النظرية الأدبية الحديثة والنقـد الأسطـوري - حنا عبود

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:46 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

ليليث: نموذج للتحول والهجرة والتشظي

في كتاب "التحولات" لأوفيد نقف على كثير جداً من الأنماط الأولى التي تخضع للتحول والهجرة والتشظي. إلا أن أوفيد كان ذا أسلوب أدبي رفيع المستوى، أنيق الأداء، مما جعله نرجسياً يعجب بأسلوبه ويهمل القصة التي يرويها، فيميل إلى المبالغة والشطط في بعض الأحيان. وقد تكون قصة بروكني وفيلوميلا خير مثال على إعجابه بأسلوبه، إذ يقف عند منعطف بسيط جداً في القصة فيرهقه بأسلوبه، يطيل الوصف ويتغلغل في تفاصيل لا لزوم لها في الفن القصصي، كما أنها قد تمنعنا من متابعة التحولات التي جرت على هذا النمط، ومع ذلك فإن كتابه يوضع في رأس قائمة الكتب التي ترصد التحولات في الأنماط الميثولوجية الأولى... من قصة الخلق إلى الطوفان إلى الخلق الجديد، إلى الأنماط الكبرى مثل الأب والأم والابنة المخطوفة أو الابن المهاجر الذي لا يعرف والده.. وغير ذلك مما نجده في الآداب العالمية. وقد كان أوفيد عفوياً في روايته للحبكة، عفوياُ في إضافاته إليها، إلا أنه لم يكن عفوياً في طريقة الأداء. ويظل هذا الكاتب من أعظم الكتاب الذين جمعوا في مجلد واحد معظم التحولات التي أصابت الأنماط الأولى، فقلبتها قلباً وعكستها عكساً في بعض الأحيان: فالأب الخالد يصبح متسولاً والأم الحنون تغدو قاتلة والابن البار يصبح ابناً عاقاً، كل همه أن يرث أباه دون أن يسير في جنازته. والكتاب يكاد يغنينا عن التحولات التي سجلها كتاب المسرح أو الشعراء أو رواة السير الشعبيون من حيث القصة وليس من حيث العمل الأدبي المتكامل. ولكن لاشك أن ما فعله يروبيدس يعجز عنه أوفيد، فالأول أديب مسرحي والثاني أديب مؤرخ أو باحث، الأول همه رصد الانزياح وتعديل الأسطورة الكبرى بما يتلاءم وموقفه من الأمور الجارية في عصره، والثاني همه إدهاش القارئ بتلاوينه الأسلوبية للقصة التي يرويها.‏

لكن كتاب أوفيد يعد أكمل كتاب وصل إلينا، يضم أكبر مجموعة من الأنماط الأولى الكبرى، يروى فيه كيف كانت هذه الأنماط تنقسم أوتتحول أو تتناقض أحياناً، أو تجمع بين المتناقضات. فهذه أمّ تنقلب من رمز العطاء إلى زوجة تقدم وجبة لزوجها من لحم أبنائها، انتقاماً منه لخيانته لها، وتلك أمّ تقتل ابنها وهي تبكيه، فهو ابنها من جهة وأداة انتقامها من جهة ثانية. وهذا أب ينزل العقاب بابن بريء، وذاك أب يقتل نفسه إنقاذاً لأسرته..... أشياء وأشياء كثيرة قدمها لنا هذا الكتاب الذي يغنينا -من حيث أنه جماع قصص- عن عشرات الكتب. ليس هذا وحسب بل إنه يروى لنا حكايات ضاعت مصادرها فنسمع بأسماء الكتب التي وردت فيها سماعاً فقط. إن كتاب أوفيد يعد كتاباً فريداً من نوعه. إنه حقاً موسوعة من "التحولات" التي تصيب الأنماط الأولى.‏

ولو شئنا أن نقف على تحولات أي نمط فإنه يكفي أن نقرأ قصة هذا النمط الذي لا تستغرق أكثر من دقائق حتى تتكشف لنا سيرورة هذا النمط. ولكن -كما قلنا- لم يكن مهتماً بالانزياحات عن الأسطورة كما كان يوربيدس وغيره من الكتاب والشعراء الذين كانوا منخرطين في مجتمعهم، متفاعلين مع عصرهم، ولم يكونوا رواة قصص وحسب، كما كان أوفيد، ولذلك لم نطمح أن نجد عنده "فلسفة الانزياح" التي نجدها عند الكتاب المسرحيين الذين كانوا يعدلون من الأنماط طبقاً لموقفهم من القضايا المطروحة.‏

لكن ثمة نمطاً شرقياً ، أهمله الشرقيون وسها عنه أوفيد نفسه وهو من الأنماط الهامة جداً نظراً لدلالته على التحول والهجرة والتشظي. نشأ في الشرق ولكنه طاف أرجاء القارة كلها، وترك دمغة على فن الموسيقى، إذ سميت معزوفة "المهد" باسمه. هذا النمط هو ليليث.‏

إنها نموذج الأنثى الفاتنة التي تحولت وهاجرت وتشظّت عبر خمسة أو ستة آلاف سنة وما تزال بعض شظاياها موجودة لدينا في الأدب والفن والفولكلور. وهي من الأنماط الأولى التي تكاد تكون مجهولة تماماً. ولكننا سنقتدي بطريقة أوفيد في السرد، أي متابعة الأحداث من البداية حتى النهاية، وهذا ما يريح القارئ ويقدم له المعلومات بطريقة متماسكة. وقد قمنا بجمع أجزاء ليليث كما جمعت أوزيريس أجزاء ايزيس، ورتبناها وفق التسلسل الزمني، فذلك أسهل على القارئ الذي يريد أن يتعرف على ما أصاب هذه الأنثى من انزياحات أجبرتها على التحول والهجرة والتشظي.‏

وقبل أن نتحدث عن "قصة" ليليث، لابد من تقديم فكرة عن سبب التحولات والهجرات والتشظيات التي تصيب الأنماط الأولى أو بعض هذه الأنماط.‏

لقد رسمت المخيلة الإنسانية الكون الأدبي على النحو التالي:‏

1 -العالم الفوقي: وهو العالم المقدس. إنه العالم النوراني الذي يريد الخير للبشرية. فإذا غزت كائنات هذا العالم عالمنا الترابي فإنما تغزوه لصالحه. تجلب له أدوات الحضارة وتعلمه طرائق استخدامها لتحقيق المزيد من التقدم والرفاهية. وبعض هذه الكائنات قد تسكن الأرض بصورة مستمرة، إذ قد يكلف بعضها بخدمة الموقد والنار المقدسة، وبعضها قد يكلف بخدمة المعابد وترشيد المصلين، وبعضها يحرس بيت المؤونة، وبعضها يهتم بالورود والرياحين، وبعضها يحمي الأشجار والأدغال والغابات والغدران والأنهار.‏

هذه الكائنات التي تأتينا من العالم الفوقي تسكن معنا، وتقوم على خدمتنا وإرشادنا. وهذا نمط من أنماط العلاقة بين الآلهة والبشر. فالذي يظهر أن الآلهة هي التي تخدم البشر والعكس غير صحيح، فهي التي تسامحهم إذا ما أذنبوا، ولكن أن عظمت جهالتهم وعمت ضلالتهم، فلابد أن يتعرضوا لطوفان أوزلزال، أو حدث جلل، حتى يعاد خلق جيل جديد أفضل من السابق.‏

هذه الكائنات التي تهبط الأرض من العالم الفوقي: حوريات وعذارى وخدام موقد، وحماة ديار ومخصبات مواسم وراعيات غلال، ورعاة قطعان وحراس أطفال... هذه الكائنات، وما أكثرها، لا تغادر الأرض بل تمكث فيها تقوم بوظيفتها تجاه البشر، فتساعدهم في حصادهم ولمّ غلالهم، وتربية أطفالهم، وتوليد نسائهم.‏

2 - العالم السفلي: وهو عالم الظلمة الذي تسكنها الشياطين والأبالسة وكل كائنات الليل المخيفة من غيلان وعماليق ووحوش مرعبة ومخلوقات شائهة. وغرض هذا العالم هو بسط سلطته وتحويل البشرية لصالحه، لذلك يقف في وجه العالم الفوقي، فما قامت كائنات النور بعمل إلا قامت كائنات الظلام بعمل مضاد. والفرق كبير بين العالمين، لا من حيث الكائنات التي تسكنه وحسب، بل من حيث الهدف. فهدف العالم الفوقي هو خدمة بني الإنسان. إمداده بحاجاته وتعليمه طرائق إنتاج معيشته، وتقديم الطعام له. أما العالم السفلي فإنه عالم يهدف إلى جعل الإنسان طعاماً له، وليس تقديم الطعام للإنسان. وإذا استخدم البشر فإنه يستخدمهم كأدوات لبذر الشقاق واضطراب الحياة حتى لا يتاح للكائنات الفوقية أن تنجح في الاستيلاء على العالم الترابي.‏

وهذا العالم المظلم يمثل الشرّ يدفع هوالآخر إلى الأرض بكائناته من الشيطان الأكبر حتى الجني الأصغر. وكل غرضه أن يتحول العالم الترابي إلى عالم احتياطي له. إنه "استعمار مخيف"، على النقيض من العالم الفوقي الذي "يحرر" الأرض من ربقة استعمار العالم السفلي.‏

الأماكن التي تسكنها كائنات العالم الجهنمي في الأرض هي الأماكن المقفرة كالكهوف والغيلان والأرض اليباب والصحارى ومنحنيات الجبال وأعماق الوديان، كما توغل أحياناً إلى أعماق الغابات العذراء المخيفة، أو أحياناً أخرى تستوطن الأماكن المنسية قرب ضفاف الأنهار أو فوق أعتاب الدور. أما الخرائب والأبنية المهدمة والمواطن المهجورة فإنها خير مأوى لهذه الكائنات الجهنمية.‏

3- العالم الترابي: وهو العالم الذي يسكنه البشر أصلاً، لأنهم جبلوا من طينة، فهم أشد التصاقاً بهذا العالم من كائنات العالمين الآخرين، فهو منه وإليه، من التراب خلقوا وإلى التراب يرجعون.‏

لكن الناس الذين يسكنون هذا العالم جهلة، لا يفقهون شيئاً، ولهذا يقوم العالم الفوقي بإرسال بعثات تبشيرية للترقي والتقدم، فهناك كائنات تعمل في الزراعة واستنبات الحنطة والحبوب، وهناك بعثة للحدائق والأشجار المثمرة، وبعثة لزراعة الكرمة وصناعتها. ولهذا لا نسمع بأبطال حضاريين إلا في هذا العالم. ولولا جهالته المطبقة لما ظهر عنده الأبطال الحضاريون الذين أدخلوا إلى هذا العالم زراعة التين والزيتون والكرمة والزيزفون والسنديان والأرز والصنوبر...أبطال حضاريون هبطوا هذا العالم وعلموا سكانه الفلاحة والبذار، كما علموه الرياضة والحساب والموسيقى والطب والرقص والغناء. إن كل شيء نرى الناس يمارسونه اليوم ماهو سوى هبة قدمها لهم هذا البطل الحضاري أوذاك.‏

والبطل الحضاري كائن فوقي هبط من الأعلى وليس كائناً سفلياً صعد من تحت، من العالم الجهنمي، فليس لدى ذلك العالم مايقدمه سوى الشر. لذلك فإن كل مايقدمه العالم الفوقي يعتبر هبة خير ومحبة للجنس البشري على العكس من العالم الجهنمي.‏

وعلى هذا فإن العالم الترابي الذي تصورته المخيلة الإنسانية حيادياً يقف بين عالمين نهباً لهما: العالم الفوقي الذي يمثل الخير، والعالم السفلي الذي يمثل الشر. ولذلك فإن الثواب والعقاب لا يكونان بسبب عمل الإنسان. إنه لا يستطيع أن يعمل شيئاً إلا إذا تعلمه وإنما يكونان بسبب انسياقه وراء كائنات هذا العالم أو ذاك.‏

هذا العالم الذي أوجده الخيال الأدبي حيادي من حيث أنه عاجز لا يملك مقدرة العالمين الآخرين- ولكنه في غير هذه الناحية لايعرف الحياد، لا بناسه ولا بحيوانه ولا بطيره ولا بنباته، ولا حتى بأماكنه. إنه عالم منحاز في حقيقته، إما إلى الأعلى وإما إلى الأدنى.‏

فمن انحاز إلى العالم الفوقي حلت عليه البركة وفاضت منه النعمة، أما من انحاز إلى العالم السفلي فقد حلت عليه اللعنة وكتبت أو قرئت في وجهه التعاويذ تجنباً لأذاه. إن الطيور نفسها يتوزعها عالمان، فهناك طيور لعينة وهناك طيور أمينة (كالغراب والحمامة) وهناك أماكن آمنة وهناك أماكن غير آمنة. فالكهوف والوديان والشعاب الجبلية الملتفة هي أماكن غير آمنة، بينما السهل والحدائق والحقول هي أماكن آمنة. وحتى اليوم يضع بعض السكان رقى وتعاويذ فوق أعتاب البيوت، باعتبار أنها قد تكون مسكونة من قبل أرواح شريرة خفية جاءت من الهوة الجهنمية لتلحق بها هذا العالم، وتجعله رهن إرادتها.‏

ولا يختلف الحيوان في انحيازه عن الطيور والأماكن، فالحيوان الذي يضر بالإنسان هو الحيوان الذي لا يستطيع الإنسان إخضاعه لسيطرته وتدجينه والاستفادة منه في الطعام والأضاحي أو الاستخدام، هو حيوان جهنمي سواء كان برياً أو بحرياً مثل الوحوش الضارية والتنانين والبهموتات. لكن الحيوان الآهل الذي يفيد الإنسان، أي خاضع لسيطرته، يعتبر منحازاً إلى الأعلى. فالبقرة مثلاً تعتبر من أقدم المقدسات البشرية، حتى أن المصريين تصوروا العالم السماوي على شكل بقرة تهبهم أسباب الحياة وتقنطر فوقهم وتحميهم من الصواعق، وبصدرها ارتصفت النجوم والكوكب والأقمار لتنير لهم ليلهم. وقد ظلت البقرة مخلوقاً سماوياً طيلة فترة سيادة الأنثى الأم. كان الثور وقتها يعتبر مخلوقاً جهنّمياً ينفث اللهب ويقتل الأبرياء وينطح الأطفال فيرديهم، لكن سيادة الذكر - الأب لدى الانتقال إلى الزراعة المستقرة جعل الثور مخلوقاً سماوياً لدى الانتقال إلى الزراعة المستقرة، فعبدته شعوب كثيرة وأنزلته منزلة المقدس كالثور أبيس في مصر، وقد كان الثور بطلاً حضارياً، فعلى أكتافه قامت الزراعة وما تزال تقوم حتى الآن في بعض أصقاع العالم. لكن إعلاء شأن الثور وتقديسه مهد لانقلاب البقرة المقدسة إلى البقرة المتوحشة التي تقتل وتميت وتعيث في الأرض فساداً. إن انتقال السلطة من الأنثى -الأم إلى الذكر- الأب، غير كثيراً من القيم، كما سوف نرى في شأن ليليث الجميلة ذات الشعر الفاحم الطويل.‏

العالم الفوقي هو الذي علم الإنسان مالم يعلم، والعالم السفلي يريد أن يكون الإنسان وعلمه وعالمه مؤونة احتياطية، إنه عالم يريد أن يلحق العالم الترابي به، بعد أن يسقط بكفاحه سلطة العالم الفوقي.‏

العالم الترابي -إذن- مسكون، لا بمخلوقات بشرية آدمية مجبولة من التراب والماء وحسب، وإنما هو عالم مسكون بمخلوقات جاءت من العالمين: السماوي والجهنمي، أو الفوقي والسفلي.‏

العالمان: الفوقي والسفلي، لا يصيبهما التغير أبداً. إنهما دائماً رمزان لعنصرين متصارعين، وهما الخير والشر. والتغير يصيب العالم الترابي كله، برمته ولا استثناء. إنه العالم الوحيد الخاضع للتغير والمذعن للتحولات التي تطرأ عليه أرضاً وسكاناً.‏

وبالفعل لا يوجد أي سبب، يقنعنا بأن العالم الفوقي يمكن أن يتغير أو يجب أن يتغير، فكائناته منسجمة ونظامه مقدس، وموطد وهو رمز الخير الأبدي الذي لا يمكن أن يبقى خيراً إذا خضع للتغير.‏

كذلك لا يوجد سبب يقنعنا بأن العالم السفلي يمكن أن يتغير. بل يجب ألا يتغير وأن يظل ثابتاً كالعالم الفوقي. أن تغير العالم السفلي يعني حركة صاعدة، أي أنه بتغيره إنما يتجه نحو الأعلى، نحو الخير، تماماً مثلما يعني التغير للعالم الفوقي حركة هابطة أي أنه بتغيره إنما يتجه نحو الأسفل، نحو الشر.‏

إن دخول التغير في العالمين الفوقي والسفلي يؤدي إلى قيام عالمين جديدين، ولكنهما لا يختلفان عن العالمين السابقين، لأننا سنظل دائماً أمام عالمين: عالم يمثل الخير وعالم يمثل الشر.‏

العالمان الفوقي والسفلي لا يصيبهما التغير البتة. إن التغير من حظ العالم الترابي وسكانه. والمقصود بسكانه ليس البشر وحدهم، بل كل وافد من أي العالمين جاء وحلّ في هذا العالم: في الغابات والجبال والكهوف والغدران والحقول والبساتين والأعتاب والوديان والزوايا المظلمة والأماكن الخربة والمدن المهدمة.. باختصار أن لهذا العالم الترابي قانوناً لا يتغير أبداً وهو أنه عالم خضع باستمرار للتغير. وكل من دخل هذا العالم لم يخضع لتغيرات وتحولات لا مجال للهرب منها. يعني أن الكائنات التي تأتينا من العالمين الفوقي والسفلي لابد أن تخضع لقانون عالمنا وهو "التحول" أو "التغير".‏

إن الكائنات التي أدخلتها إلى عالمنا المخيلة البشرية لتفسير ما يحدث في هذا العالم هي كائنات أبدية وإن كانت تتحول وتتغير وتتشظى. إنها كائنات لاتموت إلا إذا سقطت في هوة النسيان. ومن أين يأتي النسيان إذا كانت تعيش في عالم الأدب الذي يرصد كل تغيراتها وانتقالاتها من وظيفة إلى وظيفة؟ إنها كائنات خالدة لأنها تعيش في الذاكرة الأدبية، في اللغة الأدبية التي تكاد تكون لغة مشتركة بين جميع سكان الأرض من البشر.‏

* * *‏

من هذا المنظور الأدبي تبدو لنا ليليث مخلوقة من الكائنات الفوقية التي هبطت إلى الأرض لتقوم بمهمة ذات خطورة بالغة. لا أحد يعرف بالضبط الزمن الذي هبطت فيه ليليث إلى الأرض الأكادية. لكن الشيء المؤكد أنها هبطت أرض أكاد في الزمن الذي كانت فيه السلطة بيد الأم، والمرجح أن جميع الكائنات المؤنثة التي هبطت إلى الأرض، الذي كانت السيادة فيه للأم. وعندما نقول الأم فإننا نقول السلم والمحبة والتربية الهادئة والإخلاص والتعاون والمغفرة والتضحية. في الزمن الأمومي لم تعرف البشرية أي نوع من أنواع الحروب والصراع والاقتتال. كان الرجل بعيداً عن ساحة العمل المنزلي. كان يذهب إلى جني الثمار أو إلى الصيد. لامجال للاقتتال والحروب.‏

والمرجح أيضاً أن الكائنات المؤنثة هبطت إلى الأرض لتقوم بمساعدة الأم في رعاية الأسرة وتربية الأطفال، فهناك كائنات للموقد وأخرى للإهراء، وغيرها للمهد والسرير، وهناك أيضاً كائنات لحماية الغدران التي تستحم فيها العذارى، والينابيع التي تملأ منها الأم الجرار ليشرب أبناؤها الماء النمير. فالحركات الهابطة الأولى قامت بها كائنات مؤنثة، ومن النادر أن نسمع بحركة هابطة جاءت بكائن مذكر في زمن سيادة الأم. والكائنات المؤنثة الهابطة إلى الأرض كانت من الكثرة بحيث أوكلت إليها مهام ووظائف دقيقة جداً ومحدودة جداً.وكلها وظائف أمومية. وقد ظل الأمر على هذا النحو حتى ساد الرجل فتغير كل شيء.‏

أوكل البانثيون الأكادي لليليث مهمة في غاية الخطورة وهي أن تقف إلى جانب السرير وتغني للأطفال أغنية المهد أو "الهدهدة"، تاركة شعرها الفاحم الطويل بين أيديهم يلعبون به حتى يخطفهم ملاك النوم. وبهذه الأغنية ينام الطفل آمناً مطمئناً ويريح جسده من عناء اللعب. وهذه الأغنية ماتزال مستمرة عندنا وعند غيرنا. إنها واحدة في كل أرجاء العالم. فهي دائماً يجب أن تكون ناعمة هادئة تدعو إلى السلم والمحبة والإخاء والتعاون والتضحية من أجل الآخرين. إنها باختصار أغنية تريح أعصاب الطفل وتهيئه لحياة الدعة والهدوء، وهذه الأغنية هي التي تجعل الطفل يحلم بالسلم والمحبة، وبعالم خالٍ من العنف والصراع.إنها أغنية "سلمية" تصدح بها كل مساء ليليث الجميلة ذات الشعرالفاحم الطويل. وتظل تغني بصوتها العذب الرخيم حتى يسافر الطفل إلى عالم الأحلام الجميلة الوادعة. وهي تعرف أن الطفل سافر إلى عالم الأحلام من شعرها، إذ عندما تترك قبضته شعرها الذي كانت تلعب به تعرف ليليث أن الطفل قد نام فينتهي هنا عملها. ولكنها تظل تحرسه طيلة الليل، وما أن يشرق الصباح حتى تنسحب ليليث وتستسلم لإغفاءة نهارية تريح بدنها النحيل. فإذا عم الظلام وعاد المساء، عادت ليليث إلى عملها في ترنيم هدهدتها الجديدة، فينام الطفل من جديد قرير العين لا تزوره إلا الأحلام الوردية الهامسة.‏

لا نعرف وظيفة أخرى لليليث، فلم تكن حارسة المنزل، ولا ربة الإهراء تدب فيها البركة ولا آلهة الحنطة والزرع، ولا راعية القطعان، أو حامية المحصول تدب في المواسم الخير والوفرة... لم تكن ربة الموقد ولا خبازة العجين في التنور... لم تكن حورية ينابيع ولا عذراء من عذارى المروج والغدران.. كانت الوظيفة المسندة إليها بسيطة جداً ولكنها خطيرة جداً. ولا عمل لها غير ذلك. ولكنها وظيفة في غاية الخطورة إذا علمنا أن الطفل حتى الخامسة يكون قد انتهى تكونه نفسياً فيعتلي نعشه في الستين وفيه العادات التي تعودها والمثل التي تعلمها في السنوات الخمس الأولى. فمجتمع الكبار يتكوّن من السنوات الأولى للطفولة، وبحسب هذه السنوات يكون المجتمع مسالماً أو محارباً، آمناً أو مصطرعاً، هادئاً أو مضطرباً... تماماً مثل غراس الحقول التي إن نمت معوّجة تظل معوّجة حتى يطالها فأس الحطاب. ومن هنا ندرك خطورة الوظيفة التي أنيطت بهذه المخلوقة الجميلة ذات الشعرالفاحم الطويل.‏

آلاف السنين تمر وليليث تقوم بهذه الوظيفة التي أسندها إليها البانثيون الأكادي. وقد كانت تؤدي هذه الوظيفة بشرف وإخلاص وتنشئ أطفالاً ودعاء مسالمين، أطفالاً ينامون على أغنيتها المسائية الداعية إلى المحبة والوئام والصداقة والسلام، ويستيقظون على صوت أمهم توزع عليهم مهمات النهار الجديد.‏

في تلك الأيام لم تكن كلمة حرب أو قتال قد دخلت التداول. المجتمع عبارة عن أسرة تشرف عليها الأم وتدير شؤونها وتجمعها بالمحبة وتغمرها بالحنان. لقد ترافقت وظيفة ليليث مع سيادة الأنثى- الأم على مدى فترة طويلة.‏

وكما كان ظهور الثوركبطل حضاري يعني إحلال البقرة المكانة التالية والثانوية، لذلك كان ظهور الزراعة مدعاة لسيادة الرجل وإحلال المرأة المكانة الثانوية؟ وظهور الرجل يعني بالضبط ظهور الملكية، يعني ظهور الاقتتال والصراع والحروب والغزوات. إنه بروز منطق القوة. وبدأ المجتمع الأكادي بالتغير. صار بحاجة إلى رجال أشداء. لم تكن المدن مسورة فسورت ولم يكن فيها محاربون صناعتهم القتل، فصار فيها محاربون وصنعت لهم أدوات القتال. ويقال إن الألف الثالثة قبل الميلاد هي المنعطف الذي ظهرت فيه بدايات سيادة الرجل. فالانتقال من طور إلى طور لا يتم فجأة من جهة، كما لا يتم في كل الأماكن دفعة واحدة. إن ثمة مستويات متفاوتة للتطور.‏

في هذا المنعطف تغيرت النظرة إلى ليليث كل التغير. إن الأطفال الذين تهدهد لهم لا يصلحون لمجتمع محارب. إن أغنية المهد الليليثية هي أغنية أنثوية رقيقة ناعمة، لا تصنع من الأطفال رجالاً، إنها تقتل الأطفال بهذه الأغنية ولا تنشئهم تنشئة صالحة. المدينة معرضة للغزو والنهب والتدمير. فما فائدة هؤلاء الذين ربتهم ليليث على أغنيتها الهزيلة التي دبت في قلبهم الشفقة؟... لابد من أن تطرد ليليث من وظيفتها القاتلة. لم يعد لها مكان أبداً في هذا المجتمع المحارب. إنها قاتلة فيجب أن تطرد وتطارد. وزعموا أنها تقتل الأطفال بطريقة بسيطة وهي شعرها الفاحم الطويل. إنه ليس ليلعب به الطفل وهو ينام، بل إنه أشبه بأنشوطة مشنقة تلفه ليليث حول عنق الطفل وتخنقه. وظهرت أنشودة الحرب بدلاً من أنشودة المهد والنوم الآمن، فنبت من هذه الأنشودة الرجال المقاتلون. ومات الرجال المسالمون بموت أغنية المهد الناعمة، لم تعد الأغنية تنبتهم كزرع الربيع... لقد أخلت المكان لأنشودة جديدة هي أنشودة الحرب.‏

كان البانثيون الأكادي قد تغير في تركيبته، وصارت السلطة العليا ليد الرجل، ولهذا لا يمكن لليليث أن تعود إليه وتستريح من عناء الاهتمام بالبشر. ثم إن التهمة بأنها قاتلة الأطفال تكفي وحدها لمنعها من العودة إلى البانثيون الذي يوجه كل عنايته للنهوض بالمجتمع الحربي الجديد.‏

هامت ليليث على وجهها، وصارت تعتني بالأشجار الصغيرة على ضفاف الفرات. وكان الصفصاف ينبت بكثرة في تلك الضفاف. في قصة كلكامش تظهر ليليث كخصم عنيد لا يسمح لا ينانا أن تقطع الشجر الصغير تعمل منه سريراً لها. عليها أن تقطع الشجر الهرم. قاومتها بشدة فما كان من كلكامش إلا أن طاردها، وكانت ترّبي الأفاعي (رمز الصحة وتجدد الحياة)، فهربت من ضربات سيفه الشديدة وانسحبت إلى الأماكن التي تليق بها كخانقة للأطفال، أي إلى الخرائب والأماكن المهجورة. أنها الأماكن المقدسة المرذولة حسب الأعراف. ويقال أن ليليث لم تغير نوبة عملها فقد ظلت تعمل بالليل والعتمة وفي زمن الضباب والمطر الغزير. ويقال أيضاً أنها مثل السيرينات تستدرج الأطفال بصوتها العذب الحنون إلى تلك الأماكن الجهنمية المنعزلة وهناك تلف شعرها الفاحم الطويل على العنق وتخنقهم.‏

أخبار ليليث في بلاد سومر تنتهي عند هذا الحد. فنحن لا نعرف ماذا تصنع بمن تقضي عليهم، ولا الدوافع الكامنة وراء ذلك. ولكن الأمور مرتبطة ببعضها. فبعد سيادة الرجل تغيرت النظرة إلى المرأة، فبعد أن كانت قديرة في إدارة شؤون الحياة بمحبة وتضحية صارت ضعيفة لا تستطيع أن تواجه الرجل. ولهذا السبب اختصت ليليث الجميلة ذات الشعر الفاحم الطويل بالأطفال، مع تغير المهمة. كانت من قبل تقتلهم بأغنيتها المهدية، ولكن من يصدق ذلك؟ هل يعقل أن تقضي الأغنية على الطفل؟.. لابد من إيجاد مخرج مقنع للقتل فزعموا أنها تقتلهم بشعرها الفاحم الطويل.‏

* * *‏

هذه هي ليليث السومرية، طردت فهامت على وجهها في البراري والقفار وفي الأماكن الخربة المهجورة، لا تختلف عن البوم والغراب وطيور الشؤم إلا بجمالها وبشعرها الفاحم الطويل، فقد تحولت إلى شيطانة ليلية، وإن ظلت محتفظة بجمالها.‏

لكن ليليث لم تبق في بلاد الرافدين طويلاً، إذ سرعان ما هاجرت. وأول هجرة لها حصلت قبل أن تتحول إلى قاتلة، قبل أن تصبح حسناء متوحشة. فقد نقلها العبريون معهم في تعاليمهم التلمودية التي تشرح التوراة، وعن طريقها حلواً التناقض الواقع في قصتي الخلق في سفر التكوين. فقد جاء في الإصلاح الأول"فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكراً وأنثى خلقهم. وباركهم وقال لهم أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها"‏

ولكن جاء في الإصحاح الثاني"فأوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم وهذه المرأة هي التي سماها آدم باسم حواء. أما الأنثى التي وردت في الإصحاح الأول فقد كانت ليليث نفسها. فمن أجل حل التناقض بين قصتي الخلق جعلوا ليليث الزوجة الأولى لجدنا آدم.‏

هذه الهجرة من بلاد سومر إلى جنة عدن حدثت في الألف الثاني قبل الميلاد. وفي هذا الزمن كانت ليليث في بلاد سومر تطارد من مكان إلى مكان وتتهم أنها قاتلة أطفال. لكن العبريين كانوا قد خرجوا من أور الكلدانيين قبل هذا الزمن بقليل، ولم يكونوا يعلمون شيئاً عن التحولات التي طرأت على ليليث في الأمكنة والأصقاع التي تمّت فيها السيادة للذكور. وقد اختار التلموديون ليليث هذه لتكون زوجة آدم الأولى، ليس عن عبث، ولكنهم لم يجدوا امرأة هبطت من البانثيون لخدمة بني البشر أفضل من ليليث. وهل هناك امرأة أخرى تقوم بما تقوم به ليليث من تربية الأطفال على المحبة والسيرة الصالحة والقلب الطيب؟ إذن هي أجدر من غيرها أن تكون أماً للذرية البشرية. ولو لم تكن ليليث بهذه الصفات المستحبة لما باركها الله مع آدم. كانت ليليث نقية مثل ندى الصباح، لم تقترف إثماً ولا ارتكبت معصية، ولا اجترحت قانوناً مقدساً، ولا أفسدت بين القلوب. إنها الوحيدة المؤهلة لأن تنحدر السلالة البشرية من رحمها. كانت الطاهرة الوحيدة القادرة على الصبر والتضحية من أجل البشرية.‏

كانت المرشحة الوحيدة لأن تقوم بدور الأم الطيبة النموذجية. لقد كانت ليليث في مكانين مختلفين كل الاختلاف: الأول مكان مقدس يليق بشخصيتها الرفيعة، ومكانتها المحترمة وهو جنة عدن، والثاني مكان مدنس تطرد إليه لأنها تحولت إلى قاتلة وهو الخرائب والأبنية المهدمة. في المكان الأول كانت تظهر في النهار إلى جانب آدم تؤنس وحشته وتفرح قلبه وفي المكان الثاني كانت لا تظهر إلا في الليل لخنق الأطفال. لقد انقسمت ليليث إلى قسمين، قسم متوحش في بلاد الكلدانيين، وقسم رائع وعظيم انتقل إلى جنة عدن واختير كأفضل رحم تنحدر منه البشرية.‏

ولكن قبيل الميلاد بخمسة قرون، أو بعد السبي الأول لليهود ظهرت ليليث الشيطانة الليلية التي تعرف عليها اليهود في السبي البابلي. لقد عادوا من بابل بليليث المخيفة التي تدب الذعر في قلوب الصغار. ولذلك نجد أشعيا(34: 14) يقول: "هناك يستقر الليل ويجد لنفسه محلاً. هناك تحجز النكازة(الأفعى السامة) وتبيض وتفرخ وتربي تحت ظلها" فيرسم صورة ليليث كما نقلها اليهود من السبي الأول. فهي الليل وهي النكازة وفراخ الأفاعي هي التي سوف تتربى تحت ظلها.‏

لم تعد ليليث، والحالة هذه، تصلح لأن تكون أماً للبشرية. إنها"الليل" إنها"الأفعى"، فهي ليست مخلوقة نهارية بل ليلية، ليست مخلوقة نورانية بل ظلمانية، ولا يستحق رحمها أن يكون وعاء تنحدر منه البشرية. ولذلك زعموا أن آدم جفاها، لأنها لم تكن من طبيعته، لم تكن من لحمه ودمه، لم تكن إحدى أضلاعه. لابد أن يفترقا. وتم الفراق بين آدم وزوجته الأولى. زعموا أن ليليث هربت مع الشيطان وخلفت وراءها آدم الذي خلق له الله تعالى حواءه من أضلاعه فكانت من طبيعته. ويزعمون أن ليليث شعرت بالغيرة من حواء فجاءتها على شكل أفعوان شيطاني جميل جداً ودفعتها إلى ارتكاب المعصية، فكتبت العذاب والألم والموت على البشرية التي كانت ستولد مبرأة من هذه المآسي. وبهذه الطريقة تخلص اليهود من ليليث ولم يدعوها تنجب من آدم بعد أن سمعوا ما سمعوا عنها بعد سبيهم الأول، وبعد أن كانت المرشحة الأولى والأجدر والأكفأ لشغل منصب"أم البشرية".‏

* * *‏

بعد ذلك هاجرت ليليث مع اليهود إلى أوروبا وانتشرت شظاياها هناك، وهي شظايا من صورتين متناقضتين: صورة الأم المثالية التي تسهر على الأطفال في المهود، وصورة الشيطانة الغاوية باهرة الجمال، والسيرينة ذات الصوت العذب الذي يأسر قلوب العشاق.‏

أبرز صور ليليث ظهرت في العصور الوسطى. ففي هذه العصور لم يعد أحد يذكر أن ليليث كانت زوجة آدم الأولى وإنما تركزت صورتها في"الشيطانة الليلية". ومع ذلك فثمة صفات ظلت ترافق ليليث في هجرتها وتشظيها، ومن هذه الصفات مثلاً أنها لا تقوم بمهمتها إلا في ظلمة الليل الحالكة، سواء لإنقاذ الأطفال بالغناء لهم أو لخنقهم بشعرها. فحيثما كانت ليليث فهناك ليل، عدا الفترة التي قضتها مع آدم في جنة عدن. ومن صفاتها الأخرى ذلك الجمال الباهر، فهي أقرب إلى الحورية منها إلى الشيطانة. ولم يصفها أحد إلا بالجمال الباهر والغناء الساحر. فلم نسمع أن ثمة عيباً في جمالها أو نقصاً في كمالها. ظلت ليليث محتفظة بهذه الصفات حتى بعد أن تغيرت وظيفتها الأساسية. وكذلك احتفظت ليليث بالشعر الفاحم الطويل، فما ذكرت في نص إلا ذكر شعرها الفاحم الطويل. لكن مهمة هذا الشعر تغيرت. في بلاد آكاد كان الشعر الطويل ألُهية للطفل يلعب به وهو يصغي لليليث تغني له أغنية المهد. ولا تزال هذه عادة الأطفال التي عودتهم عليها ليليث حتى اليوم. فهم يمسكون بشعر أمهم وهي تهدهد لهم أغنية النوم الناعمة. فالشعر الطويل ليس لتجميل ليليث، وإنما ليكون في متناول يد الطفل وهو في سريره.‏

لكن ليليث السومرية المطاردة صارت تستخدم الشعر الطويل لخنق الأطفال. فالنسخة الجديدة ظلت كالقديمة تماماً سوى أن الوظيفة تغيرت. ولكن في أوروبا أضيفت مهمة أخرى لليليث وهي إغواء الرجال والعشاق أيضاً وليس الاقتصار على الأطفال. وصارت تستخدم شعرها الفاحم الطويل لخنق هؤلاء الرجال الذين سقطوا أسرى جمالها، لكن الطريقة هنا مختلفة. فعملية لف الشعر حول عنق العاشق تكون أثناء ممارسة الحب ونسيان العاشق لنفسه. ويقال أن عشاقها كثروا كثرة مفرطة في العصور الوسطى. فكل من ذهب في الليل إلى البراري والقفار والكهوف والغدران والخرائب والآثار الدوارس ولم يعد، يكون واحداً من عشاق ليليث وصرعاها الكثيرين.‏

وما أكثر الذاهبين إلى هذه الأماكن التي صارت مأوى لليليث بعد المهود الصغيرة التي تتأرجح في العتمة بين يديها وصوتها يصدح ليجلب النوم لعيون الأطفال، الذين يلعبون بشعرها الفاحم الطويل وهم منشدّون لأغنيتها المهدهدة الناعمة.‏

على أن إغواءها للعشاق لم يلغ كونها شيطانة ليلية تخيف الأطفال وتخنقهم. لقد تشظت ليليث في أوروبا، لكن هناك شظية هامة جداً ما تزال تحتفظ بالسمة الأساسية لهذا النمط الأولي قبل أن يتحول ويتغير ويهاجر، وهي"أغنية المهد"، فهي منسوبة إلى ليليث فيقولون في أوروبا"ليلابي" أي الأغنية التي تنشد مساء لتجلب الراحة للأعصاب والنوم للأجفان وقد ألف الموسيقيون الأوروبيون كثيراً من المقطوعات الموسيقية تحت هذا النوع ليلابي lullaby وهي حتى اليوم تحمل معالم ترنيمة المهد التي كانت ليليث تنشدها قبل خمسة آلاف سنة، إذ لابد من أن تكون هادئة وناعمة ومريحة للأعصاب، لا تزعج الأذن بأنغام صاخبة. وهذه هي الشظية الوحيدة التي احتفظت بالسمة الأساسية للوظيفة التي كانت ليليث تقوم بها. وما أكثر المقطوعات"الليلابية" التي تؤلف في هذه الأيام، من غير أن يعرف مؤلفها أنها من صنع ليليث الجميلة ذات الشعر الطويل الفاحم... إنها المؤلفة الأولى لهذا النوع من الغناء والموسيقى. وهم يتبعون القواعد التي وضعتها ليليث، فلا يجوز في هذا النوع من الموسيقى أن يكون ثمة صخب أو ضجيج، أو إيقاعات مزعجة... يجب أن تكون حنونة مثل صوت ليليث الجميلة ذات الشعر الفاحم الطويل.‏

وإلى جانب الموسيقى ما تزال ليليث تعيش أيضاً في الأدب، فقد ذكرها غوته في الجزء الثاني من"فاوست" في(ليلة والبورغ) وجعلها ساحرة من جملة الساحرات والعرافات اللواتي يأتين لقضاء ليلة داعرة في جبل والبورغ. وغوته متأثر في هذا بتلك الطفرة التي ظهرت في أوروبا وهي"السحر الأسود". وعندما يأتي غوته بليليث فإنه يأتي بها وهي محتفظة بجمالها الأخاذ وشعرها الفاحم الطويل، تماماً كما كانت قبل آلاف السنين.‏

ويخصص لها الكاتب الأرمني أوديك اسحاقيان قصة باسمها(ظهرت عن وزارة الثقافة بدمشق ضمن مجموعة من القصص الأرمني المختارة"قصة امرأة عربية") وفي هذه القصة يحدثنا عن جمالها الباهر الأخاذ الذي أذهل آدم وجعله يلاحقها كظلها، وهي مثل الغزالة النفور تستعلي عليه ولا تراه أهلاً لها، وتنتهي القصة كما أنهاها شراح التلمود، أي بهرب ليليث مع الشيطان تاركة آدم في لوعة وشقاء وحسرة بالغة لفقده هذا الجمال الباهر والعبق النوراني الوهاج ورقة الحديث وعذوبة الغناء... إلى أن تحنن الله تعالى عليه بحواء التي خرجت من أضلاعه، فعاشت معه ورضيت به، ولا عجب فهي من طينته ومن أنفاسه.‏

أما الناقد نورثروب فراي فإنه يجعلها نمطاً شيطانياً في كتابه"الشيفرة الكبرى"(ص ص140- 141 من الطبعة الإنكليزية) فهي أم شيطانية مقابل الأم الأرضية حواء ومقابل الأم السماوية وهي العذراء. ويخبرنا فراي بأن جورج مكدونالد استخدم ليليث كبطلة كبرى في إحدى رومانساته، وللأسف لم نحصل على هذه الرومانس التي لم يذكر فراي اسمها.‏

ويفرد لها الباحث الفولكلوري المصري شوقي عبد الحكيم فصلاً خاصاً في"موسوعة الفولكلور" وهو الوحيد الذي اهتم بليليث من الباحثين العرب، وقد ذكر شيئاً من التحولات التي طرأت على ليليث. ومن هذه التحولات أن كلمة ليليث تحولت بعد عام 2000ق، م إلى ليل وليلى ومنها انطلقت الأغاني الشعبية المعروفة بأغاني الزار والتخمير. ويرى أن ليليث هي نفسها التي نجدها في هذه الأغاني من أمثال يا ليل يا عين.‏

ومع أن"الموسوعة العربية الميسرة" ترى أن يا ليل يا عين، عبارة عن لازمة غنائية ترجع إلى العهود المصرية القديمة، إلا أن شوقي عبد الحكيم أقرب في تحليله إلى الواقع، فكأننا عندما نغني يا ليل يا عين نعيد اللحن الهادئ الناعم الذي كانت تردده ليليث قرب السرير في عتمة الليل وشعرها الفاحم الطويل تلهو به يد الطفل. واليوم نعيد ونكرر هذه الترنيمة الدافئة من غير أن نعرف أننا بكلماتها نقصد: يا ليليث كوني عيناً ساهرة على أطفالنا. إننا نختصرها بيا ليل يا عين، غير منتبهين للمعنى الكامن وراءها.‏

ويقوم شوقي عبد الحكيم بتوحيدها مع عشتار. وفي هذا شيء من المغالاة، لأن وظيفة عشتار الميثولوجية تختلف عن وظيفة ليليث. ولكن التحولات التي أصابت"اللات" والاسم قريب من ليليث، إن لم يكن هو نفسه، تشبه التحولات التي أصابت ليليث، ولا يمنع أن تكون ليليث قد هاجرت أيضاً إلى الجزيرة العربية، وما أقربها إليها، تحت تحريف بسيط، فعوضاً أن يقول العربي ليليث يقول بنطق أخفّ"لات". والقول أن اللات ربة شمسية هو قول يصدق على التحولات الأخيرة التي أصابتها، إذ من جملة وظائفها الأساسية، بالأصل وقبل أن تكون ربّة شمسية، الهيمنة على كائنات الليل. ولا يمنع من أن تكون ليليث قد هاجرت إلى بلاد العرب وخضعت لكثير من التحولات المتعددة أو المتناقضة.‏

* * *‏

غرض هذه الإلمامة السريعة بتحولات ليليث هو شرح نظرية الانزياح وإبعاد التهمة عن النقد الأسطوري في أنه يحاول تجميد الدراسة في قوالب وأنماط محددة لا تتبدل ولا تتغير. فقد لاحظنا كيف تحولت ليليث إلى قاتلة للأطفال عندما تحول المجتمع السومري إلى مجتمع مقاتل أثر انهيار سلطة الأم. وهاجرت مع العبريين قبل أن تصيبها التشوهات، فترشح زوجة لأدم وأماً للبشرية، فهي-كانت- أفضل الأرحام إطلاقاً لإنجاب بشرية مسالمة هانئة سعيدة. لكن السبي يؤثر في العقلية العبرية، ويهالهم ما صارت إليه ليليث السومرية فيسرعون إلى تطليقها من آدم، لأنها لم تعد صالحة له زوجة ولا للبشرية أماً.‏

وقد عرضنا التغيرات التي جرت فجاراها الأدب وعدل من أنماطها الأولى لتتلائم مع المجتمع الجديد، لنبين أن النقد الأسطوري بريء مما يعزى إليه من أنه يتقيد بالأنماط الأولى وكأنه لا يعرف غيرها، وكأنه أسير صنمية نقدية لا يبارحها.‏

لقد تحولت ليليث وهاجرت وتشظت، انتقلت إلى الشاطئ السوري، وطافت أرجاء الجزيرة العربية، وأوغلت في الهجرة حتى شمال أوروبا وعرفتها شعوب وقبائل شتى، بصورها المتبدلة والمتحولة، إلا أنها تركت لنا نموذجاً أولياً ما يزال يعيش بيننا بكثرة وهو نمط"الحنان القاتل"، أو نمط الأم التي بحنانها تفسد أبناءها، وبالحب تقتلهم. إلا ما أكثرها في أدبنا ومسرحنا وواقعنا اليومي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244