المذاهب الأدبية لدى الغرب - مع ترجمات ونصوص لأبرز أعلامها - عبد الرزاق الأصفر

دراسة- من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:44 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

الــــذَّهــــب(1)

كان الأب غرانديه يستمتع بشعور الغنى بدلاً من أن يتمتع بالثروة، ويعشق الذهب لذاته. وهنا حوارٌ بينه وبين ابنته أوجيني بحضور أمها والخادمة)‏

- أصغي إليّ يا أوجيني؛ يجب أن تعطيني ذهبك، ولن ترفضي رغبةً لوالدك، أليس كذلك يا حبيبتي؟‏

وجمت المرأتان، وتابع:‏

ليس لديّ ذهب، كان عندي ذهب والآن لم يبقَ معي شيءٌ منه؛ وسأردّه إليك ستة آلاف فرنكٍ تستثمرينها كما سأبيّن لك، ويجب ألاّ تفكري في الاثنتي عشرة قطعة ذهبية؛ فعندما سأزوجك؛ وهذا سيكون قريباً؛ سأجد لك قريناً يستطيع أن يقدم لك أفضل اثنتي عشرة قطعة تحدث عنها الناس في المنطقة؛ فأصغي إلي، ستكون أمامك فرصة جيدة، إذ تستطيعين إيداع ستة آلاف فرنك لدى الحكومة، فتحصلين كل ستة أشهر على فائدة قدرها مئتا فرنك، خالية من الضرائب ومصروفات الصيانة، وفي مأمنٍ من الصقيع والجليد وأخطار البحر وكل ما يهدر الثروة.. لربّما تكرهين الانفصال عن ذهبك؛ أليس كذلك يا بنيتي؟ حسناً، هاتيه لي على الرغم من ذلك؛ وسأجمع لك قطعاً ذهبية متنوعة: هولندية وبرتغالية، وروبيّات مغوليّة ودنانير جنويّة، فإذا أضفت إلى هذا ما سوف أعطيك في أعيادك لمدة ثلاث سنوات، فإنك تستعيدين نصف قيمة كنزك الذهبيّ الجميل الصغير... إيه..؟ ماذا تقولين يا صغيرتي؟ ارفعي إذن أنفك وهيّا اذهبي فأحضريه، ذلك الغالي؛ ويجب أن تقبليّ عينيّ لأني أكشف لك عن أسرار حياة الدنانير وموتها..! حقاً إن الدنانير تعيش وتتكاثر كالبشر. هذا يذهب وذاك يأتي، وهذا يجمد وذاك ينتج...!‏

نهضت أوجيني متجهة صوب الباب، لكنّها عادت فجأة وحدّقت في وجه أبيها وقالت:‏

-ذهبي ليس معي‏

- ذهبك ليس معك؟ صرخ غرانديه منتصباً على ساقيه كأنه حصانٌ سمع فجأة فرقعة مدفع على بعد عشر خطوات منه.‏

- لا.. لم يعد معي.‏

- إنك تغالطين نفسك.‏

-لا.‏

- قسماً بمقْطَفة(2) والدي...‏

واهتزت أرض الغرفة الخشبيّة من هذا القسم. وصرخت الخادم نانون:‏

- يا إلهي، أيها القديس الصالح، لقد شَحُبَ لون سيّدتي.‏

وقالت المرأة المسكينة:‏

- يا غرانديه إن غضبك سوف يميتني.‏

- لا؛ لن تموتوا وأنتم في هذه العائلة...، قولي أوجيني: ماذا فعلت بقطعك الذهبيّة؟ قالها وهو يصرخ في وجهها.‏

فأجابت الفتاة، وهي جاثية عند ركبتي والدتها:‏

- سيدي، إن والدتي تتألم كثيراً. انظرْ، لاتقتلها!‏

وذعر غرانديه لما علا بشرة زوجته من شحوب واصفرار لم يشاهد مثله قبل الآن. وقالت المرأة بصوت ضعيف:‏

- نانون، ساعديني على الاستلقاء، إنني أموت...!‏

مدّت نانون ذراعها لسيدتها وكذا فعلت أوجيني ولم تستطيعا الصعود بها إلى غرفتها إلاّ بشق الأنفس، لأنها كانت تسقط من الإعياء من درجة إلى أخرى. وبقي غرانديه وحيداً؛ إلا أنه بعد لحظات صعد سبع أو ثماني درجات وصاح:‏

- أوجيني؛ إذا رقدت أمك فانزلي!‏

- نعم يا أبي.‏

ولم تتأخر عن المجيء فور اطمئنانها على والدتها. فقال غرانديه:‏

- يابنتي، ستقولين لي: أين كنزُكِ؟‏

- يا أبي، إن كنت قد أعطيتني مالاً لستُ أهلاً للتصرف به فاستعده.‏

قالتها بكلّ برودة، وهي تبحث عن دينارٍ نابليونيّ كانت وضعته على المدفأة، ثم قدمته إليه.‏

وسرعان ما تلقّفه ودسّه في جيب صُدرته.‏

- أعتقد أني لن أعطيك شيئاً بعد الآن. وليس هذا فحسب، بل لن أطعمك؛ قالها وهو يقرع سنّه بظفر إبهامه). إنك تحتقرين والدك، وليس لك به ثقة، أنتِ لا تعرفين ماذا يعني الوالد. إن لم يكن والدك كل شيءٍ عندك فهو ليس شيئاً البتّة. قولي: أين ذهبُك؟‏

- يا أبي، إني أحبك واحترمك على الرغم من غضبك ولكني أريد أن أذكّرك أني في الثانية والعشرين من عمري، ولطالما قلت لي: لقد صرت كبيرة-ولقد تصرّفت بنقودي كما يحلولي. وثِقْ أني وضعتها في مكانها المناسب.‏

- أين؟‏

- هذا سرُّ لا أبوح به، أليس لكَ أسرار؟‏

- ألستُ سيّد هذه الأسرة، ألا أستطيع أن أمارس شؤوني؟‏

- إنه أيضاً من شأني.‏

- لا بد أن يكون شأنك هذا أمراً سيّئاً حتى تخفيه عن والدك يا آنسة غرانديه!‏

- بل إنه أمرٌ نبيل. ومع ذلك لا أستطيع البوح به لوالدي.‏

- على الأقل، قولي لي، متى أعطيت ذهبك؟‏

أشارت أوجيني برأسها إشارة الرفض)‏

- هل كان لا يزال معكِ يوم عيد ميلادك؟‏

ولما كانت أوجيني محرجة بسبب القسم، بقدر ما كان والدها ملحاحاً بدافع البخل فقد أعادت برأسها إشارة الرفض نفسها.‏

- لم أر في حياتي مثل هذا العناد، ولا مثل هذه السّرقة. ثم أردفَ وهو يرفع صوته فترتج أنحاء البيت)‏

- هنا، وفي بيتي، أخذ أحدهم ذهبك، الذهب الوحيد في البيت، ثم لا أعرف من هو؟ إن الذهب شيءٌ نفيس. إنّ أشرف الفتيات قد يقترفن أخطاءً ويسلّمن مالا أريد أن أذكره... هذا يجري عند الأكابر والبورجوازيين على السّواء... ولكنْ أن تعطي ذهبك! لقد أعطيته لشخصٍ ما أليس كذلك؟‏

وأوجيني صامدة لاتجيب.‏

- لم أرَ مثل هذه البنت. هل أنا أبوك؟ إذا كنتِ قد أودعته فلا بدّ أنك تتقاضين عنه ربحاً...‏

- هل كنت حرّةً في أن أفعل بمالي ما يبدو لي حسناً؟ هل هذا من حقي؟‏

قل: نعم أو لا.‏

- ولكنكِ ما زلت صغيرة.‏

- بل كبيرة...‏

ولما أُفحم بمنطق ابنته، شحب لونه، وضرب الأرض بقدمه وأقسم، ثم صرخ:‏

- ملعونة أنتِ أيتها البنت الأفعى. يالك من قسمةٍ سيّئة. إنك تعلمين أني أحبّك وتسيئين استغلال هذا الحب.. إنها تذبح أباها. باللّه هل ألقيت ثروتنا تحت أقدام ذلك الحافي الذي ينتعل خفّين مغربيين؟ قسماً بمقطفة والدي؛ لا أستطيع أن أحرمك من الإرث ولا من برميلٍ واحد؛ ولكني ألعنك أنتِ وابن عمك وأولادك... ولن تلقيْ خيراً من جرّاء ذلك. هل سمعتِ؟ إذا كان شارل هو الذي... ولكن، لا، هذا مستحيل؛ أيكون هذا المتأنق الخبيث قد نهبني؟؟‏

ثم نظر إلى ابنته وهي لا تزال صامتة باردة، وقال:‏

- إنها لا تتحرك، ولا يرفّ لها جفن، وكأنما هي غرانديه، ولست أنا. إنكِ لم تعطي ذهبك مجاناً على الأقلّ. هيّا، قولي!‏

ولكن أوجيني ترشق أباها بنظراتٍ ساخرة فتثير غضبه‏

- أوجيني إنك في بيتي، عند والدك، وإذا شئت البقاء هنا فيجب أن تطيعي أوامره، الكهنة يأمرونك بذلك.‏

طأطأت أوجيني رأسها.‏

- إنك تهاجمينني في أعزّ ما لدي؛ لا أريد إلاّ أن أراك خاضعة، اغربي إلى غرفتك، وابقي فيها حتى أسمح لك بمغادرتها. وستحمل إليك نانون الخبز والماء. هل فهمتِ؟. هيّا..!‏

ستندال H. B Standhal - 1783-1842‏

هنري ستندال كاتبٌ واقعيّ، جاء في أوج الرومانسية وقمَّة نشوتها، لكنه رفضها رفضاً قاطعاً؛ ولذلك لم يلتفت الناس إليه كثيراً، وقد تنبأ هو بأن طريقته لن تفهم قبل عام 1880.‏

بدأ حياته في السلك العسكري، ثم اندمج في العالم الأدبي وشغف بايطاليا وأوساطها الثقافية. ثم استقرّ في باريس، وارتاد الصالونات الأدبيّة، وأجال عينيه فيما حوله، وملأ ذاكرته بما رأى وسمع. وقد أسعفته ملاحظته الدقيقة النافذة في تصوير العالمين الداخلي والخارجيّ. واقعيّته نفسيَّةٌ قبل كل شيء، تبحث عن الأسرار والبواعث وتحلل الأمور تحليلاً ذكيّاً، يقول فيه الناقد تين: "لقد علّمنا ستندال كيف نفتح أعيننا وننظر"‏

كتب ستندال في التاريخ والجغرافيا والتراجم. ثم ألف كتابه "الحب" بالطريقة النفسيّة. وكتاب "راسين وشكسبير" بالطريقة النقدية. وأصدر أولى رواياته "الأحمر والأسود" عام 1831. وقد رمز بالأحمر إلى الثورة والصراع لأجل الحريّة. وبالأسود إلى الكنيسة التي سخر منها كما سخر من الوصوليين التافهين. وفي عام 1839كتب روايته "دير بارم"‏

يعدّ ستندال أحد أساتذة الفكر في عصره، بسبب نفوذه إلى أعماق النفس البشرية ووضعها في أدق لويناتها، وحبّه للقوة، وأسلوبه الشفاف. وكان له تأثير واضح في بعض النقاد مثل تين وبعض الروائيين مثل بول بورجيه.‏

إيميل زولا Emile zola - 1840-1902‏

هو من أبرز ممثلي المذهب الطبيعي في الأدب. نشأ في باريس وكان منذ يفاعه صديقاً للفنان سيزان ومعجباً متحمساً بأعمال هوغو وموسيّه عاش حياة فاقة اضطرته إلى العمل في سن مبكرة موظفاً في الجمارك ثم عاملاً في الطباعة والنشر مما أتاح له معرفة كثير من الأدباء وخبرة عملية في أمور الطباعة والنشر. ثم عمل في الصحافة، ودافع في مقالاته عن الفنانين رينوار ومونيه وبيسّارو، كما دافع عن بلزاك وأثنى على الأخوين غونكور. ثم كون حوله جماعة من الأدباء مثل تورغينيف وفلوبير وغونكور ودوديه وهو يسمّان وموباسّان وكلهم من الواقعيين والطبيعيين.‏

درس نظريات الفيلسوف تين في العلم الوصفي ونظرية الوراثة الطبيعية فأدخلها في الرواية وتعقب دورها في أفراد عائلة روغون ماكار وغيرها عبر الأجيال. وكتب روايات كثيرة مثل: معدة باريس سوق الهال) وغلطة الأب موريه وأوجين روغون والحانة وهي حول حياة العمال وإدمانهم الخمرة) وصفحة حب، ونانا، وأمسيات ميدان Médan وسعادة السيدات، وفرح الحياة، وجيرمنال وهي حول عمال المناجم) والأرض حول حياة الفلاحين) والحلم، والوحش البشري، والمال، والانهيار، ودكتور باسكال، والمدن الثلاث روما- لندن- باريس).. الخ وفي عام 1898 دافع عن الضابط اليهودي دريفوس الذي اتهم بالخيانة دفاعاً قوياً في الصحافة. وبعد أن أدين وسجن وغُرِّمَ عادت المحكمة فبرّأته فكان ذلك انتصاراً لزولا شبيهاً بانتصار فولتير الذي دافع عن كالاس(3) وهوغو الذي دافع عن البؤساء ومن الطريف أن جثمانه نقل إلى البانتيون عام 1908 ليدفن إلى جانب هذين الأديبين العظيمين. كان زولا أميناً في تصوير الحياة الواقعية وصعود البورجوازية الفرنسية في أثناء الامبراطورية الثانية وكتب عن الحياة التجارية والمنافسة والمال والأعمال الحرة وهاجم الكاثوليكية ووضع العلم بديلاً عنها، وكان يقحم قناعاته في رواياته، بخلاف بلزاك وفلوبير الحياديين. وكان أقرب منهما إلى الرومانسية. وهو يعرّف الفنّ بأنه "الطبيعة من خلال مزاج". وهو ذو منهج علميّ طبيعيّ تنعشه موهبة فذة وروح شاعريّة. وقد أخذ عليه الكلام الهابط المكشوف والأوصاف الجنسيّة.‏

الوحش الحديديّ والوحش البَشَري(4)

... "أثارت أفكارها صورة هذه الحشود من الناس التي تقلُّها عربات القطار يومياً مارةً من أمامها وسط السكون الكبير المخيّم على عزلتها، فحدَّقت إلى الخطّ الحديديّ الذي بدأ الليل يهبط عليه... إنها لم تكن لتفكر في هذه الأمور عندما كانت تملك كامل قوَّتها فيما مضى من الزمن غاديةً رائحة أمام الحاجز، حاملة رايتها بقبضة يدها؛ ولكن رأسها بدأ يزدحم بالأحلام المشوَّشة منذ أن أصبحت مجبرةً على المكوث أياماً بطولها فوق مقعدها، ولم يبق لديها شيء تفكر فيه سوى صراعها الأخرس مع زوجها؛ وكان يتراءى لها أنه من دواعي السخرية أن تعيش حياتها ضائعة في هذه الصحراء دون أن يكون إلى جانبها مخلوقٌ حيٌّ تبثة شجونها في حين كانت تمرّ أمامها ليل نهار مواكب من الرجال والنساء دون انقطاع في غمرة دويّ القطر التي تهزّ أركان البيت ثم تولي مطلقةً عنان بخارها. ومن المؤكد أن سكان الأرض قاطبةً يمرون أمامها لا الفرنسيون وحدهم بل الأجانب أيضاً، ولا شكّ أنّ هناك أيضاً أناساً قادمين من أقصى البلدان؛ لأن الناس -لاشكَّ- لم يعودوا يرضون بالبقاء في أمكنتهم ما دامت الشعوب -كما يقال- سوف تصبح جميعاً أمةً واحدة. وعندما يمرّ جميع الناس وقد تآخوا وتواكبوا، متجهين نحو بلدٍ ممتلئٍ بالخيرات فإن هذا هو التقدم بعينه...‏

آه، ياله من اختراع! إن الناس يتحركون بسرعة وقد أصبحوا أكثر علماً من ذي قبل، ولكن الحيوانات المتوحّشة ستظلّ متوحشة ولو توصلت إلى مخترعاتٍ أكثر دقّةٍ. ولسوف تبقى هنالك بعض الحيوانات المتوحّشة.‏

... كان القطار في تلك اللحظة يمرُقُ في عنفٍ يشبه عصف الريح العاتية كأنه يكتسح كل شيءٍ في طريقه، فاهتز المنزل إذ أحاطت به زوبعة من الريح العاصفة. كان ذلك القطار المتَّجه إلى الهافر مثقلاً جداً؛ لأن احتفالاً بإنجاز سفينةٍ أنجز صنعها سيجري يوم الغد، وعلى الرغم من سرعته الشديدة فقد أمكنت رؤية مقاصيره المزدحمة بالمسافرين عبر نوافذه المضيئة حيث تتابعت صفوف الرؤوس المتراصّة، تشاهد ثم تختفي...!‏

يا للحشد الذي لا ينتهي..! وفي غمرة تتابع العربات وصفير القاطرات ونقرات اللاسلكي ورنين الأجراس كان القطار شبيهاً بجسمٍ عملاقٍ مُضْجعٍ فوق الأرض، رأسه في باريس وفقراته على طول الخط الحديدي وأطرافه تمتدّ مع تشّعبات الخط؛ فأيديه وأرجله في الهافر وفي سائر المدن التي يصل إليها. ومرّ، ومرّ.. آلةً قهارةً تندفع نحو المستقبل بثقةٍ آلية، في قلب الغباوة الإرادية المتأصلة فيما بقي من الإنسان المختبئ على جانبي هذه الآلة، محتفظاً من الحياة بالرغبة الأبديّة والجريمة السرمدية"‏

موباسّان Guy de Maupassant - 1850-1893‏

نشأ في إقليم نورماندي وانطبعت في ذهنه صور البحر والريف الجميل. وتلقى في طفولة العلوم الدينيّة ثم أكمل دراسة في كلية روان. واشترك في حرب 1870 في سلك الحرس السيّار. ثم سكن باريس موظفاً في وزارة الحربية وما لبث أن تركها ليعمل في وزارة المعارف. وكان من خلال هذه الوظائف يتأمل الناس ويدرس طباعهم ونماذجهم. ارتاد الصالونات الأدبية الباريسية وقام برحلات عديدة داخل فرنسا وخارجها فزار كورسيكا والجزائر وإيطاليا وتركت هذه الرحلات آثارها في قصصه.‏

شرع في كتابة أولى تجاربه بإشرافٍ وتوجيه من الكاتب فلوبير صديق أمّه، وتأثر برواية مدام بوفاري ونظم الشعر وكتب تجارب مسرحيّه ثم انصرف إلى القصة القصيرة، ومن أشهر مجموعاته فيها "كرة السُّخام" ثم كتب روايات طويلة أبرزها "حياة صاخبة" و "الصديق الجميل" و "بيير وجان" و "قوي كالموت" و "قلبنا" وكتب عدداً من كتب الرحلات مثل "في الشمس" و "فوق الماء" و "الحياة الشاردة" تميزت رواياته وقصصه بطابع السخر والتشاؤم والعطف على البؤساء والمنكوبين. ولا شك أن حالته الصحيّة والنفسية انعكستْ على آثاره. وكان ينطلق من تصوير الواقع والبيئة دون الإيغال في التفصيلات. وأسلوبه هو الطيّع السهل، والمرن البسيط المصفّى من كل شائبة، وتبدو في رواياته، إلى جانب الواقعية الطبيعية ملامح رومانسية وكلاسيكية.‏

الخيانة الزوجيَّة‏

فاجأت البارونة الشابة "جان" زوجها الفيكونت جوليان في جرم الخيانة الزوجية مع خادمتها "روزالي" ولّما يزالا حديثي زواج وهي حاملٌ منه وتبينت أن الطفل الذي وضعته روزالي سفاحاً هو من زوجها الذي كان يخونها منذ مدة طويلة. فانهارت كل آمالها وسعادتها، وفي اجتماعٍ عائليٍ غاضب ضم الخائنين والزوجة ووالديها والطبيب والكاهن سنشاهد كيف سويّت هذه القضيّة. الكاهن يقول لروزالي:‏

"- إنّ ما أقدمت عليه يا بنيتي سيءٌ جداً. والله العزيز لن يغفر لك سريعاً، فكري بالجحيم الذي ينتظرك إذا لم تنتهجي بعد اليوم نهجاً مستقيماً. وأنتِ أمّ لطفل، فعليك السير على غير هذا السبيل، وسيدتي البارونة لن تتخلى عنكِ، وسنتكاتف لإيجاد زوجٍ لك...‏

وطال به الكلام وإزجاء النصح، وما فرغ حتى تناولها البارون روزالي من منكبيها وجرّها حتى الباب ثم دفع بها إلى الممّر كأنها غِرارة أو حطام.‏

وعاد الكاهن يقول إذ دخل البارون وقد فاق ابنته شحوباً:‏

- ماذا تريد؟ إن أغلب النساء في هذه المنطقة على هذه الشاكلة. ولكنْ ماذا بوسعنا أن نعمل؟ لابدّ للضعف البشريّ من بعض المداراة... وقلما تتزوج فتاة دون أن يسبق لها الحمل والوضع... حتى ليخيل للمرء أنها عادة متّبعة، هذه الخلة الذميمة! ثم أضاف بصوتٍ ينضح احتقاراً: وحتى الأطفال يفعلون مثل هذا...! ألم أعثر في السنة الماضية بين المقابر على طفلين من صف التعليم الدينيّ، صبي وبنت، وأخطرتُ أهلهما؟ أتدرون ما كان جوابهم؟. ماذا تريد يا سيدي الكاهن؟ لسنا من لقنهما هذه العادة القذرة. إننا لا نستطيع حيالهما شيئاً!‏

وهاهي خادمتك يا سيدي تسير على غرار الآخرين...!‏

بيد أن البارون قاطعه محتداً: هي؟ ماذا يهمني؟ لتذهب إلى الشيطان، إن جوليان هو الذي يصمنا بالعار؛ إن في عمله منتهى الصَّغار. لن أترك ابنتي لنذلٍ مثله...!‏

ثم نهض يذرع الغرفة ناثراً أقواله الناريّة:‏

- يا للحطّة، بهذا الشكل الفاضح يخدع ابنتي؛ إنه عاهر، إنه حقير، سافل، تعس، سأجبهه بهذه الصفات ، سأضربه، سأصفعه، سأميته تحت عصاي هذه..!‏

غير أن الكاهن الذي كان قد انصرف إلى عبّ التبغ شاء إتمام مهمته الإصلاحية فقال:‏

- أصغِ إليّ يا سيدي البارون؛ والكلام بيننا؛ لم يفعل صهرك إلاّ ما يفعله جميع الناس.. أو تعرف كثيراً من الأزواج المخلصين؟ وأضاف بطيبة خبيثة: - دعنا، إني أراهن أنك أنت الآخر مثلاً فعلت يوماً فعلته. ها أنا أرفع يدي وأحلفك بشرفك: أليس هذا صحيحاً؟‏

وتوقف البارون أمام الكاهن. فتابع هذا: أجل با بني، لقد فعلت كالآخرين، ومن يدري فقد تكون أنت الآخر، قد أغويت خادمة صغيرة كهذه. إن كل الناس يفعلون ذلك. وزوجتك؟ هل أثر ذلك على سعادتها أو حبها؟ كلا طبعاً.. أليس كذلك؟‏

كان البارون بالغ الاضطراب، فلم يبد حراكاً...‏

***‏

... وعاد الرجل الطيّب يقول وقد استمرّ في وقوفه قرب السرير مخاطباً جان)‏

- ينبغي أن تسامحي جهد طاقتك يا سيدتي، إنّه شقاء عظيم هذا الذي نزل ساحتك؛ إلا أنّ اللّه عوّض عليك آلامك كرماً منه وإحساناً فها أنت ستصبحين أمّاً، وسيكون لك بوليدك عزاءٌ وسلوى، وأنا، باسم العليّ القدير، أطلبُ إليك أن تغفري، أحلّفك أن تسامحي، أن تتناسي خطيئة السيد جوليان، سيشدكما بطفلكما المرتقب رباط لا تنفصم عراه، وسيكون منه لزوجك رادع عن الانغماس في الموبقات في آتيات الأيام. لا، لا يا سيدتي لن تستطيعي الانفصال عن علّة وجود هذا المخلوق المضطرب في أحشائك...)...‏

... وخلص أخيراً إلى القول:‏

- ستمنحين هذه البنيَّة حقل بارفيل) وسأهتم بإيجاد زوج لها يكون فقيراً.. آه، ومع بائنةٍ تبلغ عشرين ألفاً من الفرنكات لا نعدم هاوياً..."‏

من حياة صاخبة) لموباسَّان‏

تعريب ابراهيم الحلو،‏

مع حذف بعض المقاطع.‏

هويسمان J. K. Huysmans - 1848-1907‏

جوريس كارل هويسْمان روائيٌ مشتهر، من أصحاب المذهب الطبيعي. عاش في باريس حياة عادية تخللّتها بعض رحلات إلى الأقطار الأوربية. رُزق حسّاً مرهفاً وملاحظةً نفاذة، وشغف بالأدب والفنّ، واهتمّ بمحيط العامّة والرعاع والأمور اليوميّة العاديّة. دخل عالم الصحافة وعاشر أمثال بول بورجيه وفرنسوا كوبيه وسيزان والأخوين غونكور وموباسّان وزولا. وكتب رواياتٍ واقعية عديدة عالج فيها الانحراف وبؤس الطفولة ومشكلات الحياة الزوجية.. وتلقى في قصصه ملامح من فلوبير وزولا والأخوين غونكور.‏

ألف في النقد الفنّي الفن الحديث) ممهداً الطريق إلى الانطباعية. وفي آخر حياته مال إلى التصوّف والتديّن والاعتزال والسّحر لكنه احتفظ من الطبيعيّة بالنزعة العلمية والتوثيق والتفصيلات الدقيقة وطعمّ هذه النزعة بنفسٍ روحانيٍ متحمّس يذكرنا بشاتوبريان و عبقرية المسيحية).‏

ما المذهب الطبيعيّ؟(5)

ج. ك. هويسْمان 1876)‏

"للمجتمع وجهان، نحن نبرزهما معاً، مستفيدين من كلّ الألوان، وعلى الرغم من كل ما قيل نحن لا نفضّل الرذيلة على الفضيلة، ولا التهتّك على الاحتشام. ونحن نصفّق للرواية السليطة اللاذعة والرواية الحلوة اللطيفة على حدّ سواء؛ ما دامت كلٌّ منهما مشاهدةً ومعيشة.‏

لا، لسنا منحازين؛ نحن نعتقد أن الكاتب يجب أن يكون ابن زمانه، إننا فنانون متعطشون إلى الحداثة، ونريد أن ندفن رواية الرداء والسيف(6) ... إننا نذهب إلى الشارع الحيّ المكتظّ بالناس، ونذهب إلى غرف الفنادق كما نذهب إلى القصور، وإلى الأماكن الغامضة كما إلى الغابات التي تعصف فيها الرياح. لا نريد أن نصنع كالرومانسيين دُمىً وهميةً أجمل من الطبيعة... نريد أن نصنع بشراً من لحمٍ وعظم، يتكلمون اللّغة التي لُقّنوها، كائناتٍ تضطربُ وتعيش، نفسّر الأهواء التي تقود سلوكهم، ونعرضهم وهم ينمون رويداً رويداً وينطفئون مع مرور الزمن. نريد أن نجعلهم -رجالاً أو نساءً- موضوعاتٍ للدراسة يتصرفون في بيئة خاضعةٍ للملاحظة بكلّ تفصيلاتها الدقيقة. ورواياتنا لا تنتهي دوماً -كما جرت العادة- بالزواج أو الموت، ولا تتضمّن أيّة أطروحة. إنّ الرواية ليست منبراً للوعظ، ويجب على الفنان أن يحترسس من تلك الجعجعات الفارغة احتراسه من الطاعون. إن الأدب حتى الآن، لا يهتمّ إلاّ بالأحوال الاستثنائية: فالحب مثلاً عند الروائيين والشعراء هو الحب القاتل الذي يؤدي إلى الانتحار أو الجنون. لقد غدا مثل هذا الحب الآن حالة غريبة؛ ولا مانع من أن تلاحظ وتعرض ما دامت واقعية! ولكني لا أقبل مطلقاً أن تهمل الحياة التي نعيشها كلّنا تقريباً، وألاّ تكون موضوعاً لعملٍ أدبي لكونها لاتحتوي على انفعالاتٍ شديدة، وتخلو من المواقف المتوترة. وأجد من العبث إنعاش الرواية بين الفينة والأخرى بطعنة سكينٍ أو تجرّع سُمٍّ أو شكوى من القدر أو بعظمةٍ فائقة ترد في صفحات كتاب دون أن يكون لها وجود حقيقي في الواقع. إن مثل ذلك كمثل رجل طالما تألّم وشكا من حبّ امرأةٍ ثم تزوج أخرى غير آسف، وسرعان ما غدا بطيناً(7) . إن مثل هذا الرجل يبدو لي أكثر إمتاعاً وأجدر بالإخراج من شخصية فيرتر(8) ذلك المعتوه الذي ما فتئ يتغنّى بأشعار أوسيان(9) Ossian حين يكون فرحاً، ويقتل نفسه لأجل شارلوت حينما يكون حزيناً..."‏

غوستاف فلوبير G.Flaubert - 1821-1880‏

كان فلوبير ابن طبيب جّراح، ورث عنه الروح العلمي والتحليل الهادئ للحالات النفسية. قام برحلاتٍ كثيرة زار فيها اليونان وسورية ومصر وفلسطين والبيرنه وكورسيكا ومالطه وانجلترا، وشغف بجمال الطبيعة وروعة الآثار، وراقب أحوال المجتمع، وانتقد الطبقة البورجوازية فصوّر سطحيتها ودنّو مطالبها وسقوط همتها. ويعدّ من أبرز الكتاب الواقعيين. وقد أثارت رواية "مدام بوفاري" ضجة كبيرة في عالم الأدب والنقد، إذا تلقاها بعضهم بالرضا وصبّ عليها آخرون سياط الغضب. وقد أَلَّفها ونشرها بين عامي 1829- 1840. وهي تدور حول حياة وحب امرأة عاطفية غامضة لا تتورع مع سأمها من ارتكاب الخيانة الزوجية، وتنتهي حياتها بالانتحار. وتتميزهذه الرواية بالواقعية الدقيقة في وصف الأشخاص والطباع والبيئة والمظاهر الاجتماية. وألف فلوبير رواية أخرى من وحي الشرق هي سالامبو) 1862إلا أنها أقرب إلى الرومانسية التاريخية. وتدور حول حب بين ماتو الليبي وسالامبو ابنة هاميلكار القرطاجي. وله رواية ثالثة كتبها عام 1862 هي التربية العاطفية) وهي تتميز بالملاحظة الواقعية الدقيقة والنافذة للأخلاق البورجوازية والارستوقراطية وقد اختار أبطالها من الأشخاص العاديين بحماقاتهم الصغيرة.‏

تمتاز واقعيته بحياد الكاتب واختفاء شخصيته وقد كتب: "يجب أن يتصرف الكاتب بحيث يشعر الأجيال القادمة أنه لم يكن موجوداً قط..."‏

الدّين والمسرح(10)

"... نصح الصيدليّ شارل بأن يتيح لزوجته شيئاً من الترويح يسليها كأن يصحبها إلى المسرح في روان ليسمعا المغنّي الشهير لاغاردي). ودهش لصمت القسّ فأراد أن يعرف رأيه، فقال القسّ إنه يرى الموسيقا أقلَّ خطراً على الأخلاق من الأدب، غير أن الصيدلي انبرى يدافع عن الأدب، فقال: إن المسرح يعمل لمحاربة الخرافات والأباطيل ويدعو إلى الفضيلة تحت ستار من اللهو... إنه يقوّم العادات عن طريق الضحك يا سيّد بورنيسيان! ألا تتأمّل الدور الجليل الذي لعبته مسرحيات فولتير؟... لقد رُصّعتْ بالأفكار الفلسفية ببراعة مما جعلها مدرسة يتلقى فيها الشعب الأخلاق والديبلوماسيّة...‏

فقال بينيه: لقد شهدت مرة مسرحيةً كان اسمها "فتى باريس" ترى فيها شخصية ضابط كبير مسنّ يضرب ضرباً مبرحاً إذ يتشاجر مع شاب أغوى عاملةً أقدمت في النهاية... فقاطعه هوميه قائلاً: من المؤكد أن ثمة أدباً سيئاً كما أن هنالك صيدلية سيئة؛ ولكني أرى أن اتهام أهم الفنون الجميلة بالإفساد بلاهة وتعصب أعمى يليق بذلك العصر البغيض الذي قضي فيه على "غاليله" بالسجن...! فقال القسّ معارضاً: إنني أعرف أن هنالك مؤلفات طيبة ومؤلفين صالحين ولكنْ، لو أن الأمر اقتصر على تلك الشخصيات من الجنسين المختلفين تجتمع في غرفة فاتنة مزينة بأسباب الترف الدنيوية وتلك الأصوات الناعمة، فإن كل هذا لا بد أن يؤدي على طول الزمن إلى شيءٍ من الفجور الذهني، ويثير أفكاراً بعيدة عن الحشمة وإغراءات غير طاهرة.. هذه على كل حال فكرة رجال الدين جميعاً...‏

وإذا كانت الكنيسة تستنكر المسرح فلا بدّ أن لديها ما يبرّر ذلك، وعلينا أن نرضخ لأوامرها!.‏

فتساءل الصيدلي: ولماذا تقضي الكنيسة على الممثلين بالحرمان في حين أنهم كانوا فيما مضى يساهمون جهراً في الطقوس الدينية؟ أجلْ، إنهم كانوا يقدمون في قلب المحراب أنواعاً من التهريج أسموها أسراراً وكانت قوانين الحشمة والحياء كثيراً ما تنتهك فيها... واكتفى رجل الدين بأن بعث أنيناً خافتاً، بينما مضى الصيدليّ يقول: كذلك الحال في التوراة؛ فهناك كما تعلم أكثر من رواية شائكة عن أشياء في الواقع خليعة. وإذ صدرت عن الأب حركةٌ منفعلة قال الصيدلي: إنك لا بد أن تقرّ بأنه كتاب ينبغي ألاّ يوضع يدي فتاة صغيرة... فصاح الآخر وقد نفذ صبره: ولكن البروتستانت، لا نحن، هم الذين يفرضون التوراة...!‏

فقال هوميه: هذا لا يهمّ.. إنني لأدهش إذ أرى في أيامنا هذه، في عصر النور من لا يزال يصرّ على أن يلعن - دون تبصّر- وسيلةً من وسائل الترويح الذهني لا ضرر منها... أليس كذلك يا دكتور؟ .... ولاح أن النقاش أوشك أن ينتهي فراق للصيدلي أن يطلق سهماً أخيراً فقال: إنني لأعرف قساوسة يرتدون الثياب العادية ليسعوا إلى رؤية الراقصات وهن يحركن سيقانهنّ! فقال القسّ: كفى.. كفى.. ولبث قليلاً ثم انصرف..."‏

من "مدام بوفاري"‏

ترجمة ونشر دار عويدات - بيروت‏

مُغْفَل المترجم‏

مكسيم غوركي Maxime Gorki - 1868-1936‏

روائي ومسرحي روسيّ، نشأ في عهد القيصرية حين كانت الثورة تختمر في أوساط الشعب. وذاق مرارة الفقر واليتم وقام بأعمال كثيرة شاقة وفي ظروف سيئة ليكسب لقمة العيش، وتفاعل مع الجماهير وشارك في ثورة عام 1905 وأفاد من فشلها واستوعب النظرية البلشفية فتغير أسلوبه جذرياً.‏

بدأ بكتابة القصة القصيرة مقتفياً آثار الكتاب الأوربيين ولكن على طريقته الخاصة ثم عكف على كتابة الرواية فكتب "مواطنون مأفونون" و "ذكريات من طفولتي" و "ذكريات من شبابي" و "حياتي" و "الأعماق السفليّة" و "المشردون" و "الأم" وكثيراً من المقالات والمسرحيات.‏

تميّز غوركي بأدبه السّهل والجذاب الذي يعبر عن تجاربه الشخصية وعن التطور الثوري الاجتماعي، وأصبح كاتب الثورة البلشفية والواقعية الاشتراكية التي تسعى إلى تصوير الواقع المرير وتناقضاته ونقائصه لتنطلق إلى النضال في سبيل عالم جديد يقود الإنسان إلى العدالة والمساواة والأخوة والسلام. ويعتبر غوركي من أئمة المذهب الواقعي الاشتراكي وقد ترك تأثيراً كبيراً في أدباء عصره ومن جاؤوا بعده..‏

رسالة المناضلين‏

من قصّة "الأم"‏

كانت بيلاجي امرأة ساذجة لا علم لها بالأمور الثوريّة، ولكن حبّها لابنها بول بافل) الفتى المناضل وثقتها به واحتكاكها برفاقه الطيبين جعلها تتطور تدريجاً فتصبح امرأة مناضلة واعية. والنص الآتي يمثل آراءها الناضجة المستنيرة عقب محاكمة لمجموعة من المناضلين الثوريين من بينهم ولدها، والحكم عليهم بالنفي)‏

.." قالت ليوميلا:‏

- إنك سعيدة، وإنه لأمرٌ رائع أن تمشي أمٌّ وابنها جنباً إلى جنب. وهذا أمرٌ نادر..!‏

وصاحت بيلاجي دهشةً:‏

- أجل، إنه لجميل... وأردفت وهي تخفض صوتها وكأنها تبوح بسرّ: إنكم جميعاً، أنت ونيقولا وكل أولئك الذين يعملون من أجل الحقيقة تسيرون جنباً إلى جنب. لقد أصبح الناس دفعةً واحدة أقرباء أعزاء. وإني لأفهمهم جميعاً. صحيح أني لا أفهم ما يقولون... ولكني أفهم الباقي كله...أفهمه.‏

قالت ليوميلا:‏

- نعم... إنه كذلك.‏

وألقت الأم يدها على كتفيها، وضغطت بلينٍ ثم تابعت بصوتٍ كالغمغمة، وكأنها تصغي إلى أفكارها هي نفسها.‏

- إن الأبناء يتقدمون في الدنيا، هذا ما أُدركه، إنهم يتقدمون في الأرض كلها، وفي كل مكان، نحو هدفٍ احد. إنَّ أنقى القلوب والعقول الشريفة تزحف بإصرار ضدَّ كل ما هو سيءّ وتسحق الدَّجل بخطواتها الصمدة. والشبان الأصحّاء يوجهون قواهم التي لا تقهر في سبيل غاية واحدة، هي تحقيق العدالة، إنهم يسيرون نحو الانتصار على عذاب الناس، ويمتشقون السلاح ليقضوا على شقاء الكون، ويناضلون ليقهروا الخسّة، وسينتصرون.‏

لقد قال لي أحدهم: "إننا سنشكل شمساً جديدة" وسيشعلون هذه الشمس وقال: "وسنجمع القلوب المحطمة كلها في قلب واحد" وسيجمعون تلك القلوب المحطمة كلها.. في واحد.‏

وعادت إلى ذاكرتها كلمات من صلواتٍ منسيّة فأذكت إيمانها الجديد الذي كان ينبعث من صدرها كالشّرر. وتابعت قائلة:‏

- إن أبناءنا الذين يسيرون في سبيل العدالة والعقل يحملون حبّهم إلى الأشياء كلها ويرشقون الضياء على كل شيء، ضياء نارٍ لا يمكن أن تخبو، نار تنبع من أعماق النفس، ومن هذا الحب الملتهب، حب أبنائنا للعالم كلّه تولد حياة جديدة، فمن يستطيع أن يطفئ هذا الحب؟ وهل هناك قوة مهما عظمت تستطيع أن تقهره. إن الأرض هي التي أنبتته؛ والحياة كلها تريد له أن ينتصر...)‏

الأمّ- المكتبة الثقافيّة- بيروت)‏

مغفل المترجم‏

مايا كوفسكي - 1839-1931‏

ولد في جورجيا، ونشأ نشأة اشتراكية ثورية "فتوحّد الشعر والثورة في رأسه" كما يقول عن نفسه. وفي عام 1906 انتقلت أسرته إلى موسكو، وهناك تثقف بمؤلفات ماركس وأنجلز ولينين، وانتسب إلى الحزب البلشفي السّريّ، وقبض عليه بسبب نشاطه وأودع السجن لأول مرة ولما يزل في الخامسة عشرة من عمره؛ ثم سجن مرة أخرى عام 1909. وكتب أولى قصائده عام 1912. عمل في الصّحافة كاتباً مناضلاً ذا حسٍّ ثوري ونفسٍ إنسانيّ أمميّ يناهض البورجوازية والرأسمالية والفكر الغيبي والحرب ومشعليها وتجارها، ويعبّر عن هموم الوطن والإنسان. أحب تيروليه شقيقة إلزا عشيقة الشاعر الفرنسي اليساريّ آراغون.‏

اتّسم شعره بالألم والتمزّق والغربة مع التفاؤل والإيمان بالمستقبل الزاهر لبني الإنسان. وعلى الرغم من إدانته الرمزيّة بسبب شكلَّيتها وانعطافها نحو الذات استفاد من الرمز الباعث للصور والتداعيات؛ وطوّر الواقعية الشعرية إلى الاشتراكية ثم طعّمها بالرؤية المستقبلية كرديف فنّي للثورة. والمستقبلية ترمي إلى تفجير الطاقات الثائرة بوتيرة سريعة. ولم يهمل اللغة التراثية والصور القديمة. لكن أعاد توظيفها بعد تطويرها وكسر الرتابة الموسيقيّة.‏

وقد أصبح لماياكوفسكي تأثير بالغٌ في عالم الأدب.‏

له عدة مسرحيات ولقاءات شعرية ومحاضرات ومقالات. وقد سخّر كل شيء في سبيل المجتمع الاشتراكي، وإذا وجد في شعره هبوط إلى النثرية العاديّة الموزونة ونصائح خطابيّة بعيدة عن الفن، فمعظم شعره من النوع التوجيهي الفنّي المبدع.‏

أمرٌ إلى جيش الفن مختارات)‏

...يثرثر فصيل العجائز،‏

ويعاود ذاته مرةً إثر أخرى‏

أيّها الرفاق،‏

إلى المتاريس،‏

متاريس القلوب والأرواح.‏

الشيوعي الحقيقي هو الذي يحرق جسر العودة.‏

المستقبليون يتقدمون بما فيه الكفاية.‏

وعمّا قريب يقفزون...‏

------‏

احشدوا الأصوات صوتاً بعد صوتٍ‏

إلى الأمام مغنين ومصفّرين‏

ما زال لدينا حروف جميلة...‏

انقلوا البيانو إلى الشارع‏

واقذفوا بالطبل من النافذة،‏

المهمّ أن يهدر رعدٌ وقصف،‏

حتى ولو مزقتم الطبل وهشمتم البيانو...‏

---------‏

ما هذا؟ تجهدون في المصانع،‏

حتى تتلطخ سحناتكم بالسُّخام‏

وترمق أجفانكم بعيون بومٍ‏

بذخ الآخرين؟؟...!‏

----------‏

امسح عن قلبك كل قديم،‏

فالشوارع ريشاتنا،‏

والساحات لوحاتنا‏

إلى الشوارع أيّها المستقبليون‏

والطبالون والشعراء...!!!‏

الترجمة باختصار مع القصيدة‏

من كتاب "الشعر السوفييتي الروسي"‏

للدكتور أيمن أبو الشعر)‏

(1) ترجمة المؤلف من كتاب: Les Grands Ecrivains de France ص 1354‏

(2) المقطفة أداة تشبه منجلاً صغيراً لقطع الخشب.‏

(3) اتهم بقتل ابنه بالسمّ لأسباب دينيّة وحكم عليه بالموت على دولاب العذاب 1792 ودافع عنه فولتير دفاعاً مجيداً، ثم ظهرت براءته عام 1795 بعد موته.‏

(4) من رواية الوحش البشري لزولا ترجمة ونشر دار الروائع.‏

(5) ترجمة المؤلف عن كتاب Les Grands Ecri vains de France ص 1702‏

(6) اشارة إلى روايات المغامرات والمبارزات التي اشتهر بها الكسندر دوماس الأب.‏

(7) هذا من سمات البورجوازيين.‏

(8) بطل غوته المغرم بشارلوت.‏

(9) شاعر إيكوسي من شعراء القرن الثالث الميلادي. اشتهر بأشعاره العاطفية‏

(10) الحوار في أثناء جلسه على مائدةٍ بين شارل بوفاري والصيدلي هوميه والقسّ بورنيسيان والصديق بينيه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244