النظرية الأدبية الحديثة والنقـد الأسطـوري - حنا عبود

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:45 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
المدرسة الفرنسية: العقد وأحلام المادة

المدرسة الفرنسية: العقد وأحلام المادة

تداخل ونجومية

لم يظهر إسهام المدرسة الفرنسية في النقد الأسطوري في الممارسة النقدية العربية، فالبلدان العربية التي تأخذ بالثقافة السكسونية كمصر والعراق وفلسطين والأردن لم تتعامل مع الثقافة الفرنسية اللاتينية كثيراً ، وقلما ظهرت نشاطات هذه الثقافة في ممارساتهم النقدية. أما البلدان المتأثرة بالثقافة اللاتينية الفرنسية، كلبنان والمغرب العربي فقد انجرفت وراء الفرويدية وانساقت مع المذهب البنيوي الفرنسي الذي شاع في الستينات. وقد اعتبر فرويد بنيوياً كاملاً بفضل نشاط بعض المفكرين الفرنسيين من أمثال جاك لاكان، فعرفت الفرويدية أنواعاً من النجومية: أولاً: بسبب شيوعها في الخمسينات، وثانياً بسبب اعتبارها من صلب البنيوية، بل مضى بعض المبالغين إلى حد الزعم أنه لا بنيوية من دونها، مما ضمن لها استمرارية لم تتوافر لغيرها من المذاهب.

على أن النجومية التي حققتها الفرويدية ليست السبب الوحيد لانتشارها، فهناك سبب آخر لا يقل عنه أهمية وهو التداخل الذي اعتمده الفرويديون، فقد استخدموا المنجزات اليونغية كأنها منجزات فرويدية، مقتدين في ذلك بفرويد ذاته الذي كان يستخدم مصطلحات من ابتكار يونغ، ففي عام 1903 استخدم المصطلح اليونغي "العقد النفسية" وأحله محل "العواطف الأوديبية" التي كان يعتمدها قبل ذلك من دون أن يشير إلى يونغ.

وعندما أعاد طباعة كتبه السابقة حذف "العواطف الأوديبية" ووضع مكانها "عقدة أوديب"(129).

 

وقد أسهم العالم النفسي السويسري شارل بودوان في جعل اليونغية تتداخل مع الفرويدية وتنضوي تحت لوائها من دون أن يكون لها حضور مستقل في دراسته الموسعة للعقد النفسية في كتابه "النفس الطفلية والتحليل النفسي"(130). ومع أنه متأثر إلى حد كبير بدراسات يونغ ومفهوماته عن الأنماط الأولية، إلا أنه يوحي للقارئ أنه تلميذ فرويد الخالص نظراً لتضخيمه العقد الأوديبية وجعلها مرتكزاً للنفس البشرية.

فإذا أضفنا إلى ذلك إسهامات ماري بونابرت وجاك لاكان ومارتا روبير وساره كوفمان وشارل مورون الذين اعتمدوا "العقد الأوديبية" كنقطة انطلاق في تحليل الأديب والأدب، والأرجح أن يكون تحليل الأديب مفتاحاً لتحليل أدبه، عرفنا لماذا طوت الفرويدية تحت جناحيها مدرسة يونغ وجيرتها باسمها، فحتى غاستون باشلار اليونغي صار ينظر إليه على أنه علم من أعلام التحليل النفسي الفرويدي حتى وقت غير بعيد.

إن غلو أنصار الفرويدية أسهم من جهة أخرى في إشاعة مصطلحاتها، فقد غدت الآثار الأدبية في نظرهم أوعية تجمع الرموز الفرويدية: فأجراس الكنائس وقبابها ومآذن المساجد وشواهد القبور والأشجار والغابات والأدغال والبحار والأنهار والكهوف والشقوق والحقول والورود.... ليست سوى رموز جنسية تعبر عن الرغبات المكبوتة، وعلاقات الناس مع بعضها تحمل مسبقاً شارة الإثم، كعلاقة الفتاة بأبيها وعلاقة الابن بأمه أو أخته. لقد شيد الفرويديون قلعة كبيرة جداً مبنية من حجارة النزوعات الجنسية.

ويحق للقارئ المطلع على إسهامات الفرويديين في الميدان الأدبي أن يتساءل:

هل صحيح أن الأديب عندما يصور ناقوساً أو مأذنة أو مقبرة أو تضحية من أجل الأم أو تمرد في وجه الأب... يقصد حقاً تلك المعاني التي أضفاها الفرويديون على هذه الأشياء...؟

ألا يمكن أن يكون الناقوس أو المأذنة أو الشجرة رمزاً للبعث والقيامة؟ إلا يمكن أن تكون المقبرة والكهف والوادي رموزاً لرحلة الأعماق والدخول في العالم الليلي؟.... ألا يمكن أن يكون ثمة تأثير للمعنويات وأخلاق الواجب الكانتية والتصورات الأخروية والآمال المستقبلية في الأدب؟

الاسم الذي أطلقه يونغ على مذهبه "علم النفس التحليلي" لم يسهم كثيراً في تمييزه من مذهب فرويد "علم التحليل النفسي"، ولكن الاسم الذي أطلقه نقاد الأدب على إسهاماتهم "النقد الأسطوري" ساهم كثيراً في وضع خط فاصل بين النقد اليونغي والنقد الفرويدي.

ومن الصعب تحديد أول من أطلق هذه التسمية، لأن تاريخ ظهوره في كتاب ليس هو تاريخ التسمية، فمعظم الكتب النقدية كانت تظهر على شكل دراسات منفردة ومقالات منفصلة قبل جمعها في كتاب منظم.

ولكننا نرجح أن تكون التسمية قد ظهرت في الخمسينات على يد نورثروب فراي في كتابه "تشريح النقد" ففي المقالة الثالثة من هذا الكتاب شرح المقصود بالنقد الأسطوري. وقد وضع عنواناً لهذه المقالة هو:

 

Architypal Criticesm: Theory Of Myths

فهو يرى أن الأنماط الأولى ماهي إلا أساطير لابد أن تتجلى في الأدب، ومهمة النقد الأدبي هي الكشف عن هذه الأنماط وإظهار مدى الانزياح والتعديل والانقطاع والتغيير وأساليب الأداء الجديدة التي خضعت لها، فكل نقد أدبي لابد أن يكون نقداً أسطورياً مادام الأدب فناً مجازياً، ومادام المجاز يرجع إلى الأنماط الأولى.

لكن الملاحظ أن  المدرسة الفرنسية لم تكن تعاطى كثيراً أفكار فراي الذي لم يترجم كتابه إلى الفرنسية إلا في عام 1969، وقد شقت لنفسها طريقها الخاص الذي لم يكن في بادئ الأمر يتميز من الفرويدية بسبب إسهامات شارل بودوان وغيره في الاستفادة من المقولات الفرويدية لإغناء الأطروحات اليونغية. وقد جاءت محاولات جلبرت ديوران وهيلين توزيه وجان بيير ريشار لتضاف إلى جهد غاستون باشلار وتجعل النقد الأسطوري يتخذ خطاً خاصاً به، بعد أن استفاد من الأنتروبولوجيا التي انتشرت في كل أوروبا ولاقت رواجاً عظيماً، وبعد أن استخدم جلبرت ديوران تسميات خاصة بهذا النقد كالنقد الخيالي والبناء الأسطوري وأنتروبولوجيا الخيال... ومنها "النقد الأسطوري" كما سنعرض فيما بعد.

وبهذا نكون أمام مدرستين فرنسيتين متمايزتين: مدرسة العقد النفسية(الفرويدية) ومدرسة النقد الأسطوري (اليونغية).

من مساءلة العلم إلى النقد الأسطوري: غاستون باشلار

 يعتبر غاستون باشلار أبرز أعلام المدرسة الفرنسية وأوسعهم شهرة، فقد كان الأستاذ الأكبر لجيل الستينات الذي تابع عمله، وهو من الفلاسفة المرموقين الذين تقدموا بأطروحات جديدة ومثيرة. 

كل المؤلفات العلمية التي كتبها باشلار هي في حقيقتها مساءلة للعلم مثل كتب  تيار دي شاردان، وإن اختلفت الاستهدافات قليلاً بين الرجلين. إن مؤلفات باشلار: العقلانية التطبيقية (131) والفكر العلمي الجديد (132) وتكوين العقل العلمي (133) ماهي إلا مواجهة للعلم بأسئلة يفرزها النشاط النفسي الإنساني.

لن نعرض مافي هذه الكتب من تساؤلات دقيقة ومرهفة، إذ يمكن للقارئ أن يطلع عليها بتفاصيلها وتفريعاتها، فمانرمي إلى عرض الثقافة الباشلارية الموسوعية، وإنما نكتفي بالإشارة إلى أن باشلار في عمله هذا إنما يتابع المساءلات اليونغية المطروحة على العلم.

إن النقطة المشتركة بين المساءلتين: اليونغية والباشلارية هي هل العالم هو انتقال من المرئي إلى المرئي؟ هل يستطيع العلم أن يتطور إذ ما اتخذ هذا المسار مما يرى إلى مايرى؟

سوف ندع جانباً مداخلات باشلار الدقيقة ومناظراته في الميكانيك اللانيوتوني أوالمادة والإشعاع أو الأمواج والجسيمات أو أسطورة الهضم ونكتفي بإلقاء نظرة على التطور العلمي العام من مستوحياته.

في مصر نشأ العلم: هندسة وري ومساحة وعمارة وفنون راقية جداً ما تزال تسحر الإنسان العصري. من أين جاءت كل هذه العلوم والفنون؟ لاشك أنها لم تأت مما يرى فقبلها -على ماهو معلوم- لم يكن ثمة شيء من هذا القبيل، فلا بد من التسليم أن نقطة الانطلاق كانت من الروحانية الإنسانية، فهندسة الأهرام وإقامة النصب والتماثيل والرسوم والنقوش لم تكن تقليداً أو تطويراً لمرئيات سابقة. فكل مايمكن قوله في تفسير هذه الانطلاقة إنها جسر عبور من اللامرئي إلى اللامرئي، انطلقت بناء على تصور مسبق لتحقيق تصور اسكاتالوجيا، فالعلم جسر عبور مرئي يصل بين طرفين غير مرئيين. ولولا هذا الانتقال مما لا يرى إلى ما لا يرى لما تطور العلم ولما تقدم، فالتقدم يحصل في النفس أي فيما لا يرى قبل أن يحدث في المادة أي فيما يرى.

 لو نظرنا اليوم في هذه السلع والبضائع التي تغرق الأسواق وفي هذه المخترعات من أسلحة وغيرها لرأينا أنها تبدأ مما لا يرى، فكل منتج يدفع بسلعته لا لسد حاجة بشرية، بل لاستغلالها من أجل تمكين سيطرته وسيادته، تماماً مثلما كان المصري يبني الأهرام ويقيم النصب والتماثيل، سوى أن العلم الحديث بات ملوَثاً (بفتح الواو) وملوِثاً (بكسر الواو) لأن النفس التي لا ترى في هذه الأيام اختلفت عما كانت في غابر الأيام يوم كان العلم نظيفاً. فالهاجس المعنوي القائم في النفس والذي لا يرى هو المسؤول عن الانتقال إلى الحقيقة الموضوعية، جسر العبور إلى ما لا يرى. إن هذا الهاجس يطلق أشباحاً تقوم بصناعة الحقيقة الموضوعية التي نضفي عليها صفات إنسانية، في حين تحمل في طياتها هواجس نفوسنا، خيرة كانت -كما في مصر- أو شريرة كما هي اليوم.

 هذه هي نقطة انطلاق باشلار في دراسة الظواهر العلمية والنفسية أيضاً، فالنار مثلاً بدأت من النفس وليس من العالم الخارجي. إن العلماء والباحثين والانتروبولوجيين لم يتفقوا على سبب ظهور النار، هل هي من احتكاك الأغصان أم احتكاك الغيوم....(134) وهو يأخذ على جيمس فريزر أنه في كتابه عن النار (135) يحاول تقديم تفسير موضوعي لنشأة النار، في حين أن النار ذات منشأ نفسي صرف، كغيرها من الاختراعات البشرية. إنها انتقال مما لا يرى إلى ما يرى. ويأتي باشلار بأسطورة من أمريكا الجنوبية ليفسر النار: يمسك البطل بامرأة ويهددها بأنه سوف ينالها إن لم تكشف له عن سر النار، فتجلس على الأرض، وفخذاها منفرجتان، ثم تهتز بطنها فتخرج كرة نارية من فرجها. وقد علمته أن بإمكانه جمع القشور والثمار والفلفل الحار ويشعل فيها الناربتقريبها من الكتلة التي خرجت منها.

 باختصار أن باشلار يرى أن الخطوة البشرية كانت الانتقال من الأسطورة إلى الحقيقة الموضوعية، مؤكداً أطروحة يونغ في أن الجهاز الأول في الإنسان الذي يدفعه إلى التصرف والسلوك هو الجهاز النفسي الخفي.

يتابع باشلار عمل يونغ ولكن من مدخل آخر فهو لا يعود إلى الأنماط الأولية بل إلى العناصر الأولية التي تحدث عنها فلاسفة ماقبل سقراط: التراب والهواء والنار والماء. ويؤكد أن كل الأحلام البشرية إنما تنطلق من هذه العناصر بما فيها من الأنماط الأولية وكل ماينجم عنها. هناك أحلام حارة وأحلام باردة، أحلام صاعدة وأحلام هابطة وأحلام تدنيس وأحلام تطهير... كلها مرتبطة بتلك العناصر المادية. وصفات هذه العناصر تنحدر من أصل نفسي. لقد أكد ارتباط الخيال بالمادة في سلسلة من كتبه، فإلى جانب النار هناك "الماء والأحلام" و"الهواء والأحلام"  والتراب وأحلام الراحة والهواء وأحلام الإرادة".

أن باشلار يختلف عن يونغ في تحليلاته ولكنه يصيب في النتائج التي انتهى إليها وهي الأنماط الأولية. وقد طور نظرية يونغ في ارتباط الأدب بالحلم (أي الأسطورة، فرموز الحلم هي رموز الأسطورة ذاتها، لذلك تكون الأحلام واحدة عند الجميع) فرأى أن اللاوعي هو ماقبل الوعي، أي طبقة نفسية أقل عمقاً وأكثر عقلانية، وهي التي تنشئ الهواجس ومن الهواجس ينشأ الأدب بكل أنواعه. والهاجس ليس حلماً ليلياً وإنما هو حلم نهاري أو ما نسميه حلم اليقظة الذي يتميز من غيره أنه مركز على موضوع معين، وأنه منبع العقد النفسية، وخاصة عندما يصطدم الهاجس بالواقع، فالعقدة النفسية ليست ذات منشأ جنسي وحيد كما في الفرويدية. إنها نتيجة صدام الرغائب الهاجسية بشتى أنواعها مع الواقع وليس الرغائب الجنسية وحدها.

هذه النقطة - انبجاس الأدب من حلم اليقظة- هي نقطة إشكالية قابلة للنقاش. فقد تكون الآداب الدرامية منبجسة فعلاً من حلم اليقظة، لكن الشعر شيء آخر، ونقصد بالشعر القصيدة الذاتية وليس الشعر الملحمي أو الدرامي، فهذه القصيدة أقرب إلى الحلم الليلي منها إلى الحلم النهاري، فهي لاتمتاز بوحدة التركيز على الموضوع كالفنون الدرامية فالصور فيها متتالية من دون ضابط أحياناً، تماماً كما في الحلم الليلي. ربما تتأثر بالحلم النهاري ولكنها في تدفق صورها المتنوعة والمشتتة أحياناً تتصل بالحلم الليلي. على أي حال ليس هنا مكان الدخول في هذه الإشكالية.

في كتابه "شعرية المكان" (136) يتابع نقده الأسطوري فيرى أن المكان هو حيز تنشئه النفس بعيداً عن المبادئ الهندسية. فالمكان بناء نفسي قبل أن يكون بناء هندسياً. فالبيت يتشكل وفقاً للمنحنى النفسي، فهو بيت أو عش أو ملجأ أو متاهة أو ساحة معركة ومتراس للتلطي والانقضاض... ولا علاقة للحقيقة الموضوعية في صياغة المكان، فالصحراء بالنسبة إلى البدوي هي بيت الأمان وليس المدينة التي يشرف عليها رجال الأمن المنتشرون في كل أرجائها، والصحراء أجمل من كل قصور العالم في نظره، على حد قول ميسون الكلبية:

 

أحب إلي من قصر منيف

 

لبيت تخفق الأرواح فيه

أحب إلي من لبس الشفوف

 

ولبس عباءة وتقر عيني

والمكان الغريب يظل مكاناً عدائياً مهما توافرت فيه ظروف الأمن ومهما كانت تزينه ضروب الجمال من كل صنف ولون. فالمعالم المكانية هي معالم نفسية، نحن الذين نقيمها فنجعل لها حدودها المادية، ومن مقلع أنفسنا نجلب الحجارة التي نقيم بها هذا الشكل أو ذاك. فالأهرام هندسته وبنته النفس البشرية، وما اليد البشرية إلا الانتقال من الذي لا يرى إلى ما يرى. وهذا الما يرى هو معبر إلى ما لا يرى.

المكان هو ابن الأسطورة، ابن النفس الإنسانية، على الرغم من بروزه المادي الموضوعي وعلىالرغم من وجوده الحقيقي المستقل عن مشاعرنا وعواطفنا. وعندما أصر لينين على أن الواقع الموضوعي هو كل ما له وجود مستقل عن الإنسان، إنما كان يرسم الواقع الذي لا وجود له في الحياة. إن وجود مثل هذا الواقع لا يختلف عن وجود نجم يبعد عنا ملايين السنين الضوئية، فكل ما لا طاله الأسطورة لا وجود له، فبالأسطورة وحدها توجد الأشياء وبها وحدها تبدع النفس العالم الأدبي الذي يختلف عن العالم الواقعي. والمكان الواقعي تعاد صياغته وفقاً لميتافيزياء النفس، فلا عجب إذ قال الشاعر بيير -بيرو:

بضربة من القلم اسمي نفسي

سيد العالم

الرجل غير المحدود (137).

أما ريلكة فيطلعنا كيف يخلق المكان في أعماق النفس فيخرجه الفن بريشته وفق الاشتهاء:

المكان، خارجنا، يجتاح الأشياء ويغتصبها:

إذا أردت أن تحقق وجود شجرة،

أشحنها بحيز داخلي، هذا الحيز

الذي يوجد في داخلك بالتوترات

عندها سوف تتخطى الحدود وتصبح شجرة حقاً

فقط حين تتخذ مكانها في قلب نكرانك للذات (138).

يالها من مهارة، فعلاً رصد ريلكة عملية خلق المكان في الشعر، بل في الأدب كله. إنه يضع القانون العام للإبداع الأدبي ويطلعنا على ميكانيزما الخلق، وكيفية عمل الأعماق، والصفاء الذي يجب أن تكون عليه حتى يكون البيت أليفاً؟ وهل هناك صفاء أكثر وأروع من نكران الذات؟

وفي معالجته للزمن (139) يسير في المنحى ذاته، وما السلم الذي ينصب بين مكان ومكان سوى تجسيد لحس الصعود أوالهبوط أو الهرب أو الإقدام... وفق إيقاعات زمنية نفسية مما يدل على أن الزمن يرتبط بالمكان، وبالتالي بالنفس البشرية طبعاً. وكما يتحول المكان من راحة إلى عناء ومن ارتقاء إلى انحدار ومن أليف إلى بري... كذلك الزمن يتحول إلى زمن عذب أو زمن كدر إلى زمن متطاول أو زمن مختصر أو مبتور... إن الإيقاع الزمني يدخل في أعماق النفس أو بالأحرى ينبع من أعماق النفس ثم يتجلى بكيان فني. فهناك يكون النشاط الفعال الذي ينتج الحس الزمني في الأدب ومافيه من تواصل أو انقطاع. أن الديمومة التي حدثنا عنها برغسون توقعنا في رتابة غريبة، فالإيقاع النفسي لا يسير على وتيرة واحدة فثمة انقطاعات يخضع لها الزمن خضوعه للحظات التواصل، ويظهر ذلك في الفضاء الكتابي.

*    *    *

لقد أسهم غاستون باشلار في إرساء النقد الأسطوري وقدم دعماً قوياً لهذا المسار، وعلى الأخص في انتقاله إلى النقد الأسطوري بعد رحلة طويلة في مساءلة العلم، بل العلوم الحديثة، من عقلية تطبيقية، بل نكاد نقول أنه لولا مساءلة العلم لما انتقل إلى النقد الأسطوري. وبفضل باشلار برزت المدرسة الفرنسية الأسطورية وصارت لها شخصية تميزها من مدرسة العقد النفسية، مدرسة التحليل النفسي الفرويدية.

جلبرت ديوران وهيكلية الخيال

من أبرز تلاميذ غاستون باشلار النابهين الذين أسهموا في النقد الأسطوري يقف جلبرت ديوران في المقدمة، فبذل جهود كبيرة في رصد هيكلية الخيال في العمل الأدبي.

 لم ينطلق ديوران من العناصر المادية القديمة: النار والماء والتراب والهواء، كما فعل أستاذه باشلار، وإنما انطلق من متابعة الخيال ذاته، من متابعة الاسطورة كما تتجلى في العمل الأدبي، ثم تحليلها وإظهار المرتكزات التي تقوم عليها. ليس هذا وحسب بل رصد الديكور الأسطوري، أي الأسطورة وما يصيبها من تطور على يد الكتاب مع مرور العصور وحسب طبيعة النوع الادبي الذي يعمل فيه الأديب، ومسألة الديكور عند ديوران هي ذاتها مسألة الإنزياح عند نورثروب فراي، أي انزياح الأسطورة في نص أدبي عن الأسطورة الأساسية فلا تكون المطابقة كاملة، لأنها تخضع لتعديلات كثيرة تفرضها ظروف الكاتب وشخصيته وثقافته وعصره... إن هذا العمل الذي يقوم به الكاتب يسميه ديوران الديكور، أو فن الزينة، بدلاً من الانزياح. ولا نظن أن كلمة ديكور تؤدي المعنى الدقيق كلفظة كما أراد فراي، لأن الانزياح عمل اضطراري يقوم به الأديب وفقاً لمعطيات عصره وأساليب تعبيره، بينما توحي كلمة ديكور بنوع من العمل الزخرفي الإضافي الذي لا يخضع للاضطرار. أن في الانزياح نوعاً من الحتمية الخفية المتأتية من معطيات الثقافة والظروف والبيئة وحتى المزاج الشخصي لكنها حتمية لا تبدو للعيان، إذ نظن أن الكاتب "يتسلى" وماهو بذلك، أما لفظة الديكور فتوحي بالعمل الإضافي لا العمل الأساسي، في حين أن إعادة تكوين الأسطورة يقتضي استخدام مواد جديدة عصرية هي ذاتها الديكور الذي يعنيه ديوران.

فالأسطورة ذات هيكلية واحدة لا تتغير، فعندما نريد إنتاج الأدب فلابد من إخضاع هذه الهيكلية لديكورنا الخاص، فنطليه -وفقاً لقواعد منضبطة وليس عشوائياً- بما نملك من المواد الأدبية الحديثة.

لنأخذ البطل كنمط لنوع من هيكلية الخيال. إنه يواجه دائماً ثلاثة أنماط من الخصوم:

1 -  الخصم المعارض أو حارس العتبة الشرير.

2 - الذهب المشؤوم.

3 - المرأة الشريرة.

الخصم المعارض لا يتغير، وما يتغير هو الديكور فقط، مما يدل على أن الأدب تحكمه الوظائف التي تسندها إليه وإلى شخوصه الأسطورة: فتسيوس بطل شمسي يواجه المينوتور في المتاهة وبرسيوس بطل شمسي أيضاً يواجه ميدوزا، وأورفيوس يواجه حارس الجحيم سيربريوس الكلب المثلث الرؤوس، وأوديب يواجه أبا الهول وهرقل يواجه الأسد النيمي أو الثيران الجهمية أو ما شابه ذلك مما هو معروف في أعماله.

فإذا انتقلنا إلى ستاندال وجدنا بطله اتيان سوريل يواجه مثل هؤلاء الخصوم. فهو أيضاً بطل شمسي يواجه الغياهب: أي كل ماهو آثم وشرير من مفرزات العصر من أمثال رجال المال والسجان والمركيزة... وهذا هو الديكور الذي يزين به ستاندال هيكلية الأسطورة الأساسية.

أما الذهب المشؤوم فمنذ الجزة الذهبية ومغامرة جاسون المشهورة يظل الذهب رمزاً للشؤم. كل الديكورات التي قام بها الكتاب لاحقاً لا تغير من الأمر شيئاً سواء استبدلنا الذهب بالعقارات والشيكات والشركات والمؤسسات أم لم نستبدل فالأمر سيان. وحيث يكون الذهب /الثروة/ المؤسسة/ الشركة، أوالملكية تكون الجريمة التي يمهد لها الكاتب بجملة من المغامرات والمنعطفات، مثل رحلة سفينة الأرغو قبل الوصول إلى الجزة الذهبية ووقوع الجريمة. وبعد سلسلة من المنعطفات والصراعات الماهدة تقع الجريمة وتنتهي رحلة البطل الأسطورية، إذ يكون قد دخل في المتاهة أو الكهف أو الظلام الليلي وخرج من المعركة الكبرى إما ميتاً أو منتصراً.

والمرأة الشريرة لا تخرج من الفقر، بل تقفز من أكوام الذهب أو الثروة، وتقدم لنا الأسطورة الأولية عن ميديا الهيكلية الكبرى للمرأة الشريرة. أن ميديا ترافق الجزة الذهبية. فهي ترتكب الجريمة بحق أخيها وأبيها، ثم تنقلب على جاسون نفسه... الذي أحبته وضحت من أجله فتقتل أولادها على مرأى ومسمع منه لتكون الجريمة أوقع في نفسه وهو ينظر إلى أولاده وهم يقتلون.

وتتكرر الهيكلية الأسطورية للمرأة بديكورات مختلفة من أمثال كاليبسو أو سيرس أو المرأة  الأمازونية التي وجدها جلبرت بكثرة في مؤلفات ستاندال. والأمازونية هي التي تقابل دليلة الغاوية أو سيرس المغرية، فهي امرأة مسترجلة استرجالاً مصطنعاً، أي أنها بالتربية لا بالوراثة باتت تكره الرجال وتقتلهم، على عكس الغاوية التي تستدرجهم إلى الفخ والشباك.

فكل امرأة شريرة لا بد أن تكون واحدة من نوعين: غاوية تقتل بالإغواء أو مسترجلة تدفعها الكراهية إلى القتل، فهي تكرار ديكوري للأسطورة الأولية.

ومن الإلماحات الهامة والطريفة التي أشار إليها ديوران تحليله لنظام الخيال، فقد جعله نوعين: النظام الملحمي والنظام الزهدي أوالشاعري. البطل في النظام الملحمي للخيال يتجه إلى الخارج ويقوم بمغامرات ويخوض الأهوال ويواجه المخاطر، فهو يعمل كما يريده الناس أن يعمل. إنه يمثل القناع بالمفهوم اليونغي من أمثال تسيوس وهرقل.

أما البطل في النظام الزهدي فثمة ارتداد نحو الداخل وهنا يبزغ البطل الشاعري، البطل الحساس المرهف الذي يغوص في التأمل أوالمعرفة الذاتية Solipsism. وهذا البطل هو الذي تظهر معه المرأة المضحية، المرأة المحبة، المرأة النبيلة.... من أمثال يوريدس التي ظهرت إلى جانب أورفيوس الفنان الموسيقي الشهير. فنحن دائماً أمام بطل مغامر أو بطل متأمل، بطل يتجه إلى الخارج، أو أنه يتطهر بالشعر والفن. النوع الأول ترافقه أو تظهر أمامه المرأة الشريرة. والثاني تظهر أمامه المرأة النبيلة التي تستحق أن يضحي من أجلها.

بقي علينا أن نعرج قليلاً على ما يقصده ديوران بالنقد الأسطوري "Mythocritique" النقد الأسطوري هو النقد الذي يبحث في النص عن الوحدات الأسطورية فيعود بها إلى الهيكلية الأسطورية الأولية من جهة ويبين ما أصابها من إضافات أو ديكورات من جهة ثانية. وهذا يعني ضبط الموضوعات التي تتجلى فيها الأسطورة الأولية، ثم ضبط الحالات التي تظهر فيها الشخصيات، وفي النهاية وضع العمل في المكان المخصص له إلى جانب الأعمال الأخرى، أو بمعنى آخر القيام بنوع من المقارنات لتحديد العمل الجديد.

ولا يقتصر النقد الأسطوري على هذه الدراسة بل يبحث أيضاً عن المعنى التاريخي- الثقافي للأساطير، فقد لاحظ ديوران أن الأدب يعمد إلى استخدام الأساطير لإبراز المعنى الاجتماعي والسيكولوجي، وليس فقط لإبراز النزوع النفسي الفردي، فثمة رابطة تشد الكاتب إلى عصره، ويرصد الموضوعات التي استخدمت منذ العصور الوسطى فيجد أن الموضوعات المسيطرة في العصور الوسطى تعتمد على الوحدات الأسطورية لايزيس المصرية، رمز الأم الكبرى المضحية والمسؤولة عن لم شمل العائلة وتنظيم الطبيعة، كما برز موضوع هجرة يوسف إلى مصر.

ولكن منذ القرن السابع عشر برزت أسطورة أوزيرس الذي مزقته قوى الشر والظلام وظلت سائدة مع أسطورة سيرابيس حتى القرن التاسع عشر الذي مال إلى أسطورة الانبعاث، فكأن أوزيريس المضحي الذي توزعت أعضاؤه قد عاد إلى الحياة ثانية. كانت روح القرن التاسع عشر تميل إلى الثقة والقيامة الثانية.

أما القرن العشرون فقد مال إلى أسطورة هرمز، رسول الآلهة والساحر العظيم الذي يحقق كل شيء بعصاه السحرية، كما أنه رب التجارة والسفن والمواصلات. وهذه الأسطورة تحمل عدة معانٍ فهي تدل على بروز من لا أهمية له فيصير ذا فاعلية، وتدل على الروح التأملية التحليلية، كماتدل على الرحلة النفسية من عالم إلى آخر، أو النزوع نحو الانتقال من عالم إلى آخر، ولكن في هذه الحياة وليس في الحياة الأخرى، فكأن ثمة روحاً للسيطرة وتمكين الإنسان من نفسه، حتى ينهي السحر المكتسب ويتحكم بنفسه في تسيير أموره.

إن ديوران، وعلى الأخص في كتابه "الأشكال الأسطورية وأوجه الأثر الأدبي: من النقد الأسطوري إلى التحليل النفسي للأساطير"(140) يلح على ضرورة التحليل النفسي للوحدات الأسطورية التي تظهر في الأثر الأدبي، ومن هذا التحليل نلاحظ مدى التنوع في الإنتاج الأدبي، ومدى العمق الدلالي الذي نجده في تحليل هذه الوحدات من الناحية النفسية، فهو يرى أن الوصول إلى التحليل النفسي لابد أن يمر بالنقد الأسطوري حتى لا تكون الاجتهادات الشخصية بعيدة عن الحقيقة.

أما كتابه "البنى الانتروبولوجية للخيال" فإنه من أهم الكتب في القرن العشرين من حيث موضوعه إذْ ربط الخيال بالحياة الواقعية بكل أبعادها وبمجمل سيرورتها وبين أن للخيال وظيفة حياتية هامة جداً، لسنا هنا في مجال الخوض فيها(141).

توزيه والخيال الكوني

هيلين توزيه تلميذة من تلاميذ باشلار، تأثرت بمنهجه ولكنها أفلحت في اكتشاف ميدان جديد لأبحاثها، فلم تضطر إلى الرجوع إلى العناصر القبسقراطية التي رجع إليها باشلار: النار والماء والتراب والهواء، لعلمها أن باشلار قد طاف النصوص الأدبية بهذه العناصر وبين المرتكزات المادية للخيال المجردة.

أما ديوران فقد عمد إلى السبر الأسطوري من جهة وإلى المسح التاريخي للوحدات الأسطورية من جهة ثانية. فما على هيلين توزيه إلا أن تتجه نحو سيكولوجية الخيال، وتدرس هذه الدلالة النفسية في القرن العشرين والقرون الحديثة السابقة. وقد فعلت ذلك في كتابها "الكون والخيال"(142) الذي يرى أن الرؤيا العلمية الحديثة للعالم لم تستطع أن تدفع الخيال الشعري إلى العالم، فالشعراء لم يتفاعلوا مع المكتشفات العلمية الحديثة كما كنا نتوقع. وحتى عندما يتفاعلون مع هذه المستجدات العلمية فإن هذا التفاعل يظل هامشياً وسطحياً ومحدوداً. إنهم لم يقدموا جديداً، بل على الضد من ذلك إذ هرعوا إلى الأساطير القديمة وابتعثوها من جديد. وبدلاً من أن يتفاعل الخيال الشعري مع المكتشفات العلمية ليحقق قفزة جديدة، نجده يمسك بهذه المكتشفات ويعود بها إلى  الأساطير القديمة، فكأنها توكيد لتلك الأساطير وحسب. ترى ما السبب في ذلك؟

 تفسر توزيه ذلك بزعمها أن الأساطير دائماً ذات رؤية كونية وعلى هذا فإن الخيال مرتبط بالكون، فلا وجود لأسطورة جانبية بعيدة عن النظام الكوني أو الرؤيا الكونية. كل مافي الأساطير يصب في الكون العام الشامل، وبهذا نرى أنفسنا أمام خزان كبير من الأساطير التي تنتظم العلاقات الكونية بحيث أن أي رؤية علمية لابد أن تصب في قالب أسطوري مسبق بالنسبة إلى الشعراء، وبدلاً من أن تشدّ الأسطورة إلى المكتشف العلمي نرى أن الشعراء يشدّون المكتشف العلمي إلى الأسطورة، لاعتقادهم أن الأسطورة تحمل المعنى الأدبي الأدق والأعم من المكتشف العلمي، فالأنماط الأسطورية المسبقة هي أنماط استيعابية لا تدع مجالاً لمكتشف كوني أن يخرقها، بل إن هذه الأنماط هي التي تقبع وراء الاكتشافات الكونية الحديثة، إن الأسطورة هي تصوير دوافع وتصور في الوقت نفسه، إنها كون وذات، إنها داخل وخارج، فإذا حللناها وجدنا أنها نوع من التصور الإنساني الشمولي بحيث يبدو العلم عاملاً منفذاً للبرهان على صحة هذا التصور.

ولكن إذا كانت الأنماط الأولية مسبقة وشمولية تبدأ من الدقائق وتنتهي في آخر الأكوان، فهل هي أنماط ثابتة؟ ألا يمكن أن تتغير؟... فإن تغيرت فكيف يمكن التوفيق بينها وبين الرؤية العلمية للعالم والكون؟

إن الأنماط الأولية ثابتة من جهة ومتغيرة من جهة ثانية، فهي ثابتة بمعنى أن هيكليتها الأساسية تظل كما هي، ولكنها متغيرة بمعنى أن الموحيات تتغير، مما يدل أن الأسطورة الواحدة تشتمل على ما لا يعد ولا يحصى من الموحيات، وهذا هو السبب في أن الرجوع خلفاً يظل مستمراً إلى أن نصل إلى الهيكلية الأسطورية، فهنا لا يمكن الرجوع خلفاً، هنا يتوقف التاريخ ولايعود خلفاً إلى الوراء. في الخلف توجد مومياء الأسطورة كأشلاء أوزيريس، ولكن مع مسيرة الزمن نرى هذه المومياء تحيا وتتحرك وتقدم الموحيات حسب كل عصر، كما تقدم الرؤيا الكونية التي تتغير بتغير النزوعات الإنسانية، ولكنها تظل ابنة   المومياء القديمة التي بعثت إلى الحياة من جديد. وهذا هو السبب في أن من الممكن أن تكون الأسطورة أداة في يد البارمنيدين (الذين يؤمنون بثبات الكون) مثلما تكون أداة في يد الهيراقليطيين (الذين يؤمنون بالتغير الذي لا يتوقف، ففي كل لحظة انفجارات من التغيرات) وقد لاحظت توزيه أن النظرة الكونية تتأرجح بين هذين الطرفين، ففي العصور الوسطى كان النزوع الإنساني يريد بناء كون ثابت منسجم، وقد لبى هذا النزوع الكون البطليموسي ذو الدورة والمعاد الثابتين، وعندما ظهرت نظريات كوبرنيكوس فكبلر فنيوتن ومن ثم أنشتين إنما كانت تتجه من البارمنيديين إلى الهيراقليطيين، وفي كل خطوة يخطوها العلم الكوني كان الشعراء والأدباء يجدون في الأساطير القديمة ما يقابلها هذه الخطوة، بل إن هذه الخطوة لم تكن لتنجز لولا الأساطير القديمة.

 

 

هل تريدون الاطلاع على تاريخ العلوم؟ لابأس، اطلعوا على تاريخ الخيال وعندها ستجدون أن تاريخ الخيال الواسع والشامل يعتمد على تاريخ العلوم اعتماد تاريخ العلوم على تاريخ الخيال، فثمة علاقة جدلية إذ كل تغير في الحساسية الخيالية يؤدي إلى تغير في النظرة العلمية، وكل تغير في النظرة العلمية يستدعي بعث شكل أو وجه جديد من وجوه الأسطورة.

تلاحظ توزيه أنه منذ العصور الوسطى وحتى اليوم ينزع البشر إلى خلق كون مفتوح تخلصاً من الكون المطبق أوالمغلق الذي سادت رؤيته في القرون الوسطى. وعندما قدمت النظرة الحديثة كوناً لا متناهياً يسبح بلا حدود ويتمدد بلا نهاية ظهر الأدب الذي يأخذ بعبثية الحياة. وقد ظهر ذلك في القرن العشرين فتوماس مان وبورخيس ويونسكو وسواهم مالوا إلى التصورات اللا نهائية، أي العبثية، وقد ساد هذا التيار وشملت إدانته الإنسان نفسه الذي بدا مخلوقاً مسكيناً عاجزاً عن التحكم حتى في عواطفه وسلوكه وميوله، فكأن الآخرين هم الذين يصوغونه، أو بالأحرى كأن ثمة قوى خفية تتحكم فيه.

إن الشعراء يجددون الأساطير القديمة لدى ظهور أي اكتشاف حديث، أو لدى ظهور أي رؤية علمية، فقد رأوا في "الرحلة الكونية" التي تقوم بها سفن الفضاء تحقيقاً لأسطورة ديدالوس وايكاروس. ما أنجزه العلم من رحلات فضائية كلف أموالاً طائلة أنفقت لتأمين جناحي ديدالوس، أما دانتي فقد قام برحلته الكونية من دون أي إرهاق مادي. أن الكوميديا الإلهية هي أعظم وأوسع رحلة كونية عرفها الأدب، وحتى الآن لم يستطع العلم أن يصل إلى الأطراف الشمولية التي وصل إليها دانتي.

هذه الحدود اللامتناهية في الرؤيا الكونية أدخلت في أذهان الشعراء، فكرة الموت البطيء أو النهاية العبثية للإنسان، ولكن من جهة ثانية نلاحظ أن العلم قدم للخيال الأدبي موضوعاً آخر، وهو موضوع الحياة الكونية، فكأن الكون أشبه باسرة حية يعيش أفرادها مع بعضهم كما أنهم يتوزعون المساحة فيما بينهم، فلاجور ولا عدوان. وعلى الفور عادت الأساطير اليونانية إلى الظهور. لأنها أساطير ترى في النجوم والكواكب كائنات حية: فينوس ومارس ونبتون وبلوتو... وعلى هذا فإن الخيال الشعري عاد إلى تلك الأساطير من غير أن يتعامل مع الرؤية الجديدة مباشرة، وهذا يدل أن الأساطير هي الأقدر على تأمين أساليب الأداء من الرؤية العلمية، أو بكلام آخر أن الأساطير القديمة أقدر من الأساطير الحديثة على إبراز المضمونات الكامنة في الخيال الأدبي. فرجعية الخيال لا تعني تخلفه بقدر ما تعني قدرة الأسطورة على الاستيحاء والإيحاء.

إن الأسطورة أشبه بالسلحفاة التي سابقت الأرنب (العلم) فإذا نظرنا فيها وجدناها أقرب إلى الثابت الجامد، بينما الأرنب (العلم) يقفز قفزاً بحيث يقنعك أنه قطع أشواطاً بعيدة. ولكن في خط النهاية نرى السلحفاة تصل قبل الأرنب وتسبق. فالثابت الذي يبدو لنا الأسطورة ماهو إلا معنى شمولي، ثباته في شموليته التي فيها كل الأوجه، وليس من سكونه وعدم حركته. إن ثابت الأسطورة هو المتحرك الشمولي الذي لا تبدو حركته لسعة شموليته، تماماً مثل النجوم البعيدة التي تسبح في الفضاء فتراها ساكنة وماهي بساكنة.

وقد ظلت الأساطير القديمة قائمة حتى في النظرة العلمية فهناك من يرى أن الكون آخذ في الابتراد أو التلاشي وهناك من يرى أن الكون آيل إلى الانفجار،وقد أشار ويلز في أدبه إلى ذلك بالاستعانة بالأساطير القديمة التي بعثها إلى الحياة، وهناك من يرى أن الكون يخضع لدورة العود الأبدي حيث يبعث من جديد  إثر طوفان غامر أو حريق مدمر أو انفجار مريع، وقد عاد الأدباء إلى الأساطير الانبعاثية القديمة -وما أكثرها- وأنتجوا خيالاً ينسجم مع هذه النظريات العلمية.

*    *    *

لقد قدمت توزيه إسهاماً كبيراً للنقد الاسطوري بربطها بين العلم والخيال الأدبي، بين النزوع الإنساني والأساطير الأولية أو الأنماط الأولى، وبين الرؤية الكونية العلمية والرؤيا الأسطورية الأكثر شمولاً. وقد بينت أن خيال الشعراء يشتمل على أساطير أوسع من أن يخترقها العلم، وهي تملك طاقة تعبيرية لا يمكن أن يجاريها مجار، بالإضافة إلى شموليتها الكبيرة جداً على الرغم من المنمنمات الدقيقة الموجودة فيها.

إن توزيه أثبتت أن الأدب أوسع من أن يكون مرتبطاً بالعقد النفسية وعلى الأخص بالعقد الأوديبية، وإنه يشتمل الرؤى الكونية والشمولية ورؤى الدمار والانهيار والموت والانبعاث والتجدد والخلود.. بعيداً عن تلك العقد. إنها بهذا تقف على الطرف النقيض من ماري بونابرت ومارتا روبير ربطتا الأدب بالعقد الأوديبية فكأن الخيال الأدبي مملكة محصورة بين الحدود الجنسية النارية الملتهبة دائماً وأبداً. إن مارتا روبير ترجع كل الخيال الادبي إلى عقدة الابن غير الشرعي، الابن اللقيط، أي إلى العقد الأوديبية في كتابها "رواية الأصول وأصول الرواية" بينما تمتد نظرية توزيه لتضارع نظرية النسبية في العمق والاتساع، لتقنعنا أن الخيال الأدبي أكبر من أن يحشر في فوهة بركان غريزي لا يعرف الهدوء ولا الانطفاء والخمود، إن فيه من الشمولية ما يقابل شمولية الحياة والكون، بل إن شموليته أكبر وأوسع كثيراً، وكثيراً جداً.

 

*    *    *

لقد استطاعت مدرسة النقد الأسطوري الفرنسية أن تجعل لنفسها كياناً خاصاً وشخصية مستقلة بعد نضال دام زهاء عشرين عاماً. لقد كان الناس يخلطون بينها وبين مدرسة التحليل النفسي الفرويدية، ولكنها بدأبها استطاعت أن ترسم الحد الفاصل بين المدرستين، أو بالأحرى أن تثبت أن ثمة مدرستين لا مدرسة واحدة. ومع أنها تقر بالعقد النفسية التي أشاعتها الفرويدية إلا أنها جعلتها ذات مفهوم أوسع بكثير من مفهوم مدرسة التحليل النفسي. وقد أثبتت أعمال باشلار وتلاميذه أن النزوع البشري أكبر من أن تشجه الغريزة الأحادية، وقد اعتمدوا في توطيد نظرتهم على الأساطير فدققوا فيها وتبينوا أنها لا تنصاع للفرويدية إلا في جزء منها. إن الأساطير سماء بلا نهايات ولا حدود، وهي لا تقبع وراء الخيال الأدبي وحده، إنها تقبع وراء الخيال العلمي الذي منه نهضت العلوم الحديثة، فخلف كل اكتشاف كان ثمة أسطورة قابعة (كما بين باشلار في كتابه عن النار) ونعتقد أن جون فيرن لم يكن بحاثة علمياً- بل كان كاتباً مسرحياً وشاعراً أو قل كان أديباً صرفاً- لكنه مارس فن الأسطورة في الأدب فوصل إلى الخيال العلمي الدقيق، بديكوراته الخاصة، إذا استعرنا تعبير ديوران، ومن هذا الديكور الأسطوري ظهر علم الفضاء الحديث الذي أعاد إلى الأذهان أجنحة ايكاروس وأبيه وبساط ألف ليلة وليلة.

لقد ظهرت هذه المدرسة ونمت وتطورت وتمايزت من مدرسة التحليل النفسي بصورة مستقلة عن المدرسة السكسونية (مود بوكين ونورثروب فراي) فدلت بذلك على مدى سلطة النقد الأدبي العالمية، فهو ليس بحاجة إلى مؤتمرات وقرارات حتى يعمم عالمياً مثله مثل الأدب الذي يخضع لنظام واحد على الرغم من أن الأقاليم الجغرافية الأدبية لم تتصل مع بعضها.

والغريب أن نورثروب فراي الذي يتمتع بثقافة فرنسية واسعة (فهو من مقاطعة كويبك) لم يأتِ على ذكر أحد من أعلام المدرسة الفرنسية ولم يتطرق إلى أي نظرية من النظريات الفرنسية- إن جاز لنا أن نقول عنها فرنسية أو سويسرية... مع أننا في القرن العشرين قرن انقلاب الأرض من مجموعة مدن إلى مدينة واحدة، بل قرية واحدة آخذة في الانكماش كلما أخذت وسائل الاتصال بالانتشار...

لم تكن دراسات المدرسة الفرنسية مقتصرة على التنظير، بل أخضعت الكثير من الأدباء والآثار الأدبية للنقد الأسطوري، إن جهود المدرسة انصبت على الأدب الأوروبي بنظرات تحليلية وتاريخية شاملة، وقد تركزت هذه الجهود على العصر الوسيط وما تلاه من العصور حتى القرن العشرين، وسلطت أضواء جديدة على آداب كل من بترارك ودانتي وسيرفانتس وغوته وبلزاك.... وعلى الآداب الرومانسية والفرع الفرنسي منها بشكل خاص. وقد حظي الرمزيون الفرنسيون بقسط وافر من الاهتمام كبودلير وفرلين ورامبو ومالارميه. ولم تنسَ هذه المدرسة الاهتمام بأدغار آلن بو أستاذ الرمزية الفرنسية ومعلمها العظيم كما كان بودلير يقول عنه، بل إن بودلير ترجم قصيدة الغراب لبو أكثر من خمس عشرة مرة وظل يعتبر نفسه مقصراً.

وهناك دراسات انفردت بعلم واحد من هذه الأعلام، فكتاب جان بيير ريشار "عالم التخيل عند مالارميه"، يعد فتحاً جديداً للنقد الأسطوري في الكشف عن المفاعل الأسطوري الكامن خلف الرموز الشعرية، كما خص أيضاً مارسيل بروست بدراسة ضافية تحت عنوان "بروست والعالم المادي". لكن ريشار لم يمكث وطيداً في مدرسة النقد الأسطوري فسرعان ما جرفته اللسانيات بتيارها بعد عام 1970 وغرق في الدال والمدلول وأهمل المرجعية الأسطورية التي هي أساس كل دلالة.

وهناك دراسة مشهورة لجلبرت ديوران بعنوان "الديكور الأسطوري  في راهبة دير بارم" فهو كتاب مكرس لمعرفة ستاندال الأدبي وبراعته في دوكرة الأساطير وإخراجها دفاقة بالحيوية والتعبير وبعد المرمى....

إن إيغال هذه المدرسة في تحليل الوحدات الأسطورية في النص الأدبي كاد يجعل منها مدرسة شبه مستقلة، فقد أطلقت عليها أسماء من أمثال "المدرسة الباشلارية" أو التحليل الباشلاري أو ماشابه ذلك(143).

ومن إنجازات هذه المدرسة تلك تأكيدها أن الصورة الأدبية ليست أسيرة المفهوم الجنسي، إذ أنها تحمل كل مايجيش به اللاوعي فوظيفتها أبعد من أن ترتهن بالمفهوم الجنسي. ونظراً لارتباطها باللاوعي فإنها تقوم بلعبة جدلية الظهور والتخفي، فلابد من أن يكون الناقد واعياً كل الوعي لهذه اللعبة التي تقوم بها الصورة لأنها في لعبتها هذه إنما تخفي أكثر مما تظهر بكثير. وفي جدلية الخفاء والتجلي تظهر براعة الناقد، ويعود الفضل في كشف هذه الناحية إلى باشلار الذي أشار إلى أن دراسة الخيال يجب أن تكون حذرة في مجال الصورة التي تمارس جدليتها في الخفاء والتجلي.

وجدلية الخفاء والتجلي هي تطوير لجدلية القناع والظل أو جدلية الانيما والانيموس عند يونغ. وإلى جانب ذلك قدمت المدرسة الفرنسية إسهاماتها التطبيقية فصار لها صوت متميز منذ الثمانينات من هذا القرن.

 

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244