النظرية الأدبية الحديثة والنقـد الأسطـوري - حنا عبود

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:45 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
هامش التجديد في النقد الأسطوري

هامش التجديد في النقد الأسطوري.

إذا كان الكون الأدبي يتألف من عوالم: السماء والأرض والجحيم ومابين هذه العوالم من أوساط، وإذا كانت الأنماط الأولية الناجمة عن اللاوعي الجمعي هي التي تتحكم في حركة الأدب، وإذا كانت دورة الطبيعة والدورة اليومية للحياة (وهي مطابقة لدورة الطبيعة من يقظة وعمل فنوم ثم يقظة جديدة)، في تكرار أبدي، وإذا كان الوجود البشري من ذكر وأنثى ومن ابن وأب وأم... يتحكم في العلاقات، وإذا كانت الكوميديا (ميثة الربيع) والرومانس (ميثة الصيف) والتراجيديا (ميثة الخريف) والسخرية (ميثة الشتاء) هي الأطر العامة التي يدور حولها الأدب، وإذا كانت الرغائب البشرية واحدة في نشدان الحرية، نشدان المثل العليا، وإذا كانت التيبولوجيا الأدبية من خلق وثورة وشريعة وحكمة ونبوءة وبشارة ورؤيا هي الأنماط التي لا يستطيع الأدب أن يخرج عنها.. باختصار إذا كان اللاوعي الجمعي واحداً، فهل يمكن الحديث عن الجديد؟ وأين يقع هامش الجديد هذا إذا كان الأدب لا يستطيع أن يوجد عالماً فوق العالم العلوي ولا عالماً تحت العالم السفلي، وإذا كان غير قادر على الخروج من الأنماط الأولية، وأعجز من أن يخلق فصلاً خامساً، أو أن يجعلها فصلين أو ثلاثة، وإذا كان أسير الجنسين: الذكر والأنثى، لا هو قادر أن يحذف أحدهما ولا أن يزيد عليهما، وإذا كانت المثل العليا هي هي واحدة لا يستطيع الأدب أن يخرقها بالزيادة عليها أو التقليل منها وإذا كان قيد التايبولوجيا الأدبية لا فكاك منه البتة، فهل ينحصر التجديد في رصد العالم الواقعي، العالم الأرضي؟

ولكن الحياة الواقعية واحدة تقريباً، فجامعوا الثمار البدائيون يمضون يومهم مثلنا: يقظة فعمل فنوم فيقظة. هم يذهبون إلى البرّية للحصول على معيشتهم، ونحن نذهب إلى المنشأة الجبارة أو المؤسسة الوطيدة أو المصنع الحديث... فهل تصوير المستجد من آلات ومصانع ووسائل نقل يعتبر تجديداً؟ ولكن المعروف أن الأدب يعمل في عالم القيم لا عالم المادة.

إنه أحياناً يستنطق الوحوش الضارية وينفخ نسمة الحياة في الجماد من أجل خلق عالمه الخاص. أن الأدب أسير تقاليده فبأي معنى نتحدث عن الجديد؟

ربما كانت الأمثلة خيراً من الكلام النظري، فلنبدأ بمثلين قدّمهما لنا الأدب: هو أسطورة بروسربين (125) هي قصة فتاة بريئة، لم تقترف إثماً ولا بدرت منها إساءة. كانت تلهو في الحقل بقطف الأزهار. رآها بلوتو، سيد العالم السفلي، فأصابه كيوبيد بسهمه، فما كان منه إلا أن استعان بهرمس، رسول الآلهة، واختطفها إلى العالم السفلي، وحتى تنسى العالم الأرضي أطعمها بعض حبات من الرمان، كما يفعل مع جميع الوافدين، وبذلك تنصاع لأوامره، وتقوم بما يوكل إليها من مهام.

هنا نقف عن المتابعة، ونكتفي بهذا القدر، لأن عودة بروسربين إلى الأرض يمثل نمطاً آخر من الأنماط الأولية هي الولادة الجديدة التي تعقب الموت، وقد حصلت هذه العودة نتيجة ضغط أمّها سيرس، التي كانت أول من زرع الأرض وملأها حنطة.

إذن، الرحلة إلى العالم الآخر ليس من الضروري أن تكون عقاباً لإثم أو نتيجة لخطيئة، وإنما قد يذهب الأبرياء بالنسبة ذاتها التي يذهب بها الأشقياء إلى العالم السفلي، وهذا ما نجده في رواية "القضية" لفرانز كافكا(126) التي تبدأ على النحو التالي: "لابد أن أحداً كاد للسيد يوزف ك، لأنه اعتقل ذات صباح دون أن يكون قد اقترف ذنباً".

إنه الطريق ذاته الذي سلكته بروسربين. وفي نهاية رحلة السيد ك يطعمه رجلان حبات الرمان على النحو التالي: وأطبقت على رقبة ك يد أحد الرجلين، بينما دس الآخر السكين عميقاً في قلبه". أما الرحلة التي قطعتها بروسربين من الحقل إلى العالم السفلي، فإن ك يقطعها من منزله حيث اختطف إلى المكان الذي أعدم فيه، ولم يحدد كافكا الزمن أبداً ليوحي أن أحداث روايته قد تقع في أي زمن.

بعد آلاف السنين يكتب لنا كافكا قصة بروسربين، ولكن على نحو جديد تماماً. وكذلك ك يبقى بريئاً مثل بروسربين، ومثلها يعاني من أسياد العالم السفلي، وهم في الرواية عبارة  عن منظمة خفية مستترة، تماماً مثل تخفي بلوتو واستتارة، وهم يلجأون إلى المكر والخديعة والعنف مثل بلوتو تماماً. وكما صارت قصة بروسربين مضرب الأمثال صارت قصة السيد ك مضرب الأمثال في الأدب العالمي الحديث. ‏

بين أسطورة بروسربين ورواية "القضية" مئات الآثار الأدبية المشابهة. منها على سبيل المثال قصيدة "حديقة بروسربين" لسوينبرن (172) التي نجد فيها وصفاً للعالم الآخر، من وجهة نظر الشاعر الذي التزم بمفردات الأسطورة أكثر من كافكا بكثير. وسأكتفي بترجمة المقطع التالي لتبيان ذلك:

تنتظر الواحد بعد الآخر.

تنتظر كل البشر الذين يولدون،

وتنسى أمها، أمها الأرض.

تنسى حياة البذار وحقول القمح.

فالربيع والبذار والسنونو

اتخذوا أجنحة وتبعوها، حيث أغنية الصيف باطلاً تصدح،

 وحيث الأزهار غدت مثار احتقار.

إنه في هذا المقطع يكاد يكرر الأسطورة ذاتها، إذ أن أمّها، الأرض، تحجب عن الناس الخصب، فيذوي كل شيء.

أما توماس كامبيون، المعاصر لشكسبير، فلا يخرج عن إطار هذه الأسطورة.

عندما تجبرين على النزول إلى

ظلال العالم السفلي

وتحلين ضيفة فاتنة

وحولك تتحلق الأرواح الجميلة

يُولّيْ البيضاء، وهيلين المغناجة

وبقية الحسناوات

ليسمعن قصص حبك الأخيرة

من ذلك اللسان  العذب الذي

تحرك موسيقاه هضاب الجحيم.

 عندئذ تكلمي عن المسرات والآداب.

*   *   *

ولكن عندما تخبرينهن عن كل تلك الأعمال

الرفيعة التي صنعت لأجلك

عندئذ أخبريهن كيف أقدمْتٍ على قتلي(128).

ولو رحنا نعرض الأعمال المماثلة من الأنواع الأدبية لما انتهينا، ولكننا اكتفينا بهذين المثالين الممتدين بين أسطورة بروسربين ورواية كافكا، وهما من زمنين مختلفين، فسوينبرن ذهب إلى العالم الآخر في فاتحة القرن العشرين بينما سبقه كامبيون بقرون إلى هناك.

الأسطورة واحدة، بيد أن الأسلوب يختلف. وهذا طبيعي لأن التقاليد الأدبية تتفاعل مع البيئة الفكرية والثقافية للعصر،  ولهذا اختلف أسلوب سوينبرن ونظرته عن أسلوب كامبيون ونظرته. ولكن الأدب يظل كلاً واحداً، ينتج الجديد باستمرار من غير أن يناقض ذاته ويتخلى عن قيمه وأهدافه.

كيف نحدد الجديد في الإنتاج الأدبي؟.... بالرجوع إلى الأسطورة الأساسية. إن الجديد هو ذاك الذي يعيد علينا هذه الأسطورة بعد تحقيق شيء من "الانزياح" الذي يمكن القول أنه تعديل تفرضه ظروف العصر والحياة الاجتماعية على الأديب. إننا اليوم لا نتوقع أن يظهر بلوتوفي أثر أدبي كما ظهر في الأسطورة النموذجية. ولكن أي شيء يقوم بوظيفته يمكن أن يغني عنه، كالمنظمة السرية في رواية كافكا، على سبيل المثال. إحلال المنظمة محل بلوتو هوالانزياح الذي أشرنا إليه. إنه "إنزياح" عن الأسطورة النموذجية من دون الإخلال ببنيتها الدلالية". ومثل هذا الانزياح هو التعديل الذي يفرضه كافكا المليء بالمنظمات السرية التي تدب رعباً لا يقل عن الرعب الذي يدبه بلوتو في القلوب الآمنة البريئة.

 لنحدد الجديد بكلمات قليلة: الجديد هو الإجادة في التعديل الذي يزيح العمل الأدبي عن الأسطورة النموذجية وفقاً للضرورات القائمة.

 الإجادة؟.... إذن لابد للمجدد من أن يتمثل جيداً التقليد الأدبي، بكل أدواته واتجاهاته ووسائطه. وأن يربي خياله تربية أدبية، حتى يكون قادراً على التعديل وضبط الانزياح. أما إذا كان سطحياً، لا يتقن التقليد الأدبي جيداً ولا يمتلك أدواته، فإنه يفشل في تحقيق الجديد. سيأتي أثره مشوشاً. إنه عندئذٍ يسير في الضباب.

الضرورات القائمة؟... نعم إنها مستجدات عصرية، لكنها ليست من المستجدات العابرة التي لا تمكث إلا حيناً أو بعض الحين، وإنما هي المستجدات الضرورية التي لا مهرب منها، والتي يرى الكتاب الأصلاء أنفسهم مضطرين إلى أخذها بعين الاعتبار، وتعديل الانزياح الأسطوري بما يلائمها، سواء أكانت هذه الضرورة مادية أو روحية.

إن مايجري في الأدب هو انعكاس لدورة الطبيعة، فالربيع يكرر نفسه باستمرار، ولكننا لا نستطيع القول إن ربيع هذه السنة كربيع السنة الفائتة إلا في الإطار العام. إنه ربيع جديد فنسبة أنواع المزروعات ليست واحدة، والمناخ لا يتكرر كمناخ الربيع السابق تماماً، مما يجعله يلائم بعض النباتات أكثر من بعضها الآخر... أشياء كثيرة تتغير: الغيوم والمطر والنفل وكل البقول... إن ربيع هذا العام منزاح، إلى هذه الدرجة أو تلك عن الربيع السابق. وسبب انزياحه يكمن في تلك التعديلات التي قامت بها الطبيعة، فكل ربيع هو جديد لكنه مرتبط ارتباطاً وثيقاً بدورة الطبيعة. إننا موقنون من قدوم الربيع، ولكننا لا نستطيع أن نحدد شكل هذا القدوم بالضبط، فقد يبدأ ماطراً هذه السنة أو غائماً بلا مطر... باختصار نقول إن كل ربيع سيتخذ صورة جديدة، عناصرها هي عناصر الربيع السابق، بيد أن نسب هذه العناصر في اجتماعها تختلف بالتأكيد عن الربيع السابق.

وما يتحقق في الدورة الكبرى يتحقق في الدورة الصغرى، فنحن دائماً نستقبل يوماً جديداً، قد يطول أو يقصر حسب الفصول، قد يكون عاصفاً أو ماطراً، وقد يكون صحواً هادئاً، وحتى الأعمال التي نقوم بها في هذا اليوم هي أعمال تشبه أعمال اليوم السابق في إطارها العام لكنها ليست هي تماماً.

وكما نستقبل باستمرار يوماً جديداً، فإننا نستقبل أيضاً أدباً جديداً. إن ديك الجن الحمصي يسبق عطيل في الغيرة القاتلة بمئات السنين، فكأن الثاني يكرر مافعله الأول، لكن أحداً منا لا يجرؤ على القول أن عطيل يقلد ديك الجن، وأن لا جديد في عطيل.

إن مجنون ليلى لم ينظم بيتاً واحداً في غير الحب والغزل، وهذا النوع هو من مفرزات الوجود البشري القائم على الذكر والأنثى. فهل نستطيع الزعم أن هذه القصيدة هي نفسها القصيدة السابقة، بالمعنى الذي شرحناه آنفاً؟.

لنأخذ قصيدتين من البحر ذاته والقافية ذاتها. قد يكثر فيها التشابه، ومع أن التشابه قائم فإن المتأخرة هي الجديدة، مهما كانت نسبة تشابهها مع الأولى. يقول في قصيدة:

ألا ليتني كنتُ الطبيب المداويا

 

يقولون ليلى في العراق مريضة

على شجني وابكين مثل بكائيا

 

ألا يا حمامات العراق أعنّني

ويقول في أخرى:

 

تذكرت ليلى طرت لي شماليا

 

ألا ياغراب البين مالك كلما

ولا زال عظم من جناحك واهيا

 

فلا حملت رجلاك عشاً لبيضة

وبما أن تاريخ القصيدتين غير معروف فإننا لا نستطيع أن نحكم أيهما الأجد وأيهما الأقدم، ليس في الزمن وحسب، وإنما بإعادة تركيب الشيفرة، شيفرة التقليد الأدبي. ولهذا السبب جمع نقادنا قصيدة إلى قصيدة. فجميع قصائد الحب واحدة تقريباً، مما يجعل التماثل في البحر والقافية مضللاً كبيراً. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على مدى التداخل بين القديم والجديد. إن التقليد الأدبي الواحد هو الذي يخلق مثل هذا التداخل.

وخير طريقة لمعرفة الجديد هي تلك التي شرحناها من قبل، أقصد تقصي إعادة تركيب عناصر التقليد الأدبي أي التعديل الذي يقتضيه الإنزياح. التعديل الذي يظهر من انزياح الربيع الحالي عن الربيع الفائت. واستقراء الانزياحات وما قدمه التعديل من توليفة جديدة يطلعنا على روح العصر، وروح صاحب الأثر، وإن لم يكن بالدرجة التي يزعمها أنصار الفرادة الشخصية، إن الفرادة هي العادة التي يسير عليها المبدع في تعامله مع التراث. فرواية "الخالة تولا" لا ونامونو تشبه رواية "أوجيني غرانديه" لبلزاك. كلتاهما تقومان على نمط أولي هو "الأنثى المضحية"، أو "الأم المنقذة" لكن فرادة بلزاك أنه تعامل مع هذا النمط بواقعية شديدة تمشياً مع عصره، أما أونامونو فقد تعامل مع الأدب بذهنية فلسفية أكثر مما يجعل له فرادته الخاصة أيضاً. الجو الإسباني يبقى سائداً في"الخالة تولا" مثلما يبقى الجو الفرنسي سائداً في "أوجيني غرانديه" وهذه أيضاً من الأمور التي تساعد على الفرادة، إن "الخالة تولا" هي ربيع مثل "أوجيني غرانديه" تماماً، لكنه ربيع جديد له فرادته، ولو أن أونامونو أوغل في الفلسفة أكثر لفشل، إذ أن ذلك يبعده كثيراً عن التقليد الأدبي، مما يجعل النقد يجد صعوبة في التعامل مع أثره، وعندها يحيله إلى "من يهمه الأمر" من الفلاسفة أو المفكرين أو الاجتماعيين.. الخ. والسبب بسيط جداً وهو أنه يكون بذلك قد خالف التقليد الأدبي مخالفة شديدة.. فالتجديد نابع حتماً من احترام التقليد الأدبي.

إن المبدعين الحقيقيين يعون هذه القضية وعياً عميقاً فكم وكم من هؤلاء عالج ماهو معالج سابقاً. إن غراهام غرين في "المونسيور دون كيشوت" يعالج ماعالجه سرفانتس، ولا يملك أحد الجرأة في اتهامه بأنه قلد ولم يجدد. وبرنارد شو عالج ما عالجه شكسبير، مثل "أنطوني وكليوباترا" بل عالج ماكان قدامى اليونان قد عالجوه، فالأستاذ هو بجماليون، وبائعة هي غالاتيا، وعندما يحاول الأستاذ خلق دوقة من بائعة الزهور، فإنه يشبه بجماليون عندما حاول رد غالاتيا إلى عالم الفن الأكمل.. ولا شك أن برنارد شو لم يخشَ على نفسه من سطوة الأسطورة النموذجية. لقد أدرك مايجب أن تنزاحه حتى توافق العصر الذي يعيش فيه برنارد شو.

وأندريه جيد لم يتورع عن معالجة "أوديب" و"تيسيوس" وغوته لم يتوان عن معالجة أسطورة الدكتور فاوست، مع أن كريستوفر مارلو سبقه إليها. ولو عرفنا عدد الذين خاضوا في إعادة إنتاج أسطورة دون جوان لتأكد لنا أن الجديد يكمن في قدرة المجدد على تحريك اللعبة التي يلعبها وفق الانزياحات التي يفرضها العصر. إن أورست "الذباب" الذي أبدعه سارتر ينحدر من أورست الأسطورة، ويشبهه أحياناً حتى في طريقة حواره الدقيق، وتصرفاته. لكنه بالتأكيد ليس هو، إنه إبداع سارتري لِمَ اشتمل عليه من انزياحات فرضتها النزعة الفلسفية السارترية واقتضاها الجدال الذي طرحته الحرب العالمية الثانية بين القدر والحرية. فهل الحرب قدر أم حرية اختارها الإنسان نفسه.

وهذا ما أشرنا إليه من قبل وهو أن الأنماط الأولية تتسع وتضيق وتنقسم وتتشظى، وتتحول وتتغير عندما تعمل في شؤون العالم الأرضي. ولهذا لا يحق لنا اتهام راسين بأنه "قلد" اليونان في مسرحياته، ولو فعل لسقط فنياً، لكنه كان بارعاً بحيث نجد عقيدة "بورت رويال" التي كان من أنصارها، بارزة في معظم مسرحياته.

ومع كل عظمة فاوست غوته، فان بول فاليري أعاد تكوين فاوست من جديد دون أن يخشى على عمله من السقوط.

ومايحدث في الأدب يحدث في كل ما يتعلق بالأدب من رسم ونحت وتصوير وموسيقى ورقص، فالتجديد دائماً يكون في "الانزياح" عن النمط الأولي.

إن قرابة "قضية" كافكا من أسطورة برسيفوني، لا تقل عن قرابة فاوست غوته من فاوست مارلو. وانزياح "قضية" كافكا عن أسطورة برسيفوني ليس أكثر من انزياح فاوست غوته عن فاوست مارلو، على سبيل المثال.

لكن كلامنا لا يعني أن ليس ثمة من يسطو سطواً ويحرف تحريفاً دون دربة على التقليد الأدبي ودون دراية به. وربما كانت نظرية النقد الأسطوري ذريعة لهم لطمس عجزهم وبعدهم عن السيطرة على التقليد الأدبي الذي يتميز به "الثبات المتجدد". تماماً مثل ثبات الفصول مع تجددها الدائم.

وحتى لا يساء فهمنا في التقليد الأدبي الذي لم نتريث عنده لاعتقادنا أنه معروف، فإننا نقول على عجل أن هذا التقليد هو الذي يحكم فيما إذا كان إنتاج هذا الشخص أو ذاك أدباً أو لا يمت إلى الأدب بصلة.

في قصيدة الحب يفرض التقليد الأدبي أن تكون المحبوبة فوق مستوى البشر، حتى وإن كانت فقماء مثل بثينة جميل، فلو قدمتها القصيدة دون مستوى البشر، لعيب جسدي أو خلقي فإنها قصيدة فاشلة، ومثال للجهالة بالتقليد الأدبي. ولابد أن يكون بطل القصيدة الساخرة دون مستوى البشر وإلا لما كان ثمة مسوغ للسخرية منه. إن بياتريس وليلى وبثينة وعزة.. وأمثالهن هن تجسيد أدبي لأسطورة فينوس. وأي إخلال بذلك يعني الإخلال بالتقليد الأدبي وخروجنا من دائرة الأدب. وكل بطل هو تيسيوس أو هرقل... أو ما شابههما، فنشدان العدالة والسعي البطولي لإحقاق الحق يفرض أن يكون للبطل سمات معينة. والبطل المعذب هو سيزيف إذا كان عذابه عبثاً في عبث والبطل الطموح هو جاسون... وهكذا. فبروميثوس هو البطل المصلوب من أجل خلاص البشرية. وكل الآثار الأدبية التي على هذه الشاكلة سوف تجد نفسها مدفوعة إلى تقديم بطلها على هذا النحو، مهما كانت الانزياحات كبيرة، ومهما كانت التعديلات كثيرة...

ومثل هذا التكرار نجده في الحياة اليومية فالمحامي أمام المحكمة مضطر إلى مراعاة العمل المعتاد يومياً من حضور ومرافعة وتقديم مذكرة، لكن كل ذلك يعتبر جديداً بالنسبة إلى اليوم السابق، ولكن ما إن يخلو هذا المحامي بصديق له حتى يغير من هذه التقاليد القضائية فيعمد إلى تقليد آخر، فيتبسط بالحديث معه، وهذا ما لا يستطيعه في قاعة المحكمة. والمغني أمام الجماهير يراعي تقاليد الغناء فهو مضطر إلى الابتسام ولو كان نسر بروميثوس ينهش كبده. وما أكثر الأمثلة التي يمكن أن نسوقها.

إن التقليد الأدبي هو وليد نظام أدبي مكتمل كما يرى فراي، نظام دقيق جداً لا مجال لأن يضاف إليه أي شيء. وهذا النظام صنعه الخيال البشري الذي بلغ غايته القصوى منذ آلاف السنين، بل ربما منذ ملايين السنين، فالتصور الكوني مرسوم بدقة: العالم العلوي والعالم السفلي والعالم الأرضي ومابين هذه العوالم. وكل حركة صاعدة أو هابطة لها دلالتها الأخلاقية وتقاليدها الفنية. ودورة الطبيعة مرسومة بدقة، وموحياتها من صنع الخيال ولا مجال إلى أي تغيير فيها أو إضافة عليها، والتايبولوجيا التي وضعها الخيال الأدبي هي الشيفرة التي يتحرك فيها ويبدع كما تتحرك أصابع البيانو السلم الموسيقي المعروف فتبدع (أو تفشل في الإبداع أحياناً).

والوجود البشري القائم على الذكر والأنثى وما بينهما من علاقات حدد الاحتمالات التي يتحرك فيها  الأدب.. وباختصارأن كل ما تحدثنا عنه سابقاً يشكل نظاماً قوياً مكتملاً لا يمكن التحرك خارجه، ولكن يمكن التجديد في داخله على النحو الذي شرحناه في الانزياح والتعديل. وهذا النظام ليس فيه ناسخ أو منسوخ كما في العلم، فلا وجود لأثر أدبي يلغي ماقبله كالاختراع العلمي الذي يزيح من طريقه الاختراعات السابقة، ولا توجد نظرية أدبية تلغي النظريات السابقة كما تفعل النظرية العلمية الجيدة التي تبطل ماسبقها وتلغيها. والابتكار الأدبي الجديد ليس أكثر فائدة بالضرروة من الابتكار القديم.

والسبب في كل ذلك يرجع إلى أن هذا النظام الأدبي الضخم والمكتمل هو من صنع المخيلة البشرية، وما تصنعه المخيلة لا يمكن أن يبطل أو يلغى، لا يمكن أن نزيد فيه ولا أن ننقص منه، ولا يمكن تفسيره تفسيراً جديداً، وحركته محددة ولها دلالاتها. وهو نظام أخلاقي بكل مافي الكلمة من معنى. وبما أن هذا النظام من صنع الخيال فإنه مستمر لأن الخيال وضع الأمثل والأعلى فيه، من كل العوالم المتخيلة، السلبية منها والإيجابية، من أجل التوازن النفسي بين الوجود الإنساني والوجود الكوني، ولخلق الانسجام داخل النفس البشرية.

فالقتل دعوة لا وجود لها في الأدب إلا للخلاص من مخلوقات العالم السفلي، أي ماتحت مستوى البشر، سواء كانت مخلوقات مادية من مؤسسات استغلالية واستلاطية، أو كانت مخلوقات معنوية كالكذب والنفاق والغدر والخيانة وكل مايفرزه العالم السفلي. فلا يوجد أدب يقف إلى جانب هذه القوى الجهنمية التي تخل بالوجود الإنساني. إن الكائنات السفلى يجب أن تتطهر وتعتنق المفهومات والتقاليد العلوية حتى تقبل توبتها ليتمكن الأدب من استخدامها: فالجن الذين يقف الكاتب إلى جانبهم هم أولئك الذين يعملون من أجل إعادة التوازن، أما جن التشويش فإنهم يستخدمون في الأدب استخداماً آخر. وهذا الاستخدام يرمي في النتيجة إلى خلق الشخصية الإنسانية المتوازنة. فالنهايات في كل الآثار الأدبية هي نهايات تصل إلى قيمة علوية، قيمة لصالح البشر. فالأدب نظام قيم أيضاً. إن أعظم سلعة عرفتها البشرية هي السلعة الأدبية وهي السلعة التي تغني ولا تفقر واستهلاكها لا يتلفها كالسلع الاقتصادية، بل يؤكد وجودها ويعمم فائدتها.

كل أثر أدبي جديد هو ابداع جديد ضمن النظام الأدبي الصارم، تماماً مثلما أن كل يوم جديد تقوم به الطبيعة ضمن نظامها الصارم.

وكل أثر أدبي هوطريقة في التعامل مع الأسطورة الأساسية. الأسطورة هي منبع الأدب ومنهج النقد، وكما أن الأدب هو طريقة في التعامل مع الأسطورة فإن النقد راصد يتتبع الانزياحات التي تظهر في الآثار الأدبية. وكل انزياح في الأسطورة يتصوره الأدب، يضطره إلى التعديل ليتلاءم العمل الأدبي مع ذاته ومع روح عصره. وفي هذا الانزياح يكمن التجديد في الأدب. لكن التجديد -أي الانزياح عن الأسطورة الأولية- مهما بلغ من شدة، يظل مشدوداً إلى الأساس، لا يستطيع أن يخرقه ولا أن يخرج عنه...

 

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244