المذاهب الأدبية لدى الغرب - مع ترجمات ونصوص لأبرز أعلامها - عبد الرزاق الأصفر

دراسة- من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:44 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

المرحلة الثانية (مرحلة النضج والقمة)

1-ستيفان مالارميه Stephane Mallarme(1842-1898)‏

كان مالارميه الرأس الحقيقي المنظر للمدرسة الرمزية. وتميّز بالموهبة والتواضع. تضلّع من اللغة الفرنسية وآدابها وعمل مدّرساً للغة الانجليزية. وكان يستقبل في بيته حلقة من الشبان المحبين للشعر. وكان زملاؤه وتلاميذه يحبونه ويعجبون بشعره ويعدونه أمير الشعراء بعد فيرلين. جمع أجمل آثاره في كتابه "شعر ونثر" وكان منها ما يتّسم بالرمزية الشفافة ومنها بالرمزية الغامضة المقبولة. وعلى العموم كان ينفر من السهولة والوضوح ولغة التفاهم العادية وكأنها أسوأ العيوب. علم أتباعه التركيب الغامض وجماليته، وبقي مخلصاً للقواعد الشعرية والإتقان البرناسيّ.‏

أصبحت اللغة عنده سحراً والكلمات أشياء، والأشياء رموزاً موحية لا تقصد لذاتها، ولذلك نعته بعضهم بالصوفيّة. أراد مالا رميه أن يسعى إلى الكمال وأن يحقق المستحيل وأن يعبّر عن سرّ الكون الغامض ولكنه لم يجد سوى العقم والعدم والخواء والصمت، فراح يبحث عن المطلق لكنه عجز عن الوصول إليه. ورأى الفن وحده الذي يدوم لينقذ شيئاً من حطام العالم..! وبهذه الفلسفة المتشائمة التي تذكرنا الرومانسية، انفصل شعره عن الواقع المجسّد وتغرّب عن الطبيعة والذات.‏

يصف تيودور وايزيوا شعره فيقول: "التزم أن يضمّن كل بيتٍ عدة معانٍ متراكبة، وتعمّد أن يجعل كل بيت صورة تشكيلية وتعبيراً عن عاطفة، ورمزاً فلسفياً ونغمة موسيقية تنسجم متكاملة مع الموسيقا العامة للقصيدة مع الحفاظ على قواعد النظم المعروفة، بحيث تبدو قصيدته كلاً متكاملاً ومكتملاً يجسّد بالفن حالة نفسية كاملة".‏

من أشهر قصائده: أمسية أحد الفونات(1) والنوافذ،‏

واللازورد، وطائر التمّ..‏

اللازورد L,azur*‏

ستيفان مالارميه‏

"السُّخرية الصافية للاّزورد الأبديّ،‏

تُثْقِلُ بتراخٍ شديد، كما تثْقِلُ الأزهارَ،‏

الشاعرَ العاجز الذي يلعن قريحته‏

عبرْ صحراءَ عقيمةٍ من الآلام..!(2)‏

أحسُّه هارباً مُغْلق العينين،(3)‏

وفي ضميره توبيخٌ كثيف مذهل،‏

ينظر إلى روحي الفارغة، أين المفرّ؟‏

وأيُّ ليلٍ مذعور تلقيه خرقاً بالية على هذا المُفْجِعِ الكريه؟(4)‏

انهضْ أيّها الضباب، واسكبْ رمادك الرتيب،‏

مع قطعٍ من أَسْمال الظلام،‏

في السماءِ التي ستغرق في سبخةِ الخريف الداكنة(5)‏

وابنِ سقفاً كبيراً صامتاً..‏

وأنت أيها الضّجر العزيز، اخرُجْ من مستنقع النسيان،‏

وحين تأتي، اجمع الوحلَ والقصب الشاحب،‏

لتسدَّ بيدك التي لا تعرف الونى‏

الثقوبَ الكبيرة الزرقاء التي تحدِثها الطيور المتخابثة(6)‏

وفوق ذلك، لتقْذفِ المداخنُ الحزينةُ دخانَها دون إمهال،‏

ولتجعلْ من سُخامها سجناً هائماً،‏

تخنق في رهبة ذيوله السّوداء ،‏

الشمسَ المحتضرة الصفراءَ في الأفق .‏

إن السماء ميْتَة! ولذا أتوجّهُ إليكِ أيّتها المادة،‏

راجياً أن تقدّمي نسيانَ الخطيئةِ والمثلِ الأعلى القاسي،‏

إلى هذا الشهيد، الذي أَتى ليقاسِم قُطعانَ البشر السّعداء،‏

الحظائرَ التي ترقد فيها(7)‏

هذا ما أريد، ما دامتْ جمجمتي أَضْحت خاوية،‏

كإناءِ زينةٍ فارغ قابع عند أسفل جدار،‏

ليس لديها فنّ تجميل الفكرة الباكية‏

ولا تفتأ تتثاءب منتظرةً مصيرها المشؤوم في مرقدها المظلم‏

لا جَدوى! فالّلازورد ينتصر، وإنّي لأسمعه،‏

يغني في ألحان النواقيس،‏

إنّه يُصوّت ليزيدنا رعباً بظفره الخبيث،‏

ومن المعدنِ الحيّ يخرُج لنا في رنّاتٍ زرقاء..(8)‏

أَزليَّاً يسير بالضّباب‏

ويخترق احتضارَكَ الولاديّ كسيفٍ مُصمِّم،‏

فأين المفرّ وما جدوى التمرّد الأخرق،‏

إني مَسْكون: الّلازورد، الّلازورد، الّلازورد، الّلازورد!‏

***‏

2-بول فيرلين: P.Verlaine(1844-1896)‏

بدأت شهرة فيرلين عام 1881 عندما عمل في الصّحافة وأخذ يرتاد الحيّ اللاتيني والتف حوله جماعة من الشعراء الشبان المعجبين به. وكان أوّل الأمر برناسيّاً ثم تطور شعره تدريجياً وبشكل عفوي نحو فنٍ أكثر تحرّراً، ولكن دون نظريات ومدارس، حتى إنه أصبح رمزياً بل مؤسساً للرمزية دون قصدٍ أو وعي لشيء اسمه الرمزيّة، بل كان يكره هذه التسمية..! وكانت حياته مأساةً غريبة بسبب انسياقه مع نزواته. تنقل بين باريس وبروكسل ولندن، وسجن عامين لإطلاقه النار على صديقه رامبو. وتلقى من هذه التجربة درساً في السلوك العاقل، فعاد إلى زوجته وكاثوليكيته، وكتب أشعار مجموعته (حِكْمة) لكنه سرعان ما عاد بعد وفاة أمه إلى الخمرة والتشرد والبؤس واعتراه المرض فقضى سنواته الأخيرة بين المقاهي والمستشفيات وفي عام 1884 انتخبه الشعراء أميراً لهم. ولكن هذه الإمارة لم تطل إذ اختطفته المنية بعد عامين.‏

وكانت أشعاره صدى إحساسه وتجاربه. فهو يعيش شعره ويندفع من بواعث شعورية ولا شعوريّة. قال عنه جول لوميتر: إنه شاعر بوهيميّ وبربري وطفل، لكن لهذا الطفل موسيقاه الروحية. وهو يسمع أحياناً أصواتاً لم يسمعها أحدٌ قبله" وكان جرسُ أشعاره وإيقاعها يتطابق مع إلهامه ويمتلك المضمون والشكل معاً في تدفق شعري واحد يصدر دائماً عن الفطرة والعفوية حتى لكأنه الشاعر البدائي أو الطفل إضافة إلى كل الإرهافات العصرية والتقليديّة في الشعر. وكان يتميز دون غيره من شعراء الرمز بالشفافية والسهولة والتناغم الموسيقي العذب.‏

ويمكن أن نستشف معالم منهجه من قصيدته "فن الشعر" 1874 التي أرسلها إلى صديقه الشاعر شارل موريس، والتي تعدّ دستوراً للرمزية يقابل في الكلاسيكية "الفن الشعري" لبوالو. وهو يوصى فيها قبل كل شيء بمزيد من الموسيقا، لأن بها يمكن التعبير عن الأحاسيس المرهفة الدقيقة التي لا تسعها الكلمات! ولهذا السبب كان يؤثر الأوزان ذات المقاطع الفرديّة خمسة مقاطع أو سبعة أو تسعة أو أحد عشر، ولا يفضل الاثني عشري المزدوج. وهذه الأوزان التي كان يفضلها ليست جديدة بل كانت موجودة في القرن السادس عشر وفي بعض أشعار رونسار.‏

ثم يوصي باستعمال الكلمات في غير معناها الدقيق وبعدم المبالغة في الاهتمام بالقافية (تلك الحلية الجوفاء) وبليّ عنق الفصاحة وبشيءٍ من الغموض يتزاوج مع الدقة والوضوح، وهذا ما عبّر عنه بالأغنية الرمادية التي هي أصل الأغاني والتي كأنما تنظر من خلف أسداف، وأخيراً بأن تكون القصيدة مغامرة مشتّتة تطوف مع أنسام الفجر الباردة لتشمّ عبق النعنع والسعتر..‏

أصدر فيرلين مجموعات عديدة منها: أشعارٌ زُحَلية، وأعياد زاهية، وفي هاتين المجموعتين يغلب الطابع البرناسيّ. وله أيضاً: الأغنية الجيدة، وغزلٌ دون كلام، والحكمة، والمدائح، والأناشيد الدينية الحميمة، وبالتوازي، وقديماً وبالأمس القريب، وأغانٍ إليها، وسعادة.. كما أن له بعض الآثار النثريّة.‏

أغنية الخريف (1866)(9)‏

فيرلين (أشعار زُحَليّة)‏

الانتحابات الطويلة،‏

لكمنجاتِ الخريف،‏

تجرَحُ قلبي بِوَنىً رتيب،‏

كل شيءٍ خانقٌ وشاحب‏

عندما تدقّ الساعة،‏

أتذكر الأيام السالفة،‏

وأبكي‏

وأمضي في ريحٍ سيّئة‏

تحملني من هنا وهناك‏

شبيهاً بالورقة الميْتة .‏

السماء فوق السّطح(10)‏

فيرلين: "حكمة" 1881‏

كتبها في السجن‏

السماء فوق السّطح‏

شديدة الزرقة والهدوء .‏

شجرة فوق السطح‏

تؤرجح بلحَها‏

الناقوس في السماء التي تُشاهَد،‏

يدقّ بنعومة‏

عصفور على الشجرة التي تُشاهد،‏

يغني أشجانه‏

آلهي، آلهي، إن الحياة هناك‏

بسيطة هادئة‏

وهذه الضوضاء الهادئة‏

تأتي من المدينة .‏

ماذا فعلتَ يا من تديم النحيب؟‏

ماذا فعلت يا هذا في شبابك؟‏

3-أرتور رامبو Arthur Rimbaud (1854-1891)‏

وُلِدَ رامبو لأبٍ صارمٍ وأمّ شديدة، وشعر وهو تلميذ برغبة جامحة في الهرب. وشاءت الظروف أن تجمع بينه وبين الشاعر فيرلين إثر أبيات أرسلها إليه، وتوثقت الصلة بينهما، حتى أسكنه فيرلين في بيته وقدّمه إلى المنتديات الأدبيّة، واصطحبه في أسفاره إلى بلجيكا وانجلترا، ولكن الفتى قرّر أن يتحرّر منه، ولما استقل القطار اطلق عليه فيرلين النار فجرحه ونقل إلى المستشفى ودخل الجاني السجن..‏

ثم تجول رامبو في أنحاء العالم فزار دول أوربا من الشمال إلى الجنوب وسافر إلى جزائر السوند ومصر وعدن والحبشة، وعمل جندياً ومترجماً وعامل سيرك وموظفاً تجارياً.. ولم تطل حياته فقد توفي في أحد مستشفيات مرسيليا في السابعة والثلاثين دون أن يدري أحد أن شاعراً عظيماً قد مات..‏

دخل رامبو عالم الشعر كعاصفة مفاجئة سريعة بحيث لم تكتشف منزلته إلا بعد وفاته بزمن طويل. بدأ نظم الشعر في الخامسة عشرة وأقلع عنه في العشرين، لكن أشعاره طبعت مرات عديدة وأهمّها: فصلٌ في الجحيم، وأشعار، وإضاءات.‏

كان رامبو من طليعة الشعراء الرمزيين الذين تركوا أثراً عميقاً في الحركة الشعرية الشابّة، موهبةٌ متوقدة ومخيلةٌ خلاقة ذات صور غريبة وعنيفة وشباب مشردٌ محموم وانطلاق مغامرٌ مبكر.. وإعجابٌ ببودلير وفيرلين.. كل ذلك جعل منه الشاعر المتمرد المبتكر الذي لا يحفل بالقيود التقليدية بل ينساق مع الموهبة العفويّة. تتراوح أشعاره بين الوضوح والغموض وبين البساطة والتعقيد والسهولة والصعوبة. وقد عرف كيف يوفق في بعض الأحيان بين الشعر والواقعيّة، ولكن بعض رموزه عسير على الفهم كقوله في وصف جندي ميْت:‏

شاحبٌ في سريرهِ الأخضر حيث يهطلُ النور..‏

وقوله:‏

نُزُلي في الدبّ الأكبر ونجومي لها في السماء حفيفٌ لطيف..‏

النائم في الوادي(11)‏

رامبو‏

نظمها عام 1870 يصف جنديّاً قتيلا‏

إنّه ثُقْبٌ في الخضرة حيث يُغَنّي نهرٌ ،‏

معلّقاً على الأعشاب عشوائياً أسمالاً فضّية .‏

وتسطع الشمس من الجبل الأرعن،‏

إنه وادٍ صغير يزبد بالأشعّة .‏

ثمّ جنديٌ شابٌ، فاغر الفم حاسرُ الرأس،‏

قذاله يغوص في الجرجير الرطب الأزرق،‏

ينام مستلقياً على العشب تحت السماء،‏

شاحباً في سريره الأخضر حيث يهطل النور .‏

قدماه بين الزنابق، ينامُ مبتسماً ،‏

مثلَ طفلٍ مريض، أخذَتْه غفوة،‏

أيتها الطبيعة هدهديه بحرارة، إنه بردان!‏

لم تُرْعِشْ أنفَه الروائح الزكيّة،‏

يرقد وادعاً في ضوء الشمس ويده على صدره ،‏

وثقبانِ أحمران في جنبه الأيمن..‏

بوهيميّتي*‏

رامبو، من ديوان (أشعار)‏

"هذه القصيدة من وحي حياة رامبو بين السادسة عشرة والعشرين من عمره، في أثناء فترة التشرد وفورة العبقرية.. حين كان يعيش مثل البوهيميين أوالغجر، دأبه التنقّل ومزاولة الأعمال العديدة والعيش ليومه فقط.."‏

كنت أمضي ويداي في جيبيَّ المخروقين،‏

وقد أضحى معطفي أيضاً مثالياً(12)‏

كنتُ أمضي تحت السماء ، يا ربَّة إلهامي، مؤمناً بك،‏

آه، اطمئنّي، فكم عشقٍ رائع حلمتُ به..!‏

سروالي الوحيد كان فيه خرقٌ واسع،‏

كعقلة الإصبع الحالم، كنت أنثر أشعاري في أثناء تجوالي(13)‏

كان مثواي في الدبّ الأكبر، ولنجومي في السماء حفيف لطيف..!‏

كنت أصغي إليها جالساً على حافة الطُرْق،‏

في تلك الأماسي الجميلة من سبتمبر،‏

وأحسُّ قطراتِ الندى على جبيني وكأنها خمرة الروح .‏

هناك، في ظلال الوهم، كنت أنظم أشعاري‏

وأشد خيوط حذائي الجريح،‏

وكانه قيثارة.. قدمٌ على قلبي..!(14)‏

المرحلة الثالثة، ما بعد العمالقة‏

منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بدأت المدرسة الرمزية تتغيّر وتميل إلى الانحدار فأولئك الشعراء الشبان الذين كانوا يلتفون حول مالارميه، لم يكونوا يمتلكون ذكاءه ومعارفه وموهبته، ولذا مضوا في مذهبه إلى حد المبالغة، فبحجة الحرص على المرونة الشعرية والتحرّر من القيود الثقيلة جردوا الشعر من الإيقاع والجرس الموسيقيّ والقافية، فأصبح لديهم شبيهاً بالنثر المصطنع المتقطع في أسطرٍ متفاوتة الطول. وبدعوى الارتفاع عن العاديّة سقطوا في الغموض الذي لا طائل تحته. أما معجمهم اللغوي فكان مملوءاً بالأغلاط التي لا يقع فيها إلا الأجنبي الذي يجهل اللغة وأصبحت تراكيبهم خارجة عن المنطق والحسّ السليم، والواقع أن عدداً منهم كانوا ينتمون إلى أصول أجنبية، وتذكر من هذه الفئة فرديناند غريغ وأفراييم ميخائيل وغوستاف، كاهن..‏

ولكن يجب أن نميز بين أولئك الرمزيين الذين يمتلكون المهارة والمعرفة والذين يحاولون الإغراب، وبين الفنانين الحقيقيين الذين مرّوا بفترة من المحاولة والتدريب ثم ما لبثوا أن أصبحوا شعراء حقيقيين مفهومين، محتفظين بمزايا الرمزية ومبتعدين عن مثالبها ومزالقها.‏

ومن الرمزيين الشبان أناسٌ موهوبون لكنهم يحبون الإيغال في الصور الغامضة ويبتعدون عن التناغم الموسيقي.. مما حدا ببعض النقاد لأن يصنفوهم ضمن اللاشعوريين أحياناً وضمن الدجالين المخادعين أحياناً أخرى.‏

ومنهم من تحاشى المبالغة الرمزية وحافظ على الإيقاع والوضوح وتمتع بقسط من الحريّة وسلمتْ أشعارُه من الإبهام والتنافر والعَرَج واستطاع شق طريقته بقوةٍ وأصالة موازناً بين شتى معطيات المدارس الشعرية، ومن هؤلاء البارزين نذكر:‏

1-ألبير سامان: Albert Samain (1858-1900)‏

لم يكن سامان رومانسياً ولا برناسياً ولا رمزياً بل تجمعت لديه تأثيرات شتّى من المدارس القديمة والحديثة بشكل عفوي غير مقصود. وكان ينظم الشعر لنفسه يبثه أحلامه وأحزانه الخاصة. فقد عاش حياةً شاقة ذاق فيها اليتم والحاجة. ولما حلّ باريس انضم إلى بعض المجموعات الأدبية المؤلفة ممن كانوا يدعونهم "الشعراء المنحلين" وأخذ يلقي منظوماته وينثرها، ثم بدأت شهرته حين نال جائزة من الأكاديمية وقدمه الناقد برونتيير إلى جريدة (العالَميْن) يتميز شعره بواقعية ملوّنةٍ خلابة وتعبير عن الألم والحزن بصدق. استفاد من صور الرمزية دون أن يفقد الوضوح. ويعد حقاً من بين أفضل الشعراء الفرنسيين. من مجموعاته (في بستان الوريث، على جوانب الإناء، العربة الذهبية).‏

2-هنري دو رينييه Henri de Regnier (1864-1936)‏

شغف رنييه أولاً بالشعر الحرّ الواضح، الذي رأى أنه يوافق موضوعات معينة، ثم مال إلى البرناسية والرمزية متأثراً بسولي برودوم وفيرلين وجماعة الشعر الحرّ، وعبر عن شجونه بالرموز وكان يحب جمال الطبيعة وجمال الأشياء ويجد فيها سحراً أخاذاً، ومن ذلك إعجابه بجمال الخريف، كما أولع بالأساطير القديمة. نال رينييه إعجاب كبار الشعراء مثل سولي برودوم ولو كنت دوليل وهوغو ودفينيي وهيريديا الذي أسكنه عنده وزوجه ابنته من أشهر. مجموعاته الشعرية (الوسام الخزفيّ، ومدينة المياه والحذاء المجنح ومرآة الساعات..) وله مؤلفات قصصية كثيرة‏

3-فرنسيس جامّ Francis Jammes(1868-1938)‏

ينتمي إلى الرمزية من حيث الموسيقا الحرة، ويخالفها بوضوحه وبساطته ولغته العفوية القريبة إلى روح الطفولة. وكان لا يصف إلاّ الأشياء العاديّة البسيطة ويعرضها ببساطة وبشكل واقعي صادق. وإن القارئ ليبتسم أمام بعض أوصافه كما يبتسم أمام صورة خرقاء ولكنها قوية التأثير. وقد عرّف نفسه بقوله:‏

"إلهي، لقد ناديتني من بين البشر، فلبيك! إنني أتألم وأحب، وقد تكلمتُ بالصوت الذي منحتني، وكتبت باللغة التي علمتها أمي وأبي اللّذين نقلاها إليّ. أمشي في الطريق كحمار محمّل، يضحك منه الأطفال فيخفض رأسه. سأمضي حيث تريد، وحين تريد، ها هي النواقيس تقرع..!"‏

4-بول فاليري: paul Valery (1871-1945)‏

من الشعراء الشبان الذين تتلمذوا على مالارميه. وكان في شبابه شديد التأثر به والافتتان بموضوعاته والولع بالمناظر الجميلة والأشياء النفيسة وقد جعل أشعار الشباب في مجموعته (الأشعار القديمة) وبعد فترة من الصمت درس خلالها الرياضيات وقويت ملكته اللغوية عاد إلى الشعر بنفسٍ جديد قوامه الإتقان اللغوي والبحث عن الكلمات الدقيقة المعنى والتزام الأطر الموسيقية التقليدية مع قليل من التسامح- والتأمل في العالم الداخليّ وكدّ الذهن والتصوير الرمزي والأداء المكثف المختصر الذي يكثر فيه التلميح والحذف.. ولذا اعترى أشعاره بعض الغموض وعسر الفهم والبرودة العاطفيّة، وأصبح شعره وقفاً على الخاصّة المثقفة، ولكنه نجا مما شاع في القرن العشرين من فساد الصورة وتشويشات اللاشعور في السريالية، وكانت رمزيته نهجاً خاصاً تصالح فيه مع التقاليد الشعرية والواقع المحسوس.‏

قال في قصيدته "المقبرة البحريّة 1920":‏

.." كما تذوب الفاكهة معطية لذة،‏

كما تُمتصّ وتتحول إلى متعة،‏

في الفم الذي تنتهي فيه حياتها،‏

هكذا أنا هنا، أشم وأتذوق التراب‏

والرماد الذي سأصير مستقبلاً..!"‏

وقال في قصيدته "ربة القدر الصغرى 1912":‏

"دَعْ جسدي يكسر قيود الفكر،‏

دعني استنشق الهواء الوليد،‏

نسيم منعشٌ يهبّ من البحر فينعش روحي،‏

دعني أقذف بنفسي في وسط الأمواج،‏

ثم أخرج منها كائناً حياً مرة أخرى.."(15)‏

ومن أشهر قصائده الأخرى: نرسيس، والأفعى، والغزّالة النائمة.‏

امتداد الرمزيّة:‏

لا شكّ أن الشعر كان الجنس الأدبيّ الأَوْلى بالرمزيّة، لأنها مدرسةٌ فنيّة. ولكنّ هذا لم يمنع انتقال آثارها إلى أجناس أدبية أخرى:‏

فقد جرت محاولاتٌ مبكرة لنقلها إلى المسْرح. ومنها محاولة الشاعر مالارميه في مسرحيته "أمسيّة أحد الفونات"(16)‏

وفي الرواية انصرف بعض الكتاب الدراميين عن الواقعية لإيجاد نوع من اللغة الرمزية غير الواقعية. ومنهم: فيلارز دي ليزيل آدم وموريس ماتيرلنك وبول كلوديل. ومنهم أيضاً مارسيل بروست في رواية (البحث عن الزمن المفقود (1913-1922)، على الرغم من أنه كان ينكر وجود جمالية رمزيّة. وقد اتضحت آثارها لديه في رواية (الزمن المستعاد 1926)(17)‏

ولكن الرمزية في المسرح والرواية لم تنل من النقاد ومؤرخي الأدب حظّاً وافراً كما في الشعر.‏

وفي خارج فرنسا، انتقلت آثار الرمزية إلى بلدان أوربا وأمريكا بسرعة وفي إطار من الإعجاب‏

ففي انجلترا التي لم تُفهم فيها الرمزية الفرنسية جيداً، ظهر من ممثليها سيمنز الذي زار فرنسا وألمانيا والتقى أعلام الرمزية، كما تأثر و.ب ييتس باعمال فيلارز وتأثر أكسيلي بأعمال بودلير ورامبو.‏

وفي ألمانيا ظهر في النصف الأول من القرن العشرين ريلك واستيفان جورج متأثرين بكتابات فاليري وطريقة الشعر الحرّ.(18)‏

وفي أمريكا نحا إزرا باوند (حوالي 1908) منحىً رمزياً يختلف عن المنحى الفرنسيّ. ولكن زعيم الرمزيين كان ت.س إيليوت (في الربع الأول من القرن العشرين) وكان شعره ذا طابع تشاؤمي كئيب (الأرض اليباب) متبعاً في ذلك خطا بودلير ولكن بطريقة جديدة مبالغة في الرمز. وهو الذي نقل أسلوب الشعر المنثور إلى الإنجليزية. وظهر بعده ستيفنز وكرين وفوكتر وأونيل وملفيل، ولكن بطرق مختلفة، حتى لقد قيل: "إن الأدب الأمريكي كله رمزي!"‏

وفي روسيا ظهرت الرمزية منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على يد أمثال بريسوف وفولونسكي وبيلي...‏

وامتدت أثار الرمزية أيضاً إلى إيطاليا واسبانيا وغيرها من الأقطار الأوربية.‏

أما في الأدب العربي فقد ظهرت في أعقاب الحرب العالمية في شعر بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور وأدونيس وخليل حاوي وشعراء الأرض المحتلة وغيرهم...‏

ولا تزال أصداء الرمزيّة تتردّد في أزمنة متعاقبة وبلدانٍ كثيرة وفي أشكالٍ مختلفة، وكل هذه الأصداء إنما تعود مباشرة أو بشكل غير مباشر إلى المحور الرمزي الفرنسيّ في القرن التاسع عشر.‏

(1) الفون Faune كائن خرافيّ عند الرومان يعدّونه إله الحقول‏

* ترجمة المؤلف عن: les Grands Ecrivains de France‏

Grouzet leger p 1752‏

(2) الصحراء العقيمة رمز لجفاف قريحة الشاعر وعجزه عن الكتابة‏

(3) الضمير يعود إلى اللازورد أي زرقة السماء قبيل الغروب.‏

(4) الليل المذعور هو الشاعر الكئيب المذعور.‏

(5) في الخريف يمتزج الضباب بالظلام وكأنهما مستنقع داكن‏

(6) ربما قصد نفوذ الطيور من الضباب إلى صفاء السماء أو رمز بالطيور إلى السماء وهذه الطيور متخابثة لأنها تحدث ثقوباً في الظلام تكشف السماء خلافاً لرغبة الشاعر.‏

(7) الشهيد هو الشاعر. وقد شبّه البشر السّعداء بالقطعان لتهالكهم على المادّة‏

(8) الرنات الزرقاء فيها تقارض حواسٍ عُرِفَتْ به الرّمزية. والزرقة هنا لازورد السماء‏

(9) ترجمة المؤلف عن الأدب المشروح لدى غرانج وشارييه ص409‏

(10) ترجمة المؤلف عن المصدر السابق ص414‏

(11) ترجمة المؤلف عن المؤلّف السابق ص416‏

*ترجمة المؤلف عن المصدر السابق ص417‏

(12) المثاليّ هنا في مقابل الواقعي. فمعطفه لشدة بلاه لم يعد معطفاً حقيقياً بل فكرة معطف.‏

(13) عقلة الإصبع بطل قزم في قصة كتبها للأطفال شارل بيرّو. وكان ينثر في طريقه حصىً بيضاً ليعرف طريق العودة‏

(14) حين كان يصلح حذاءه يضمه إلى صدره كقيثارة يشد أوتارها. ولنتصوّر المفارقة المفجعة: حذاءٌ على قلبه!‏

(15) الرمزية: تشارلز تشادويك ترجمة نسيم ابراهيم يوسف- الهيئة المصرية للكتاب ص117‏

(16) الفون: Faune هو إله أسطوريّ يختصّ بالحقول والحياة الريفية.‏

(17) الرمزية لتشاريز تشادويك ترجمة إبراهيم يوسف 131‏

(18) المرجع السابق ص137‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244