النظرية الأدبية الحديثة والنقـد الأسطـوري - حنا عبود

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:45 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

الأنماط الأولية في نشاطها الانتاجي

الأنماط الأولية، تلك اللغة المنسية، لا تكف عن النشاط الانتاجي. فما دامت آلية من آليات الدفاع عن النفس وإعادة التوازن لها، فإنها تبتكر أساليب وأساليب في الحفاظ على الجنس البشري. ومن هذه الأساليب: الأحلام والسحر والعلم والدين والأدب. كل ما في الأمر أن التعبير عن الأنماط الأولية يختلف من فرع إلى فرع "ولولا هذه الأنماط لما كان ثمة حلم ولا سحر ولا دين ولا علم ولا أدب، وإنما كانت الحياة تقف عند المستوى البهيمي الأدنى. وهذه الفروع التي ذكرناها تشترك في ميزة جامعة هامة وهي أنها من إنتاج فرد ولكنها أيضاً تتعلق بالمجموع. وقد تكون علاقة العلم من بين هذه الفروع هي العلاقة المستغربة، إذ قد يسأل سائل نفسه ما علاقة العلم، وهو موضوعي، بما نخلقه عن أنفسنا من أساطير تتمثل في الأنماط الأولية؟‏

ولكن الإمعان في تاريخ العلم يظهر كيف أنه من ضمن النشاط الانتاجي للأنماط الأولية. إنه إنتاج النمط الأولي الذي يمثل الإله أو الأب. فالعلم يسعى إلى الاستحواذ كالأب تماماً. إنه يريد أن يمتلك كل وسائل القوة للهيمنة وتحقيق الرغائب والتطلعات كالأب تماماً. وهو يقدم الخير العميم والغلال الوفيرة والخصب والنماء كالأب تماماً. وهو قاتل ومدمر ومفسد من ناحية ثانية كالأب تماماً. إنه قابل للتحول والانقلاب المعاكس كالأب تماماً. وهو يرضى فيمنح ويغضب فيدمر كالأب تماماً. إن العلم هو الأسطورة تماماً، وقد تجسدت في كيان مادي. إن انتقال الأسطورة من الواقع النفسي إلى الواقع المادي هو ما نطلق عليه العلم الذي نوهم أنفسنا بأنه نشأ مستقلاً كل الاستقلال عن الأسطورة والسحر والأدب والدين. وهذا الوهم ما يزال يتحكم في نظرة الكثيرين منا.‏

وقبل الانتقال إلى نشوء نظرية النقد الأسطوري اعتماداً على هذه الأنماط، نحاول إبراز المعاجم والخصائص المشتركة التي تميزها:‏

1-إن ما يصل الفرد من هذه الأنماط، سواء عن طريق الحلم أو الدين أو الأدب أو العلم إنما هو جزء من كل.. جزء زهيد لا يكاد يذكر. ولا يمكن حصر الأنماط الأولية في نشاطها الانتاجي إلا إذا أخذنا مجموع نشاطات الأفراد. إن العقد النفسية كلها ناجمة عن الأنماط الأولية، ولكنها لا توجد، ولا نظن أنها يمكن أن توجد في فرد واحد. وقد أصاب أندريه بروتون عندما زعم أن الخارق لا يكون هو ذاته في الأزمان كلها، لأنه ينتمي إلى "الالهام الشامل" الذي لا يصلنا منه إلا بعض الجزئيات الصغيرة. وهذه الجزئيات لها سبب كما سوف نرى لاحقاً(66).‏

إن التطور المرحلي للفرد من طفولة إلى مراهقة إلى فتوة فكهولة فشيخوخة، جعل الأنماط الأولية تغير مواقعها وتصرفاتها.. أو باختصار إن هذه الأنماط تتخذ تصورات مختلفة من مرحلة إلى مرحلة.. وهذا ما يتيح لنا في أحايين نادرة الحديث عن خصوصية هذا النمط أو ذاك، ولكن لو نظرنا إلى مجموعة البشرية من أطفال ومراهقين وكهول وشيوخ لرأينا أن التصورات واحدة، وإن كانت الرموز مختلفة. ولكن لو نظرنا إلى أديب من الأدباء، لوجدنا أن ما يصله منها إنما هو الجزء الجمعي المنمذج، ولكنه ليس المجموع بكل تأكيد. فالجانب الذي برز في الأخوة كرامازوف للأب هو جزء من كل وإن كان يمثل اللاوعي الجمعي، ولذلك هو يختلف عن جانب آخر ظهر في رواية "الأب غوريو" مثلاً. والنمط الأولي في ميديا يوربيدس يظهر في جانب منه مختلفا عن جانبه في رواية "الأم" لمكسيم غوركي. فشتان بين الأمين، لكنهما منحدرتان من النمط الأولي. وكل ما نستطيع قوله هو أن مجموع الأدب قد يقترب من شمولية الأنماط الأولى.‏

2-النمط الأولي متقلب متحول متشظ. والسبب في ذلك هو التركيبة النفسية للإنسان نفسه، فكما ينقلب الإنسان الوديع إلى إنسان شرس، وينقلب البريء إلى قاتل، كذلك النمط الأولي، فقد ينقلب إلى الضد ويتحول تحولاً خطيراً معاكساً لما كان عليه، وذلك وفقاً لتطورات الظروف الفردية والاجتماعية. فليليث كانت الأم الحنون، ربة المهد والنوم القرير ولكنها في كلكامش تنقلب إلى شيطانة ليلية تخنق الأطفال الذين كانت في يوم من الأيام تسكب في مسامعهم أغنية المهد لتجلب لهم النوم العميق. والسبب في هذا التحول هو أن المجتمع الذكوري الجديد غيّر مفاهيمه بعد أن صار مجتمعاً حربياً وانتزع السلطة من الأم، ولذلك فإن أغنية النوم الوديعة لا تهيء الطفل للمجتمع الحربي، فكأن هذه الأغنية صارت قتلاً للأطفال الذين ينشأون على الوداعة التي تضر بالمجتمع الحربي.‏

والنظرية الأدبية تقترف خطأ جسيماً إذا ظنت أن الأنماط الأولية ثابتة: هذا للخير وذاك للشر وآخر للتدمير.. فعلى الرغم من أن اللاوعي الجمعي يتجه اتجاهاً ثنائياً ضدياً فإنه لا يجعل النمط ثابتاً. فإلى جانب ثنائية الاله -الشيطان- الإنسان- الحيوان، الذكر- الأنثى- الرجل- المرأة، الأب- الأم، الأخ التوأم- الأخ المزيف، الجلاد- المنقذ، رئيس الجناز- مخلص الموتى، الظالم المظلوم.. وغير ذلك من الأنماط الكبرى، ثمة الاله الرحيم الذي ينقلب إلى غضوب كاسح مدمر، والأب الحنون الذي ينقلب إلى أب قاس يصادر النساء ويلتهم الأبناء الذكور، والذكر الذي يتحول إلى أنثى أو يستعيد شكله الذكرى السابق كما حدث لتريسسياس.‏

فالتناقض في قلب الوحدة هو ما يميز اللاوعي الجمعي. إن نانا إميل زولا هي أم رؤوم جداً، وقاتلة خطيرة في الوقت ذاته. وميديا العاشقة المضحية تنقلب إلى غيورة مدمرة وإلى قطة تأكل أبناءها، وتجلب البؤس إلى كل من هم على صلة بها، أي بزوجها جاسون. والزعم أن الأنماط الأولية هي المثل العليا التي يضعها اللاوعي الجمعي أمامنا ما هو إلا تضليل لأنفسنا وخداع لها إذ أن هذا الزعم يتجاهل التحولات والانقلابات التي تصيب الأنماط الأولية. ومن الممكن تصنيف هذه الأنماط على النحو التالي:‏

الأنماط العليا، وهي الأنماط التي تحث على الوجدان الاجتماعي المثالي الراقي، والأنماط العادية التي تنجح أحياناً وتتعثر أحياناً أخرى، والأنماط الشيطانية وهي الأنماط التي تسير في الاتجاه المعاكس للأنماط العليا.‏

ولكن هذا التصنيف سرعان ما يزول ما دام التحول والتغير والتشظي يصيب أي نمط من هذه الأنماط، إلا القليل منها، وما دام التناقض قائماً في قلب النمط ذاته.‏

إن الدكتور جيكل هو ذاته المستر هايد، فالشخصيات من النشاط الانتاجي للأنماط الأولية. وصورة يهوه في الدين اليهودي هي صورة أكيدة للنزوع النفسي الذي لا يعرف الاعتدال في انفعالاته فقد جمع بين التبصر والتهور وبين الرحمة والقسوة، وبين روح البناء وروح التدمير(67) وما أكثر الانتاج الأدبي الذي يقدم شخصيات تحمل هذه المعالم والسمات. إن بطل بوشكين "دوبروفسكي" يقدم لنا مثل هذه الصورة. إنه يعتمد الرحمة والمغفرة، حتى إذا غضب راح يطارد أعداءه أينما وجدهم. وتنتهي هذه الرواية نهاية متسيبة تحوطها الشائعات، ومنها أن دوبروفسكي، الجنتلمان النبيل، صار قاطع طريق، يجمع حوله شذاذ الآفاق، ليقتص من أعدائه الأشرار.‏

3-الأنماط الأولية هي أشبه بوظائف، لكنها وظائف ديناميكية تتخذ وسائل مختلفة في تحقيق مهامها. فالإيمان والإلحاد- مثلاً- يبدوان ظاهرتين متناقضتين ومتعارضتين تعارضاً لا سبيل إلى اللقاء بعده. ولكن النّزاع إلى الالحاد لا يختلف عن النّزاع إلى الإيمان. إنه يؤمن أن الإلحاد منقذ ومخلص ينتشله من هذا المستنقع الذي يغوص فيه، تماماً مثلما يعتقد المؤمن اعتقاداً راسخاً بأن الله تعالى يعمل على تخليصه وانقاذه مما هو فيه من ألم وضنك وبؤس(68) إن الوظيفة مرتبطة بالهدف، وهو إعادة التوازن للجنس البشري سواء مع نفسه أو مع البيئة، وخلق مصالحة كونية أو إنسجام متكامل. ولو نجح الإنسان في خلق نظام يحقق له هذا الهدف لتغير النشاط الإنتاجي للأنماط الأولية وانتهى، لسبب بسيط جداً ألا وهو أن الإنسان لم يعد بحاجة إلى شيء من ذلك، إذ يكون قد حقق بنظامه هذا التوازن والانسجام المطلوبين. وهو في مساعيه هذه إنما يحكم على نفسه بأنه مخلوق فاسد مفسد. في الغاب يوجد قانون النمل والنحل والطيور والدببة وبنات آوى.. بل حتى الدجاج وجدت نظامها الخاص الذي تستريح إليه. أن الإنسان وحده لم يفلح، حتى الآن على الأقل، في المطابقة بين باطنه وظاهره، بين طموحاته وإمكاناته. ولهذا السبب بالذات لا يستطيع أن يستجيب لذلك الصوت الذي يمثله اللاوعي الجمعي ولا يستطيع بوعيه أن يخلق ما يغنيه عن لا وعيه، ولذلك تتعدد السبل والوسائل التي تسلكها الأنماط الأولية. إن راسكولنيكوف لا يختلف أبداً عن الأب زوسيا. الأول استخدم البلطة لتحقيق التوازن، والثاني عمد إلى المغفرة والاعتذار وسلم سلاحه لمنافسه: وما أكثر هذه التنويعات في الأدب. إن ياغو الذي نصب الشباك لعطيل ليس أكثر تدميراً من الكاهن الذي أخره الطاعون عن نقل الخبر لتقديم المساعدة لروميو وجولييت. إن الأنماط الأولية تعكس عبثية الحياة الإنسانية أيضاً. فنمط المسعف أو ناقل الرسالة في الأنماط الأولى كثيراً ما يخطئ، لا لسبب وجيه دائماً بل قد يكون السبب تافهاً أو لا وجود له..‏

إن الكون الذي خلقه الأدب إنما خلقه استجابة للأنماط الكبرى، أي التخيل الرؤيوي. وبقدر ما نتهمه بأنه من نتاج الخيال، ندفعه إلى أن يكون لصيقاً بالواقعية النفسية. إن الكون الذي قدمه دانتي في كوميدياه هو الكون الذي صاغته البشرية استجابة لمنزع أخلاقي. وهو يمثل الخيال الأدبي الكامل، فحتى الآن لم يستطع أحد أن يتجاوز هذه الحدود التي وضعتها المخيلة البشرية. إن كل كاتب، مهما حاول، سيجد نفسه ضمن هذا "القفص" وما التجديد سوى إعادة إنتاج لهذه المخيلة أو لجزء منها، بطريقة أو بأخرى. والخيال العلمي في هذه الأيام لم يستطع تغيير أو تعديل أو توسيع جغرافية الكون الأدبي التي رسمتها المخيلة الأدبية اهتداء بالأنماط الأولى.‏

4-بما أن الأنماط الأولية ناجمة عن الوضع البشري فلا غرابة أن تلعب الذكورة والأنوثة دوراً بالغ الخطورة في الأنماط الأولية، أي في الأدب. إن "الأنيما" و"الانيموس"- حسب المصطلح اليونغي(69)- يلعبان دوراً حاسماً في النشاط الانتاجي للأنماط الأولية. ولو كان الجنس البشري منقسماً إلى قسمين منفصلين كل الانفصال هما الذكر والأنثى لكان الصراع بينهما صراعاً مميتاً.. بل ربما كان قضى على الجنسين معاً. وظاهرة "الامازونيات" ما تزال مستمرة، وإن لم يكن بالشكل القاتل الذي وصل إلينا. إن الانيما في المرأة يدفعها إلى شيء من التعقل والخشونة والرؤية، بينما يدفع الانيموس الرجل إلى الاندماج والتوحد في النصف الآخر الذي انفصل عنه. ومع ذلك فإن التكامل لم يتحقق أبداً، أو لا يتحقق أبداً. انقسام البشر إلى ذكر وأنثى هو أول انقسام في التاريخ، وأول توزيع للعمل. وهو شرخ كبير ترتب عليه ظهور أنماط أولية كبرى: الأب المنقذ، الأب القاتل، الأم الرؤوم، الأم القاتلة، الرجل العاطفي، الرجل المستبد، المرأة الطيبة، المرأة الخبيثة، مربية الأطفال وقاتلتهم.. وهذا الانقسام يسم الأدب منذ ظهوره وحتى اليوم. إن هيلين ما تزال تعيش بيننا. وإننا نرجح أن يكون ظهور الأدب مرتبطاً بظهور أول انقسام بشري في التاريخ. ولذلك ظهرت البشائر الأولى للألياذة وهي تحمل إلينا صورة للصراع حول المرأة. إن هيلين هي البطلة الأولى لهذه الملحمة وهي المحرك الأول لكل أحداثها. إن آنا كارنينا وديدمونه وجرازيلا وسندريلا، وكذلك بطلات فلدنغ وفلوبير وغيرهما... هن استمرار لهيلين بشكل أو بآخر. إن بطلة"آلام فرتر" التي من أجلها قتل البطل نفسه، لا تختلف عن السيرينات اللواتي كن يغوين الرجال ويقتلنهم. إن أو ليس يمثل نموذجاً أولياً للرجل الذي يقطع البحار في مغامرات خطيرة من أجل التكامل مع جزئه الأنثوي"بنيلوبي". ومنذ الإلياذة والأوديسة وحتى اليوم لم يتغير النشاط الإنتاجي للأنماط الأولية فما زالت الذكورة والأنوثة التي قدمت هذه الأنماط، محوراً أساسياً للأدب. وسوف يبقى هذا المحور فعالاً ما دام البشر جنسين.‏

إن الذكورة والأنوثة بتركيبتهما الجسدية يرسمان كثيراً من التضاريس الأدبية الصغيرة. فلو كان الأب غوريو أماً لذكور وليس والداً لإناث، فهل كان يتصرف كما تصرف، ويموت وحيداً لم يحضر جنازته أحد؟‏

ولو كان الأب كرامازوف أماً، فهل كان سميردياكوف يقدم على قتله؟‏

ولو أسقطنا انجراف عطيل نحو التكامل مع ديدمونة، فهل كان يقدم على خنقها؟‏

في رواية"الأرض لإميل زولا يتخلى الأب، وبمحض إرادته عن ملكيته لأبنائه. يوزعها بالعدل بينهم. لكنه بعمله هذا يتخلى عن ذكورته. يصبح لاشيء. ينتقل من بيت ابن إلى بيت ابن آخر فلا يجد من يؤويه. إن الذكورة التي خلقت أسطورة القوة تصبح- في هذه الحالة أعجز من أن تحمي نفسها. إننا دائماً نخلق الأساطير لحماية الذات. والأسطورة هي أعظم سلاحاً لهذا الغرض منذ القديم وحتى الآن.‏

العجز عن التكامل هو ما يخلق الصراع بين الذكر والأنثى. إن ستراندبرغ في مسرحياته الأسروية، كمسرحية"الأب جوليا" يقدم نماذج طيبة في هذا الصدد. فالرجل يهفو إلى المرأة ليكمل ذاته. نحن نقول ليكمل دينه، ولا فرق. ولكن ماذا تكون النتيجة؟ إنها واضحة، إذ سرعان ما يذر الشقاق بقرنه بين الزوجين. يريد أن يصحو وتريد أن تنام، يريد أن يتنزه وتريد أن تتثاءب. يكره الكرنب وهي تحبه. يحب الصخب وتحب الهدوء، ينزوي ليفكر فتخرج لتلهو... أشياء وأشياء رصدها الأدب، ولكنها كلها تدل على أن النصف الآخر لو كان منسجماً مع النصف الأول لما افترقا. مدام بوفاري لم تستطع تكميل زوجها، إنها مثل هيلين عملت على تدمير الأسرة. والأب السكير، وما أكثره في القصص والروايات، يهرب من زوجته فيدمر أسرته. إن"أميدية" يوجين يونسكو لا يستطيع العيش في منزل الزوجية. ثمرة الزواج طفل ميت-جثة- يرمز إلى الكراهية الزوجية المستترة. تنمو جثة الطفل بسرعة جنونية، وتنمو في الوقت نفسه عشبة عش الغراب السامة، فلا يجد أمامه خلاصاً إلا في الاعتلاق بنسر عابر(70).‏

إن أعظم تحقير للإنسان إن أعظم لذائذه في النصف المكمل له تكمن في أقذر أعضاء الجسد التي تفرز ميكروباً وبولاً ودماً. وحتى يرتفع بنفسه عن نفسه راح يقدس هذه الأعضاء الجسدية ويخلق حولها الأساطير، وما يزال رهن هذه الأنماط التي خلقها. إنها من صنع يديه، ولكنه اغترب عنها فصارت هي التي تصنعه وتلعب في مصائره.‏

إن انتقال السلطة-بعد افتراق الجنسين- من الأنثى إلى الذكر أحدث حروباً طاحنة بين الجنسين. وما حرب الأمازونيات سوى محاولة لاستعادة السلطة المفقودة التي انتقلت إلى الذكر. ولكن بمقدار ما حقق الذكر من سيادة وجد نفسه خاضعاً لما كان يريد أن يهرب منه.‏

قلب القيم وعكس المفاهيم فما ازداد إلا تعاسة. راهبة المعبد سماها عاهرة والوظيفة المقدسة انقلبت إلى زنا. وما يزال الأدب يحتفظ بالأنماط الأولى للمرأة على شكل المجدلية. إن سونيا دستويفسكي في"الجريمة والعقاب" تذكرنا براهبات المعبد المقدسات، وهي تحظى حتى يومنا بالاحترام مثل أي مجدلية في الأدب القديم. ومن هنا نفسر ظهور العشيقة والعشيق في الأدب. أنها متابعة للأنماط الأولية.‏

فالرجل الذي لا يجد نصفه المفقود في زوجته يوهم نفسه بأنه أساء الاختيار، فيلجأ إلى العشيقة التي غالباً ما تكون على علم ودراية بعادات زوجته فتسعى إلى توفير الراحة والهدوء له باجتناب ما اعتادت زوجته أن تغيظه به. ومع ذلك تكون النتيجة أسوأ من السابق. وما التخبط الذي يجد الإنسان نفسه متورطاً فيه سوى استجابة لنداء الأنماط الأولية في خلق الفردوس الأرضي.‏

ولما عجز عن إقامة الفردوس على الأرض أقامته له الأنماط الأولية في السماء وجعلت الجحيم في العالم السفلي.‏

وقد مرّ حين من الدهر كان الأدب في فرنسا يقوم على الأركان الثلاثة: الزوج والزوجة والعشيقة(أو العشيق). إن العشيقة تمثل وهم النزوع إلى الكمال. ولكنها بدلاً من أن تكمله تنقصه، وبدلاً من أن تسعده تشقيه. ولو حظي بآلاف العشيقات لما استطاع أن يغير من وضعه شيئاً، فلا عجب إذا كانت النهاية المنطقية للعشيقة في الأدب الفرنسي هي الفشل والانسحاب مشيعة بالسخرية. لقد وضع القوانين والأنظمة والتشريعات بغية تحقيق الكمال فما أفلح وظل أسير الكمال الذي ترسمه له الأنماط الأولية. إنها أنماط خارجة من تكوينه، ومن وجوده في هذا العالم الناقص. فمن نقصه حاك أساطير الكمال ومن ضعفه نسج أساطير القوة، ومن قسوته إبدع أساطير الحنان. أما الكمال المنسجم فلا أثر له إلا في الأنماط الأولية.‏

5- الأنماط الأولية في الأدب خاضعة لكثير من التعديلات والانزياحات تعكس الاضطراب الذي يصيب النفس البشرية من جراء علاقاتها الكثيرة مع الآخرين ومع الطبيعة. ولكن تظل العلاقة مع الآخرين هي الأساس في التعديلات التي يجريها الأدب على الأنماط الأولية. وهذا ما يبيح الكلام عن"التجديد" في الأدب. إن راسكولنيكوف يجمع في شخصه النقيضين، فهو يلعب دور الأب المثالي ويأخذ على عاتقه مهمة توزيع الثروة بالعدل، ولكنه ينصاع للمجدلية المقدسة سونيا، فكأنه ابن بار يتعلق بأمه. إن سونيا هي النموذج اللاواعي الذي يقتدى به بعد أن اصطدم وعيه بجدار النظام القائم.‏

كما أن الملك لير يعتبر من الأنماط المعدلة. أنه أوديب الذي يسعى إلى إقامة حكم منسجم مع نواميس الطبيعة وقوانين المملكة. ولكنه لا يصل إلى النهاية المأساوية التي انتهى إليها أوديب. لقد أصيب بالعمى وذاق التشرد كسلفه، وهو مثله بطل منهزم، لكن شكسبير يعدل في خاتمة لير فيخفف من وقع المأساة التي كادت تحل فيه كمأساة أوديب. إن الهامارتيا في هذه المسرحية تشبه الهامارتيا في المسرحية اليونانية. إن الهامارتيا(الخل أو العيب أو النقص الطبيعي) نابعة من مسامات الحياة البشرية، من علاقاتها الشائهة. ولكنها في أوديب تؤدي إلى نهاية مفجعة، بينما لا يقف لير عند هذا المصير فقد عدله لغاية أخلاقية تنسجم مع العصر الذي عاش فيه. وهذا يدل أن العصر من أهم حوافز التعديل وانزياح الأسطورة عن أصلها.‏

قد نظن أن هذا التعديل يخص الأدب الحديث، باعتبار أن الظروف التي تجري فيها الأحداث هي ظروف مختلفة أو جديدة كل الجدة بالنسبة إلى الظروف القديمة. وربما كان هذا من جملة الأوهام التي نتمسك بها في تفسير التعديلات التي تطرأ على الأنماط الأولية. لكن هذا الوهم ليس زائفاً بكامله، بل يشتمل على جانب كبير من الواقعية، إلا أن الذي نراه هو أن التعديل يخضع لموقف الكاتب أكثر من خضوعه لمستحدثات الظروف والعلاقات. فإذا تحول القارب الشراعي إلى سفينة ذرية، وحلت الطواحين الآلية محل طواحين الهواء، وطردت وسائل النقل السريعة تلك الحيوانات الأليفة التي كانت تستخدم، واستغنى التلفون عن التخاطر، وصارت الربة أثينا تأتي بمركبة فضائية لا على متن غيمة... فإن ذلك لا يقتضي إلا تعديل التسميات، لكن الأنماط الأولية تبقى كما هي لا تتغير، بيد أنها تخضع للتعديل إذا غير الكاتب موقفه. والدليل على ذلك أن القدماء كانوا يجرون مثل هذا التعديل لضرورات أخلاقية وليس لتغير الظروف. إن موقف الكاتب هو الذي يفرض التغيير. إن يوربيدس، بعد أن كتب"افجينيا في أوليس"عاد وكتب" افجينيا في تاورس"، ففي المسرحية الأولى يضحي اغاممنون بابنته كما ضحى يفتاح بابنته وإن اختلفت الظروف فالدوافع واحدة: الأول ينشد النصر والثاني يبتهج به. لكن يوربيدس يتخذ موقفاً أخلاقياً جديداً في مسرحيته الثانية، فهو يرفض الأضحية البشرية، ولذلك زعم أن الربة اثينا جعلت الحيوان يحل محل الإنسان في قرابين الآلهة، تماماً مثلما حل كبش محل اسحق. إن يوربيدس يدفع بالشفقة الإنسانية إلى قلب الربة اثينا فتحمل افجينيا من أوليس إلى تاورس، فتعيش ناسكة في معبدها إلى أن يأتي أخوها أورست ويعيدها.‏

إن موقف الكاتب من الأخلاق والمواضعات الاجتماعية هي التي تدفعهم إلى تعديل الأنماط الأولية، أما الظروف فلابد من أن يحددها النقد قبل أن ينساق معها. إن أرستوفان أجرى كل تعديلاته بناءً على رؤيته التي تعكس موقفاً أخلاقياً جديداً يجنح إلى السلم وينفر من الحروب.‏

إلا أن الأدب في كل ما يفعل، وسواء صوّر الخير أو الشر، يظل أخلاقياً يرمي إلى تحقيق التوازن والانسجام بين البشر وبينهم وبين الطبيعة(71).‏

6- لقد أوجدت الأنماط الأولية للأدب لغة واحدة لا تكاد تتغير بتغير الأقوام واللغات. وحتى ولو رفضنا نظرية دوسوسير واللسانيين(72) في أن كل لغة تتألف بالضرورة من مسند ومسند إليه وفق نظام لا يتغير في كل اللغات، كالشطرنج، وزعمنا أن كل لغة لا تختلف عن الأخرى في الاصطلاح العشوائي للألفاظ فحسب، بل تختلف أيضاً في كل شيء، فإننا نجد أنفسنا أمام لغة مشتركة بين كل الآداب ولا استثناء. فقصيدة الحب الإفريقية لا تختلف عن قصيدة الحب عند سكان الأسكيمو. والأليجيات واحدة كتبت بلغة الزولو أو بلغة هونولولو، وأغاني المواسم واحدة... باختصار نقول أن الأدب هو نظام عالمي وطيد نابع من طبيعة التركيبة النفسية للبشر، ومن نمط تواجدهم النفسي، ومعاناتهم الواقعية.‏

السماء والأرض والمطهر والجحيم، وعلاقة الأب بالابن والابن بالأب، وعلاقة البنت بأمها وأبيها، وعلاقة البطل الحضاري بجحافل الكائنات الممسوخة والولادة والموت والقيامة أو الولادة الجديدة، ورهاب الأرواح الشريرة واستئناس الجن، والصراع مع العماليق والوحوش الضارية والتصدي للظلم ونشدان العدالة والرغبة في التوازن النفسي والاجتماعي، والتعامل مع قوى الطبيعة... كلها تراث أدبي مشترك بين جميع الشعوب تقريباً.‏

ومعرفة شعب لفن المسرحية مثلاً، في حين تجهل الشعوب الأخرى هذا الفن لا يقدم ولا يؤخر من الأمر شيئاً، فما الأنواع الأدبية سوى أدوات لأداء المخزون الجمعي في أعماق النفس(73). إن البطل الذي يولد من رحم البحر(نحن المحدثين نقول: من رحم المجتمع أو من الظروف الاجتماعية) ويمتطي مركبة الشمس(نحن نقول: أنه قام بأعمال بطولية باهرة) وتنتظره الأم البحرية المتوحشة فتلتهمه كما التهم الحوت النبي يونان(نحن نقول: أن الطغاة وأرباب الثروة هم الذين كافحوه وقتلوه) يعود إلى الولادة من جديد(نحن نقول: أن مبادئ هذا البطل تظل خالدة) هو نمط من الأنماط الأولية التي رافقت ولادة البشرية، فمنذ عشرة آلاف سنة قدّم المصريون هذه الصورة الشمسية(74)، وما تزال مستمرة في آدابنا حتى اليوم.‏

نحن نقول اليوم عن وطننا أنه"الوطن الأم" ولكننا نقول عن الوطن الذي يعادينا بأنه وطن الغيلان والطغاة، أي وطن الأب الذي يلتهم أبناءه مثل جوبيتر-وهذا نمط من الأنماط الأولية يظل واحداً مهما تغيرت أساليب الأداء ومهما تعددت اللغات، طالما أن هناك ظروفاً تستدعيه.‏

ونحن لا نشك في أن القارئ لن يفهم منا أن الترجمة من اللغة إلى اللغة الأخرى لا تزيح شيئاً من خصائص الأدب، وعلى الأخص تلك الإيقاعات الخاصة باللغة الأصلية. إن قراءة كوميديا دانتي بالإنكليزية هي غيرها بالإيطالية. وقراءة سوفوكليس باليونانية تختلف عن قراءته في بقية اللغات. إلا أن الترجمة تحتفظ دائماً بما هو مشترك في الأدب، أي بالأنماط الأولية.‏

وهنا نقطة نود أن نشير إليها إشارة عابرة لأنها بحاجة إلى دراسة موسعة، وهي قضية أن اللاوعي الجمعي الذي يحتفظ بالأنماط الأولية هو من الموروث البشري الذي ينتقل من جيل إلى جيل. لنفرض أن هذه النظرية مغلوطة، وأنه لا يوجد توريث ولا من يحزنون... فماذا تكون النتيجة؟... لا شيء يتغير. فلو أننا جيل غير مسبوق على الإطلاق بأي موروث من الأنماط الأولية، وأردنا أن ننتج الأدب، هذه السلعة النفسية، فماذا نفعل؟‏

سوف نتحدث عن الولادة والموت والخلود والولادة الثانية، وعن الوحوش والغيلان البشرية والحيوانية، وعن معاناة الذكر والأنثى، وعن مواجهة الطبيعة والتصدي لما نراه من خلل في العلاقات الاجتماعية، وسوف تدفعنا الرغبة العميقة إلى تصوير البطل وفق ما نشتهي ونريد وندفع به، غب موته إلى السماء ليولد ثانية-بمبادئه- كآلهة المصريين القدماء، بينما ندفع بخصومه إلى الجحيم حيث العذاب الأبدي. سوف نتحدث عن علاقة القوي بالضعيف والمحروم بالمتخوم، والظالم بالبريء والأم بالأب والابن بالأم.. و.. و.. باختصار سوف نخلق الأساطير والأنماط الأولية التي سبق للأجيال الغابرة أن خلقتها. وإذا كنا، كجيل غير مسبوق، لا نتحدث عن ذلك، فعن أي شيء ترانا نتحدث؟... هل استبدال الغول بالمرابي حجة بأننا لا نخلق أدباً معاداً مكرراً، بل نخلق أدباً جديداً؟ هل إذا تحدثنا عن الحركة النسائية المناهضة لسطوة الرجل وجبروته وطغيانه، بدلاً من الحديث عن الأمازونيات نكون قد أوجدنا أدباً جديداً؟ هل استبدال صواعق زيوس بحرب النجوم يكفي للزعم بأننا أمام أدب.... جديد؟، أو بالأحرى أمام أدب مختلف كل الاختلاف عن الأدب الموروث؟.‏

فإذا انتقلنا إلى إسهامات الطبيعة في تكوين الهيكل الأدبي وجدنا أنفسنا نستخدم اللغة ذاتها. فنحن مضطرون إلى الحديث عن الجبال والوديان والكهوف والغابات والبحار والأنهار والينابيع والحقول والزهور والشمس والقمر كما كانوا يتحدثون... ليس هذا وحسب، وإنما نحن مضطرون إلى استخدام الترميز ذاته، فلا يمكن أن نرمز بالجبل للإنسان الهش المتهافت، ولا أن نرمز بالقمر للوجه الشائه، ولا أن نرمز بالشمس إلى الرجل المنطوي على ذاته أو المقتر الذي يمنع الخير عن الآخرين.‏

من هنا فإننا نعتبر طرح مشكلة توريث المخزون الجمعي بمثابة طرح نافل للقضية، إذ أن التسليم بها يسوقنا إلى النتيجة ذاتها التي يسوقنا إليها رفضها، ما دام الأدب مشدوداً بأمراس إلى الواقع النفسي البشري شدا آسراً، ولغته واحدة مهما اختلفت الألسن.‏

إن الوجوديين الذين أوغلوا في تحليل الذات اضطروا إلى التسليم بخروجها من قوقعتها والاتجاه نحو الآخر. وقد أطلقوا على هذا الخروج اسم"السقوط". فالذات بريئة ما دامت قائمة بذاتها. ولكنها بذلك تحكم على نفسها بالدمار. إذن لابد من أن تسقط... من أن تخرج إلى العالم. وبخروجها تفقد عذريتها(75). فماذا يعني هذا الكلام إن لم يعن أن الذات مضطرة أن تكون جماعية، ومضطرة أن تستخدم النظام المشترك في النقل والتوصيل، أي الأنماط الأولية واللغة المشتركة؟... ترى هل ثمة فرق بين سقوط الذات الوجودية، وبين سقوط الإنسان في الخطيئة الأولى، خطيئة الوجود؟.‏

لقد قدم لنا سارتر في مسرحية"الذباب" مأساة أورست وإقدامه على قتل أمه. وحاول أن يطرح القضية طرحاً جديداً يرتكز على فرادة الذات الوجودية، فما الذي قدمه لنا؟‏

لا شك أن العمق النفسي يتخد وجهة خاصة، لكن الأنماط الأولية ما تزال الأساس الذي يدور فيه قلم سارتر. فقد ظل آغاممنون البطل النموذجي في نظر ابنه، بينما رأى في كليتمنسترا الأم المتوحشة القاتلة. ولو أن أورست رأى في أبيه قاتلاً وفي أمه ضحية لتغيرت عقدة المسرحية.‏

إن لغة الأخلاق تفرض نفسها حتى على سارتر الذي كان من أعظم متمردي القرن العشرين على الأخلاق"الموروثة". إنه يستخدم اللغة ذاتها التي استخدمها اسخيلوس ويوربيدس. فمن هذه الناحية لا نجد لغة جديدة، سوى أنه كتب بالفرنسية بدلاً من أن يكتب باليونانية.‏

أما التعديلات والانزياحات وما شابه ذلك من ضرورات يخضع لها الإنتاج الأدبي، فإنها هي الأخرى معروفة منذ قديم القديم.‏

الرمزيون والسيرياليون حاولوا أن يخلقوا هم أيضاً لغة فريدة ونادوا بالتداعي الحر. ورأوا أن الإبداع لا يكون إلا بالاستسلام لحرية التداعي. وكل حديث عن حرية الكتابة خارج حرية التداعي يعتبرونه حديثاً نافلاً. ولكن التداعي الحر ذاته ما هو سوى منفذ للضغوطات التي تمارسها الأنماط الأولية سواء زعمنا أنها موروثة أو مستحدثة. ولهذا عجزوا عن خلق"لغة جديدة". قد تكون محاولات جديدة، لكنها بالتأكيد ليست لغة جديدة، لكنها بالتأكيد ليست لغة جديدة بالمعنى الذي شرحناه. لقد ظلوا داخل قفص الأنماط الأولية، بل يمكن القول أنهم أغنوا هذه الأنماط بدعوتهم الكتاب إلى الاستسلام للعفوية وصولاً إلى الباطن الذي تحجبه سجف الضغوطات والقيود والمواضعات. إن الجديد الذي دعا إليه السيرياليون أقرب إلى الدعوة الثورية الاجتماعية. أنها تشبه ثورة الكلبيين الإغريق على العادات والأعراف، لكنها لم تخرج عن هيكلية الأدب. إن للأدب لغة واحدة مثلما للتشريح والكيمياء والفيزياء لغة واحدة. والأنماط الأولية هي التي توجد هذه اللغة، بالعربية كتبت أو الإيطالية. ولذا كان الحديث عن الأدب عموماً منذ أدب الرافدين ومصر وحتى اليوم هو ذاته الحديث عن الأدب الفرنسي. قد تختلف الأشكال والأساليب واللغة القومية، لكن كل هذا الاختلاف لا يمنع من قيام لغة أدبية واحدة بالمعنى الذي قصدناه فالأدب مؤسسة عالمية، فكما تشترك البشرية بصفات واحدة فإنها تشترك أيضاً بأدب واحد، من غير أن يعني ذلك ضرورة ظهور كل الأنواع الأدبية في أدب من الآداب. وإلا كيف نفسر ظهور قصص الجن والأبالسة والملائكة في كل آداب العالم؟ وكيف نفسر اشتراك البشر في الغناء والبكاء والفرح والحزن.... الخ؟‏

ولو لم يصلنا التقليد الأدبي عن طريق الوراثة المكتسبة كما يذهب يونغ، لوصلنا إليه نحن في إنتاجنا الأدبي. وهذا ما ينفي أي قطيعة بين القديم والحديث أو بين أدب وأدب.‏

ولو نظرنا في الأمثال، وهي أدب مكثف، لوجدنا تقارباً بين الأمم نتيجة وحدة التجارب البشرية. وكما يوجد عندنا المثل والمثل النقيض، كذلك نجد عند بقية الشعوب، بل إننا نجد بعض التعابير واحدة. فالمستخدم اليوم هو"الوطن الأم" وليس"الوطن الأب". فإلى أي أزمان سحيقة يرجع هذا التعبير؟ ألا يرجع إلى العصر الأمومي الذي كانت فيه الأم مشرفة على كل شيء، تمنح الحنان والأمان وتربي على المحبة والغفران؟ ولو أن أحداً استخدم تعبير"الوطن الأب" لكان موضوع استهجان. إنه يشبه تماماً ذلك الذي يخالف المألوف من غير أن يجد نصيراً واحداً. وهذا شبه مستحيل في الأدب الذي يرجع إلى آلاف السنين. ولهذا لابد من تحديد"الجديد" أو بالأصح تحديداً الهامش الذي يظهر في التجديد، قبل الحديث عن الجديد وثورته.‏

إننا نستخدم في الأدب لغة واحدة، كما نستخدم لغة واحدة في الترحيب والوداع واللقاء... إننا نملك أدباً واحداً مثلما نملك جسداً واحداً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244