الاغتراب في الشعر العراقي- محمد راضي جعفر

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:48 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
الفصل الثاني

الفصل الثاني

البنية اللغوية

القصيدة موضوعاً لغوياً:

لم يعد موضع خلاف أن القصيدة موضوع لغوي من نوع خاص))[1]) يعالجه الشاعر بتوظيف متميز، يختلف جذرياً عن السياقين : المعجمي والنثري.

وذلك يعني أن الشعر لغة داخل اللغة))،[2]) لا تُجترح إلا بعد تحطيم الألفاظ، واستكناه دلالاتها وإعادة صياغتها -عبر الخوض في أعماق التجربة الانفعالية- مولوداً جديداً مطابقاً لمواصفات المنتج الذاتية والموضوعية وبصورة أنساق تركيبيته وعاطفية مبتكرة. وبذلك تكون اللغة شعرية)) لأنها على وفق هذا التكوين ستقيم علاقات جديدة بين الإنسان والأشياء، وبين الأشياء والأشياء، وبين الكلمة والكلمة))[3]).

وبمعنى آخر فإنها تقدم صورة جديدة للحياة والإنسان))[4]) ولأن وظيفة اللغة الشعرية تعبيرية جمالية انفعالية تستخدم للتعبير عن أحاسيس واتجاهات وإثارتها عند الآخرين))[5]) فإن تميزها عن اللغة الإشارية تحصيل حاصل، لأن هذه الأخيرة قاصرة عن أن تصف منظراً طبيعياً أو وجهاً إنسانياً)).[6]) ولذا كان ميدانها هو العلم، إلى جانب كونها لغة الحياة اليومية.

ولكي يحرك الشاعر خيال قرائه... بحيث تجاربهم بقدر الإمكان تقليداً صحيحاً لتجاربه))[7]) فإن عليه أن يقوم بعملية اختيار دقيقة لألفاظه تضع المتلقين في عمق التجربة لا على سطحها. وهكذا يكون لكل شاعر معجمه الشعري الخاص، ويظل اختيار المفردات سراً لشاعر نفسه))[8]) في ضوء تجربته الانفعالية.

إن الشعر صفة علوية، أي نقل مفاجئ تقوم به الألفاظ تحت تأثير خاص كما يقول الناقد هربارت ريد))،[9]) ولذلك كانت لغة القصيدة لغة تكثيف وغرابة، تتخذ الكلمات فيها وزناً أثقل من الوزن الذي تحمله الكلمات نفسها عندما نصادفها في الكلام العادي أو في صفحة جريدة أو حتى في صفحة من الكتابة النثرية))،[10]) مما يشير صراحة إلى أنه ليست هناك كلمات شعرية وأخرى غير شعرية وإنما هناك ثقل خاص لهذه المفردات تكتسبه في الشعر إذ أن السياق وحده هو الذي يمنح الألفاظ شاعريتها أو العكس، والشعر الجيد أيضاً هو الذي يُكسب ألفاظه قسوة ونضجاً))،[11]) وهذا ما أكده عبد القاهر الجرجاني في القرن الخامس الهجري في نظرية النظام حين ذهب إلى أن موقع المفردة من السياق هو الذي يمنحها الدلالة المناسبة والمؤثرة.[12]) وبذلك يكون الجرجاني قد ركز على عمل العناصر في البيئة اللغوية من أجل إنتاج المعنى، وليس على العناصر ذاتها))[13]) وهو ما اهتم به النقد الحديث، فها هو الناقد الإنكليزي ريتشارد ز يقول: إن النغمة الواحدة في أية قطعة موسيقية لا تستمد شخصيتها ولا خاصيتها المميزة إلا من النغمات المجاورة لها... كذلك الحال في الألفاظ فإن معنى أية لفظة لا يمكن أن يتحدد إلا من علاقة هذه اللفظة بما يجاورها من ألفاظ)).[14])

إن وضع الألفاظ في سياقاتها المناسبة لا يتم اعتباطاً، على الرغم من استغراق الشاعر في لحظات شعرية هي أقرب إلى اللاوعي منه إلى الوعي، فلا مناص للشاعر من اختيار الجميل المناسب، والأنيق الحسن))[15]) من الألفاظ، لكي لا يدع الحالة الشعرية وما صاحبها من توقد ذهني وإيقاعية ملحة تسرع إلى قوالب مألوفة محددة بجاذبيتها الموسيقية، ومحددة بصداها في النفوس، وكذلك بمضمونها المقرر)).[16]) لأنّ الشعر... طبع ومهارة).[17])

ولكي يتم تحويل آلام الدم إلى حبر)) كما يقول اليوت،[18]) كان لابد من تأسيس معجم شعري لكل شاعر كبير. ولأن الشعر ذو جلال خاص، ولولا هذا الجلال لما عد الشاعر بمنزلة النبي)).[19]) فإن ثمة اشتراطات على الشاعر أن يحيط بها كالوعي والخبرة، والقدرة على استيعاب الحاضر والماضي والإفادة من تجارب المعاصرين والأسلاف[20]) كيما يكون جديراً بملكوت الشعر. وهذا ما كان عليه شعراؤنا الرواد مجسداً بمنجزهم الشعري، ببنائه الهندسي، وتقنياته المتقدمة، ومعجمهم الشعري.

المعجم الشعري:

لكل شاعر كبير لغة متفردة إنْ على مستوى اللفظة أو على التركيب أو على مستوى البناء. ومنذ العصور الأولى كان في كل شاعر مخترع لغة)).[21]) فحين جدد أبو تمام في لغته الشعرية أثار حفيظة النقاد وكان معظمهم لغويين ليس لهم بصر بالشعر ونقده))،[22]) فحاكموا الشعر على أساس الدلالات المعجمية، والتزامه بقواعد النحو والصرف. ولكن العصور الأولى لم تفتقد واحداً مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي ت 175هـ) يقول عن الشعراء أنهم: أمراء الكلام يصرفونه أنّى شاءوا، ويجوز لهم مالا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تصريف اللفظ وتعقيده، ومد المقصور، وقصر الممدود، والجمع بين لغاته، والتفريق بين صفاته. واستخراج ما كلت الألسن عن وصفه ونعته، والأذهان عن فهمه وإيضاحه، فيقربون البعيد، ويبعدون القريب، ويحتج بهم ولا يحتج عليهم)).[23]) وبهذا يقترب الفراهيدي -الذي سبق عصره- من الموقف النقدي المعاصر الذي يؤكد أن اللغة فنّ الشعر)) كما يقول بول فاليري[24]). وما دامت الألفاظ تَخْلق كما يَخلق كل شيء يمر عليه اصبع الاستعمال في هذه الحياة المتغيرة))[25]) فمن حق الشاعر أن تكون له لغته الخاصة التي تعبر بدقة عن تجاربه الانفعالية في لحظات التأسيس الشعري.

ولا يتم تأسيس المعجم الشعري بمعزل عن ذوق الشاعر ومزاجه[26]) لأن استعمال مفردات معينة لدى شاعر معين يشير إلى أن حالة نفسية خاصة وراء هذا الاستعمال، ولذلك كان لكل شاعر فنان معجمه الشعري وهو حصيلة تكوينه الثقافي، وقدرته الخاصة في التقاط المفردة التي تعبر عن معاناته.

وفي معاجم شعرائنا الرواد خصوصيات كل منهم فالمعجم هو الشاعر نفسه، فما يميز معجم السياب هو جملة المشبه والمشبه به كما يرى عبد الجبار داود البصري،[27]) وهو بتعبير الدكتور جلال الخياط ملئ بأدوات التشبيه وأحرف النداء، وعكازات لغوية لا حصر لها))،[28]) أي أن معجمه الشعري أقرب إلى التراث منه إلى الأسلوب المعاصر، وهو شيء طبيعي، ولا يعيب السياب، لأن أكثر الكتاب أصالة إنما هو إلى حد بعيد راسب من الأجيال السابقة، وبؤرة للتيارات المعاصرة، وثلاثة أرباعه مكون من غير ذاته)) على حد تعبير لانسون،[29]) والجملة عند نازك الملائكة لم تخرج عن قواعد التشكيل التقليدي للقصيدة فيما كان حراً وفيما لم يكن حرا))[30]).

أما جملة البياتي فقد اتسمت "بالتركيز"[31]) وقامت على اختراق العلاقات المألوفة بين الكلمات، [والبحث] عن النقيض والتضاد واللامعقول في تلك العلاقات))[32]).

كما أن الاستعارة هي أهم ما يميز جملة الحيدري فلا تكاد تخلو قصيدة منها، بل إن القصيدة الواحدة أحياناً تتسع لعدد كبير من الاستعارات.

ولا بد من الإشارة إلى أننا ونحن نسوق هذه العلاقة لا نريد التوقف عندها لأن ما يهم الباحث هو معجم الاغتراب الشعري، ولذلك لم نشأ، أن نمثل لما ذكرنا بالنص، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن معجم أي شاعر لا يقتصر على الجملة الشعرية بل يقوم على البناء الفني للقصيدة حيث تشكل البنى اللغوية والتصويرية والإيقاعية كلا لا يتجزأ، يعرف الشاعر من خلالها، كما تعرف قسمات وجهه.

أما معجم شعرائنا الخاص بالغربة والاغتراب فقد توافر الباحث من خلاله على أربعة أمور هي: ألفاظ الغربة، وألفاظ الطبيعة، والتجسيد، وألفاظ الصوت وسوف أتطرق لكل حالة بأمثلة محددة خشية الإطالة.

ألفاظ الغربة:

حفل معجم الرواد بكل الألفاظ التي تدل على الاغتراب والغربة، وما يتصل بهما من أوجاع المكابرة، وآلام المعاناة مثل: الرهيب- الكئيب- الوحيد- الطريد- الشريد- الغريب- الحزين- الهاوية- القبر- العبد- الأسير- الأشباح- الشقاء- اليد البالية- دم البائسين- اللامكان- أحداق الذئاب- الملال- مشلول- المهجور- الحلم المسجى- الشك- وغيرها من الألفاظ والمفردات المشابهة والبديلة. ولم تسقط هذه الألفاظ من معاجم شعرائنا بزوال المؤثر الرومانسي بل استمرت بسبب الخيبات الفردية والجمعية التي عاشوها أو تأثروا بظلالها. وإذا كان حقاً إن ذلك المزاج الحزين كان مزاج العصر))[33]) فالأولى أنه مزاج شعراء العصر قبل غيرهم.

يقول السياب في قصيدته في غابة الظلام)).

عيناي تُحرقان غابة الظلامْ

بجمرتيهما اللتين منهما .؟.ْ

ويفتح السهرْ

مغالق الغيوب لي... فلا أنامْ

وأسبر الأرض إلى قرارها السحيق

ألمّ في قبورها العظامْ

فطالعتني -كالسراج في لظى الحريقْ-

تكشيرةٌ رهيبةٌ رهيبةْ

تُليحُها جمجمتي الكئيبةْ

سخرية الإله بالأنام[34])

تتجوهر القصيدة في عبارة عيناي تحرقان غابة الظلام))، فالعين التي تشتمل في بؤبؤها على جمرة تتغذى منها نار جهنم لا يمكن أن تنام. ومن هذه العين /الجمرة/ تتفرع المعاني الأخرى: السهر يفتح أبواب الغيب الموصدة، ومن بؤرة السهاد هذه ينزل الشاعر إلى قرارة الأرض يلم عظام الموتى، ومن بين هذه العظام تروعه تكشيرة تصورَّها تكشيرة جمجمته، فهو -وإن كان حياً- إلا أنه يموت موتاً بطيئاً، فمرضه العضال هو عربون الموت المؤجل إلى ما بعد هذه الحُمّى التي جعلت من كل جماجم الموتى صورة لجمجمته، فالمال واحد. وهكذا نرى أن السياب يدخل في الطبيعة أي أنه يلقي بروحه في الطبيعة.

وفي قصيدتها السفينة التائهة)) تبدو نازك الملائكة هيكلاً محطماً تتقاذفه الرياح، بين أقدار قاسية لا ترحم، وموت يحدق بها، ورعود تصطفق فوقها، وهي بين كل ذلك ضالة، تائهة، لا تعرف طريقها؛

في لجة البحر الرهيب سفينة تحت المساءْ

ألقتْ بها الأقدار في لجج المنايا والشقاءْ

الريح تصرخ حولها

 

وتضج في ظلم الفضاءْ

والموت يضربها ويلقيها على شفة الفناءْ

سارت ولا ربّانَ يهديها إلى الشط السحيقْ[35])

أما البياتي فيرسم في قصيدة الموت في الخريف)) صورة كئيبة، فاجعة، لليل الريف: سنديان حزين، وغيوم باكية، ومدخلة، وحان مهجور تخلف عنه الندامى فبنت عليه عصفورتان عشاً من الدم والدخان؛ والشاعر هنا.. خلافاً للسياب- يلقي الطبيعة على الروح. يقول البياتي:

عيناك في ليل الخريف إلى المدى تتطلعانْ

ماذا وراء الربوة الحمراء؟ غير السنديانْ

وسحائب تبكي ومدخنة وحانْ

تبني لأمر ما على شباكه عصفورتانْ

عشاً من الدم والدخانْ

وأنت كالحلم المسجّى، ذابلٌ، دامي الجنان.[36])

وفي قصيدة انتظار)) يحشد بلند الحيدري ألفاظاً عدة اغترابية ليرسم منها لوحة قائمة:

يمشي الشتاء بغرفتي متعثراً بظلامها

والدفء مشلول القوى جاثٍ على أقدامها

.....................

والليل داجٍ

ورياح كانون الكئيبِ

تبادلُ القلب اكتئابي[37])

لقد صوّر الشاعر الطبيعة وقد توحدت مع قلقه واكتئابه فلم يعد ثمة فاصلة بين الشاعر وبين الطبيعة، فالغربة شديدة الوطأة ليس على الشاعر فحسب وإنما على الشتاء أيضاً وهو ما قصده الشاعر من خلال تجسيد الصور بصفات محسوسة: متعثرا بظلامها) وفوق رغامها) والعواصف نائحات خلف بابي) إلى جانب الصور المدركة معنى: "الدفء مشلول القوى" و"جاث على أقدامها" و"قلقا يمرغ ضوءه المخنوق".

ألفاظ الطبيعة:

في كل شاعر مغترب نفس رومانسي هو "محور الذات الحالمة حين تلجأ إلى الهروب من قسوة واقع خارجي، يصبح احتماله.. أكثر من أن يطاق"[38])  والطبيعة أحد ملاذات شعرائنا الرواد في المرحلة الأولى من اغترابهم في أقل تقدير، فربما كان عالم الطبيعة البريئة مصدر راحة)[39]) الشاعر الحزين بعيداً عن التعقيد والتكلف والرياء الذي يلازم الحياة المادية)[40]) فحين ينقطع ما بين الإنسان والإنسان، وعندما يضيق المكان أو الزمان بالشاعر، يقيم هذا فضاءه في داخل ذاته، أو يقيمه خارجها في غابة، أو في كوخ، أو في ريف ناءٍ، ولذلك فلا غرابة إذا ما امتزجت "مشاعر القربى بين الشاعر وبين الطبيعة الريفية بمشاعر الغربة وينصهر لديه الحنين والتمرد في بوتقة إبداعية واحدة"[41]) فليست الطبيعة إلا صورة لحياتنا النفسية.

لقد توافر معجم الشعراء الرواد على العديد من ألفاظ الطبيعة -وإن كان يتفاوت من شاعر إلى آخر -كالفراش، والريح، والعشب، والنسيم، والعندليب، والهزار، والبلبل، والبوم، والغراب، والورد، والزهر، والدفلى، والزنبق، والفل، والحقول، والرياض، والربيع، والشتاء، والخريف، والصيف، والصباح، والضحى، والليل، والمساء، والسحر، والنخيل، والبحر، والنهر، والشاطئ، والنجوم، والقمر، والكواكب وغيرها.

يقول السياب في قصيدة في القرية الظلماء):

الكوكب الوسنان يطفيء ناره خلف التلالْ

والجدول الهدّار يسبوه الظلامْ

إلاّ وميضاً، لا يزالْ

يطفو ويرسب.. مثل عين لا تنامْ

ألقى به النجم البعيدْ

يا قلب مالك لست تهدأ ساعةً؟ ماذا تريدُ؟

النجم غاب وسوف يشرق من جديدٍ، بعد حين[42])

إنهُ كهف من الصور السود:

كوكب يركن إلى النوم خلف التلال، وجدول غارق في الظلام، ووميض نجم بعيد يحتضر، مثل عين سهّدتها أوجاعها، وقلب مضطرب قلق، قد راعه هذا الذي يجري أمامه. ولكن يعبّر الشاعر عن اختناقه المستمر، استخدم الفعل المضارع: يطفيء، ويسبر، ولا يزال، ويطفو، ويرسب، ولا تنام إشارة إلى تجدد المأساة، واستطالة الاغتراب ويتشبث الشاعر بأمل كاذب حين يتصور أن النجم الذي غاب سيشرق مرة أخرى. فالتشبث بما هو آتٍ إحدى وسائل الشاعر في مواجهة أحزانه.

وفي قصيدتها "جامعة الظلال" تقول نازك:

ومرَّ علي زمان بطيء العبورُ

دقائقه تتمطى ملالا كأن العصورْ

هنالك تغفو وتنسى مواكبها أن تدورْ

زمانٌ شديد السواد، ولون النجومْ

يذكرّني بعيون الذئابْ

وضوء صغير يلوح وراء الغيومْ

عرفتُ به في النهاية لون السرابْ

ووهم الحياةْ

فوا خيبتاهْ![43])

كل شيء عند نازك يستحيل إلى رماد، إلى عدم، زمانها الماضي بطيء إلى الحد الذي كانت فيه الدقيقة تساوي عصرا! وإلى جانب ذلك فهو حالك إلى الدرجة التي برزت فيه النجوم وكأنها عيون ذئاب لا كوى ضياء! أما ما شع وراء الغيوم من بصيص فهو سراب: ترى هل حقا عشقت نازك الطبيعة لأنها "مظاهر الكون، وهي الحياة.. وكان من أثر الهيام أن ألقت بنفسها في أحضانها، ودعت إلى ارتيادها والعيش في ظلالها لأنها ملاذ الإنسان في هذا العالم الرهيب" كما يقول الدكتور أحمد مطلوب؟[44]) أن نصها الشعري لا يشي بشيء من ذلك لأن نازك تُسقط ما في ذاتها من حزن، ووجع، وغربة فتكسو عناصر الطبيعة بالسواد، والضباب وتقتل كل جمال، وإشراقٍ فيها، وتلك مسألة خاضعة للاسقاطات النفسية التي ترى في الطبيعة على وفق الحالة النفسية.

أما البياتي -فهو مثل زميليه- يقدم في قصيدة "وراء السراب" صورةً دامية لشخصه: فهو طير جريح يحمل بمنقاره زهرة مدّماة ألقاها بين يدي حبيبته، فالغاب عند البياتي لم يكن ملاذ الشاعر من الخوف، يستظل بظله، ويستمتع بأمانه، بل أصبح مزار الطير الجريح، يقول:

رجعتُ إليك كطير جريح

 

يعود من الغاب عند المساءْ

يلوك بمنقاره زهرة

 

ملطخة ببقايا دماءْ

فألقى إليك بأشلائها

 

وعاد جريحا كما هو جاءْ

يرّف بعيدا وراء السراب

 

ويطوى الصحارى صحارى الظماء[45])

وفي قصيدته "صورة في كأس" يخفف بلند الحيدرى المأساة فعلى الرغم من أن شعاع البدر يحوم في أرجوحة قائمة إلا أنه -وشبابه مورق الظل تائه في الأحلام الناعمة -جذلان من جذل تلك الأحلام والأوهام:

يكفي من البدر شعاعاته

تحوم في أرجوحة قاتمهْ

يأسرها الليل بظلماتهِ

فتنثني ساخرة باسمهْ

كأنها أشباح حلم غفت

في ظل أجفان الدجى الساهمهْ

              ***

فذا شبابي مورق ظلّهُ

يتيه في أحلامه الناعمهْ

يحوم في روضة أوهامِهِ

جذلان من أُشذائها الهائمه[46])

وهكذا نرى أن ورود هذه الألفاظ كثيرا ما يكون بشكل ثنائيات متضادة، فالربيع إلى جانب الخريف، والليل بجوار المصباح، والظلام مع الضياء، وهكذا.

ألفاظ الصوت

تفاوت إحساس الشعراء الرواد بأهمية ألفاظ الصوت مما أفضى إلى تفاوت في استعمالها نوعياً. فإذا كان "الصوت في الكلمة الشعرية يلعب دوراً هاماً في تفسيرها ومضمونها"[47]) فالأحرى بالألفاظ التي تدل على الصوت أن تلعب هذا الدور، لأنها فضلاً عما تمنحه للقصيدة من تجسيد صوري، ورنين إيقاعي، فإنها تعكس عمق تجربة الشاعر الانفعالية بتكثيف شعوري ودلالي معاً. ويتقدم السياب في هذا الميدان على الآخرين لأنه "ذو إحساس حاد بالصوت في معنى الكلمة حينا وفي لفظها حينا آخر"[48]) وربما كان ذلك لأنه "ذو مزاج حسي حاد"[49]). يقول في قصيدة "غريب على الخليج":

الريح تلهث بالهجيرة، كالجثام على الأصيلِ

وعلى القلوع تظل تُطوى، أو تُنشّر للرحيلِ

زحم الخليجُ بهن مكتدحون جوّابو بحارِ

من كل حافٍ نصف عارى[50])

إلى أن يقول:

ويهّد أعمدة الضياء بما يصّعد من نشيجِ

أعلى من العبّاب يهدر رغوه ومن الضجيجِ

صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى، عراق

كالمدّ يصعد، كالسحابة كالدموع إلى العيون

الريح تصرخ بي: عراق

والموجُ يعْول بي: عراقُ، عراقُ، ليس سوى عراق[51])

إن ألفاظ الصوت: لهاث، ويهدر، والضجيج ونشيج، وصوت، وتصرخ، وتعول، امتلأت حتى أقصاها بالتجسيد لأن الشاعر زاوج فيها بين الاستعمالات المجازية: الريح تلهث كالجثام على الأصيل -كالمد يصعد، الريح تصرخ- الموج يعول، وبين الأفعال والأسماء المضعّفة: يسرّح -محيَّر- يهّد- يصعّد- العبّاب- تفجّر،

كما أن خروج الأفعال يهدر، وتصرخ، ويعول، من دلالاتها اللغوية إلى دلالات صوتية جاءت لتتضامن مع تكرار كلمة عراق" سبع مرات في بيان انسحاق الشاعر تحت وطأة غربة قاسية، وحنين طاغ إلى الوطن، وكأن روح السياب هي التي كانت تتحدث بما انطلقت الطبيعة معها في بوتقة موضوعية/ وجدانية/ فنية مزدوجة توحدّت الذات فيها بالموضوع بتلقائية واعية. ويستعمل السياب نوعاً آخر من ألفاظ الصوت هو الرباعي المضاعف مثل هسهس، وغمغم، ووسوس، وسقسق.[52]) ففي قصيدة "يا نهر" استعمل الفعل توسوس:

هيهات يسمع، إذ توسوس في الدجى، أصداء آه

بالأمس أطلقها لديك ترن في جرس الخفيف[53])

كما استعمل الفعل نفسه في قصيدة "تموز جيكور":

والنخل يوسوس أسراري

جيكور ستولد.. لكني

لن أخرج فيها من سجني[54])

إنّ للفعل المذكور دلالة مضاعفة من الإيحاء فضلاً عن استعماله مجازياً، مما أفصح عما أوحاه الشاعر من الهمس بأدنى درجاته ربما إلى الدرجة التي يتماثل فيها مع الصمت تعبيراً عن تعب الشاعر وإعياء صوته المشبع بآه الحزن.

وفي قصيدة "رنين المعول الحجري" يبلغ السياب درجة نوعية قصوى من تجسيد الصوت:

رنين المعول الحجريّ في المرتجّ من نبضي

يدمّر في خيالي صورة الأرض

ويهدم برج بابل، يقلع الأبواب،

يخلع كل آجرّةْ

ويحرق من جنائنها المعلّقةِ الذي فيها

فلا ماءٌ ولا ظلٌ ولا زهرة[55])

جو عاصف، وملئ بأصوات التفجير والتدمير والتمزق: ومن أين للسياب، تلك القوة التي يحتمل فيها المعول الحجري برنينه الشرس وهو يهوى على نبض الشاعر المرتج، فيدمر خياله، وهو مركز تصوراته واندياحاته، ثم ليقضي أمام عينيه على معالم حضارة يتعشقها الشاعر، ويتسربل أجواءَها: يتهدم برج بابل، وتقلع أبوابه، ويخلع آجرّه، وتحرق الجنائن المعلقة، وهكذا يقود "الرنين" المرعب إلى مجموعة أفعال تتصل به، وتتفرع عنه، يدمر -يهدم -يقلع- يخلع يحرق وكلها أصوات مفزعة تتداخل مع بعضها لتحدث عاصفة من الأصوات القاتلة والمدمرة.

ولنازك -كما للسياب- إحساس مرهف اتجاه ألفاظ الصوت، اسبغت عليها من روحها القلقة لما يمنحها تجسيداً، تقول الشاعرة:

أصيخ إلى همسات اليمام

 

وأسمع في الليل وقع المطرْ

وأنّات قمريةٍ في الظلام

 

تغنّي على البعد بين الشجرْ

وآهات طاحونة من بعيد

 

تنوح المساء وتشكو الكلالْ

تمر على مسمعي بالنشيد

 

وتفتأ تصدح خلف التلالْ[56])

في النص: تلتقط ذات الشاعرة الحزينة في سكون الليل المهيب أصواتاً شتى تثير الشجى، وتستثير الوجدان، وتبعث على الحزن والتأمل، من همس ووقع وأنين وآهات وغناء ونواح، وكلها ألفاظ أشاع خروجها إلى دلالات مجازية جوا من الرهبة الممزوجة بالحزن الشفيف. ففيما اعتزلت الشاعرة المجتمع، اصطنعت لنفسها هذا المحراب المسكون بالتوجس، واتخذت من اليمام، والمطر، والقمرية، والطاحونة سمّاراً لها في وحشتها.

أما عند البياتي فإن ألفاظ الصوت تأخذ منحى آخر ليس له القتامة التي نستشعرها عند السياب والملائكة:

دقّت الساعاتُ في قلب الضبابْ

نبحتْ عبر الميادين الكلابْ

وأنا أدفن رأسي في كتاب

ابداً اسمعك الليلة عبر ألف باب[57])

أبدا تنعب في الأرض الخرابْ

أبدا تأكل من لحمي

وتستلقي على صدري اضطرابْ

أيها المستنقع الآسن يا صوت الغرابْ

قدمي غاصت بأوحالك

يا صوت الغراب[58])

تظهر الأفعال دّق -نبح- تنعب بدلالاتها المعجمية ولذلك قصرت عن أداء دور أكثر فاعلية في إيضاح الصورة، وتجسيد حنين الشاعر، ولكن الشاعر يستدرك هذا القصور فيركز على الغراب ودلالته الشؤمية فصولهُ مستنقع آسن، وقدم الشاعر تغوص بأوحال هذا المستنقع وبذلك يكون النصف الثاني من النص الشعري -وبسبب النسبة البلاغية- قد اقترب من حالة الشاعر النفسية.

ويبدو أن بلند الحيدري لم يحفل كثيراً بألفاظ الصوت ولذلك فقد ندرت في شعره، ولكنه حين يستعملها فبطاقة ايحائية بالغة، يقول الشاعر في قصيدة "إلى مدينتي":

يقال ما أتعس ما يقالْ

فبيتُنا كئيبْ

تنعبُ في وحشتهِ الظلالْ

ودربنا غريبْ

قد هجرتْ سمرته الأطفالْ[59])

الفعل "تنعب" هو الدال على الصوت، وعلى الرغم أن الشاعر لم يكرره، فقد شحن الصورة الشعرية بما أراد الشاعر من زخم انفعالي يعبر بدقة عن قلقه وحزنه، على مدينته، لا سيما أن الشاعر استعمله في تركيب استعاري مؤثر "تنعب الظلال" فقد جسد "الظلال" وكأنها "أغربة" سود استوطنت خرائبها. ونلحظ في النص نفسه تكرار الفعل "يقال" سبع مرات لتضخيم الحدث، وقد لعب التكرار إلى جانب الاستعارات الخمس التي وردت في النص، دوراً في تأكيد الأخبار التي أقضّت مضجع الشاعر، وملأت حياته بالظلال القاتمة، وبذلك يقف المتلقي على الاغتراب الذي يعيشه الشاعر، ويستشعر حجم عذابه.

التجسيد والتشخيص:

إلى جانب ما مر من عناصر المعجم الشعري فقد وجد الباحث أن الشعراء الرواد يكثرون من تبادل المحسوس والمعنوي، فيتحول المعنوي إلى محسوس قصد تجسيد تجربة الشاعر الانفعالية واستكمال بناء الصورة الشعرية، والتأثير في المتلقي، فلم توجد اللغة إلا "للتعبير والتوصيل والتأثير"[60]).

يقول السياب في قصيدة "اتبعيني":

أمس جاء الموعد الخاوي.. وراحا

يطرق الباب على الماضي، على اليأس.. عليا[61])

فقد منح الشاعر الموعد الخاوي صفة الكائن الحي الذي يطرق الباب وبذلك عبر عن خيبته في موعد خاو لم يتحقق.

وتوغل نازك الملائكة في هذا المظهر الفني لأنها لا ترى في الحياة غير التفاهة والعدم لذا فقد اكسبت غربتها الروحية صفة الكائنات المحسوسة فالذنوب، والحماقات، تبكي تحت وطأة الحزن الكبير، والندم العظيم:

انتهى اليوم الغريبْ

انتهى وانتحبت حتى الذنوبْ

وبكت حتى حماقاتي التي سميتها

ذكرياتي[62])

ويعاني البياتي من خيبة مزمنة بسبب انتكاسات الثورة التي كرس شعره لها، فها هي تلاحقه ولجلده: فالأفكار لم تعد غير جثث تتعفن إلى جانب لحوم الخيل والنساء، لأنها باتت وسيلة للشر:

أيتها الأرض التي تعفنت فيها لحوم الخيل والنساء

وجثث الأفكارْ

أيتها السنابل العجفاءْ

هذا أوان الموت والحصادْ[63])

إن صورة الأفكار/ الجثث المتعفنة واضحة، مقززة، لأن الصورة الشعرية ككل مرسومة باللونين: الأسود والأحمر فالحزن إلى جانب التحفز، والموت إلى جانب الحياة، والزرع إلى جانب الحصاد.

ولبلند تنويعاته في هذا التجسيد لأنه يعمق اغترابه الروحي ويدفعه دفعاً إلى التعبير بدقة عن امتلائه المأساوي وهو أحياناً يذهب إلى أبعد مما ذهب إليه زملاؤه، فإذا كان هؤلاء قد أنزلوا المعنوي منزلة المحسوس فبلند ينزل المحسوس منزلة المعنوي فيكسبها حدوداً وأبعاداً مادية قصد تكثيف الإيحاء وذلك يشير إلى تساوي "المعنوي والمحسوس في بصيرته"[64]) وكذلك جعل من الملح المصفر ما يشبه الوباء فهو في أثره يتساوى مع أثر البهتان:

لن نقلب الفنجان يا صديقي

لأننا

نؤمن أن الأرض للإنسان

بليلها وصبحها

بملحها المصْفر كالبهتان[65])

إن ما عاناه الشاعر من البهتان، قد الجأه إلى أن يمنحه صفة المحسوس، كما أن ما عاناه من الآمال الكاذبة/ الأوهام قد دفعه إلى انكسار صفة الملح المحسوس وبذلك عبر عن جذر الغربة الضارب في أعماق روحه المنكسرة.

 

 

 

مستويات الأداء اللغوي

لا يخرج أداء الشعراء الرواد عن واحد من ثلاثة مستويات هي: الأداء بالكلام المحكي، والأداء بالموروث، أما الأداء الثالث فهو الذي تحرر من كليهما. على أننا حين نشير إلى مثل تلك المستويات، فإننا لا نقصد التقاطع والاستقلالية في النص الواحد. إذ أننا نجد تلك المستويات مجتمعة في نص واحد. وما هذا التقسيم إلا لغرض الدراسة النقدية.

الأداء بالكلام المحكي:

يبدو أنه لا بد من الاحتراس ونحن نتناول الكلام المتداول أو المحكي، لبيان ما هو المقصود بهذا النوع من الكلام. لقد كان استخدام لغة التخاطب اليومية جزءاً من بيان المدرسة الرومانسية، فخلافاً لما درجت عليه المدرسة الكلاسية من تقسيم الألفاظ على وفق تقسيم طبقات المجتمع، فإن الرومانسية لا تفرق بين كلمات وأخرى "فلا وجود لكلمات نبيلة وأخرى مبتذلة، بل يمكن أن يكون للكلمات المألوفة المبتذلة معنى رفيع يسمو بها في موضعها من الصورة إلى مالا يصل إليه سواها من الكلمات"[66]). كما لا يخفى أن المدرسة الواقعية دعت هي الأخرى إلى استعمال لغة التخاطب تقرباً من الجمهور. وهنا ينبغي ملاحظة عدة أمور أساسية ومهمة: فاستخدام المفردات لا يتم في ضوء فصاحتها من عدمها وإنما على وفق حاجة الشاعر الانفعالية/ الفنية المزدوج، والشاعر الفنان هو القادر على إعادة خلق المفردة وتحويلها إلى طاقة شعرية إيحائية كبيرة تنفتح على ثراء معنوي وتصويري لا حدود له. كما أن ما قصده شعراء كبار مثل ورد زورث واليوت إلى إيصال الشعر بلغة التخاطب أريد منه بالتحديد "المادة الغفل" في بيئة هذه اللغة على حد تعبير اليوت[67]).

وفي موضوع الاغتراب والغربة في شعر الرواد نطالع نصوصاً اشتملت على الفاظ من اللهجة العامية، وعلى إشارات، وأمثال وأغان شعبية تداولها الناس وباتت مشهورة على السنتهم. والشاعر قد يوظف أيا من هذه الإشارات إذا وجد فيها ما يستجيب لحالته الانفعالية، ويشكل منها قيمة فنية جديدة.

 

وقد عُرف السياب باستعمالات موفقة لألفاظ دارجة رآها -دون غيرها- مطمنّة لتجربته "فاللفظ الشعبي لدى السياب طرى إذ ينتزع منه.. أسمال التكرار ويحذف ما تلف فيأتي وكأنه ولد جديدا طرياً مستساغاً"[68]).

يقول في قصيدة "غريب على الخليج"

ما زلت أضرب، مترب القدمين، أشعث في الدروب

تحت الشموس الأجنبية

بين احتقار، وانتهارٍ أو "خطيّةْ"

والموت أهون من "خطيّةْ"[69])

لا شك في أن السياب لم يلتجئ بسبب القافية إلى مفردة "خطية" بل لأنه وجدها معبرة أصدق تعبير عن حالته المزرية البائسة في الكويت، فهو منسحق تحت رحى غربة قاسية ليس له فيها نصير بعد أن اضطرته ظروفه السياسية إلى ترك بلاده والالتجاء إلى إيران ثم الكويت تعوزه الصحة كما يعوزه المال والاستقرار والأمان. ولذلك أصبحت هذه المفردت جزءاً أصيلاً وطبيعياً من نسج القصيدة لا يشعر المتلقي أنها نشاز أو متكلفة، أو في غير سياقها. وفي قصيدة "رسالة" يستخدم الشاعر كلاماً شعبياً على لسان ابنته بعد أن يكسبه من روحه، ما يضعه في مستوى معماره الفني:

ويا حديثك عن "آلاءَ" يلذعها

بعدى فتسأل عن بابا "أما طابا"؟

أكاد أسمعها

رغم الخليج المدوّي تحت رغوته[70])

فالسؤال على لسان الصغيرة عن الأب الغائب المريض لا يمتلئ، انفعالاً وفناً، بغير "أما طابا" كما جاء وقوعه بعد كلمة تماثله في الموسيقى "بابا" ليرتفع به إلى مستوى تجربته الشاعر: الإنسانية والشعرية على حد سواء. وقد ضمن السياب شعره -غير الألفاظ المتداولة- الكثير من الأغاني إذ وجد فيها ما يستعين به على أداء معنى لا تحتمله البدائل. وإذا كان الشاعر "يستخدم الفلكلور كعنصر أساسي من عناصر بناء قصائده مما يعطي لهذه القصائد طعماً خاصاً ورائحة شعبية"[71]) فالأمر يصدق على التراث، يقول الشاعر في قصيدة "أم البروم":

رأيت قوافل الأحياء ترحل عن مغانيها

تطاردها، وراء الليل، أشباح الفوانيس

سمعت نشيجَ باكيها

وصرخةَ طفلها، وثغاء صادٍ من مواشيها

وفي وهج الظهيرة صارخاً "يا حاديَ العيسِ"

على ألمٍ مغنّيها[72])

إنّ "يا حادي العيس" مقطع من قصيدة تُغنّى مقاماً يقول مطلعها:

لما أنا خوا قبيل الصبح عيسهُمُ

 

 

وحمّلوها وسارت بالهوى الإبل

أما المقطع المذكور في قصيدة السياب فهو إشارة إلى البيت:

يا حاديَ العيس مهلاً كي أودِّعهم

 

 

يا حاديَ العيس في ترحالك الأجلُ

لأنّ رحيل الأموات وقد هُدمت قبورهم يشبه رحيل الأحباب، وحين وقف العاشق يودع أحبابه وقد سار بهم الحادي فقد وقف السياب -في عز الظهيرة- يودع الأموات وهم عنده أحياء وكأنما تصور نفسه واحداً من هؤلاء الموتى وقد هدم قبره، وذُرّت بقايا جسده في الهواء دون اعتراض من أحد أو أسىً من آخر.

واستعملت نازك من الألفاظ المحكية غنوة) وحلوة)، وملاحن[73]).

ويرى الدكتور أحمد مطلوب أن استعمالها تلك الألفاظ كان تأثراً بشعر محمود حسن اسماعيل وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي[74]) ولكن نازك الملائكة تستمر في استعمال لفظتي غنوة) وحلوة) في ديوانها يغير الوانه البحر).

 

تقول في قصيدة الماء والبارود):

وسبع مرّاتٍ سعتْ باكيةً بين الصفا والمروهْ

تحمل فوق خدها وردة حزن حلوةْ

ودمعها وحزنها على شفاه الريح

تنهيدة وغنوةْ[75])

لا يرى الباحث أن الشاعرة موفقة في استعمال اللفظين: غنوة) وحلوة)، لأن الأم -وهي هاجر زوجة سيدنا إبراهيم، التي تسعى بين الصفا والمروة خائفة على طفلها الظامئ لا تحمل وردة حزن حلوة، ثم كيف تكون وردة الحزن حلوة؟! أما لفظة "غنوة" فهي الأخرى لم تقع الموقع الفني المناسب لأنّ السياق العام مشحون بالرعب والفزع والترقب فأين كل ذلك ممّا توحي به الغنوة) خلافاً لمشاعر الأم هاجر وأيضاً خلافاً لمشاعر الشاعرة التي يفترض أنها تعيش أجواء المأساة، وتستدعي ظروفها ! ويبدو أن الشاعرة اضطرت لاستخدام المفردتين المذكورتين استجابة لدواعي القافية ليس إلا.

وتوافر شعر البياتي على الكثير من اللمسات الشعبية، فالبياتي "أحد الشعراء المبكرين الذين كرسوا لغة الواقع والحياة الأدبية الجديدة في الشعر واصلّوها في عملهم الإبداعي”:[76])

يا عندليب الموتِ

يا مخالب الظهيرةْ

مدّي إلى بئر حياتي المظلم الضفيرةْ

ولملمي الآنية الكسيرةْ

ودثرّيني فأنا "بردانُ في الظهيرةْ"[77])

لفظة بردان) ذات نكهة شعبية وضعها الشاغر في موقعها المناسب من السياق الشعري بتأثير جملة "دثريني" التي سبقتها، وكذلك بما تثيره شبه الجملة في الظهيرة) من أجواء الصيف الحارة. ولعل تكرار صوت "الراء" في كامل السطر الشعري قد جعل منها جزءاً لا يتجزأ من النسيج الشعري وليست طارئةً عليه، أو منفصلة عنه. ولكن الشاعر يخفق في توظيف المثل الشعبي "لعين بصيرة واليد قصيرة" في مقطع آخر من القصيدة نفسها حين يقول:

فالعين يا حبيبتي بصيرة

لكنْ يدي قصيرةْ

وأمنياتي فجّة ضريرةْ[78])

فقد اكتفى الشاعر بتوزيع المثل على سطرين شعريين قانعا بما زاد عليه من سطر عن الأمنيات الفجة الضريرة من دون أن يشحنه بطاقة إيحائية، وتلك نتيجة طبيعية للتوظيف الحرفي.

ولبلند التقاطاته من الكلام المتداول، والشعبي، وأحياناً الدارج. ففي إحدى قصائده يستعمل تركيب "ما شفتها" العامية:

لن أراها

كان حلما ذلك الوعد الذي شد خطاها

لن أراها

لن أراها

ربما "ما شفتها" يوما ولم أدرك رؤاها[79])

وأرى أن الشاعر أخفق في استعمال هذا التركيب، لأنه -التركيب- لم يستطع أن يكون بديلاً عن تركيب "لن أراها" الذي كرره الشاعر ثلاث مرات وأراد أن يجيء ببدل له متحاشياً تكراره أربع مرات، وكان بإمكان الشاعر أن يشحن اللفظ الدارج بإيحائية أعمق، ولذلك فقد هبط تنامي الصورة، وانخفض توتر القصيدة بسبب اقحام التركيب العامي دون ضرورة فنية أو وجدانية. على أن الشاعر يلتقط الشخصية الشعبية ساعي البريد) وينزع عنها دلالتها التبشيرية التي عرف بها بين الناس، ويخرجها إلى دلالة جديدة عبرت عن مشاعره الاغترابية وتلك هي المفارقة الطريفة:

ساعي البريدْ

ماذا تريدْ..؟

 

 

أنا عن الدنيا بمنأى بعيدْ

أخطأتَ..

لا شك فما من جديدْ

تحمله الأرض لهذا الطريدْ[80])

الساعي هنا رمز الآخرين الذين اعتزلهم الشاعر، ولذلك فلا جديد يُرجى من هذا المخاطب ولو أن الشاعر قدم الساعي رمزاً آخر، لما احتفظ النص بهذه المفارقة، والمفارقة هي التي تصدم القارئ، وتقلق هدوءه. ويقدم الشاعر مفارقة مثيرة حين يقول:

العدل أساس الملكِ

-صه، لا تحكِ

-ماذا؟

-العدل أساس الملكِ

-كذب، كذب، كذب

-الملك أساس العدلِ

إنْ تملكْ سكّينا حقك في قتلي[81])

فقد قلب العبارة المأثورة العدل أساس الملك) وفي هذا اغتراب لغوي، ومفارقة هزّت نمطية الموروث.

الأداء بالموروث

لم يكن شعراؤنا الرواد بعيدين عن التراث في أية مرحلة من مراحل تطورهم الشعري، والثقافي باستثناء بلند الحيدري.[82]) فالموروث الفني والإبداعي جزء من حضارة الأمة، وليس في مقدور المبدع المعاصر أن يوليه ظهره تحت أية ذريعة، وشعر القدامى على وفق هذا المنظور "نهر هائل يروي الحياة كلها" ععلى ما يرى ستيفن سبندر.[83]) ولذلك كان على الشعراء أن ينهلوا منه لكي لا يتحول إلى "بحيرة راكدة تفصلهم عنها حواجز صخرية"[84]).

إن احتفاظ الموروث في الكثير من جوانبه وتجاربه بأسرار لم تُفضّ بعد، وأعماق لم تستكنه لحد الآن هو الذي يغري الشاعر المعاصر بالعودة إليه واستلهامه مضامين وشخوصاً. وقد تراوحت علاقة شعرائنا بالتراث بين الاقتباس والتضمين والإشارة العابرة، والإشارة المركزة، فضلاً عن استعمال المفردات التراثية، وسوف أسوق مثالاً محددا للأداء باللفظة القديمة وآخر للأداء بالرمز، أو الأسطورة، أو الحكاية تجنباً للإطالة:

في قصيدة "إقبال والليل" يخاطب السياب زوجته بقوله:

حبَّبتِ لي "سُدَف" الحياة، مسحتها بسنا النهار[85])

فهل ثمة ضرورة فنية لاستعمال سُدَف)؟ يريد الشاعر أن ينقل لزوجته صورة دقيقة عن قتامة حياته التي كانت زوجته وراء تجاوزها وربما وراء استحالتها إلى ضياء. فاستخدم المفردة "سُدَف" وهي لهذا أكثر التصاقاً بتلك الحياة السوداء التي عاشها الشاعر، وكان بإمكان السياب استخدام لفظة "ظلم" ولكنه آثر تلك التراثية لأن "السدَف" لم تدرك بعد الكهرباء وغيرها من مبتكرات الحضارة الجديدة، فهي موغلة في الظلام، والسواد، والقتامة بكل ما تشتمل عليها من خوف، ورعب، وعدم اطمئنان ولهذا فقد كان الشاعر موفقاً في توظيف المفردة من ناحية التوصيف لتلك الحياة، وأيضاً من جهة ضخامة العمل الجليل الذي أدته الزوجة الوفية تجاه الزوج المريض، وليس هذا الأمر غريباً على شاعر كبير كالسياب برز عنده "روح الشعر العربي التقليدي.. بجزالة اللفظ وحسن السبك"[86]).

أما نازك الملائكة فهي ذات ثقافة عربية عالية ولكنها -ناقدة- متناقضة في فتاواها اللغوية: فقد دعت إلى إجراء تغيير جوهري على المعجم الشعري بترك "استعمال طائفة من الألفاظ التي كانت مستعملة في القرن المنصرم"[87]) ولكنها نفسها، عادت واستعملت تلك الألفاظ "في مرحلتها الشعرية الجديدة بعد أن رأتها نافرة"[88]) ففي قصيدة "ويبقى لنا البحر" تستعمل كلمة زبرجد، تقول: سألت عن البحر، هل تتغير ألوانُهُ؟

ويصبح أخضر مثل اخضرار العيون الحزينة

ومثل زبرجد نهر النهاوند في قعر حزني[89])

طابع القصيدة العام تجريدي، اطلقت الشاعرة من خلاله العنان لخيالها ليسبح في تحولات البحر الذي يعني عندها "الحياة والتدفق"، واللون الأخضر واحد من تحولات البحر، والزبرجد بلونه الأخضر مترسب في أعماق الشاعرة الغارقة في حزنها ربما لاقترانه بإحدى ذكرياتها، وقد بدا موقع هذه المفردة -الزبرجد- مثيراً لأنه خرج عن دلالته فالخضرة تدل على التفاؤل والأمل، ولكنها من خلال الزبرجد اقترنت بالحزن.

ويستخدم البياتي لفظة "شجَّ" في قصيدة "موت المتنبي":

انا شججْتُ جبهة الشاعر بالدواةْ

بصقتُ في عيونه

سرقتُ منها النور والحياة[90])

إن استعمال الفعل "شجَّ" إشارة إلى حادث جرى بين المتنبي وابن خالويه في حضرة سيف الدولة. ضرب على إثره ابن خالويه المتنبي فشج رأسه وقد وفق البياتي في استحضار الجو التراثي من خلال الفعل المذكور: فهو أولاً يشير إلى طغيان المعتدي وثانياً يؤكد أن الضربة موجهة إلى الرأس لأن الشجة في الرأس خاصة. وإذا كان المتنبي هنا يمثل الشاعر البياتي فإن الضرب على الرأس هو ما يناسب حال الشاعر المعاصر، الثائر والمتمرد لأن القضاء عليه هو هدف خصومه، والقضاء على الإنسان يتم عبر الضرب على رأسه.

وفي إحدى قصائده يستخدم بلند الحيدري لفظة "رغامها":

يمشي الشتاء يغرفتي متعثرا بظلامها

 

 

والدفء مشلول القوى جاث على أقدامها

قلقا يمرغ ضوءه المخنوق فوق رغامها[91])

إن استخدام هذه اللفظة التي تنتسب للماضي أكثر من انتسابها للحاضر كان استجابة لضرورات الصورة الشعرية: فما يعانيه الشاعر من غربته الروحية يتضاعف في الشتاء حيث الريح، والبرد، والوحشة، والوحدة. ولكي يرتفع في التعبير عن غربته إلى أفقها كان لا بد له من تصوير الدفء وهو هنا رمز الحياة واستقرارها في أدنى حالاته: متمثلة في تمريغ الدفء /الرمز بالرغام لأن انصراف الذهن إلى عبارات مثل: رغما عنه، أو على الرغم منه، أو رغم أنفه التي تثيرها لفظة "الرغام" سيقترن حتماً بتصور حقيقي لحالة الشاعر: البائسة، الذليلة، تماماً كما تثيره لفظة "جاث" من إيحاءات تناسب المقام.

الاستعانة بالنص الموروث:

إن الاتجاه إلى المنظور من التراث هو إحدى طرائف الاحتماء بالماضي لمواجهة حصار الغربة، من خلال تقديم النموذج المختار شريطة أن تكون ثمة ضرورة فنية لاستدعاء النص. وبعد أن قدمنا نماذج لاستخدم الألفاظ الموروثة، نقدم الآن شواهد على استخدام بعض الأساطير والشخوص التراثية.

في قصيدة "إرم ذات العماد" ننقل المقطع الآتي:

اسرتُ ألف خطوة؟ أسرت ألفَ ميلْ؟

إلى جدار قلعة بيضاء من حجرْ

كأنما الأقمار منذ ألف عام

كانت له الطلاءْ

كإنما النجوم في السماءْ

سلْن عليه، ثم فاض حوله الظلامْ

وسرتُ حول سورها الطويلْ

اعدّ بالخطا مداهُ مثل سندبادْ

 

يسير حول بيضة الرخ ولا يكادْ

يعود من حيث ابتدا

حتى تغيب الشمس، غشى نورها سوادْ

حتى إذا ما رفع الطرف رأى.. وما رأى؟)

حتى بلغتُ في الجدار موضع العمادْ

تقوم فيه كالدجى بوابة رهيبةْ[92])

إن مراجعة النص المحدد بالقوسين بعين الناقد تؤكد علاقته بسياق النص الشعري العام، فالنص بمظهره العمومي يشير إلى سعي الشاعر أوجده الراوية) حول جدار القلعة البيضاء دون الوصول إلى مبتغاه، تماماً كما سعى السندباد -وهو من المذخور التراثي- حول بيضة الرخ. وهذه الإشارة التراثية يسميها الدكتور محمد فتوح أحمد "الاعتراض بالموروث"[93]) وهو اعتراض لا يقطع السياق إلا ليؤكده.

والسياب وهو يستذكر دوران السندباد حول الرخ فإنما يتأسى به، ويطلب العزاء لنفسه، تخفيفاً لآلامه، ومداواة لجراحات نفسه.

وتتناول نازك في قصيدة "ولكنها ستكون الأخيرة" قصص الحب العربية الشهيرة:

وتعرف هذا بثينة في دركات الجحيمْ

ويدركه توبةٌ وجميلْ

وكم غمغمته أناشيد قيس بصوت رخيمْ

وداست به حزن ليلى الطويل

وكم رددته شفاه كثير في نشوةِ

لعزة وهي تموت كسيرةْ

ولكنها ستكون الأخيرة يا حلوتي

ولكنها ستكون الأخيرةْ[94])

 

 

إن النص الشعري المذكور لا يشي بأية التماعة فنية، لأن الإشارة إلى العشاق تقريرية اخبارية مجردّة، لم تضفْ شيئاً إلى الشخصيات التاريخية ولم تتناول بالتحوير أو بالتغيير أو بالزيادة وقائع حياتهم، برؤيا معاصرة كما تقتضي الاستعانة الفنية بالموروث.

لكن الأمر يختلف عند البياتي الذي اعتمد التجريب المستمر "تطلعاً إلى تجاوز دائم وتجدد في الشعر"[95]). ففي قصيدة "موعد في المعرة" يلتقط الحالة التراثية بإشارة مركزة ومضيئة:

صاح هذي أرضنا من ألف ألفٍ تتنهَّدْ

وعليها النار، والعشبُ

عليها يتجدّدْ

صاح إنّا

أبداً من عهد عادٍ نتغنى

والأقاحي والقبورْ

تملأ الأرض ولكنّا عليها نتلاقى

في عناقٍ أو قصيدةْ[96])

لقد ابتنى الشاعر النص على بيت المعري المشهور:

صاح هذي قبورنا تملأ الرحب

 

 

فأين القبور من عهد عاد

ومن هذه البؤرة الشعرية خاض الشاعر في ثلاث تضادات:

الأولى هي: النار والعشب:

فالنار رمز التطهر والخصب الذي يفضي إلى العشب

والثانية هي: التنهد× الغناء رمزين للحزن والفرح

والثالثة هي: الأقاحي× القبور رمزين للحياة والموت.

 

وقد خرج الشاعر بدلالة بيت المعري التشاؤمية إلى دلالة جديدة فيها من التفاؤل والأمل ما يستطيع بهما الشاعر من اختراق واقعة المأساوي متطلعاً إلى انتصار إنسانيّ جديد.

أما بلند الحيدري فلا يضيف شيئاً ذا قيمة فنية إلى إشارته عن أبي نواس في قصيدة "انتفاضة كأس" فقد اكتفى بصيغة النداء التقريرية:

يا أبا نواس قم حي الدجى

حانة الأرواح واجمع شملنا[97])

وكان بمقدور الشاعر أن ينمي الصور الشعرية، بتوظيف خصب للإشارة التراثية ولكنه انساق بخطابية جامدة لم يخرج منها إلا بخُفّي حنين.

التكرار ظاهرة أسلوبية:

يزخر الشعر المعاصر بالعديد من الظواهر الأسلوبية التي عُني بها النقد الحديث. ولم تقتصر الدراسات التي تمت في هذا الميدان على الشعر الحديث وإنما تناولت نماذج من الشعر القديم قامت على أساس استخراج الظاهرة الأسلوبية وتعيين وظيفتها، و"يبدو أن الظاهرة الأسلوبية تتوقف على طريقة الشاعر أو مذهبه الفني أكثر مما تتوقف على عصره"[98])

ومن هذه الظواهر ظاهرة التكرار التي انتشرت في شعر الرواد لما لها من دلالات معنوية تتخطى وجودها اللغوي . فالتكرار "فضلاً عن كونه خصيصة أساسية في بنية النص الشعري [فإن له] دوراً دلالياً علىمستوى الصيغة والتركيب”[99]) فهو "أحد الأضواء اللاشعورية التي يسلطها الشعر على أعماق الشاعر فيضيئها" كما تقول نازك الملائكة"[100])

وسأحاول من خلال بعض الشواهد تحديد وظيفة التكرار، في موضوع الاغتراب دون الخوض في أنواعه تجنباً للإطالة التي لا تحتلها هذه الفقرة من مبحث البنية اللغوية.

 

 

يقول السياب في قصيدة متى نلتقي:

ألا يأكل الرعب منها الضلوعْ؟

إذا ما نظرنا إلى ظل تينةْ

فلاحت لنا، من ظلامٍ، قلوعْ

تهدهدها غمغمات حزينةْ؟

ألا يأكل الرعب منها الضلوعْ؟

ألا تتحجّر منا العيونْ

إذا لاح في الليل ظلّ البيوتْ

هزيلاً كما ينسج العنكبوتْ

ألا تتحجّر منا العيونْ

ويلمع فيها بريق الجنونْ؟

ألا يأكل الرعب منا الضلوعْ

إذا ما نظرنا إلى ظل تينةْ

فلاحت لنا من ظلامٍ قلوعْ

تهدهدها غمغمات حزينة؟

ألا يأكل الرعب منا الضلوع؟[101])

لقد تكرر المقطع "ألا يأكل الرعب منا الضلوع" أربع مرات لتجسيد الرعب الذي ينتاب الشاعر وهو يرى ويسمع ما يبعث على اليأس ويقود إلى الخوف. فالهول الذي يحيط بالشاعر وهو على سرير المرض القى أمام عينيه بتلك الصور المفجعة وفي أذنيه تلك الغمغمات الحزينة.

إن تكرار المقطع يستدعي وعياً خاصاً من الشاعر[102]) لأن طوله، مكرراً، قد لا يحتمله القارئ/ المستمع لذا فإن الشاعر الحاذق هو الذي يصدم توقع المتلقي بما لا يتوقعه وحينئذ يؤدي التكرار دوره في هز المتلقي: وهذا ما فعله السياب إذ غير فيما يلي المقطع المكرر، فبعد التكرار الأول جاء المقطع "إذا ما نظرنا إلى ظل تينة" وبعد التكرار الثاني نقرأ: "الا تتحجر منا العيون/ إذا لاح في الليل ظل البيوت/... ويلمع فيها بريق الجنون" ولو أن الشاعر غير ما بعد التكرار الثالث لكان توقع التكرار المقطعي أعمق في النفس وأبعد أثراً في تجسيد أحزان الشاعر.

أما تكرار الجملة فنجده في قصيدة "الماء والبارود"[103]) لنازك الملائكة إذ كررت الله أكبر) سبع عشرة مرة، فهذه الجملة هي المنوال الذي نسجت عليه كل التغيرات الأخرى. فهي مرة متبوعة بـ "هتافة الأذان في سيناء تبحر" ومرة متبوعة بـ "نداء رحمة ندٍ تشربه الرمال" وهما صيغتان خبريتان. ولكن الشاعرة تستبدل هذه الصيغة بصيغة انشائية بعد التكرار الرابع:

الله أكبرُ

يا صائمون أفطروا

وبعد التكرار الخامس تعود إلى الصيغة السابقة:

على شفاههم غناء

ثم تعود إلى الإنشائية فالخبرية وبذلك تجعل من هذه التنويعات صوراً -شراكا للمتلقي، من جهة، وأصداء وهواجس تنبع من ذاتها القلقة اللائذة بالله، من هجير صحراء الغربة، وهجير صحراء سيناء معاً. فما تمنته من ماء للمقاتلين العرب هو ما تتمناه لنفسها مما يروي ظمأها، ويخفف اغترابها، وتأسيسا على ذلك فإن استغراقها في "الله أكبر" جاء فيما يشبه المجاهدة الصوفية لذاتٍ غرقى، ونفس حائرة. ومنه نستدل على أن التكرار -على وفق هذا الشاهد- عند الشاعرة "لم يكن زينة أو عكازاً تلجأ إليه.. وإنما هو حاجة نفسية ومعنوية"[104]) وما كان للقصيدة أن تشع -بدونها- بهذه الطاقة الايحائية.

ونقرأ للبياتي المقطع الآتي من قصيدة "الرجل الذي كان يغني":

ونادانا وناداهْ

صياح الديك، أختاهْ!

وخلّفْناهُ في الساحة، لا تطرف عيناهْ

-وداعا!"

قالها واختنقت في فمه الآهْ

 

 

-وداعا، لك يا طهرانُ

يا صاحبة الجاهْ

وداعا لك يا بيتي

وداعا يا أماهْ

ودوت طلقةٌ، واختنقت في فمه الآهْ[105])

في النص يتكرر الاسم "وداعا" أربع مرات. والاسم الذي ارتبط عند العرب بالثبات والسكون، منحه البياتي هنا سمة متجددة. وإيماءً ثرياً وهو يلتقط ملمحا تراثياً بإشارة مركزة، ومتوهجة فوداعا الأولى قالها الخيام مطلقة، ولعلها موجهة إلى الكون كله. أما الثانية فقد قالها لطهران وهي وطن الشاعر المُسْتحضَر، فيما اتصلت الثالثة بالبيت، وهمس بالرابعة لأمه. وهكذا أسس الشاعر كلا كبيراً ذا أربع دوائر تدرّج منها نزولاً: الكون ثم الوطن ثم البيت ثم الإنسان، وهي العوالم التي تعلق بها البياتي، وكأنه هو الذي يتحدث من خلال الخيام، أو كأن الخيام يتحدث بلسان البياتي، والوداع الشجي مختوما بالقتل "ودوّت طلقة" هو تعبير عن غربة الشاعر، وهاجس القتل الذي رافقه في منافيه.

أما تكرار الفعل فاخترنا نموذجاً له من شعر بلند الحيدري:

اطفيءْ له الأنوارْ

اطفيءْ ولا تقلقْ

واتركه للتيّارْ

يحمل للأغوار ما في الحلْم من أغوارْ

يحمل للؤلؤ والمرجان والمحارْ

كل الحكايات عن الجدبِ

عن عالم يحيا بلا قلبِ

              ****

يحمل للأغوار ما يحمل في يديه

في عينيه

من أغوارْ

يحمل للبحارْ

لتيهها المغلقْ

مرارة الضياع في البحارْ[106])

يطالعنا -في النص- الفعل المضارع "يحمل" مكرراً أربع مرات، وهو، كأي فعل، مرتبط بدلالة النمو والتجدد، وتردده يعني استمرار الحدث، ومن هنا كان إحساسنا بطاقة "التكرار المتراكم تأكيداً على الحدث والزمن بصوت الفعل نفسه"[107]). إن ما يعانيه الشاعر من قيد مفروض على ذاته اضطره إلى أن يصرخ من خلال الفعل المكرر حالما أن يوزع آلامه بين الموجودات:

"الأغوار"، و"اللؤلؤة والمرجان والمحار"، و"البحار"، بعضَ مظاهر اغترابه: "ما في الحلم من أغوار" و"كل الحكايات عن الجدب" و"مرارة الضياع في البحار" فقد تساوى عند الشاعر عالماه: الداخلي والخارجي فكلاهما جدب، وضياع لأن الكون العام "بلا قلب".

 



[1]) لغة الشعر المعاصر، محمود الربيعي، م. فصول، ع4، يوليو، 1981، ص128.

[2]) بنية اللغة الشعرية، جان كوهين، ص129.

[3]) سياسة الشعر، أرويس، ص154.

[4]) المكان نفسه.

[5]) الأسس الفنية للإبداع الفني، مصطفى سويف، ص281- 282.

[6]) العلم والشعر، إ. أ. ريتشارد ز، ص30.

[7]) قواعد النقد الأدبي، لا سل أبركرمبي، ص34.

[8]) العلم والشعر، إ. أ. ريتشارد ز، ص31.

[9]) الأسس الجمالية في النقد الأدبي، د. عز الدين إسماعيل، 345.

[10]) الشعر والتجربة، ارشيبا لدمكليش، ص20.

[11]) الصورة الفنية في شعر أبي تمام، د. عبد القادر الرباعي، ص245.

[12]) ينظر: دلائل الإعجاز، ص36.

[13]) علم اللغة العام، فردينان دي سوسور، مقدمة المراجع، د. مالك يوسف المطلبي، ص10.

[14]) قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث، د. محمد زكي العشماوي، 320.

[15]) لغة الشعر بين جيلين، الدكتور إبراهيم السامرائي، 10.

[16]) دراسات في النقد الأدبي، د. أحمد كمال زكي، ص123.

[17]) المكان نفسه.

[18]) الشعر كيف نفهمه ونتذوقه، اليزابيث درو، ص339.

[19]) مفهوم الشعر، د. جابر عصفور، ص288.

[20]) ينظر: نفسه.

[21]) مقدمة ديوان لن)، أنسي الحاج، ص14.

[22]) لغة الشعر بين جيلين، د. إبراهيم السامرائي، 136.

[23]) منهاج البلغاء وسراج الأدباء، حازم القرطاجي، 143- 144.

[24]) نظرية البنائية في النقد الأدبي، د. صلاح فضل، 347.

[25]) مقدمة شظايا ورماد، نازك الملائكة، 2:7.

[26]) ينظر: الشعر كيف نفهمه ونتذوقه، اليزابيث درو، 87.

[27]) ينظر بدر شاكر السياب، رائد الشعر الحر، ص40.

[28]) الشعر العراقي الحديث، ص156.

[29]) النقد المنهجي عند العرب ومنهج البحث في الأدب واللغة، الدكتور محمد مندور، ص407.

[30]) نازك الملائكة دراسات في الشعر والشاعرة، بنية القصيدة في شعر نازك الملائكة، عبد الرحمن ياغي، ص717.

[31]) النفخ في الرماد، د. عبد الواحد لؤلؤة، ص17.

[32]) الشعر العراقي الحديث، د. جلال الخياط، ص181.

[33]) علي محمود طه، الشاعر والإنسان، أنور المعداوي، ص23.

[34]) ديوانه شناشيل ابنة الجلبي، 1/704.

[35]) ديوانها عاشقة الليل، 1/612.

[36]) ديوانه المجد للأطفال والزيتون: 1/358.

[37]) ديوانه خفقة الطين، 132- 133.

[38]) علي محمود طه، الشاعر والإنسان، أنور المعداوي، ص3

[39]) مواكب جبران، نص وتحليل، د. عناد غزوان، م الأقلام، ع7، تموز، 1987- ص80-81

[40]) المكان نفسه.

[41]) واقع القصيدة العربية، الدكتور محمد فتوح أحمد، 114.

[42]) ديوانه: أزهار وأساطير، 1/93

[43]) ديوانها شظايا ورماد، 2:99.

[44]) نازك الملائكة، دراسات في الشعر والشاعرية، لغة نازك الملائكة ص607

[45]) ديوانه: ملائكة وشياطين، 1/51

[46]) ديوانه: خفقة الطين، 101

[47]) في الرؤيا الشعرية المعاصرة، د. أحمد نصيف الجنابي 91

[48]) بدر شاكر السياب رائد الشعر الحر، عبد الجبارد اود البصري، ص39

[49]) للعاصفة لا للريح، محيي الدين اسماعيل، 157

[50]) ديوانه: أنشودة المطر، 1/317

[51]) نفسه ص317-318

[52]) لم يقتصر السياب على استعمال هذه الصيغة من الأفعال على الفاظ الصوت، بل استعمل دغدغ، وعسعس مثلا، ويفسر الدكتور خليل إبراهيم العطية ذلك بأنه كان طلباً لموسيقية المفردة.. وهرباً من الرخاوة". ينظر: التركيب اللغوي في شعر السياب، ص67.

[53]) ديوانه: المعبد الغريق، 1/170

[54]) ديوانه: أنشودة المطر، 1/412

[55]) ديوانه شناشيل ابنة الجلبي 1/701

[56]) ديوانها عاشقة الليل 1/577

[57]) يلحظ اختلال الوزن

[58]) ديوانه النار والكلمات 1/649-650

[59]) ديوان خطوات في الغربة ص80

[60]) التركيب اللغوي في شعر السياب، د. خليل العطية، 145.

[61]) ديوان أزهار وأساطير 1/36

[62]) ديوانها شظايا ورماد 2/93

[63]) ديوانه قصائد حب على بوابات العالم السبع 3/18.

[64]) واقع القصيدة العربية، د. محمد فتوح أحمد، 118

[65]) ديوانه رحلة الحروف الصفر، 42

[66]) دراسات ونماذج من مذاهب الشعر ونقده، د. محمد غنيمي هلال، ص86

[67]) ينظر: قضية الشعر الجديد، د. محمد النويهي، ص22

[68]) بدر شاكر السياب والحركة الشعرية في العراق، محمود العبطة، 110.

[69]) ديوانه أنشودة المطر، 1:321

[70]) ديوانه شناشيل ابنة الجبلي، 1/709

[71]) أدباء معاصرون، رجاء النقاش، 231

[72]) ديوانه المعبد الغريق 1/130

[73]) يقول الدكتور إبراهيم السامرائي "وفصيح العربية لا يثبت هذا ولكنه استعمال جديد طرأ في شعر السياب والحيدري وغيرهم من شعراء هذا الجيل" ينظر: لغة الشعر بين جبلين، 172.

[74]) نازك الملائكة، دراسات في الشعر والشاعرة، لغة نازك الملائكة، ص618

[75]) ديوانها، يغير الوانه البحر، ص39

[76]) دير الملاك، د. محسن اطيمش، 192-193.

[77]) ديوانه، النار والكلمات، 1/690

[78]) نفسه، 690-691

[79]) ديوانه، أغاني المدينة الميتة، 29-30

[80]) ديوانه، أغاني المدينة الميتة، 38

[81]) ديوانه، حوار عبر الأبعاد ص25

[82]) كان بلند يشعر بنفور من التراث، كما كان يتابع العربية من خلال الأدب المترجم، وفي مرحلة لاحقة يذكر أنه تأثر بأبي العلاء المعري، وبأبي نواس وفي مرحلة أقرب يتأثر بالشعراء محمود حسن اسماعيل، والياس أبي شبكة، وعمر أبي ريشة. ينظر: مقابلة مع بلند الحيدري، أجراها يوسف الصائغ، م الأديب المعاصر، العدد5، المجلد الثاني، تموز، 1973- الصفحات 103-105-106

[83]) الحياة والشاعر 104

[84]) المكان نفسه

[85]) ديوانه، شناشيل ابنة الجلبي 1/718

[86]) مقدمة ديوان بدر شاكر السياب، ناجي علوش، ص ب ب ب.

[87]) مقدمة ديوان شظايا ورماد، 9-10

[88]) نازك الملائكة دراسات في الشعر والشاعرة، لغة نازك الملائكة، أحمد مطلوب، ص603. وقد نظم الدكتور مطلوب كشفا بطائفة من الألفاظ التي نهت عن استخدامها ثم عادت واستخدمتها لارتباطها "بالموضوعات التي نظمت فيها والأجواء التي تنم عليها". ينظر: نفسه 602-604

[89]) ديوانها يغير ألوانه البحر، 14-15

[90]) ديوانه، النار والكلمات، 1: 714

[91]) ديوانه، خفقة الطين، 132

[92]) ديوانه، شناشيل ابنة الجلبي، 1: 604-605

[93]) واقع القصيدة العربية ص156

[94]) ديوانها، شجرة القمر، 2/478.

[95]) الشعر العراقي الحديث، د. جلال الخياط، 181

[96]) ديوانه اشعار في المنفى 1/373-374

[97]) ديوانه خفقة الطينن 150

[98]) المتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس، صيغة التفضيل في شعر المتنبي، شكري محمود عباد، ص141

[99]) البنيات الأسلوبية في لغة الشعر العربي الحديث د. مصطفى السعدني، ص147

[100]) قضايا الشعر المعاصر 43

[101]) ديوانه/ شناشيل ابنة الجلبي، 1/682-684

[102]) ينظر: البنيات الأسلوبية في الشعر العربي الحديث د. مصطفى السعدي/ ص164

[103]) ديوانها، يغير الوانه البحر، ص25-51

[104]) نازك الملائكة، دراسات في الشعر والشاعرة، لغة نازك الملائكة د. أحمد مطلوب، ص636

[105]) ديوانه، أشعار في المنفى 1/415

[106]) ديوانه، خطوات في الغربة، 70/72

[107]) البنيات الأسلوبية في الشعر العربي الحديث، 159

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244