|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:46 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
الفصل الأول
أنماط
الاغتراب لدى الشعراء الرواد
يعرف بعضهم الاغتراب: بأنه عملية
صيرورية تتكون من ثلاث مراحل متصلة اتصالاً وثيقاً)).[1]) فالمرحلة الأولى تتكون نتيجة لوضع الفرد في البناء
الاجتماعي، ويتدخل وعي الفرد لوضعه في تشكيل المرحلة الثانية، أما المرحلة الثالثة
فتنعكس على تصرفه إنساناً مغترباً على وفق الخيارات المتاحة أمامه.[2]) وغربة الشعراء الرواد الأربعة لا تخرج
عن نطاق المراحل المذكورة، فقد ربطت المؤسسة السياسية القائمةآنذاك العراق بعجلة
الاستعمار، وصادرت الحريات العامة والشخصية، وأفقرت الشعب، كمااتسم الوضع
الاجتماعي بسيادة القوى المحافظة، وجمود التقاليد. وكان على الشاعر أن يدخل معركة
الحرية والتقدم ضد القوى والمؤسسات الحاكمة والمتنفذة. وليقين الشاعر بأن معركته
خاسرة لانعدام تكافؤ قوى الصراع، فقد وجد نفسه غريباً في محيط قاس، بعد أن وعى
المأساة، وكافح من أجل الخلاص دون جدوى. ومن هنا فقد تشكل في داخله رد الفعل المناسب على وفق قدرته
ووعيه، فقد يتابع مواجهة التحدي ومن خلال أساليب تتخذ طابع التمرد الفردي حيناً،
وتندمج في البؤر الثورية الجماعية حيناً آخر، وقد ينكفئ على نفسه لائذاً بها،
هارباً من الواقع، ومعتزلاً المجتمع.[3]) ولم يخرج الشعراء الرواد الأربعة عن
هذا التشخيص: فقد تابع السياب والبياتي والحيدري مواقفهم الرافضة، كل بطريقته
الخاصة وإن ضمها إطار واحد، بينما استدارت نازك نحو ذاتها تلهبها جلداً وكأنها
تقتص منها. ومن خلال دراسة النص الشعري أولاً،
والإحاطة بما تيسر من أحداث ومواقف عاشها الشعراء، وجد الباحث أن اغترابهم لم يكن
واحداً في تصنيفه بل اتخذ عدة أنماط: فهناك الاغتراب الاجتماعي، والسياسي،
والعاطفي، والمكاني، والروحي. وهنا لابد من الإشارة إلى أنّه من
التعسف توصيف كل غربة على حدة لأن مظاهر الغربة عموماً هي واحدة: مثل العزلة أو
شبه العزلة، والشكوى، والتطلع إلى مثال غير موجود، والبحث عن يوتوبيا خاصة. أما
تسمية الغربة بالاجتماعية، أو بالسياسة، أو بالعاطفة فذلك راجع -كما يعتقد الباحث-
إلى دواعي الغربة نفسها التي أمدتها بعناصر النمو. على وفق هذا التبسيط سيتناول الباحث
اغتراب الشعراء الرواد من خلال النص الشعري ومن خلاله مايدعمه من رأي أو موقف جاء
على لسان الشاعر أو بأقلام نقاده ودارسيه. الاغتراب الاجتماعي:
-1-
في جيكور تبدأ غربة السياب
الاجتماعية، والتي ستقوده إلى تجارب مشبعة بالمرارة والألم.. ومن أبرزها تجاربه
في الحب، والثورة، والحاجة، والحنين إلى الماضي، والمرض الوبيل)).[4])وقد
ولدت هذه الغربة من رحم ظروف وأحداث لم يكن للسياب يد فيها، أولاها دمامة وجهه
وهزال جسمه، فها هو يصف نفسه قائلاً:
ولو كان السياب إنساناً اعتيادياً لقنع
بالانزواء في إحدى زوايا المجتمع وكان نسياً منسياً، ولكنه شاعر يعتلي المنابر،
ويتصدر المناسبات، ويتعقب الجمال، لذلك كان قبحه خنجراً في خاصرته، وربما سمع بسبب
ذلك مالا يسره لأن هيئته الخلقية كانت ناتئة في حياته إلى الحد الذي عجز عن
التغاضي عنها أو التقليل من شأنها.[6])
إن هذا الأمر وحده كاف لأنْ يشكل بؤرة اغتراب حاد[7])
فكيف لو تضافرت معه عناصر أخرى في مقدمتها: وفاة أمه، وهوفي السادسة من عمره،[8])
فيفتقد بذلك حناناً هو أحوج مايكون إليه في حياته الأولى التي تصورها خريفاً طويل
الليالي بعدها، يقول: في ليالي الخريف
الطوالْ آه لو تعلمين كيف يطغى عليّ
الأسى والملالْ!؟ في ضلوعي ظلام
القبور السجينْ في ضلوعي يصيح
الردى بالتراب الذي كان
أمي غدا سوف يأتي، فلا
تُقْلِقي بالنحيبْ عالمَ الموت حيث
السكون الرهيبْ))[9]) إن الموت الذي اخترم أمه سيكون كالطير
الذي يحوم فوق رأسه، يلاحقه في كل مكان، وينغص عليه حياته في كل حين، والطفل الذي
افتقد أمه قبل ثلاثين عاماً يستيقط الآن في صدر الشاعر حالماً، من فرط الوحدة
والألم، بلقاء الوجه الذي غيبته السنون، متصوراً أن ذلك سيضع حداً لآلامه، فحين
يشتد عليه المرض، وييأس من الشقاء يتوسل بقبر أمه أن يفتح ذراعيه لاستقباله[10])
وحين ترتخي عنه قبضة المرض، تضيء له بارقة من أمل فيخاطب أمه قائلاً: أماه ليتكِ
ترجعينْ شبحاً، وكيف أخاف
منه وما امّحتْ رغم السنينْ قسماتُ وجهكِ من
خيالي[11]) ومن عناصر غربته الاجتماعية موت جدته، وزواج أبيه، أما موت جدته
فقد جعله... وحيداً مستوحشاً))، [12])فهي
الصدر الذي احتضنه بعد رحيل أمه، وقد فقد بغيابها آخرُ مُعين له، يقول:
ولنلاحظ المفارقة التي أحدثتها الصدمة
في نفس الشاعر: الجَدَّة التي فتحت قلبها بالأمس له، توصد باب قبرها دونه اليوم،
فبين انفتاح القلب الامتلاء)، وانغلاق القبر التلاشي) تمتد غربة الشاعر، وتسد
عليه مسارب التنفس، أمَّا زواج أبيه بعد وفاة أمه، فقد حرمه من عطف بات أبعد من
خيال أيّ امرأة يشتهيها: إنه التشبيه بالمستحيل، يقول الشاعر:
إنها نجوى الوحيد الذي يتآكله الحرمان،
وتغزوه الغربة من جميع الجهات. -2-
وعانت نازك الملائكة من الغربة
الاجتماعية التي كانت مدخلاً لغربتها النفسية فيما بعد. ففضلاً عن الإحساس الشاعري
المرهف الذي جُبلت عليه منذ صباها وكان أحد أسباب عزلتها، كان ثمة عوامل ألهمتها
فكرة الاعتزال. أولى هذه العوامل نشأتها في محيط
ثقافي أسري خاص أسسه الأبوان الشاعران، استمد جذوره الأولى من جدها لأمها الذي كان
شاعر القرن التاسع عشر)).[15]) وقد اتخذ
تأثرها بهذا الجو منحنيين: تجسد الأول في قراءاتها الأدبية والشعرية، مقترنة
بانعطافها نحو رموز المدرسة الرومانسية، وحين تكون الرومانسيةحالة نفسية أكثر
منها مذهباً فنياً... تتدفق في إبداع الشاعر نغماً حزيناً وفكراً متشائماً نتيجة
المرارة والخيبة، وفي أعقاب المحن والأزمات))؛[16]) أدركنا أن تعاطف نازك مع عاشقي الليل،
وأصدقاء الحزن، لم يكن اعتباطياً، أما المنحى الثاني فقد تمثل في انكبابها على
قراءة التراث الفلسفي الذي قرَّبها من الألماني المتشائم شوبنهاور)، بل جعلها
أكثر تشاؤماً منه.[17]) وكانت
حصيلة هذه الثقافة المتنوعة ولادة شاعرة إنسانة تميزت عن بنات جنسها. وقد كتبت
نازك عن ذلك تقول إنه كان بسبب إحساسي الدائم بأنني اختلف عن سائر البنات
اللواتي في سني، فأنا كثيرة المطالعة، محبة للشعر والغناء، جادة، قليلة الكلام،
بينما هن لا يطالعن ولا يعبأن بالفن وليس لهن من الجد في الحياة إلا يسير))[18])
وهكذا كان اعتزالها بنات جنسها خطوة أولى نحو اعتزالها المجتمع. وثاني العوامل التي ألهمتها فكرة
الاعتزال ما تركته في نفسها المآسي التي سببتها الحرب العالمية الثانية))[19])
والدمار الذي ألحقته بالبشرية الأمر الذي سفَّه الحياة بنظر الشاعرة، في الوقت
الذي جعلها فيه تخاف الموت. وثالث هذه العوامل رفض الشاعرة
التقاليد الاجتماعية الصارمة سيّما منها تلك التي تتعلق بحرية المرأة، وتجد لهذا
الرفض أصداء عميقة في نفس نازك من المرارة والألم، والتوق إلى التغيير في آن،[20])
ولا يخفى أنّ عجز الشاعرة عن التغيير سيترك آثاره السلبية من الآن، في موقفها من
المجتمع، والوجود. أما العامل الرابع، وإن كان ذا تأثير
ثانوي، فهو ما ترسب في نفس الصبية نازك من مشاعر الرعب بإزاء حيوان حفلت به منطقة
سكنى عائلتها يومئذ مثل حيوان البزبز) الذي أسمته كابوس طفولتها))، ومثل بنات
آوى التي هاجمت ذات ليلة جارهم بعنف.[21])
تلك هي العوامل التي يرى الباحث أنها ربما أسهمت في تشكيل غربة الشاعرة الاجتماعية
واضطرتها إلى الاعتزال، وصولاً إلى غربة نفسية قاسية. ولعل تلك الغربة هي التي
كانت وراء تأصيل موقف نازك من الليل، والوجود، والموت، والإيمان، والحب، وهي
الموضوعات التي وسمتْ غربتها في رحلتها الشعرية الأولى واستمرت بعد ذلك إلى حين،
في البداية ترسمت نازك خطى بعض الشعراء الرومانسيين في الاحتماء بالليل، والهرب من
النهار، مثل جبران، وأبي القاسم الشابي، وعلي محمود طه، هرباً من حياة الواقع
الخشن التي يمثلها النهار، إلى حياة الحلم والمثال التي يمثلها الليل))[22])
والذي أصبح تعبيراً دقيقاً عن ذات الشاعرة المغتربة، التي رأت في الليل مالا يراه
فيه الآخرون من ضوء خفيٍ،وحب مستتر وهما، عندها، حقيقة الحياة الطاهرة التي تسعى
إليها بعد أنْ تخلت عن حياة قائمة على الزيف، تقول نازك:
ولأن الوضوح المألوف اقترن بالنهار،
وهو وضوح مزيف كما تراه، فهي تتشوف إلى وضوح حقيقي هو بمثابة المحال، فللمحال جمال[24])لا
يدركه إلا الذي استكْنَهَ خفاياه. أما الوجود فكان في نظرها لغزاً
محيراً عجزت عن فهمه، وكانت موقنة أنّ السعي لفهمه عبث لا طائل وراءه فإذا كان
سر الحياة)) لغزاً عند الحكماء)) فأولى بها أن تيأس فتستريح،[25])
ولكن اغترابها عما حولها، يدفعها إلى التساؤل الملح لعلها تظفر بما يخفف من
عزلتها. أما الموت فقد كان واحدة من
المشكلات التي قادت نازك إلى فكرة العدم في مرحلة الشباب)).[26])وذلك
انعكاس لوعيها اليقظ ونتاج قراءتها الفلسفية، وتطلعها إلى ماهو أبعد من متناول
البشر، ولذلك ظل الموت يقض مضجعها، لأنه اتجاه هذا العالم الذي لا يَفْهم، وهذه
الحياة اليومية المضحكة، وتجاه هذا التشخيص الإيمائي الذي لن ينتهي إلا بالموت))،
كما يقول روبير دوبليه، أقول اتجاه ذلك كله يحاول الوعي الحاد استنطاق مايخلقه من
رؤى جديدة محاولاً حل مايتصوره فيها من ألغاز لعلها تشبع نهمه في ارتياد المجهول.
ولذلك فقد وقفت نازك مستوفزة ليس أمام مافي الحياة وما وراءها فحسب، ولكن أيضاً
أمام مافي الموت وما وراءه من أسرار.[27])
وهي نفسها تعترف بأنه لم تكن ثمّة كارثة أقسى من الموت))[28])
ولذلك أسمته مأساة الحياة الكبرى))،[29])
فثمة إذن طقسان لهذا الوجود: الحياة وهي الطقس الحاضر،والموت وهو الطقس الغائب،
تقول الشاعرة مخاطبةً الحياة:
وكما عجزت عن فهم الحياة فقد عجزت عن
فهم الموت، وهاهي تتأسى بالثاني عن الأول: تقول:
لقد كانت الحياة عند نازك اغتراباً
مرحلياً، يفضي إلى الموت وهو اغتراب الأبدي وإذا كانت الحياة قاسية، فالموت أقسى،
وإذا ارتضت الحياة اغتراباً مؤقتا، راغمةً، فإنها لا تستطيب الموت اغتراباً أزلياً
جاهلة ماسيحمل عند أبوابه وخلف جدرانه من مخاوف تقول الشاعرة:
وهكذا ينبثق وعي الشاعرة في اللحظات
الحاسمة فيتشبث بالحياة لا إيثاراً لها على الموت، ولكن خشية مابعد الموت بسبب
الشك بما بعده. يشير موقف نازك من الوجود، والموت،
إلى أن عقلها كان ذا حيوية بالغة، حين وقف أمام الظواهر وقفةً المتأنّي، والمتطلّع
العنيد، ولأن العقل الحيوي يدرك أكثر من سواه معنى التفاهة[33])
فقد وقفت نازك حائرةً معذبة أمام مايحيط بالإنسان من قوى مدمرة، وظواهر مستعصية
على الفهم... وكانت مرحلةالإلحاد والتشكك الفظيع)) التي مرت نازك بها مابين
1948-1955)[34]) تشير إلى
ذروة تأزمها النفسي، ربما بسبب ما شهدته على المستويين الذاتي الخاص، والإنساني
العام من عذابات لم يتداركْها الخالق بلطفه كما كانت تتوقع أو تتمنى. ولذلك لم يكن
متاحاً لها -بإزاء ما تشهده من استفحال الشر واستشراء الخراب- إلا الشك، ولذلك فهي
تتساءل:
وقد ألهمها الشك الاهتداء إلى ما أسمته
بالقدر الذي ترى أنه هو الذي يقود الإنسان إلى المصير المجهول. تقول في ذلك:
إنها غربة الإنسان الذي يتقاذفه الإحباط،
فيفقد ثقته بماورثه من يقين، ويستسلم لقناعات هي وليدة اليأس ولكنها في الوقت نفسه
رئةٌ يتنفس من خلالها وسط جو خانق وإن كانت رئة غير طبيعية. -3-
ولم يسلم عبد الوهاب البياتي من
الغربة الاجتماعية التي ربما كانت بسبب تأثر الشاعر بموضوعات الرومانسية الشعرية))[37])
التي كانت تدورحول الحب، والغربة،والحزن، والليل.فقد كان يؤمن بالليل مثل نازك،
يقول:
ويبدو أن اغترابه الاجتماعي وليد
التعالي على الآخرين، فقد ميز نفسه عمن أسماهم بالقطيع))، فحبّه أصيل وأنفه
شامخ، وسخاؤه على العشاق معروف، وهذا التميز يعني الاعتزال، المشوب بالتباهي، يقول
البياتي:
ذلك هوجذر غربته: الأنا)) المتكبرة،
فبدونها يطول الليل، ويُوارى الحب، لأنها جوهر حياته، ولذلك ساءه أن يجهل الآخرون ماهية تلك الأنا)) يقول في
ذلك:
وشيئاً فشيئاً تتلبسه الغربة فيختفي
صوته الجهير، وتبدأ أعراض الاغتراب بالظهور، فثمة شكوى من السأم الذي يتآكل أيامه،
يقول: عامان مرا صيف في
ملال تلفتي تتماوت الأيام
حولي في مطارح غربتي[41]) وكلما التفّتْ حول عنقه حبال
الاغتراب، جهر بذلك فربما استطاع مقاومتها، وثمة شك وهو من سمات العقل الواعي،
المشحون، باليقظة الشعرية فالغد مجهول، والحاضر تافه لا يغري إلا البسطاء
الخانعين، يقول البياتي:
فقد جعل من ثنائية الإيمان والشك بؤرة
قلقه المشروع من مستقبل غامض، مستغلق،وانتظارٍ يغري بالتطلع، بقدر ما يشجع على
الانكفاء. إن اغتراب الشاعر هنا، لا يخلو من
شحنة إيجابية على الرغم مما يحمل في طياته من استسلام ظاهر، وباطنه يمتلئ بالتطلع،
ربّما لتجاوز الغربة إلى فضاء أرحب، ولهذا نسمعه يقول:
-4-
أما غربة بلند الحيدري، فيبدو أنها
نبتت في البيت بذرة ثم نمت فيما بعد، يقول بلند: قدم الجو العائلي لي حالة
نفسية كانت تبدأ من إيثار أمي لأخي صفاء، وإيثار والدي لأختي الصغيرة... فأحسست بأني
الشخصية الضائعة في جو البيت))[44])
فالاضطهاد الذي كان يحسه الشاعر وهو صبي كان سبب الاغتراب الذي نشأ في داخله بإزاء
المجتمع. وثمة عامل آخر عمق غربته، فقد كان يعيش مع أمه التي انفصلت عن أبيه، وحين
تنتقل أمه إلى جوار ربها، ينتقل إلى دار أبيه.[45])
هنا تبدو عذاباته مزدوجة: فقد شهد انفصال أبويه عن بعضهما، وهو الذي حرم عطفهما
مجتمعَيْن، وهاهو يعيش انفصالهما، فضلا عما لحقه من أذى بسبب تنقله من دار إلى
دار، والأذى النفسي أقسى ما يتعرض له الشاعر، تلك هي بدايات غربة بلند، نشأت في
تربة الموت، يقول: وحدتي هكذا أنت نموْتِ عشبة صفراء في
ضفةموتي وحديثاً مسرفاً
في الهمس كالرجس، كصمتي، هكذا أنتِ نموتِ من سكوتي[46]) وقد ارتبط إحساس بلند بالمعاناة،
والألم، عنده، بالتميَّز عن الناس، إلى حد الخوف أحياناً من المجتمع ومن الحياة،
ومن الزمن)).[47]) وحنقُه على
الناس مصدره ما أشار إليه الباحث في صباه من أحداث نغّصت عليه حياته، ولاشك عند
الباحث أنّ أولئك الناس)) هم قلة:فمن هؤلاء الناس أبواه اللذان لم يرعياه كما
ينبغي، ومن هؤلاء الناس أيضاً مجموعة من أقاربه، شغلت مناصب كبيرة في الدولة))،
دفعت الشاعر إلى الاشمئزاز من كذب الإطار العائلي الذي)) عاشوا ضمنه، في الوقت
الذي كانت عشيرته الكبيرة تعيش في حالة فقر مدقع))،[48])
ومهما كان نصيب هذه الأقوال من الصحة فإن خنق الشاعر بدأ من دائرة ضيقة ليشمل
المجتمع، ومن الطبيعي أن يعد الشاعر الآخرين قطيعاً كقطيع البهائم التي لا تعي ففي
الوقت الذي يشقى فيه هو بوعيه، ينعمون هم بجهلهم، يقول في ذلك:
ومن سمات هذا القطيع التهافت، وفقدان
الإرادة، فهو كالثور المجهد)) الذي تطحنه الأرض برحاها[50])
وبإزاء هذا المشهد، تتضخّم ذات الشاعر، وكأنه بهذا التضخم يحاول التعويض عن فقدان
الآخرين ولهذا يقول:
وربما بالغ في اعتزال الناس مع السخرية
من أحلامهم، وما عساها أن تكون أحلام الجهلاء، يقول: أنت يامن تحلمين
الآن ماذا تحلمينْ؟ بالدروب الزرق،
بالغابةِ بالموت مع الكون
الذي لاتفهمين[52]) ويبدو أن بلند يئس من الناس، ومن
تجاوز غربته في آن، فيندفع إلى إعلان القطيعة معهم تحت ضغط عناصر الاغتراب التي
تتفاعل في داخله باستمرار ومن خلال ما يستجد من دواع اغترابية جديدة، فها هو ذا
يتخذ من ساعي البريد رمزاً للمجتمع مشيراً إلى عدم جدواه، فساعي البريد الذي عجز
عن تقديم الجديد، هو المجتمع الراكد الذي اعتاد القديم، وجبل على السكون، يقول
الشاعر: ساعي البريدْ ماذا تريدْ...؟ أنا عن الدنيا
بمنأى بعيدْ أخطأت... لاشك
فما من جديدْ تحمله الأرض لهذا
الطريد[53]) الاغتراب العاطفي
-1-
من طبائع الأنا)) ميلها إلى العزلة
التي تتهدَّدها دائماً. ولكن الأنا)) تعمل باستمرار لتنمية قدرتها -عبر سعي
متواصل- على مواجهة عزلتها، شريطة أن تحافظ على خصائصها وحريتها من جهة، وأن
تعلو على نفسها))[54]) من خلال
الاتحاد بـ أنا أخرى))[55]) تفهمها
فهماً صادقاً من جهةأخرى، وبعكس ذلك كان الانعطاف نحو الآخر السلبي سبباً في
تعمُّق العزلة. وثمة وسائل يلجأ إليها الإنسان للتغلب
على عزلته منها: الحب والصداقة والفن.[56])
فالحب على وفق هذا التوصيف منهج تعويضي يعتمده المغترب للخروج من عزلته، ولكن
إخفاقه في الحب سيقوده إلى اغتراب عاطفي يضاف إلى اغترابه الآخر. -2-
عاش السياب عدة تجارب عاطفية. تنقل
خلالها من امرأة إلى أخرى، فلم يظفر لدى أيٍّ منهن بما يعوضه عما افتقده من حنان
الأم وعطف الأب أولاً، ولم يجد فيهن من تبادله الحب وتشاطره آلامه وآماله ثانياً.
فالسياب -شأن أي إنسان شاعر- لا يريد المرأة للتعبيرعن حاجة تفرضها فتوته فقط،
بل يريدها رفيقة حياته وبؤسه وحرمانه))،[57])
على أن افتقاره إلى الحد الأدنى من الوسامة ربما حال بينه وبين مبتغاه، بالإضافة
إلى ضعف موقعه الاجتماعي مالياً))،[58])
لأن أياً من حبيباته الخمس -بعد وفيقه وهالة- لم تكن لتغامر في قبول زوج فقير إلى
المواهب البشرية، والموقع المالي في آن، ولكن الشاعر ركز على النفوذ المالي: فواحدة
باعته بمأفونٍ لأجل المال)) وثانية عافتْه إلى قصر وسيارة))، وتلك وزوجها
عَبَدَا مظاهر ليلها سهر وخمر [و]... قمار))،[59])
وأشار إلى أنّ إحداهن -لبيبة- أغراها الحسن بأنّه غير كفء)).[60])
على أن الشيء الذي يهم الباحث هنا هو اعتراف الشاعر بأن كل اللائي أحبهنّ لم
يبادلْنه الحب، ولم يعطفْن عليه. يقول السياب: ومامن عادتي
ماضيَّ الذي كانا ولكن... كل منْ
أحببتُ قبلك ما أحبوني ولا عطفوا علي،
عشقتُ سبعا.....[61]) لقداحتمل الشاعر هذا العبء- الكابوس
كل هذه السنين، التي طحنها الفقر، والتشرد، والمرض، واليأس، ليفصح عنه وهو على
أهبة الرحيل الأبدي. فالفراغ العاطفي الرهيب الذي عاناه، مشحوناً بالتمني
-المستحيل يتحول الآن إلى وحش كاسر يوشك أن ينقض على فريسته ولكن صرخة الشاعر/
الاعتراف أعادت توازنه: بين ماض من الخواء العاطفي، وغدرٍ بّما امتلأ بكلمة حب
تنقذ الجسد المسجّى من الانهيار التام، ومن هنا صرخته الثانية- الرجاء: أحبيني لأني كل من
أحببتُ قبلك لم يحبوني[62]) والأمر الآخر الذي كشفته للباحث أشعار
السياب العاطفية هوتكثيف ميله إلى الحب الحسي في مرحلة مرضه العضال. ويبدو أنّ هذا
الحس الصارخ انعكاس لرغبة قديمة عجز عن إروائها، فقد أنفق عمره بحثاً عن امرأة
تبادله الحب، وتطارحه الجنس، وتمنحه مايشتهي، حتى إذا طال انتظاره دون جدوى، اضطر
إلى خوض غمار التجارب الجسدية[63]) ولكن ذلك -كما يبدو - لم يُطفئْ أوار
رغبته، وهاهو الموت المتربص به يوقظها الآن، فتفيض شعراً على لسان الشاعر، يقول: تشتهيك البارحهْ فقبّلُتُ ردن
الرداء:هنا ساعداها، هنا إبطها،
يالكهفِ الخيالْ ومرفأ ثغري
إذاجرفتْه رياحٌ ابتهالْ ودحرجَهُ مدُّ
شوقٍ مُلِّحٍ، وقد حار السؤالْ تحبيّنني أنتِ؟
هل تخجلين))[64]) ولنلاحظ في النص الرغبة الحسية
الإبط، مرفأ الثغر) إلى جانب الحب الروحي تحبينني أنت؟). وقد يستبد به الجنس
-ذلك الذي لم ينله بالمتعة المتبادلة- من خلال الخيال المتشظي من نار المدفأة
فيرتسم أمامه الجسد العاري بكل إغراءاته، يقول في قصيدة سفر أيوب: تدحرجَ: عُرِّي
النهدان، بأن الجيدُ والساقُ تدحرجَ لي علي
الجنبِ تدحرجَ ثم صكَّ
أضالعي، وتُثار أعراقُ ويطفر للجبين دم،
ويعروني داور منه تصطك
النواجذُ، خوفَ بحّارِ يُطلّ فيبصر
التيّار يزفرُ مثل تنيِّنِ[65]) إن الشاعر وهو يستعيد الرغبة في
امتلاك جسد امرأة تبادله الحب، فإنه بذلك يعبر عن الوجه الآخر لاغترابه العاطفي،
إنه الاغتراب الحسي بالتعبير الدقيق، والتصريح به على نية الاشتهاء يعني ممارسته
خيالياً، أي تخفيف ضغطه من على جسد السياب الضعيف وبالتالي استرداد، طاقة بدنية
لمواصلة الحياة، ولولاها، لولا هذه الممارسة الخيالية لما استمرت حياة الشاعر في
ظل مرضه هذه السنين على الرغم من قصرها. -3-
بات من القول المعاد أن نازك الملائكة
خاضت خلال دراستها الجامعية تجربةحب صادقة عاشتها وتلبستها كلياً، وظلت تعبر عنها
بعد تخرجها زمناً ليس بالقصير.[66]) وينبئنا النص الشعري أنها فجعت بهذا
الحب فجيعة بالغة، أضافتْ إلى اغترابها الاجتماعي عناصر جديدة من الخوف،والقلق،
والزهد، الأمر الذي أدخلها في اغتراب مزدوج. فقد كانت تخوض من خلال الحب تجربة
سمّو خاصة تليق بشاعرة إلهية الروح)) وإن كانت في حقيقتهاحفنة ماء وطين)).[67])
ولقد خاب ظنها بحبيب نزل بالحبّ إلى مستوى الماديات، فما تملك والحالة هذه إلا أن
تدير ظهرها له. إن صدمة الشاعرة بالمجتمع -من قبل- كانت مؤلمة أشد الإيلام: فالناس
أموات)) وأن كانوا أحياء، وهم عبيد يرسفون بقيود الذل، والتفاهة. ولأن روحها
تسامت إلى عالم آخر، فقد رفضت العيش في وادي العبيد))[68])
وسجنت نفسها في ذاتها، متطلعة إلى حبيب يماثلها روحاً، وشاعرية، وطهرا، ولكن ها هو
ذا لا يختلف عن الآدميين برغباته وعواطفه، في الوقت الذي كانت تقف فيه على شرفة
عليا من المثل، تقول نازك: في نفسي جزءٌ
أبديٌّ لا تفهمُهُ في قلبي حلم
علويٌّ لا تعلمُهُ[69]) فالجزء الأبدي في النفس، والحلم
العلوي في القلب هما جوهر فرادة الشاعرة الإنسانة، وهما سر اغترابها المركب أيضاً.
ولذلك استطابت جحيم الوعي في الوقت الذي ينعم فيه الآخرون بجهلهم، وآثرت الشقاء في
البحث عن المثل، على سعادة القيم الحسية، وأسلمت نفسها لحلم طويل من التأمل والسفر
داخل الذات، راغبة عن واقع خانق، ومن هنا فإن حبها الحقيقي كان -وسيبقى- لحبيب لم
يزل في طي الغيب، عانقته روحاً خفية، وارتحلت معه إلى عالم لا متناه من الضياء
والنقاء، ولعل قصيدتها الزائر الذي لم يجئ)) تكشف حقيقة عشقها الإلهي الذي لا
يعرفه البشر، وتشخص ذلك الحبيب الغائب - الحاضر، تقول: ولو كنت جئت..
وكنا جلسنا مع الآخرينْ ودار الحديث
دوائر، وانشعب الأصدقاءْ أما كنت تصبح
كالحاضرينْ[70]) فهذا الحبيب -الحلم، الأثيري
المتسامي، هومصدر إبداعها، ومنبع إلهامها، وهو وحده الذي يرتفع إلى مستوى اغترابها
في جلاله وقدسيته، وإذا ما قيض لهذا الحبيب أن يجيء يوماً، فسينزل بها إلى مرتبة
الآخرين من الخواء، والشهوة، أما من جاءها يوماً بلحم آدمي وعظمه))[71])
فهو طيف عابر، لأنها تتطلع إلى حبيب لن تراه يوماً، ولا تريد أن تراه، وهكذا نرى
أن تجربتها العاطفية الوحيدة قادتها إلى مزيد من الاغتراب، والاعتزال، بدلاً من أن
تكون عاملاً مخففاً يفتح لها نافذة في جدار غربتها، بل إن الباحث لا يشك في أن هذه
الصدمة قد أوصلت الشاعرة إلى غربتها الروحية التي ستلازمها إلى مرحلة متأخرة من
حياتها، وسيكون الحلم، وحده، مأواها،وملاذها: وأدركتُ أنّي أحبّكِ حلْما[72])
-4-
ويعيش بلند الحيدري اغتراباً اجتماعياً حاداً، وربما كان
-بسبب ذلك- أكثر مايكون التماساً لحب يخرجه من عزلته التي أخذت بخناقه، وكادت أن
تفسد عليه الهواء الذي يتنفسه، غير أنه أخفق في الالتقاء بالمرأة التي تبادله
الحب، وتشاطره شتاء حياته القاسي، الطويل، فهو روح غريب في حياة صقيعية، تتوالى
شتاءاتها عليه وحيداً، دونما أمرأة تشعره بشبابه فعلى الرغم من تأثير اغترابه
الروحي على شعوره بحقيقة عمره، إلا أن غياب المرأة ربما أوهمه بالشيخوخة يقول
بلند:
على أن ظمأه العاطفي الحاد، أسلمه إلى
شعور مرير بالشيخوخة النفسية- إذا صحت التسمية- وهو يرى إلى سنيّه تمضي هباء،
تُسفي عليها الرياحُ الجدبَ، وبرودةَ الشتاء، يقول: شتوية أخرى ..... وهذا أنا هنا بجنب المدفأة أحلم أن تحلم بي
امرأةْ أحلم أن أدفن في
صدرها سراً، فلا تسخر
من سرها[74]) إن اغترابه العاطفي هنا مركب: فثمة
الشتاء وهو رمز لجفاف الحياة، التي تفتقد الدفء، وتشير إلى عُرى الذات، وثمة
الوحدة وهي رمز افتقاد الذات الأخرى، ومبعث الوحشة لذلك فإن الشاعر يؤسس حلمين، أو
ينزع إلى حلمين: فهو يحلم) بامرأة، تحلم) به، وبذلك يتكافأ اغتراب الشاعر مع
الحلم في محاولة لاستعادة التوازن، ولكن تتابع الشتاءات -رمز غياب الحلم الثاني-
أدّى إلى تراكم الاغتراب، الذي أدّى بدوره إلى إحساس الشاعر بالشيخوخة والمزدوجة،
الأولى خارجية والثانية داخلية، يقول الشاعر: هنا بجنب
المدفأهْ شتوية أخرى وهذا أنا أنسج أحلامي
وأخشاها أخاف أن تسخر
عيناها من صلعةحمقاء في
رأسي من شيبة بيضاء في
نفسي[75]) إن الشاعر ينزل شيبة النفس المعنوية-
الداخلية) منزلة شيبة الرأس البيضاء من جهة ويساويها من جهة أخرى بصلعة الرأس-
علامة الشيخوخة الخارجية- مما يشير إلى تضخم الوهم عنده إلى حد التجسيد وهو ما
سيقوده أخيراً إلى توقع الموت: شتوية أخرى وهذا
أنا وحدي لاحبَّ، لا
أحلامَ، لا إمرأةْ عندي وفي غد أموت من
بردي هنا بجنب المدفأة[76]) هكذا يقرر الشاعر أنه ليس بوسع دفء
الجسد وجود المدفأة) أنْ يُغني عن دفء الروح غياب الحب والمرأة والأحلام) هذا
إذا كان الشاعر قد أحس فعلاً بدفء الجسد. [7])
يقول السياب إنه: خلق مريضاً دون مرض، ضعيف الجسم، هزيل البنية، دميم الوجه)).
ينظر:م. الأسبوع العربي، ع 608/ 1971، نقلاً عن الشعر العراقي الحديث مرحلة وتطور،
د.جلال الخياط، ص 153. [16])
شاعران أمام الموت لوركا ونازك الملائكة، الطاهر أحمد مكي، نازك الملائكة دراسات
في الشعر والشاعرة، ص 193. [22])
رمزية الليل قراءة في شعر نازك الملائكة، د.جابر عصفور، نازك الملائكة دراسات في
الشعر والشاعرة، ص 513. [48])
ينظر: مقابلة مع بلند الحيدري، أجراها يوسف الصائغ، م. الأديب المعاصر، ع5، مج2،
1973، ص 106-107. | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||