|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:43 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
أعلام وملامح ونصوص رومانسية مدام دوستايل Mme de Staél - 1766-1817 اسمها الحقيقيّ جيرمين نيكر، ثم اشتهرت بنسبتها إلى زوجها. ولدت في باريس لأسرة غنيّة مثقفة جاءت من سويسرا. وكانت، إلى ذكائها، واسعة المطالعة. وفي سن الخامسة عشرة لخّصت كتاب "روح القوانين" ثم أصدرت أول مؤلفاتها في سن العشرين حول روسّو. وكان زوجها دوستايل سفيراً للسّويد في باريس فعاركت السياسية وعرفت المجتمع وأنشأت في بيتها صالوناً أدبياً. أصدرت عام 1802 كتابها الهامّ "من الأدب" وفي عام 1810 كتابها الهامّ الثاني وهو "من ألمانيا" ولهما دورهما الكبير في التنظير الرومانسي. ارتحلت إلى كثير من بلدان أوربا واجتمعت بغوته وشيلّر وفيخته وشليغل وألّفت روايتين هما: دلفين وكورين. عوقبت بالنفي والإقامة الإجبارية لأسباب سياسيّة مما ساعدها على كتابة مؤلفها "عشر سنوات في المنفى" حول الثورة الفرنسية. وفيما يلي نصّان من كتابها "من ألمانيا" ذوا علاقةٍ بالمذهب الرومانسي روح الطبيعة(1) تعرِّفنا روح الطبيعة نفسها في كل مكان من خلال آلاف الأشكال المختلفة: السهول الخصيبة كالصحارى المقفرة، والبحارُ كالنجوم، كلّها تخضع للنواميس نفسها؛ والإنسان يحمل في نفسه أحاسيس وأفراحاً خبيئة تطابق النهار والليل والعاصفة. إن هذا التحالف الخفيّ بين كياننا ومباهج الكون هو ما يمنح الشعر عظمته الحقيقية. وإن الشاعر ليعرف كيف يُثبْت وحدة العالم الماديّ والعالم المعنوي. وما الصِّلة بينهما إلا خياله.". الشعور الدينيّ(2) إن العظمة الحقيقيّة للشعر الغنائيّ تكمنُ في هيام الشاعر موغلاً في أحلامه في المناطق الأثيرية ناسياً ضجيج الأرض ومصغياً إلى أنغام السماء وناظراً إلى الكون كله وكأنه رمز لانفعالات النفس. إن معظم الناس لا يَعون لغز القَدَر الإنساني، لكن هذا اللغز حاضرٌ دوماً في خيال الشاعر؛ وإن فكرة الموت التي تحبط كثيراً من نفوس العامة، تشحذ العبقرية وتمزجها بجمالات الطبيعة. ومن خوف الفناء يولد ضربٌ من الهذيان في السعادة والخوف، لا يمكنُ معه فهمُ مسرح هذا العالم أو وصفه. إن الشعر الغنائي لا يعطينا شيئاً، ولا يعبأ بتعاقب الأزمنة ولا بحدود الأمكنة، لكنه يحلّق فوق البلاد والعصور ليمنح الديمومة لهذه اللحظة العظيمة التي يتعالى فيها الإنسان فوق آلام الحياة ومسرّاتها، وهو يشعر في غمرة مبهجات العالم وكأنما غدا كائناً آخر، هو الخالق والمخلوق في آنٍ واحد؛ كائناً لا بد أن يموت؛ ولكنه يتشبث بالحياة، إن قلبه المضطرب والقويّ في آنٍ معاً ليشمخ بنفسه ويخضع أمام الإله. من الصعب أن نقول ما هو غير شعريّ؛ ولكنا إذا استطعنا فهم حقيقة الشعر فيجب أن نمدّه بالمشاعر التي يثيرها منظرٌ طبيعي جميل أو قطعة موسيقية متناغمة، أو رؤية شيءٍ عزيز على النفس، وفوق ذلك شعور ديني يجعلنا نحسّ في أعماقنا حضور الإله. إن الشعر هو الكلام الطبيعي في كلّ الديانات". شاتوبريان Chateaubriand - 1768-1848 ولد فرانسوا أوغست شاتوبريان في جزيرة سان مالو. وكان يستمتع في طفولته بالتجوال في مرفئها، أوتي ذكاءً حاداً وبرزّ في الرياضيات، ولكنه تلقى تنشئة دينية وورث عن والده حب الترحال والمغامرة. انتظم في السلك العسكري ثم انضم إلى القصر حين اكتشف ذلك " العالم الكبير" كما كان يسميه، واتصل بكثير من الأدباء والعلماء وألِف الصالونات والمقاهي الأدبية. قام برحلة إلى أمريكا ووصل إلى منطقة البحيرات وتركت هذه الرحلة آثاراً في تفكيره وأدبه ثم عاد إلى فرنسا وسافر إلى انجلترا وبلجيكا. ولدى وفاة والدته تركت له وصيّة بأن يعود إلى الدين كما كان في طفولته، وبتأثير تأملاته الدينية كتب "عبقرية المسيحية" ثم استلم بعض المناصب الديبلوماسية والوزارية في عهد نابليون ثم استقال ليقوم برحلته الطويلة ( من باريس إلى القدس) ماراً بالبندقية واليونان وتركيا وفلسطين وعائداً عن طريق شمالي افريقيا حيث زار تونس واسبانيا. ثم أصبح عضواً في الأكاديمية وبرزت معارضته السياسية لنظام الامبراطورية وللملكيّة، ثم عين سفيراً في برلين ثم لندن ثم وزيراً للخارجية، ولدى إقالته من مناصبه أصبح مع المعارضة الصحفيّة، وأصدر في أواخر حياته "رحلة إلى أمريكا" و "دراسات تاريخية" و "بحث في الأدب الإنجليزي وغيرها... ومات فقيراً في باريس وأوصى بأن يدفن في مسقط رأسه سان مالو حيث أقيم له مرقد فاخر تكريماً لعبقريته. نصّ من "عبقرية المسيحيّة"(3) عظمة الطبيعة تقديم: بعد أن تحدث شاتوبريان عن الأساطير اليونانية والرومانية التي كانت تملأ الطبيعة بمئات الآلهة وأنصاف الآلهة والحوريات والمخلوقات الغريبة أوضح أن هذا الجو الأسطوري حرم البشر من التعاطف المباشر مع الطبيعة، حتى جاءت المسيحيّة فألغت هذا الحشد من الكائنات الأسطورية، وجعلت الإنسان وجهاً لوجه مع عظمة الطبيعة. *** "... عاد إلى الكهوف صمتها، وإلى الغابات أحلامها؛ وصارت الصحراء أشدّ حزناً وأكثر غموضاً وعظمة؛ وتشامخت قباب الغابات، وحطّمتِ الأنهار أحواضها الصغيرة ليخلو المجرى للمياه المتدفقة من أجواف القمم، حينما عاد الإله الحقيقي إلى عمله منح الطبيعة سعتها... ولكنْ، ماذا يخلفُ هذا التصور الجديد في أعماق النفس؟ وبم يشعر القلب؟ وأية ثمرةٍ يجنيها الفكر؟. لقد غدا الشاعر المسيحيّ أفضل حالاً في العزلة، حين وجد الإله يتجوّل معه بمنأى عن ذلك القطيع الأسطوري المضحك... امتلأت الغابات بالألوهيّة الواسعة، حتى لكأنما تسكن في أعماقها المقدسة النبوّة والحكمة وأسرار الديانة! ... توغل في هذه الغابات الأمريكية الأقدم من العالم! ما أعمق الصمت في تلك المعتزلات حينما تسكن الريح! وما أغرب الأصوات التي تضج فيها حينما تعصف!... ها قد أقبل الليل وتكاثفت الظلمات. استمع إلى أصوات القطعان من الحيوانات المتوحشة وهي تجوب الظلام؛ الأرض تهمس تحت قدميك، وبعض قصفاتٍ من الرعد تفجّر الصحارى وتهزّ الغابة فتخر الأشجار، ويجرى أمامك نهرٌ مجهول... ثم ينهض القمر من الشرق، فإذا مررت بأسافل الأشجار ونظرت إليه ضاع من نظرك بين قممها... المسافر يجلس على جذع شجرة بلوط منتظراً طلوع النهار، مقلّباً طرفه من حين إلى آخر بين كوكب الليل والظلمات والنهر، فيشعر بالقلق والاضطراب.. وبانتظار حدثٍ مجهول يخفق قلبه بلذةٍ صامته وتوجّسٍ غريب، وكأنما هو على أعتاب الأسرار الإلهية." ألْفرد دوموسيّه A. De Musset - (1810-1857) وُلد وتوفي في باريس. وهو سليل أسرة اشتهرت بالآداب. ارتاد في شبابه (ندوة الأرسينال) حيث استقبل كوليدٍ مخيف للرومانسية. وهناك أعطى (بواكير أشعاره 1829-1835). وفيما بين 1836-1852 نشر في الصحافة أروع أشعاره الجديدة (الليالي، رسائل إلى لامارتين؟ الثقة بالله) إضافةً إلى عددٍ من القصص والمسرحيات الكوميدية ومذكراته الشخصية التي أصدرها بعنوان: (اعترافات فتى العصر). صار عضواً في الأكاديمية وتوفي مبكراً في السابعة والأربعين. من أبرز أشعاره الغنائية (رولاّ) وهي مجموعة متسامحة في النظم و(الليالي) وهي أربع قصائد مطولة: ليلة مايو، وليلة ديسمبر، وليلة آب وليلة أوكتوبر) وأجملها الأولى والأخيرة. في (ليلة مايو) حوارٌ بين الشاعر وملهمته الشعر (La Muse) هو عازفٌ عن الشعر بسبب أحزانه العنيفة التي هزته إثر أزمة عاطفية لحب خائب، وهي تعزّيه وتحاول أن تغريه بنظم الشعر وبأن يمسك قيثارته فيعزف عليها أناشيده، وعبثاً تحاول... ثم تقول له: "لاشيء يجعلنا عظماء مثل ألمٍ عظيم" وتقول: "أجمل الأشعار تلك التي تعبّر عن اليأس" ثم تسرد له خرافة طائر البجع الذي سافر طويلاً ليأتي إلى صغاره بالطعام لكنه عاد خائباً صفر اليدين، فما كان منه، إزاء جوع فراخه، إلا أن فجّر صدره وأطعمهم دماء قلبه ومات عظيماً. وفي (ليلة أوكتوبر) يعود إليه عزاؤه ويسلو أحزانه فيستقبل ملهمته فرحاً نشيطاً ويروي لها قصة حبّه الماضي وهو يظن أنه شفي منه، وسرعان ما يعود مع ذكرياته إلى كآبته وأحزانه؛ فتهدئ من انفعاله وتقول: "إن المرء تلميذ، وأستاذه الألم.." فيعود رويداً رويداً إلى سلواه وينطلق مع ملهمته ليشدو أجمل الأناشيد في يقظة الطبيعة. 1- حُزْن فقدْتُ قوتي وحياتي؛ فقدتُ خلاّني وأفراحي؛ فقدتُ كبريائي، وهي قوام عبقريتي. لما عرفتُ الحقيقة، توهمتُ أنّها صديقتي؛ ولكني، لمّا فهمتها وعشتها، صرتُ أتقزّز منها. لكنّ الحقيقة أبدية، وكل الذين عبروا في هذه الدنيا جهلوها، إنّ اللَّه يتكلم، وعلينا أن نجيبه. إنّ المزيّة الوحيدة التي بقيت لي في هذا العالم هي أني كنتُ أبكى في بعض الأحيان.(4) 2- الهاجس الدينيّ.(5) ... سألتُ: ما العمل إذن؟ فأجابني الملْحد: استمتع ثم مُتْ! فالآلهة نائمون. فقال الإيمان المسيحيّ: ليس لكَ إلاّ الأمل؛ فالسماء يقظة دائماً، وأنت لا تستطيع أنْ تموت. وبين هذين القطبين تردّدتُ ووقفت: أريد أن أمضي في أحلاهما. وهتف بي صوتٌ خفيَّ: هذا لا يوجد؛ أمامَ السماء ليس لك إلاّ الإيمان أو الكفر. ... وغَشِيَ الأرضَ أملٌ فسيح؛ على الرغم منا يجب أن نرفع أبصارنا إلى السماء...! 3- من ليلة مايو(6) . الشاعر : أصوتُكِ هذا الذي يناديني؟ أهذا أنتِ يا ربَّة شعري، يا زهرتي وخلودي! أنتِ أيها الكائن الطاهر المخلص؟ أيها الكائن الوحيد الذي فيه، مازال حبي يحيا ويعيش؟ أجلْ، ها أنتِ يا شقرائي، أنتِ يا محبوبتي وأخت روحي؛ أنا أشعر في عمق هذا الليل بشعاعاتِ ثوبك الذهبيّ تغمرني تتسلّل وتنساب في قلبي. - آلهة الشعر: تناولْ قيثارَك يا شاعري فأنا زهرتك الخالدة، رأيتك هذه الليلة حزيناً صامتاً، وكطائرٍ يناديه عشّ فراخه نزلتُ من علياء سمائي أبكي معك وأنتحب! إنك تتألم يا صديقي، الضجر الموحش يقرض نفسك ويُضنيك وشيءٌ ما في فؤادك يُعولِ وينوح. ...تعال لنغنيّ أمام الله ونشدو، في أفكارك وملذاتك الضائعة، في آلامك وأتعابك الماضية، ودعنا ننتقل في قبلةٍ إلى عالمٍ مجهول! لنوقظْ أصداء روحك، ولنتحدثْ عن السعادة والمجد والجنون، وليكن هذا حُلُماً وأولَ حلم يأتينا، لنوجدْ بعض الأماكن لنسلو فيها وننسى لنرحل... إننا وحيدان، والكون لنا... ألفرد دوفينيي A. De Vigny - (1797-1863) شاعرٌ رومانسي وكاتبٌ روائي ومسرحيّ، نشأ في السلك العسكري ولكنه استقال وأخْلد إلى برجه العاجيّ، وانضم إلى الحركة الرومانسيّة وكتب في الصحف. وفي عام 1826نشر مجموعته الشعريّة "أشعار قديمة وحديثة" وتتألف من ثلاثة أقسام: 1- الكتاب الصوفيّ وفيه أشعارٌ من وحي ديني مثل قصائد موسى؛ وبولا (أخت الملئكة) والطوفان. 2- الكتاب القديم وفيه أشعارٌ من وحي التوراة والحقبة الهوميريّة. 3- الكتاب الحديث وفيه إيحاءات معاصرة مثل قصيدة النفير. ثم تفرّغ لكتابةِ الرواية والمسرحيّة ولم ينشر سوى قصيدتين: (جبل الزيتون، وبيت الراعي) وبعد وفاته نشرت له مجموعة بعنوان (الأقدار) وفيها قصيدتاه الآنفتا الذكر وقصائد أخرى مشتهرة مثل (غضب شمشون، وموت الذئب، والزجاجة في البحر، والروح الطاهر...) ويعدّ فينيي شاعراً مفكراً وفيلسوفاً متشائماً، يقود شعره إلى الرواقية أكثر مما يبعث على الإيمان أو اليأس. ومردّ هذا التشاؤم شعوره بعزلة الإنسان المتفوق وانفراده في الحياة دون نصير؛ فالناس لا يفهمونه ولا يحبونه، ولا عزاء له في الحب أو الطبيعة بل في الموت، وما من حلٍ ينتظر لدى السّماء؛ فالإله لا يعبأ بالبشر، وإذن فلينطو الإنسان على نفسه متحملاً آلامه ومصيره بصبرٍ وثباتٍ، وليمتْ صامتاً (موت الذئب) وإذا كان لا بدّ من الحب فليحبّ أمثاله وليتعاطف معهم، وليعشق الألم الإنساني العظيم، وليناضل الطبيعة علَّه يقهرها فيمهّدَ السبيل لتقدم الأجيال الآتية، دون أن ينتظر من أحدٍ ثناءً أو مكافأة أو يتوقع نجاح جهوده في حياته، إنها إذا كانت مخلصةً وعظيمة فلا بد أن تلقى النجاح في يومٍ من الأيام.. مَوْت الذئب(7) "يروي الشاعر أنه انطلق ليلاً مع نفرٍ من الصيادين لاقتناص الذئب.. وفي ضوء القمر شاهد جراء الذئب ترقص، ثم ظهرت الذئبة، ثم الذئب الذي وجد نفسه محاصراً فجأة، ولما شعر بالهلاك انقض على أحد الكلاب فصرعه وهو يتلقى الطعنات صامداً صامتاً حتى مات... إنه مثلٌ رمزيّ يعلّم البشر الصمود الرواقيّ!" "... أَقْبَلَ الذئب وأقعى ناصباً ذراعيه، وغارساً مخالبه المعقوفة في الرمل، ولما فوجئ بالحصار أدرك أنه هالكٌ لا محالة؛ فقد سُدّت عليه كل السُّبل ولا منفذ للانسحاب. عندئذ أطبق بفمه المتلظي على عنق أحد الكلاب، ولم يفلته من فكه الحديدي، على الرغم من طلقاتنا النارية التي كانت تثقّب جسده وطعناتِ مُدانا الحادة تتصالبُ وتنغرس في أحشائه كملاقط الحدّاد. وظل هكذا حتى اللحظة الأخيرة حين أيقن أن الكلب المختنق سبقه إلى الموت وخرّ صريعاً تحت قوائمه. عندئذ خلاّه، وحملق فينا. ومُدانا ما تزال مغروسةً في جانبيه حتى المقبض، تسمّره على العشب غارقاً في دمائه. وبنادقنا تُحدقُ به في هيئة هلالٍ مشؤوم. وما زال ينظر إلينا حتى ارتمى وهو يلعق الدماء عن شدقيه. ودون أن يدري كيف هلك، أغلق عينيه الواسعتين، ومات دون أن يصرخ. *** قلت في نفسي: يا للأسف!، فعلى الرغم من هذا الاسم الكبير (الإنسان) أجدني خجلاً منا، نحن الضعفاء! كيف يجب أن نغادر الحياة وآلامها؟ أنتِ أيتها الحيوانات المتسامية تعرفين ذلك. وإزاء رؤيتنا ما يحدثُ على الأرض وما يُترك، الصمتُ وحده هو العظيم، وما عداه ضعف. آه..! لقد فهمتُكَ جيداً أيها المتوحش الجوّاب، وإنّ نظرتك الأخيرة نفذت إلى قلبي لتقول: إذا كنت تستطيع فاجعل نفسك تصل بكثرة الجدّ والتفكير، إلى هذه الدرجة العالية من الكبرياء الرواقية. لقد ارتقيتُ إليها قبلك، أنا الذي وُلدَ في الغابات. الأنين والبكاء والدعاء ضعفٌ كذلك. فلتبذل أقصى قدرتك ولتنهض بعبئك الثقيل الطويل في الطريق الذي دعاك إليه القدر. ثم... مثلي، تألّم ومتْ دون كلام.! لامارتين A.De lamartine - (1790-1869) ألفونس دولامارتين شاعر رومانسيّ كبير وقاصّ ومؤرخ. ولد في ماكون بفرنسا، ونشأ في وسطٍ مثقّف متدّين أتاح له العلم والمطالعة والتأمل والأحلام. كتب الشعر في سنّ مبكرة وقام برحلةٍ إلى إيطاليا أغنت شعره بألوان عذبةٍ جديدة. وفي عام 1814 دخل في خدمة لويس الثامن عشر، إلا أنه سرعان ما استقال ليتفرغ لأشعاره ورحلاته. وبعد تجربة حبٍ عنيفة كتب "التأمّلات" في عام 1820. ثم عُيّن سكرتيراً في السفارة الفرنسية بفلورنسا. وفي عام 1823 أصْدَر "التأملات الجديدة، وموت سقراط" وغير ذلك من الأعمال، وأصبح عضواً في الأكاديمية. واستقال في عام 1833 ليقوم برحلته إلى الشرق. ثم أصبح نائباً في البرلمان عام 1835 مبتدئاً حياته السياسيّة. وطبع "جوسلين، وسقطة الشيطان" وألف كتاباً نثرياً في تاريخ الجيرونديين، ثم شارك في إعداد ثورة عام 1848 وأصبح بعدها وزيراً للخارجية فرئيساً للحكومة المؤقتة. وفي عهد لويس نابليون عاد إلى تفرغه للشؤون الأدبيّة في ظروفٍ من الاضطرابات السياسية وأصدر قصص (المناجيات، وغرازييلا ورفائيل) ثم ألّف (الدروس المعتادة في الأدب، وتاريخ إعادة الملكية). لامارتين والغنائية الرومانسية تعود غنائية لامارتين الرومانسيّة إلى ثلاثة عوامل: 1-مطالعاته في فيرجيل وبترارك وبايرون وراسين وروسّو وبرناردن دوسان بيير وشاتوبريان وأمثالهم.. 2-انطباعات الطفولة بتأثير تربيته الدينيّة المرهفة 3-حبُّه لألفير وهكذا دخل لامارتين الحياة مشغوفاً بالمثاليّ والجميل ومعتقداً بالسعادة والفضيلة. فكان يبحث عنهما في المجتمع فلا يجدهما فيلجأ إلى الطبيعة. وهذه تحدثه عن اللّه، فيسمو بشعوره نحوه حتى يغيب فيه بنشوة صوفيّة. ويمكن إعادة النصوص الرومانسية المتميزة عند لامارتين إلى ثلاثة أنماط: 1-مشاهد أو ذكريات في إطار من الطبيعة 2-الكآبة والإحباط واليأس 3-الأمل بالله والهدوء وهيمنة الطبيعة على هذه الكآبة. إنّ غنائية الشاعر لامارتين تأتي من تواصلٍ عفوي وبسيط يبدأ بشكوى أو أسف ثم تنتهي بالتفكير والتأمل. وهذا ما كان يلائم نفسيّة المجتمع في عام 1820، تلك النفسية التي أقلقتها الكوارث فتشبعت بالحزن والتديّن متأثرة بشاتوبريان، ثم انتظرت شاعراً يعبّر عنها، فشاتوبريان لم يعد يكفيها، لأن النفوس الحساسة المتألمة تحتاج إلى هدهدة اللحن المتناغم والنشوة الموسيقية الغامضة، الأمر الذي لم يكن باستطاعة أي شاعرٍ غير لامارتين أن يستجيب له. ثم هنالك حاجة عامة أخرى هي تجديد الأسلوب التعبيري. وقد حققها لامارتين أيضاً . كتبت والدته في عام 1828: "أرسل إليّ ألفونس أشعاراً نظمها حديثاً، وأثّرت في نفسي تأثيراً بالغاً، قال فيها ما كنت أفكر فيه بالضبط. إنّه صوتي، لأني أشعر بأشياء جميلة وأعجز عن التعبير عنها. إني حين أتأمل الإله أشعر بشعلةٍ شديدة في قلبي، يبقى لهيبها حبيساً لا يستطيع الخروج ولكن الإله يصغي إليّ ويفهمني دون حاجة إلى كلامي. وإني لأشكره لأنه نقل أحاسيسي إلى ابني..!" ولنستمع إلى ما قاله فيه السيّد كوفييه غداة استقباله في الأكاديمية: ".. عندما تستولي على أقوى الأرواح لحظاتٌ من الحزن والقنوط، أو يَسْمعُ متنزّهٌ منفرد مصادفةً من بعيد صدى أغانٍ حلوة متناغمة تعبّر عن مشاعر تماثل مشاعره، يحسّ بتعاطف كريم، وارتعاشٍ جديد يدب في أعصابه التي أرهقها الصراع. وحين يمتزج هذا الصوت الذي يصوّر آلامه بشيءٍ من الأمل والعزاء تعود الحياة إليه، فيرتبط بذلك الصديق المجهول الذي أعادها إليه ويودُّ لو يعانقه ويبوح إليه بما يكنّه من عرفان للجميل. وهكذا يا سيّدي تأثير تأملاتك الأولى في عددٍ كبير من مرهفي الإحساس الذين يؤرقهم لغز العالم!" ويقول لامارتين نفسه، في مقدمة تأمّلاته الجديدة التي كتبها عام 1849: "أنا أول من أنزل الشعر من البرناس وأبدل بعرائس الشعر، وبالقيثارة ذات الأوتار السبعة أعصابَ القلب البشري نفسَها وهي تهتز متأثرة بارتعاشات الروح والطبيعة التي لا تحصى.." ولكن شعر لامارتين الغنائي لم يكن كامل الإحكام، لأنه لم يكن شاعراً محترفاً، وقد دافع هو عن هذه الناحية دفاعاً ضعيفاً وفي الحقيقة إنه لا يُغنيّ إلا لينفث في بعض الساعات ما يعتلج في صدره من التأثر والحماسة ومن هنا كان يقع في عثراتٍ تعبيرية ناشئة عن قلة خبرته المهنية بالشعر تضير أشعاره في عيون النحاة من طرف والبرناسيين من طرفٍ آخر. ولكن ما لديه من صدق النبرة وقوة الإيحاء تجعلنا ننسى الشاعر لينفسح المجال كلّه للشعر. إن قراءة قصائده: الوادي والبحيرة والخلود والسنديانة والفلاحون وغيرها تقفنا على الحقيقة وكأننا خرجنا من حلم أو من دُوار يحدثه التحليق نحو المثالي. الوِحْدة L,Isolement (8) "على الجبل، وفي ظل سنديانةٍ عجوز، وقتَ المغيب، كثيراً ما أجلس كئيباً، ألقي نظراتي بين الحين والآخر، على السهل الذي تنبسط لوحته المتغيّرة أدْنَى من قدميّ هنا يصطخب النهر بأمواجه المّزبدة، يتلوّى ويغيب في ظلام بعيد، وهناك تمدُّ البحيرة الساكنة مياهها النائمة، حيث تبزغ نجمة السماء في زرقة السماء على هذه القمم المتوَّجة بالغابات السوداء، يرشق الشفق شعاعه الأخير، وعلى جناح الأبخرة تنهض مركبة القمر، مليكِ الظّلام، فتبْيضُّ منها حواشي الأفق في ذلك الحين، ومن أعلى برج كنيسةٍ غوطيّة، ينداح في الهواء صوت نداءٍ دينيّ، فيتوقف المسافر، ويمزُج الجرس الريفيّ ألحانه المقدّسة بأواخر ضجيج النهار لكنّ روحي لا تبالي بهذه اللوْحات الجميلة، ولا تحسّ أمامها أيّ سحرٍ أو نشوة، فأنا أتأمل الأرض بروحٍ ذاهلة، وشمسُ الأحياء لا تدفئ الموتى! من تلّ إلى آخر، ومن الجنوب إلى الشمال، ومن الفجر إلى المغيب، عبثاً أُنقّل ناظري، إني لأذرعُ ببصري كل نقطة في ذلك المدى الفسيح، وأقول: ما من سعادةٍ تنتظرني في أيّ مكان! ولكني -إذا استطعتُ أن أدعَ جسدي على الأرض، فخلفَ حدود هذا العالم، حيث تضيء الشمس الحقيقية سماواتٍ أخرى، ربما تجلّى لعينيّ ما حَلَمتُ به طويلاً هناك، سأثمل بالينبوع الذي إليه أَتوق، وسوف يوافيني الأملُ والحب، وذلك الخيرُ الأسمى الذي تتمناه كلّ نفس، وليس له اسمٌ في هذه الحياة الأرضية يا مَناطَ رغائبي الغامضة! ألا يمكنني أن أطير إليك على أجنحة الفجر؟ لماذا تستمرّ حياتي في منفاي الأرضيّ؟ حيث لا شيء مشتركاً يجمع بيني وبين التراب! عندما تسقط على المرج ورقةٌ من الغابة، تهبّ رياح المساء فتنقلها إلى الوادي، وأنا غدوتُ مثل الورقة الذابلة، فاحمليني مثلها يا عواصف الشمال..!" من ديوان "التأملات الأولى 1820" فيكتور هوغو Victor Hugo - (1802-1885) هو كبير أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر، ولد في بزانسون وتجوّل في صباه بصحبة والده القائد العسكري في كثير من البلاد خارج فرنسا، ثم عاد إلى باريس في العاشرة من عمره ليتلقى علومه الابتدائية والثانوية، وكان والده يُعدُّه لدخول الكليّة الحربيّة، إلا أنه اتجه صوب الشّعر، فأرسل في السابعة عشرة من عمره مجموعة من أوائل أشعاره إلى الأكاديميّة، ثم عمل في الصحافة ونشر كثيراً من المقالات. وفي عام 1823 نشر مجموعته الشعرية الأولى les odes. وفي 1827 ألفّ كرومويل وقدّم لهذه المسرحية بمقدمته المشتهرة. ثم كتب "الشرقيات وهرناني ونوتردام" وأصدر فيما بين 1831-1840 أربعة مجلدات شعريّة هي: "أوراق الخريف، وأغاني الغَسَق، والأصوات الداخلية، والأشعة والظلال" ثم أصبح عضواً في الأكاديميّة. عمل هوغو في السياسة وانتخب عضواً في المجلس التأسيسيّ عام 1848. وفي هذا العام بدأ كتابه "البؤساء" ثم أصدر في خمسينيات القرن "العقوبات والتأملات والبؤساء وشكسبير. وبعد عام 1870 نشر "السّنة الرهيبة، وفن الجدودة وخرافة العصور" وفي أواخر حياته أصدر "البابا"، والشفقة العليا، والحمار، ورياح الرّوح الأربع". غنائية هوغو: هوغو، في أشعاره الرومانسية الغنائية، أقل عفوية وصدقاً من لامارتين ولكنه أكثر تنوّعاً وشمولاً. قال عن نفسه: "إنّه روحٌ من البلّور وصدىً مُرجّع". غنى كل موضوعات عصره وكل عواطف الحبّ المشروع، ومشاعر الأسرة والأولاد والوطن والصراع الفلسفي والدينيّ ولغز الموت والمجهول، والثقة بمستقبل من الحرية والتقدم. إنه باختصار الموسوعة الغنائية لعصره. وأما من حيث الشكل فإن عبقريته لم تظهر فجأة مثل لامارتين بل ببطء، وعملت في تكوينها الرويّة والإرادة والصنعة أكثر من الإلهام. وكان شعره يغتني ويجود عاماً بعد عام. وقد رُزقَ عيْناً تميّز في الأشياء العاديّة الحواشي الدقيقة واللوينات والأعماق. فإذا تناول خياله محسوساته البصريّة زادها دقّةً وظهوراً وألبسها صوراً رائعة، فإذا به يخلع على الواقع العمق والأسرار، ويمنح الحُلْم والمجرّدات الصلابة وبهاءَ الواقع وربما ضخّم خياله الأشياء ووسّعها وحوّرها، حتى إنه ليُتعِبُ القارئ ويضجره أحياناً بكثرة التفصيلات. لغته عالية الفصاحة، وأوزانه سليمةٌ وغنيّة بالقيم الموسيقيّة. نصوصٌ من هوغو 1-رسالة الشاعر الرومانسي(9) من مقدمة odes et Ballades "يجب أن يتحمّل شاعر اليوم عبءَ ما أَفْسده السفسطائيون، عليه أن يمشي كالشعلة أمام أفراد الشعب، وأن يهديهم إلى كلّ المبادئ الكبرى للنظام والأخلاق والشرف، وحتى ينفذ إلى ألبابهم بسهولة ويكون محبّباً إليهم يجب أن يعرف كيف يحرّك بأصابعه نُسُج القلب الإنساني وكأنها أوتار قيثارة، وألاّ يكون شعره صدى لأي كلامٍ غير كلام الإله، ويجب أن يتذكر دوماً ما نسيه أسلافه، وأن يذكر دوماً أن له هو أيضاً ديانته الخاصة وحزبه الخاص، ويجب أن يغنّي دوماً أمجاد وطنه ومآسيه، ومناشط عبادته ومعاسروها، حتى يجني سابقوه ومعاصروه شيئاً من عبقريته وروحه ولا تقول عنه الأجيال القادمة والشعوب الأخرى: "هذا الشاعر كان يغنّي في أرض خالية". 2-نشوة الطبيعة(10) .. النجومُ الذهبيّة في جحافلها اللامتناهية، بصوت جهير وصوتٍ خفيض وبآلاف التناغمات، كانت تقول خافقةً بتيجانها الناريّة: إنه اللّه.. المولى العظيم..! *** والأمواج الزرقاء التي لا شيء يكبحها أو يحكمها، تقول وهي تطامن زبد قممها: إنه اللّه.. المولى العظيم..! 3-مساءٌ في فصل البذار(11) ها قد حلّ وقت الشّفَق، وأنا جالسٌ تحت سقف بوابّة، متعجباً من بقيّة النهار التي تستضيء بها ساعات العمل الأخيرة على تلك الأراضي التي غمرها الليل، أتأمّل متأثراً أَسْمال رجل عجوز، ينثر في الأَتْلام قبضات من البذار فيهنّ الموسم المقبل . شبحه الفارع الأسود، يهيمن على الحَرْثِ العميق، ولنتصور مدى إيمانه، بجدوى هروبِ الزّمن! يمشي في السّهل الفسيح، يذهب ويجيء ويلقي البذارَ بعيداً يفتح يده ويعود من جديد وأنا أتأمله كشاهدٍ خفيّ وعندما ينشر الظلام أشرعته، ممتزجاً ببقايا الضوضاء يبدو وكأنه يوَسّعُ حتى النجوم حركة ذلك البذّار الجليلة 4-الوَلَد(12) من ديوان (أوراق الخريف) عندما يأتي الوليد يصفّق جمع الأسرة في صرخات عالية، لأن نظرته الحلوة المضيئة، تجعل كل العيون تلتمع بالفرح وإن أكثر الجباه حزناً، وربما أكثرها اتّساخاً، لتنبسطُ فجأةً لدى مرأى الوليد بريئاً فرحاً، وسواءٌ أَنَشَر حزيران الخُضْرة على عتبتي، أو زحم تشرين مقاعد حجرتي حول النار المتراقصة، فعندما يأتي الوليد توافينا الفرحة وتضيءُ حياتنا فنضحك، ونهتف، ونناديه، وتهتز أمّه فرحاً عندما تراه يمشي. أحياناً، نتحدث، ونحن نؤجّج لهب الموقد عن الوطن والإله والشعراء والروح المتسامية بالدعاء، ويظهرُ الوليد! فوداعاً للسماء وللوطن وللشعراء المقدسين، لقد انتهى الحديث الجادّ وحلّتِ البْسمة في الليل، عندما ينام المرء وتحلم الروح، وحين يُسْمع أنين الماء بين القصب وكأنه صوت نشيج، وحين يسْطع الفجر فجأة وكأنه المنارة، ويوقظ نورُه في الحقول ضوضاءَ الأجراس والعصافير، فأنت أيها الوليد الفجر، وروحي هي السّهل الذي يُعَطّر نفَسَه بأجمل الأزاهير . حين تستنشقه روحي غابة، ولأجلك وحدك، تمتلئ أغصانها المظلمة بالهمسات العذبة والأشعة الذهبيّة لأن عينيك تفيضان حلاوة لا تنتهي ويديك الصغيرتين المرحتين المباركتين، لم تقترفا إثماً بعد وخطاك الفتيّة لم تطأ مستنقعنا أنت أيها الرأس المقدس، أيها الولدُ الأشقر الشّعر، أيها الملاك الجميل ذو الهالة الذهبيّة! ما أجمل الطفل بابتسامته العذبة، وبراءته الصافية، وصوته الذي يريد أَن يقولَ كل شيء وبكائه الذي سرعان ما يهدأ..! مجيلاً نظراته المندهشة المبهورة، مقدّماً في كل مكان، روحه الشابة للحياة، وثغره للقُبَل يا إلهي..! أسألك أن تقيني وجميع من أحب: إخوتي وأقاربي وأصدقائي، وحتى أعدائي إذا طغى الشرّ، من أن تريني، يا إلهي، صيفاً بلا أزاهير قرمزيّة وقفصاً بلا عصافير، وخلية بلا نحل، وبيتاً بلا أولاد..! نابليون من قصيدة هوغو "هو" Lui في ديوانه "الشرقيات" .."عندما تتجلّى لي تحلّق قصائدي شعلاً نارّية، مزدحمةً على شفتيّ تمجيداً أو عذلاً، فكأن نابليون الشمس وأنا عابدها "ممْنون"!(13). أنتَ المهيمن على عصرنا، ملاكاً أو شيطاناً، لا يهمّ، ها، نسركَ اللاهث في الأعالي يخطفنا في تحليقه، إن العين التي افتقدتك لتراك في كل مكان، وفي لوحاتنا تلقي دوماً خيالك العظيم، نابليون، سواءٌ في بهائه أو انطفائه، واقف دوماً على عتبة القرن..!" (14) إيقاع العصر في نظر هوغو من مقدمة "أوراق الخريف"(15) .." إن هذه البرهة السياسية خطيرة، لا ينكر ذلك أحدٌ من الناس، ومؤلف هذا الكتاب أقلهم معرفة: ففي الداخل أعيد النظرُ في كلّ القضايا الاجتماعية، وكلّ أعضاء الكيان السياسيّ هُصِروا وصُهروا أو أعيد تشكيلهم في بوتقة الثورة، وعلى سندان الصحافة الصاخب..! وفي الخارج، نجد هنا وهناك، على حدود أوربا شعوباً تباد بأجمعها، وتهجّر جماعات جماعات، وتكبل. فإيرلندة غدتْ مقبرة وإيطاليا سجناً كبيراً، وسيبريا منفى البولونيين. وفي كل مكان، حتى في أكثر الأمكنة هدوءاً بدأ الذعر والتفكك، فإذا أرهفت السمع، تناهى إليك الضجيج المبهم الصادر عن الثورات التي تغلغلت أنغامها حتى بلغت أساس الممالك الأوربية. وكلها تفرعات من الثورة المركزية الكبرى التي كانت باريس فوّهة بركانها. وأخيراً، في الخارج كما في الداخل، أصبحت العقائد تصطرع والضمائر تصطخب، وأغربُ ما في الأمر ظهور دياناتٍ جديدة استدعت صيغاً جديدة، حسنة من ناحية، وسيئة من ناحية أخرى وظهرت الديانة بحلّة جديدة، وغدت روما مدينةُ الإيمان تطاول باريس مدينة الفكر، وعُرضت جميع النظريات والتصورات والمذاهب على محكّ الحقائق، وكثر النظر والسّبْر والكشف في قضية المستقبل كما هو الأمر بالنسبة إلى الماضي.." نوفمبر 1831 شيلّي percy Shelley - 1795-1822 يُعَدَّ الشاعر شيلّي مثالاً للرومانسية الانجليزية. درس الشعر اليوناني وتشبّع بالفلسفة الأفلاطونية، وكتب وهو طالب في أوكسفورد أول كتبه وهو (ضرورة الإلحاد 1811) كان صاحب فلسفة اجتماعية مثالية، يؤمن بتقدم الإنسان وكماله، وأن الكون تنساب فيه روح الحب، وقد وقف ضد الطغيان والقسوة والعنف ومجدّ العقل والحبّ. شعره مزيجٌ نادر من الرسالة النبويّة ودقة التصوير وتدفق العاطفة والعذوبة اللفظية والموسيقية يَنزع إلى الأساطير والرموز من مؤلفاته: بروميثيوس حراً، وهي مسرحية شعرية غنائية 1819 وثورة الإسلام 1811، وأغنية للرّيح الغربيّة 1819 وأدونيس 1821، ودفاع عن الشعر 1821، وفيه يقرّر أن الشعراء هم المشرّعون غير المعترف بهم في هذا العالم. دفاع عن الشّعر(16) ".. لقد دُعي الشعراء منذ القدم مشرّعين أو أنبياء، حسب الظروف الزمنية أو الأمم التي ظهروا فيها. إن الشاعر يجمع بالضرورة بين هاتين الصفتين في آن واحد، لأنه لايكتفي بإدراك حقيقة الحاضر إدراكاً عميقاً واكتشاف القوانين التي يجب بمقتضاها أن ترتب الأشياء الحاضرة، بل يرى المستقبل في الحاضر، وتغدو أفكاره بذوراً لأزاهير المستقبل. لا أريد أن أقول: إن الشعراء أنبياء بالمعنى الشائع للكلمة أو إنهم يستطيعون التنبؤ بأشكال الحوادث المقبلة بكل تأكيد، كما لو كانوا يعرفون روحها سلفاً، وأدعُ هذا للغلاة الذين يريدون أن يجعلوا الشعر تابعاً للنبوة بدلاً من جعلهم النبوّة تابعة للشعر. إن الشاعر يشارك في الأبديّ واللانهائيّ والواحد وبالنسبة إلى تصوراته لا يوجد زمان ولا مكان ولا عدد. إن الشعراء هم كهنة يوافيهم إلهامٌ غريزيّ. إنهم المرايا التي ترتسم على سطحها الظلال الهائلة التي يلقيها المستقبل على الحاضر إنهم الأبواق التي تعزف ألحان المعارك.. إنهم التأثير غير المتأثر، وهم المشرعون غير الرسميين للعالم..". إلى الريح الغربيّة(17) أيّتها الريح الغربية الهائلة، يا نسمةً من كيان الخريف، أنتِ التي من وجودك غير المرئيّ تنساق كأشباحٍ هاربة من أمام ساحر الأوراقُ الميتة مطرودة، جماعات جماعاتٍ.. صفراء وسوداء وشاحبة حمراء من حمّى السلّ ومصابة بالطاعون أنتِ التي تقودين البذور المجنّحة إلى مضجعها الشتائيّ المظلم حيث ترقد كل منها هادئةً واهية، كجثةٍ هامدة في قبرها، تقودينها حتى تهبّ أختك السماوية أيام الربيع وتنفخ في بوقها فوق الأرض الساهية الحالمة، وتملأ، وهي تسوق البراعم الحلوة، كقطعان تتغذى من الهواء تملأ بالألوان والروائح والعطور التلال والسهول أنتِ أيتها الروح الهائجة المتنقلّة في كل مكان والمجتاحة المهدّمة، والواقية الحافظة ، إسمَعيني.. إسمَعيني..! *** آهِ لو كنت ورقةً مائتة يمكنك أن تحمليني، لو كنت غيمة مسرعةً أطير معك، أو موجة أخفق تحت تأثير قوّتك وأقاسمكِ قوة عزمك وحركة شدّتك.. ..آه لو كنت كذلكَ إذاً لما أجهدتُ نفسي مبتهلاً في حاجتي المؤلمة الموجعة، ارفعيني كموجةٍ.. كورقةٍ.. كغيمة، فأنا ملقى على أشواك الحياة، وإني منها لأَدْمى وحملُ الزمان الفادح كبّل وحنى واحداً مثلك جريئاً نشيطاً.. متجبّراً أَنوفا.." ج. بايرون George BYron - 1788-1824 شاعر رومانسي وكاتب مسرحيّ من الطبقة النبيلة الإنجليزية، وعلى الرغم من أنه كان يحمل لقب لورد فقد تمرّد على طبقته المحافظة وانساق مع روحه الثائرة المغامرة وشاعريته الجامحة وُمثُله الاجتماعية غير عابئٍ بالسخط والنقد فكان قوةً من قوى التحرّر السياسي والفكري في أوربا في القرن التاسع عشر. سخر من التقاليد الجامدة وكتب للعمال ودافع عن النساء وعن الشعوب المقهورة، وأحب الناس وكره الظلم، وصدّق بسلوكه مبادئه التي يؤمن بها، فهبّ ليشارك اليونانيين حروبهم ضد الأتراك لأجل أن ينالوا حريتهم. مزج في أدبه الإنسانَ والأسطورة والبطل والشاعر، وسعى إلى خير الناس، ولكنه كان كثير الصلف والكبرياء، ينظر إلى الناس من علٍ وكأنما يرى لنفسه موضعاً مترفعاً فوق مستواهم، تأثر برحلاته وكتب فيها قصائد عديدة يبدو فيها التأثر بالشرق. من أبرز مؤلفاته: حجّ الطفل هارولد 1811 وما نفرد 1817 وكايين 1824 وأغنيات عبريّة 1815 ودون جوان وهي رواية شعرية. النزعة الفرديّة(18) (من الفصل الثاني من مانفردِ) ".. كانت نفسي منذ الطفولة لا تأتلف ونفوسَ الآخرين. لم أكن أستطيع أن أرى الدنيا بعيونهم، لم أكن أعرف الطموحات التي تفترس ضمائرهم، ولم يكن هدفهم هدفي، لقد جعلتني مسرّاتي وأحزاني وعواطفي وأفكاري غريباً في وسط هذا العالم، وعلى الرغم من أنّ جسدي يشاكل أجساد تلك المخلوقات التي تحيط بي، فلم أكن أشعر نحوهم بأيّ تعاطف، أمرٌ واحدٌ كان يستهويني: أَنْ أهيم في وحدتي، واستنشق هواء الجبال المكلّلة بالجليد، على قمة لم تجرؤ الطيور أن تبني فيها أعشاشاً، حيث الصخور الصّماء العارية من الأعشاب تتحاشاها الحشرات الخفيفة الأجنحة. كنت أهوى مصارعة الشلال وأمواج البحر المضطرب فخوراً بأن أروّض قواي الفتيّة بمعاكسة تياراته السريعة، وكنت أحب أن أرقب القمر ليلاً في مساره الصامت، وكل نجمةٍ ساطعة في مدارها، كنت أتأمل البرق في أثناء العواصف حتى تكلّ عيناي، أو أصغي إلى صوت سقوط الأوراق عندما تهبّ الرياح فتعرّى أشجار الغابة.. تلك كانت مسرّاتي وحبي العزلة، حتى لو أن أحد الناس -ويُبرمني أن أُعدّ أخاً لهم- سار على نهجي لشعرت بالإهانة والانحطاط، فأنا لا أشبههم إلا في تكويني الطينيّ.." وُردز وُرث William Wordsworth - 1770-1850 من أعظم الشعراء البريطانيين الإبداعيين في القرن التاسع عشر. كان مولعاً بالطبيعة كثير التجوال في الغابات والتلال والبحيرات، ولذلك كانت أجمل أشعاره في الطبيعة والريف. ويعدُّ زعيم الحركة الرومانسية في إنجلترا، ونشر مع الشاعر كولريدج (قصائد غنائية) فكانت إيذاناً ببدء الرومانسية الأدبية، وكتب لها مقدمة تعبّر عن مبادئ هذه الحركة الجديدة المناهضة للكلاسيكية. كان له تأثير كبيرٌ على المواقف والأحاسيس المعاصرة. وربما كان لتجواله في أوربا وإطلاعه على آدابها وأفكارها دورٌ في تكوين ثقافته واتجاهه. ومن المؤكد أنه تأثر بروسّو في حب الحرية والطبيعة والحياة الريفية البسيطة والإيمان بقوى الطبيعة الملهمة والاقتناع بسلامة الفطرة البشرية ولا سيما عند الأطفال وبأن الإنسان بطبيعته الأساسية نزّاع إلى الخير ومفطورٌ عليه. شعره غزير ولكنه مختلف المستوى، وتميل قصائده إلى القصر أو الاعتدال في الطول، وله مسرحية واحدة. ويتميز شعره بالتصوير والعاطفة والعذوبة اللفظية والموسيقية. من فوق دير تنْتَرْن(19) "نظم وردزورث هذه القصيدة عام 1798 في أثناء رحلة له مع أخته. وهي من أكثر قصائده حلاوةً، وتمثل شعوره نحو الطبيعة، كما تعبّر في نهايتها عن حبه لأخته. والقصيدة في 150 بيتاً. نجتزئ منها المقاطع الآتية" "ها قد مضت خمس سنوات؛ خمسةٌ من فصول الصيف مع خمسة من فصول الشتاء الطويلة مضتْ وأعود، فأسمعُ من جديد هذه المياه المتدفقة المتدحرجة من ينابيعها في الجبال بخريرها الحلو الناعم..، ومرة أخرى أنظر وأشاهد هذه الصخور الشاهقة المنحدرة، التي تبعث بمنظرها الرائع المنعزل تأملات وأفكاراً من عُزلة أعمق وأصعب سبرا. وتتصل روعة المنظر الطبيعي بسُجوّ السماء وهدوئها *** لقد عاد اليوم الذي فيه أعود، ومرةً أخرى أستريح تحت شجرة الجميّز المعتمة، وأجول بنظري على هذه الفَسَحاتِ من الأرض المزروعة بالأكواخ، وعلى هذه البساتين بما فيها من أشجار مرتديةٍ في هذا الفصل مع ثمارها غير الناضجة لوناً واحداً من الخضرة، وضائعة منتشرة في وسط الغابات والآجام.. وأرى هذه المزارع بمراعيها خضراء حتى الأبواب وضفائر الدخان متلوّية مسترسلةً في صعودها بهدوء وصمتٍ بين الأشجار.. بإشارة تُعلن، ولا تكاد تُبين عن سكانٍ متشرّدين، في الغابات التي لا سكنَ فيها، أو عن كهفٍ لناسكٍ جالسٍ وحده قُرْبَ النّار.. *** هذه الأشكال الجميلة الرائعة، لم تكن لي، بعد غياب- طويل، كما يكون المنظر الطبيعيّ لعيني رجلٍ أعمى، فكم من مرة، وأنا في غرفتي المنفردة، وفي وسط ضجيج المدينة، كنتُ مديناً لها في وقت تعبي وعيائي بمشاعر عذبةٍ أشعر بها في دمي وأحسّ بها تسري في فؤادي وتعبّرُحتى إلى أنقى حالةٍ من نفسي وتفكيري بقوة متجددة مطمئنة.. كما كنتُ، حسبما أعتقد، مديناً لها بمنحة أخرى ذات مظهر أسمى وأسنى: بذلك المزاج والحالة النفسية المباركة التي تخفف من فداحة حمل هذا السرّ سرّ الكون العصيّ الذي لا يُدرَك ومن عبئه الباهظ المتعب، تلك النفسية المباركة الصافية التي تقودنا فيها أقدامُ المحبّة برفق وتسير بنا حتى ننام.. *** تعلّمتُ أنْ أنظر إلى الطبيعة لا كما كنت أنظر إليها في زمن الحداثة الخالية اللاّمبالية، ولكن بأن أسمع مراراً موسيقا الإنسانية المحزنة الهادئة، غير الخشنة ولا المزعجة المخدّشة، ومع ذلك لها قوة عظيمة قادرة على أن تعاقب بالمحن وتقهر وتُخضع . وكنت أشعر بوجود يقلقني بمرح أفكارٍ متعالية متسامية ، وإحساسٍ سامٍ عُلويّ لشيءٍ أعمق في تداخله وتشابكه مقره في نور الشمس الغاربة، والمحيط المتّسع والهواء الحيّ والسماء الزرقاء، وفي ذهن الإنسان.. وأشعر بالحركة والروح التي تدفع وتحرك كل الأشياء المفكرة وكل مقاصد ومآرب الفكر وتنداح وتبعث في كل الأشياء.." البرناسيَّة Le Parnassisme البارناسّية مذهب شعريّ جاء في أعقاب الرومانسيّة، احتجاجاً على إمعانها في الذاتية التي وصلت حدّ اللامبالاة بأي شيء خارج الذات وعلى تهاون شعرائها في الصياغة الفنيّة. وتعود هذه التسمية إلى "البرناسّ" Parnasse وهو سلسلة جبالٍ في وسط اليونان شاهقة الارتفاع، ذراها مكلّلةٌ بالثلوج وتنتشر فيها الكهوف التي تزعم أساطير اليونان أنها مسكونة بالآلهة الريفية والحوريات. والبرناس هو مأوى الإلهين أبو لون وديونيزوس وربّات الإلهام الشعريّ والموسيقى. وفي عام 1866 صدرت في باريس مجموعة شعرية باسم "البرناسّ المعاصر" وفيها مختارات لشعراء عديدين منهم مالارميه ولو كنُت دوليل وسولي برودوم وهيريديا وفرانسوا كوبيّه وفيرلين. وكان هذا تجمّعاً موقتاً وغير متجانس، فسرعان ما انفصل عنه فيرلين ومالارميه ليصبحا زعيمي المدرسة الرمزيّة. وإذا كانت المدرسة البرناسيّة تقوم على العناية بالجمال الشكلي والإيقاع الموسيقيّ وعلى مناهضة الذاتية المفرطة في الفرديّة فإن لقب برناسيّ لا يلائم سوى لو كونت دوليل وهيريديا. أما الآخرون فهم مجرد شعراء عاديين، لكل منهم ميزته الخاصة. لوكونت دوليل leconte de lisle- 1818-1894 أتيح لهذا الشاعر أن يسافر إلى جزر الهند الشرقيّة فملأ عينيه من مشاهدها وألوانها وأسبغها على شعره، ودرس تاريخ الإغريق واطلع على الديانة البوذية ولما أصدر مجموعته الأولى لم يأبه أحد بأشعاره ولم يذكرها أحد، حتى هو نفسه نسيها ولم يعد يذكرها بعد أن وصل إلى الشهرة. ثم استقر في باريس وعكف على دراسة الشعر القديم، وأصدر ديوانه "أشعار قديمة" عام 1852وقدّم له بمقدّمةٍ تُعدُّ بياناً شعريّاً ومنهجاً للمدرسة الجديدة. ثم أصدر في عام 1862 مجموعة بعنوان "أشعار متوحّشة" فأصبح زعيم البارناسية المعترف به. يقول دوليل في المقدمة الآنفة الذكر: "إن هذا البوح العام بوساوس القلب ينطوي على غرور دنيوي مجّانيّ. ومن ناحية أخرى مهما كانت المشاعر الاجتماعية قويّة فهي تنتمي إلى عالم الفعل. وإن التأمّل يبقى غريباً عنها، لأنه يعني العمومية والحياد.. ويجب أن نلجأ إلى الحياة التأملية والعلميّة كما نلجأ إلى المعبد حين نلتمس الراحة والتطهّر. ولما كان العلم قد انفصل عن الفنّ منذ مدة طويلة نتيجة لعوامل ذهنية متباينة، فمن الواجب أن يلتقيا إن لم يتماهيا، إن العلم كان الكشفَ البدائي عن المثاليّ الكامن في الطبيعة الخارجيّة، أما الفن فكان هو الدراسة العقلانية والعرض البهيّ، وإذا فقد الفنّ هذه الحدسيّة أو استنفدها فعلى العلم أن يذكره بتقاليده المنسيّة ليبعثها من جديد في أشكاله الخاصة به.." ونستطيع أن نميّز في أساس هذا المنهج المضاد للرومانسية -كما يقول برونتير- ثلاثة منابع لإلهام لو كنت دوليل: 1-الثقافة القديمة بشكلها اليوناني الوثني والهندي أوالبوذيّ 2-الولع بالغرابة: ومن خلاله جمع بين تذوقه العلمي للبوذيّة وبين رحلاته التي استمد منها كثيراً من المشاهد البهيجة والمدهشة وأوصاف الحيوانات الغريبة كالفيلة والفهد الأسود والنسر العملاق (الكوندور). 3-التشاؤم الذي تسرّب إليه من خلال الوضعيّة العلميّة والوثنية والبوذيّة، ولكنه يختلف عن دوفينيي بأنه يلتمس العزاء في الطبيعة، وربما تغنّى بالفناء والموت ناشداً الراحة من مكدّرات الحياة.! أمّا من ناحية أسلوبه الشعري فكان دوليل يسعى دوماً إلى إتقان أشعاره وإحكامها جامعاً فيها بين المتانة والموسيقا وإنك لتلمسُ من خلال لغته جهدَ فنانٍ وفّقَ لتحقيق درجة عالية من الدقة والبهاء الشّكليّ. شعراء بارناسيون آخرون 1-هيريديا J.M.de heredia ( 1842-1905) بقي هذا الشاعر مخلصاً للبرناسيّة، وأصدر عام 1893 مجموعته الشعرية les tropheés فأودعها كل فنّه، بحيث كانت كلّ مقطوعة تساوي قصيدةً كاملة، لما تتميز به من التكثيف واللغة السليمة العالية، فلا يسأم القارئ من تكرارها لاستيعاب دقائقها والاستمتاع بموسيقاها الحلوة وقوافيها المحكمة، بل يجد فيها متعة الروح والعين والأذن! ولكن قارئه ينبغي أن يكون على مستوى مناسب من الثقافة والذوق والعلم حتى يستطيع فهم شعره المملوء بالمعارف التاريخية والعلمية والاصطلاحات والأحلام والتلميحات والإشارات.. أما القارئ العادي فيحتاج في فهمه إلى الحواشي والشروح. 2-سُولّي برودوم Sully Prudhomme (1839-1908) درس العلوم أولاً ثم التفت إلى الشعر. ومن هنا تميز شعره المعبّر عن اللوينات العاطفيّة والنفسية بدقّة مدهشة. أما أسلوبه فكان في منتهى الصفاء والشفافية. وكان يرى أن الشعر يجب أن يكون صميميّاً وفلسفياً، وأنّ العالم الخارجي لا يكون ممتعاً وذا أهميّة إلا بمقدار ما يثير أفكارنا للبحث في ألغازه الرفيعة، ولهذا تجد في قصائده طابع التفلسف والرمز. 3-فرانسوا كوبيّه Franاois Coppee (1842-1908) هو شاعر الذاتية العميقة وشاعر الناس البسطاء والأمور الحياتية المألوفة، الذي استطاع أن يجعل الأشياء العادية تسطع بعطرها النافذ اللطيف، والشعر، في رأيه، ليس بحاجة إلى الأبطال والأمور العظيمة بل إلى الإنسان من حيث هو كائن يحسّ ويتألم ويحزن ويفكر ويحب ويأمل.. وهذا يكفيه لأن يغدو مصدراً واسعاً للإلهام الشعري الحقيقيّ. إلاّ أن هذه الواقعية لا تعني الوقوف عند السطحيّات، بل لا بد من تعديها التماساً لموضع المأساة والجانب الفلسفي، إن ميزة كوبيّه في أنه -مع مجاراته لأمثال موسيّه وبرودوم -فتح المجال للواقعية الشعرية. 4-ألبير سامان Albert Samain(1858-1900) هو شاعر اللطافة والرقة وبناء اللوحات الوصفية الرائعة وشاعر الواقعية الأخاذة، تميّز بتعبيره المخلص الحميم عن موضوعات الحزن والألم واستفاد من الرمز دون أن يفقد الوضوح (1) ترجمة المؤلف عن كتاب Karl petit- le Livre d'er du romantisme Marabout université 1988. (2) ترجم المؤلف عن المصدر السابق. (3) ترجمة المؤلف عن المصدر السابق (4) ترجمة المؤلف عن :الكتاب الذهبي للرومانسية ط مارابو 1988 Karl petit (5) ترجمة المؤلف عن المصدر السابق. (6) الترجمة لتوفيق اليازجي - قصائد من الأدب الأجنبي دار الرائد- حلب. (7) Les destinées - la mort du loup - Des GranGes et charrier P. 333. ترجمة المؤلف. (8) ترجمة المؤلّف عن: الأدب المشروح لدي غرانج وشارييه ص310 Des Granges et charrier -litteratiere expliqueé p. 310 (9) ترجمة المؤلف عن الكتاب الذهبي للرومانسية لكارل بتي. (10) ترجمة المؤلف عن الكتاب الذهبي للرومانسية لكارل بتي. (11) ترجمة المؤلّف عن كتاب دي غرانج وشارييه la litterature expliquée p. 322 (12) ترجمة المؤلّف عن: دي غرانج وشارييه - الأدب المشروح ص319 la litterature expliquee (13) "ممنون" بطل أسطوري مصري -إغريقي ذهب لنجدة طرواه وقتله آخيل وكان يعبد الشمس ويعدها أمّه وتروي الأساطير أن تمثاله كان يصدر أنغاماً شجية حين تطلع الشمس عليه وكأنه يحيّيها (المؤلف) (14) ترجمة المؤلف. (15) ترجمة المؤلف. (16) ترجم المؤلف. (17) من "قصائد من الأدب الأجنبيّ" التوفيق اليازجيّ (18) ترجمة المؤلف عن النص الفرنسي في الكتاب الذهبي للرومانسية لكارل بتي. (19) من كتاب قصائد من الأدب الأجنبي - توفيق اليازجي |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |