النظرية الأدبية الحديثة والنقـد الأسطـوري - حنا عبود

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:45 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

مسوغات النظرية الأدبية الحديثة

النظرية الأدبية الحديثة، كأي نظرية، لا تتحدد بالأسئلة بل بالإجابة. والنظرية الأدبية الحديثة هي تلك التي قدمت إجابات جديدة عن أسئلة قديمة.‏

ولكن ألم نقل إن الإجابات تكون متنوعة، بل مختلفة أو متباينة في كثير من الأحيان؟ إذن هناك إجابات مختلفة قديماً وحديثاً، فلماذا هذه القسمة بين القديم والحديث، ما دامت الأسئلة واحدة؟ لماذا كل الإجابات المختلفة قبل هذا القرن تعتبر قديمة، بينما الإجابات المختلفة لهذا القرن تعتبر حديثة؟ أليس في هذا تناقض فاضح، أم أن المسألة هي مسألة زمنية صرفة ولا علاقة لها بالتفكير الأدبي، ما دام هذا التفكير يظل في إطار الاختلاف قديماً وحديثاً؟ بأي معنى مثلاً يعتبر أفلاطون أو أرسطوا وهوراس نقاداً قدامى بينما يعتبر ويليك وبروكس وفراى وريفاتير وبارت.. نقاداً محدثين، مع أن الاختلافات بين إجابات الفريق السابق هي أقل بكثير من الاختلافات بين إجابات الفريق اللاحق؟‏

إن النقاد يختلفون في موقفهم من هذه النقطة، إذ بينما يذهب فراى إلى رفض طرح القديم والحديث في النظرية الأدبية يذهب رولان بارت إلى أن النظرية الحديثة تختلف كل الاختلاف عن النظرية القديمة(25).‏

بأي معنى يحق لنا الحديث عن "نظرية حديثة" مع أن الأسئلة واحدة، والإجابات القديمة والحديثة في خلاف دائم؟‏

إن أهم مسوغات قيام "نظرية حديثة" يكمن في انتقال المجتمع الإنساني من الزراعة إلى الصناعة، وهذا يعني أن هناك انتقالاً من التأمل إلى التحليل، من غير أن يعني ذلك رفض وجود التحليل في التأمل، أو وجود التأمل في التحليل. فتأملات أفلاطون تفوق تحليلاته، وتحليلات أرسطو تفوق تأملاته، وكذلك فإن تأملات فراى تفوق تحليلاته، وتحليلات سوريو تفوق تأملاته. ولكن بشكل عام يظل الفكر الأدبي الحديث فكراً تحليلياً، ويظل الفكر الأدبي القديم فكراً تأملياً. فطبيعة الزراعة والعلاقات الاجتماعية القائمة داخل إطارها تميل إلى التأمل، بينما طبيعة الصناعة والعلاقات الاجتماعية القائمة داخل إطارها تميل إلى التحليل. إن تفكير فتجنشتاين لا يمكن أن يظهر ضمن العلاقات الزراعية، وتفكير أفلاطون لا يمكن أن يظهر ضمن العلاقات الصناعية. ومن هنا سوغنا لأنفسنا تقسيم الحداثة إلى حداثتين: الأولى زراعية والثانية صناعية(26).‏

وهذا لا يعني قطع الصلة بين النظريتين القديمة والحديثة. فهناك من يتبنى كثيراً من نظرات أرسطو الأدبية في النظرية الأدبية الحديثة مثل نورثروب فراى(27) وهناك من ينطلق منطلقاً جديداً مثل اتيان سوريو(28) ولكن الفكر الأدبي الحديث في مجموعه يميل كل الميل إلى التحليل، التحليل الذي يصل إلى الأجزاء، أصغر الأجزاء.‏

ولو نظرنا في الأسئلة التي تطرحها النظرية الأدبية للاحظنا أن أي سؤال مجاب عنه بطريقة تأملية على الأرجح في الإجابات القديمة، وبطريقة تحليلية على الأرجح في الإجابات الحديثة. وما أوجب هذين النوعين هو العلاقات الزراعية والعلاقات الصناعية.‏

لنأخذ مثلاً المستهلك "القارئ". لم تكن له تلك الأهمية التي يحظى بها في العصر الحديث. لم يكن أحد يتجاهله قديماً. ولكنه لم يكن خاضعاً للتحليل كما هو في النظرية الأدبية الحديثة، وعلى الأخص لدى بعض البنيويين من أمثال ريفاتير(29).‏

عندما وضع أرسطو أسس التراجيديا وأقامها على الخوف والشفقة كان يفكر في المشاهد أي المستهلك (القارئ). وهذه الأسس هي صلة الوصل بين المنتج (المؤلف) والمستهلك.‏

وهذه الصلة هي علاقات الانتاج في ميدان الأدب. وعلم الاقتصاد الأدبي لم يكن قديماً يعنى بهذه العلاقات كما يعنى بها اليوم علم الاقتصاد الأدبي الحديث الذى أولى هذه العلاقات أهمية كبيرة جداً، وحلل أطراف العلاقة بما لم يكن يخطر على بال أرسطوا أو غيره.‏

وقد حظي الفلز الأدبي (اللغة) بتحليل دقيق وصل إلى حد ملاحقة الفونيم، وقد حظيت السلعة بتحليل طال كل دقائقها وعلاقاتها(30).‏

ولكن من جهة أخرى جرى تهميش ما كان مركزياً في النظرية الأدبية القديمة التي كانت ترى في المنتج (المؤلف) الدعامة الأولى لظهور أي سلعة أدبية. إن المنتج في النظرية الأدبية الحديثة يعتبر عنصراً هامشياً جداً بالنسبة إلى النص، بل إنه يشكل عقبة في بعض الأحيان تحول دون الوصول إلى علاقات النص(31)، ولذلك فإن تحليل النصوص الأدبية إنما هو تحليل إجرائي يجب أن ينصرف عن سيرة المؤلف إلى علاقات النص ودلالاتها(32).‏

إننا نتحدث في العموميات، إذ ثمة نظريات حديثة ما تزال تولي المنتج أهمية لا بأس بها كالماركسية التي ترى المؤلف من منظار طبقي. ولكن خضعت الماركسية والفرويدية وغيرهما لعملية تحديث. فقد حاول ألتوسير تخليص الماركسية من البقايا القديمة، فكما أن السلعة في الاقتصاد أقوى من المنتج، وتتمرد عليه، فلماذا لا يكون النص، كسلعة منتجة، منتوجاً متمرداً هو الآخر على المنتج (المؤلف)؟(33).‏

وتأتي محاولة لاكان شبيهة بمحاولات ألتوسير. فقد أخضع الفرويدية لتحليل يستبعد الهامشي فيها. فهناك بنية نفسية أساسية قد تتجلى لدى هذا الشخص أو ذاك بدرجات متفاوتة، إلا أن هذا لا علاقة له بتحليلها. فكما أن ثمة وضعاً بشرياً، كذلك هناك وضع نفسي ثابت. وعلى هذا لا يجوز أن يخفي القناع (السلوك المتعمد) حقيقة الباطن، خزان الحقائق.‏

إن بنية العقدة واحدة، بيد أن تجلياتها متفاوتة لدى الأفراد. الأفراد يزولون وتبقى العقدة، تماماً مثلما يزول الكاتب ويبقى الكتاب. يبدو أننا منفعلون لا فاعلون(34).‏

والذي نظنه أن هندسة الوراثة كعلم مستحدث يلاحق دقائق الشيفرة الوراثية، لعبت دوراً كبيراً في توجيه الأبحاث الأدبية إلى التنقيب عن النسق الثابت، أو النظام الذي لا يتغير. ومن يدري فقد تنطلق الدراسات الأدبية في المستقبل من علم الوراثة بعد الثورة التي أحدثتها اكتشافات كريك وواطس في خمسينات هذا القرن. وقد بدأت تباشير هذه الدراسات بالظهور(35).‏

وبالمقابل فإن النزعة التحليلية في الميدان الأدبي مالت إلى شيء من المبالغة والشطط لدى بعضهم، إذ لم يقف الأمر عند حد إعلان "موت المؤلف"، كما أشرنا من قبل، بل تجاوز ذلك إلى حد إعلان "موت النص". فالنص الذي يوضع للدراسة يتلاشى لدى اخضاعه لعملية التناص. إنه نص وهمي لأنه في أجزائه ليس سوى مجموعة من آلاف النصوص السابقة. المؤلف الحقيقي لهذا النص هو تلك النصوص التي لا تكاد تعد، والتي منها ولد. وولادة هذا النص الوهمي إنما هي ولادة وهم من وهم، فالنصوص السابقة هي الأخرى مؤلفة من أجزاء أسهمت النصوص التي قبلها في ولادتها(36). وإذا كانت ولادة النص وهمية، فإنه يبقى هو سلعة حقيقية تسد حاجة إنسانية. وبهذه الطريقة نجد أن الوجود يخرج من اللاوجود، والشيء من اللاشيء، فهو أشبه بالحبل بلا دنس.‏

ونظن أن هذا الانجراف وراء المبالغة ليس مرده إلى النزعة التحليلية وحسب، بل أيضاً إلى تأثير وسائل الإعلام بطريقتها الادهاشية في العرض. فبعض المنظرين الأدبيين -وعلى الأخص في فرنسا -تأثروا بالإعلام في تحليلاتهم فتطرفوا في هذا العنصر وبالغوا في ذاك، فنقضوا المتفق عليه وتبنوا المختلف حوله، فقبلوا المنقوض ونقضوا المقبول، على قاعدة أن الحجر المهمل يصير رأس الزاوية.‏

بعضهم مال إلى التبسيط مثل أندريه جول، وبعضهم مال إلى التعقيد مثل اتيان سوريو الذي جعل الدراسات الأدبية أقرب إلى معادلات الرموز الفلكية. لقد حاول سوريو وضع قانون دقيق للأوضاع الدراماتيكية فانتهى إلى ما يلي:‏

=الأسد (الرغبة الأساسية)‏

=مارس (آلة الحرب أو المنافس أي الشخصية المضادة)‏

=الشمس (الخير المنشود)‏

=الأرض (متلقي الخير)‏

=القمر (المسعف)‏

=الميزان (الوسيط بين الطرفين)‏

وانتهى إلى أنه لا وجود لغير هذه الأوضاع الدراماتيكية العشرة المتولدة من العلاقات بين الأسد ومارس والشمس والأرض والقمر.‏

أما الميزان (الشخصية الوسيطة التي تظهر لدى اندلاع الصدامات والصراعات، أو الحزازات) فإنه على ضرورته يلعب دوراً في وضعين دراماتيكيين فقط: الأول هو ما يقوم به ذاته والثاني ما يقوم به بالتعاون مع القمر (المسعف)(37)‏

إلى هذه الدرجة وصل تحليل المنظرين من الدقة والضبط والاستيعاب، وهذا ما لا وجود له في النظرية الأدبية القديمة. ولذلك لا نجد مثل هذه التفرعات المفرطة في الدقة والتي قد تنحصر في عنصر واحد فقط كالقارئ مثلاً أو أدبية النص. فنحن هنا لسنا أمام نظريات عامة مختلفة وحسب، وإنما نحن أمام نظريات فرعية كثيرة ومختلفة. إن النظريات باتت تنشأ حول أدق العناصر الأدبية، مما جعل الناظر في النظرية القديمة يراها أشد تماسكاً وأكثر عمومية من النظرية الأدبية الحديثة بما لا يقاس. فالمساجلات التي دارت حول عناصر النظرية القديمة كانت محدودة ولا تشكل اختلافات وتباينات صارخة كالاختلاف حول المحاكاة، هل هي محاكاة للمثل أم للطبيعة؟ أو كالاختلاف حول الشكل والمضمون، وأيهما يلعب الدور الحاسم؟ أو الاختلاف حول البلاغة وماهية الإبداع وسبب الاختلاف في طرق الأداء(38).‏

هذه التفرعات التي نلحظها إنما هي محاولات للوصول إلى الجوهر الأساسي الذي يشكل هيكلية الأدب، ولذلك نجد النظرية الحديثة تسقط من حسابها إشكالية العلاقة بين الشكل والمضمون كما أنها تزيل الحدود بين الأنواع الأدبية التي كانت تحظى باهتمام بالغ عند النقاد القدامى.‏

وتبدو النظرية الحديثة متناقضة مع ذاتها، فمن جهة تعامل الأدب ككل واحد، ومن جهة ثانية تحلل أدق ظواهره بشكل منفرد. وقد ازدادت هذه التقسيمات والتفريعات والتسميات، فهناك ألوان وألوان من الرواية والقصة مثل الساغا والبيكاريسك والرومانس، والنوفل والنوفليت.. أنها تقسيمات لا وجود لها في النظرية القديمة.. ولكن في المحصلة فإن النظرية الحديثة تعامل كل هذه الألوان التي بحثتها افرادياً على أنها تشكل هيكلية أدبية واحدة.‏

إن النظرية الحديثة تتراوح بين التبسيط الشديد والتعقيد الغريب، بين الهيكلية الواحدة والتفرعات الكثيرة جداً، بين وجود المؤلف وموته، بين سلطة النص وتلاشيه، أو عدم الاقرار بوجوده.. وهذه أمور لا وجود لها في النظرية القديمة. فالنظرية الحديثة شبيهة بعلم الاقتصاد.. يدرس كل شيء لينتهي إلى كل موحد.‏

كانت النظرية القديمة ترصد الانفعالات العامة لدى القارئ من أمثال الخوف والشفقة، أما النظرية الحديثة فإنها تدرس "الاقتصاد الأدبي"، بكل دقائقه، من إنتاج السلعة الأدبية حتى امتصاص السوق لها، ودور الإعلام في تسويقها.‏

لا شك أن ثمة مسائل لم تطرحها النظرية الحديثة على نفسها كمسألة استهلاك هذه السلعة الأدبية. فالمعروف أن الاستهلاك هو القضاء الأكيد على القيم التبادلية والقيم الاستعمالية في أي سلعة. والمجتمع الاستهلاكي هو مجتمع آيل إلى الزوال -في رأي الاقتصاديين- أو آيل إلى التخلف على أقل تقدير. فالاجهاز على الثروة يعني التراجع إلى حالة من العجز في إعادة انتاجها، أو على الأقل في صعوبة انتاجها. فالاستهلاك هو القانون الأول للسوق. إنه يقضي بالتدريج على أكثر القيم، فإذا حدث كساد حطم أكبر القوى. أما الاقتصاد الأدبي فله قوانينه الخاصة التي لا يمكن أن تتبع قوانين السوق. إن السلعة الأدبية تسير في الاتجاه المعاكس للسلعة في الاقتصاد السياسي. فالسلعة الأدبية تزيد الثروة القومية إذا ازداد استهلاكها، بينما السلعة الاقتصادية تقضي على الثروة القومية إذا ازداد استهلاكها. وكذلك اتجه المجتمع الحديث إلى اعتبار الثقافة أداة انتاج حقيقية. والواقع أنها أعظم أداة إنتاج على الإطلاق. وكلما ازداد استهلاك هذه السلعة ازدادت أهمية. وقد وعت الدول الحديثة ذلك إذ اعتبرت الثقافة منتجة بكل ما للكلمة من معنى. وإنتاجها ليس كانتاج غيرها. إنها لا تخضع لقوانين السوق المعروفة حيث زيادة الانتاج تؤدي إلى أزمة قد تكون خانقة وقاتلة، بل العكس من ذلك تماماً. إن المزيد من الانتاج الأدبي يعني بالضبط تفريج أي أزمة قائمة مهما كانت. فزيادة الانتاج هنا تؤدي إلى تفريج الأزمة وليس إلى تعميقها، وإلى إغناء المجتمع وليس افقاره. وكل انفاق على الانتاج الأدبي هو مسعى لحل الأزمة وتوفير إمكانات كبيرة للارتقاء الفكري والنفسي، بل أيضاً للارتقاء المادي، وبوتيرة سريعة. ففي الاقتصاد الأدبي لا خوف من التضخم ولا خوف من الاستهلاك ولا خوف من تراكم الثروة أو السلعة. إن الاقتصاد الأدبي يملك قوانينه الخاصة التي تعارض قوانين الاقتصاد السياسي. إن الاقتصاد الأدبي لا يرى في الأدب بنية فوقية تابعة للبنية التحتية، كما ترى الماركسية في اقتصادها السياسي، وإنما يرى بنية تحتية حقيقية، ويرى الانتاج المادي "بنية فوقية" تتبع البنية التحتية الأدبية. فالتاريخ يثبت أن ضعف البنية التحتية الأدبية يؤدي دائماً إلى ضعف الانتاج المادي ضعفاً مزرياً. وما يميز الشعوب المثقفة هو تفوقها المادي على النقيض من الشعوب المتخلفة ثقافياً التي يتميز انتاجها المادي بالتخلف والتبعية.‏

لا بد أن يحظى الاقتصاد الأدبي باهتمام الدارسين والنقاد بعد أن ظهرت الأهمية الكبرى له، وربما كان هذا من أكبر مسوغات قيام نظرية أدبية حديثة لمواجهة الحداثة الصناعية، حداثة عصر الانتاج الضخم والمشاريع الكبرى ووسائل الإعلام الجماهيرية.‏

لقد وعى الإغريق أهمية الأدب، ليس في التربية وانضباطية المجتمع وحسب، بل أيضاً في الانتاج المادي. وفي أيام بركليس دارت مناقشات في مجلس الشيوخ حول عدد الدراخمات التي يجب أن تدفع لكل شخص يأتي لمشاهدة مسرحية من المسرحيات. ولم تكن الألعاب الأولمبية تبدأ إلا بعد أن تكون المباريات الأدبية قد انتهت. وبذلك يكون الإغريق سباقين إلى فهم القدرة الهائلة الكامنة في الأدب. إنها قدرة حافزة من جهة، ووسيلة انتاجية من جهة أخرى(39).‏

لكن المسوغ الأساسي لقيام النظرية الأدبية الحديثة هو مواجهة العصر الصناعي بما فيه من تعقيدات وعلاقات اجتماعية متشابكة، ونمو فروع على حساب فروع أخرى. لقد أدت النظرية القديمة في الحداثة الزراعية دورها الرائد وطرحت الأسئلة الكبرى التي ما تزال مطروحة على الحداثة الصناعية والاختلافات في الاجابات لا يعني الاختلاف في الآداب، إنه اختلاف ينجم من طبيعة المحاصرة.‏

ففي الحداثة الزراعية حوصر الاقتصاد الأدبي من زاوية تأملية، بينما في الحداثة الصناعية حوصر من زاوية تحليلية، بل موغلة في التحليل. إن الانتقال من الحداثة الزراعية مروراً بالعصور الوسطى التي دفنت هذه الحداثة زهاء ألف سنة، إلى الحداثة الصناعية يعني الشيء الكثير. إنه انتقال من عصر إلى عصر. من عصر متراخ بطيء يدعو إلى التأمل، إلى عصر عاصف سريع يحتاج إلى ضبط وقوننة، من عصر متثائب إلى عصر مستنفر. إن ظروف انتاج الأدب تغيرت وإن لم يتغير الأدب. ومثل هذه الظروف بحاجة إلى رصد جديد كل الجدة. وهذا الرصد يجب أن يكون شاملاً ودقيقاً. فالمحاصرة هنا هي محاصرة علمية لا تأملية، فلا عجب إذا صرنا ندعو النظرية الأدبية في عصر الحداثة الثالثة، حداثة عصر التكنولوجيا الدقيقة القادمة "علم الأدب". وقد بدأت كلمة علم تظهر في كثير من الفروع الأدبية كعلم الأسلوب وعلم الأشكال الأدبية، على غرار علم الصرف والنحو والعروض...‏

وربما تواجه نظرية الأدب، أو قل علم الأدب، مسألة في غاية الإشكالية، في عصر الحداثة الثالثة القادم، إذ كيف تؤدي كل هذه العلوم من بلاغة وعروض وأنواع أدبية ونحو وصرف إلى نص غير علمي. أليس هذا أيضاً أشبه بالحمل بلادنس؟ ألا يوجد وراء هذه العلوم شيء آخر يؤدي إلى انتاج النص الأدبي؟‏

على أي حال فإن إشكاليات عديدة سوف تنتظر "نظرية الأدب" في العقود القادمة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244