقد من خلف الرأس كيفما اتفق، أو في ثيابٍ يضيق أعلاها ممتلئاً، ثم تنسدل فضفاضة بثنياتها الطويلة. ويحسن أن يستمعن إلى أقوال الرسامين وغيرهم ممن يتمتعون بهذا الذوق الرفيع فيما يخص العصور القديمة. فإذا ترفعت نفوسُهنَّ قليلاً عن الاهتمام بالمستحدثات فسيشعرن على الفور بكرهٍ شديد لتجعيدات الشعر البعيدة عن الطبيعة وللثياب التي تبدو شديدة التصنّع. إنني أدرك جيداً أننا يجب ألا نطمح إلى أن يظهرن بمظهر النساء القديمات، ومن المستغرب أن نريد ذلك، ولكنهن يستطعن دون أية غرابة أن يتحلّين بذوق البساطة في أزيائهن الجميلة الفاضلة التي تلائم الأخلاق المسيحية...! فإذا جرين في مظهرهن خلف الأمور المستحدثة فسيعلمن على الأقل ما سيقال عن هذا التصرف: إنهن يستسلمن إلى (المودة) في ضربٍ من العبودية المخزية..! ولا يعطينها إلاّ ما يقدرن على رفضه منها. فعلموهن دائماً وفي وقت مبكر أن حبَّ الظهور وطياشة الروح هما السبب في تقلّب (المودات). وإنّه لأمرٌ غير مستساغ أن تضخِّم المرأة رأسها بما لا يحصى من الأغطية المكدّسة. إن الجمال الحقيقي هو الذي يوافق الطبيعة ولا يقاومها أبداً. n تعليق: تبدو في هذا النص الخصائص الكلاسيكية الآتية: 1- الاهتمام بالتربية والأخلاق والمثل المسيحية 2-محاولة الإقناع العقليّ ومقاومة الانسياق مع النزوة والمزاج. 3- عدم الاحتفاء بالصور الخيالية. 4- الاعجاب بذوق القدماء وتهجين المستحدثات. 5- الميل إلى موافقة الطبيعة والنفور من المصطنع. 6- البساطة والوضوح في الأسلوب. بوالو N.Boileau - 1636-1711 وُلد نيقولا بوالو في باريس، وعاش حياة حرةً مستقلةً مكتفياً بما ورث من ثروة، وكان يعمل محامياً ثم تفرغ للشعر. وتتألف حياته الأدبية من ثلاث مراحل: 1- المرحلة الأولى، كتب فيها "الأهاجي" Les Satires وتمتد من 1660-1669. وكان يهاجم فيها الشعراء الضعاف الشاعرية والمدعين ويدافع عن الشعراء الذين شهد لهم الأسلاف بالتفوق. 2- المرحلة الثانية: 1669-1677 وفيها كتب "الرسائل" Epitres "والفن الشعري" L'art poétique وقسماً من "المقرأ" Lutrin وكانن يستقبل في بيته أصدقاءه الأدباء الكبار مثل موليير وراسين ولافونتين وكان يحظى بمحبة الملك لويس الرابع عشر وإيثاره. ولكن دون أن ينال منه مُرتباً كغيره من الأدباء إلى أن عيّنة مؤرخاً في القصر بجانب راسين 3- المرحلة الثالثة: 1677-1711 وكتب فيها آخر أعماله الشعرية مكملاً مؤلفاته السابقة. ولم توله الأكاديمية أي اهتمام لأنها كانت تغصّ بالكتاب الذين سخر منهم. ولكن الملك فرض عضويته فيها عام 1684 فانهمك في معاركه النقدية بين القدماء والمحدثين. ثم قضى آخر أعوامه في المرض فلزم البيت في جو من الكآبة والحزن حتى توفي. نصّ من "الأهاجي"(15) حقوق النقد (1667) "الأهاجي قصائد سخر فيها بوالو من أخلاق البورجوازيين ومن أخلاق أهل عصره ومن مدعي الأدب. وكان بوالو يؤثر العبقرية الخالدة على المواهب الحديثة. وفي النص التالي يعلن أن أي أديب يعرض أدبه للجمهور يجب أن ينتظر التجريح أكثر من المديح. فإذا كان للمشاهد حق التصفير إذا لم تعجبه المسرحية، وكان لكل إنسان حق الحكم الناقد حسب قناعته فلماذا لا يحق للناقد أن يبدي رأيه في أي عملٍ مطبوع، إذا انصب نقده على المؤلف من حيث هو كاتب؛ أما الشخص فيجب أن يبقى محترماً. وبهذا يكون للنقد دور أخلاقي بقدر ما هو ضروري.." *** "يوجد في البلاط دوماً ناقدٌ أحمق من الدرجة الأولى، بإمكانه أن يسفّه الآخرين بوقاحة، فيفضل تيوفيل(16)على ماليرب أو راكان(17) ويرجّح زيف تاس على كل ذهب فيرجيل(18) وراهبٌ يستطيع، دون أن يمنعه أحد ولقاء خمسة عشر فلساً، أن يقف بين العامّة، ليهاجم أتيلا(19)، وإذا لم يطرب ملك الهون مسمعيه ينعت كل أشعار كورنيي بأنها فيزيغوتيّة! وما من خادمٍ عند أديب أو ناسخ في باريس إلاّ ويحمل في يده الميزان لينقد الآثار الأدبية. ومنذ أن تظهر المطابع شاعراً يصبح، منذ الولادة، عبداً لمن يشتري كتابه. ويخضع هو بشخصه لنزوات الآخرين. وكتاباته وحدها يجب أن تدافع عنه. وذاك كاتبٌ يجثو في مقدمته المتواضعة، ضارعاً إلى قارئه، ومضجراً إياه باستعطافه ولكن دون طائل؛ فلن يحظى بأي تأثير على ذلك القاضي المحّنَق، الذي يفصل في قضيته بسلطانه المطلق... وأنا وحدي لا أملك حق الكلام..! وأمام تلك المساخر لا أملك حتى الابتسام...! إنهم ينقبون في أشعاري عن كل مثلبة، ليسلحوا بها ضدي كثيراً من الكتاب المغيظين، الذين لم أتعرض لهم بأية إساءة لما كتبتها. والذين، في معظم الأحيان، لولا أشعاري التي أشهرتهم لبقيت مواهبهم مغمورة في طي النسيان..! من كان سيدري لولاي أن كوتان كان واعظاً؟(20) إن السخرية الناقدة لا تفعل شيئاً سوى أن تجعل المغمور مشتهراً. إنها ظلّ يضاف إلى اللوحة فيمنحها البهاء. وأخيراً، إنما قلتُ، حين انتقدته ما اعتقدته. ومن يلومني على ذلك يقول مثلي: أحدهم يقول: "لقد أخطأ، كان يجب ألاَّ يسمّي، هاجم شابلان وهو رجل طيب جداً، أثنى عليه بلزاك في كثير من المواطن ، صحيح أنه لم ينظم شعراً، ومادام بالشعر ينتحر فلماذا لا يكتب نثراً؟" هذا ما يقال. وهل قلتُ شيئاً غيره؟ وحين انتقدت كتاباته، هل سكبت بأسلوبٍ لاذع على حياته سمّاً خطيراً؟ لقد كانت عروس شعري، حين هاجمته متسامحة جداً ومحسنة، تميّز بين الرجل المحترم والشاعر. فليُثنِ الناس على إيمانه وشرفه ونزاهته، وليُطروا طهارته وتهذيبه، وليكن لطيفاً ومجاملاً وخدوماً ومخلصاً؟ هذا ما يُراد، وأنا موافق عليه، ومستعد لأن ألزم الصمت. ولكنْ، أن يجعلوا من كتاباته نموذجاً، وأن يمنح أكثر مما يستحق بين رجال الأدب، وكأنه ملك المؤلفين الذين أنجبتهم الدنيا، فهذا ما يثير حنقي ويجعلني أتحرّق للكتابة. وإذا لم أستطع قوله على الورق، فسأحفر في الأرض، وكما فعل ذلك الحلاّق، سأقول لقصب الغاب، بحاسّة جديدة: "ميداس، الملك ميداس(21)، له أذنا حمار"! وأخيراً، هل أسأت إليه بما كتبت؟ أتراني أوقفت قلبه أو أزهقت روحه؟ وإذا كان أحد الكتب يباع في القصر وينفُق، فليحكم كل امرئٍ بعينيه على جدارته... *** إن الهجاء الغنيّ بالدروس والكشوف الجديدة، يعرف، وحده، كيف يقدّم الممتع والمفيد، وبشعره المصفّى في ضوء الحسّ السليم، يعرف كيف يبرز للفكر أخطاءَ العصر. إنه وحده حيثما يدين الغرور والظلم إنما يدين النقائص حتى تحت القبّة المقدسة. ودون أن يخشى أحداً، وبفضل كلمته الطيبة ينتقم للحقيقة من عدوان رجل أحمق. أنه وحده الذي يفتح لي الطريق التي يجب أن تُسلك، وهو الذي ألهمني منذ خمسة عشر عاماً كره الكتاب الأحمق. وثبّتَ خُطاي، وعلمني السَّير على هذه القمة الشهيرة(22) التي تجرأتُ أن أنشده فيها. وبكلمة واحدة، لأجله وحده نذرت أن أكتب. لابرويير La Bruyére - 1645-1696 من أبرز الكتاب الأخلاقيين الذين اهتموا بتحليل طبائع عصرهم، ألَّف كتاب "الطِّباع" Les Caractéres في ستة عشر فصلاً تتحدث عن الفكر والمنزلة الشخصيّة والنساء والقلب والمجتمع وفن المحادثة والمال والعظماء والمدينة والبلاط والإنسان والأحكام والمستحدثات... الخ. وكان في ذلك مصور نماذج بارعاً من خلال ملاحظته المجتمع. وقد ألف من مجموع ملاحظاته صوراً متكاملة لم يعوزها رسم الملامح ولا الكلام والثياب والحركات والمظاهر المثيرة للسخرية، فجاءت أعمالاً فنيّة من حيث التصوير والتشخيص والمقارنة والمفاجآت. أما أسلوبه اللغوي فقد حوى اللغة الغنيّة ذات المعجم الواسع والتركيب المرن، وجمع بين النزوع إلى محاكاة القدماء ومسايرة الجديد وبين الجمل الطويلة والجمل القصيرة المكثفة، وحين يغلب عليه الخيال ينقلب إلى فنان، ويكاد يغيب الباحث الأخلاقيّ. ويعدّ لابرويير كاتباً أسلوبياً ترفع في معظم الأحيان عن البساطة والعفوية وعمد إلى إعلاء الشكل لرفع قيمة المضمون. الـــثـــّروة(23) "يتحدث لابرويير عن بذخ الملكة زنوبيا معرّضاً ببعض الحكّام الذين يسرفون ويبذرون في بناء القصور الفخمة ملمحاً إلى أنها زائلة وإلى غيرهم آيلة!" ..." يا زنوبيا؛ لن تهزَّ عرشك أو تنال من أُبَّهتك الاضطرابات. ولا الحرب التي خضتها ببسالةٍ ضدّ أمّةٍ قوية بعد رحيل زوجك الملك. لقد آثرت ضفاف الفرات على كل مكان لتشيدي عليها بناءً أخاذا، فالهواء هنالك نقيّ ومعتدل، والطبيعة من حول القصر ضاحكة، وثمَّ غابة مقدسة تظللّه من جهة الغرب، وإن آلهة سورية الذين يسكنون المعمورة غالباً، ليس في استطاعتهم أن يبنوا مسكناً أجمل منه. الأرض من حوله مكتظّةٌ بالرجال الذين يقطعون الحجر وينحتونه غادين رائحين، يدفعون أو يجرُّون أخشاب لبنان والبرونز والمرمر. وصوت الروافع والآلات يتعالى في الجو، والمسافرون إلى الجزيرة العربية يتمنون أن يشاهدوا في طريق العودة إلى وطنهم، ذلك القصر مكتملاً في البهاء ستختارينه لنفسك ولأبنائك الأمراء قبل أن تحلّي فيه. أيتها الملكة العظيمة لا تدخري وسعاً، أنفقي الذهب، وأعملي أقصى درجات الفن لدى أمهر العمال، وليبذل نحاتو عصرك ورساموه غاية علمهم في زخرفة السقوف والجدرُ... أنشئي حدائق فسيحةً بهيجة، إذا رآها المرء سحرته وخيّلت إليه أنها ليست من صنع البشر. استنفدي ثرواتك وصناعاتك في هذا العمل الذي لا مثيل له. وبعد أن تفرغ الأيدي من لمساتها الأخيرة، في يوم من الأيام سيأتي أحد الرعاة الذين يسكنون الرمال المجاورة لتدمر، وقد أصبح واسع الثراء من واردات أنهارك، فيشتري بنقوده هذا الصَّرح الملكي، ليجمِّله ويجعله أكثر جدارة بشخصه وثرائه.." (1) ترجمة المؤلف عن: Des Granges... La Litterature EXPliquée P46 Librairie Hatier (2) ترجمة المؤلف عن: la litterature expliquée دي غرانج وشارّييه ص51 (3) المصدر السابق ص53 والترجمة للمؤلف (4) ترجمة المؤلّف عن المَصْدر السابق ص89 (5) ترجمة المؤلف عن المصدر السابق ص89 (6) ترجمة المؤلف عن المصدر السابق ص113 (7) هذا يشابه قولهم: من ضلع آدم (8) المصدر السابق ص124 والترجمة للمؤلّف (9) ترجمة المؤلف عن المصدر السابق ص126 (10) ترجمة المؤلّف المصدر السابق 151 (11) ترجمة المؤلف عن المصدر السابق ص 158 (12) المكان الذي ماتت فيه. (13) الكتاب المقدس. حزقيال 7-27. (14) ترجمة المؤلف عن المصدر السابق ص 189 (15) ترجمة المؤلف عن المصدر السابق ص 133. (16) تيوفل شاعر غنائي (1626) وهو خصم ماليرب. (17) راكان شاعر فرنسي في القرنين السادس عشر والسابع عشر. (18) تاس شاعر درامي وملحمي في القرن السادس عشر. وفيرجيل صاحب الإنيادة. (19) مسرحية لكورنيي. (20) كوتان كاتب ورجل دين في القرن السابع عشر. (21) ميداس: ملك أسطوري فضّل صوت (بان) على صوت زيوس في الغناء، فجعل هذا أذنيه أذني حمار، ولم يكن يعرف هذا السرّ إلا حلاقه، الذي لم يستطع أن يبوح به للناس، فحفر حفرة وباح فيها بالسرّ، فنبتت غابة قصبٍ كانت كلما حركتها الريح تقول: ميداس له أذنا حمار. (22) قمة البرناس حيث تجتمع الملهمات. (23) ترجمة المؤلف عن المصدر السابق ص 170. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |