الاغتراب في الشعر العراقي- محمد راضي جعفر

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:49 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
الفصل الثالث

الفصل الثالث

البنية التصويرية

الصورة في البناء الشعري:

هل يمكن دراسة الصورة بمعزل عن اللغة؟ كان هذا السؤال شاخصاً في الذهن أثناء بحث البنية اللغوية، إلا أنه يطرح نفسه بالحاح هذه المرة، ذلك أن الفصل بين مكونات القصيدة الفنية أمر لا يخلو من تعسف لولا ما يتطلبه الدرس النقدي. لأن الصورة تتداخل في إطار أوسع مع الخيال والمجاز لتشكل ما نصطلح عليه باللغة الشعرية التي تكون "مشحونة بالتصوير بدءا من أبسط أنواع المجاز وصعدا إلى المنظومات الأسطورية الشاملة العامة"[1]).

لقد تعرضت الصورة الشعرية شأن المفهومات الأخرى إلى تطور في المفهوم والدلالة، فقديما كانت تقف "عند حدود الصورة البلاغية في التشبيه والمجاز"[2]) والموروث البلاغي والنقدي عند العرب وإن لم يتناول الصورة "بهذه الصياغة الحديثة.. ولكن المشاكل والقضايا التي يثيرها المصطلح الحديث ويطرحها موجودة في التراث"[3]) معبرا عنها بمصطلح المعنى. أما النقد الحديث فقد أضاف إلى مفهوم الصورة القديمة "نوعين آخرين هما الصورة الذهنية، والصورة باعتبارها رمزاً"[4]). وهذا يعني أن عناصر جديدة دخلت في التشكيل الصوري هي اللغة، والعنصر الحسي والرمز والأسطورة[5]) فضلاً عن الأنواع البلاغية الأخرى المعروفة كالمجاز.

والآن ما الصورة الشعرية؟

لا حاجة بنا إلى استعراض كل ما قيل في تعريف الصورة، لأن معظم التعريفات تقترب من تعريف الشاعر الأمريكي أزرا باوند حين قال عنها أنها "تلك التي تقدم تركيبة عقلية وعاطفية في لحظة من الزمن"[6]) والصورة لا تنفصل عن اللغة لأنها "انبثاق عن اللغة"[7]) ومعنى هذا أن الصورة لا تتقرر بمحض الصدفة بل تولد من جهد الشاعر الفنان على وفق انتقائية دقيقة تقررها "الخصال الشخصية"، لأنها عميقة الجذور "في التجربة المحسوسة"[8]).

على أن ما يجب ملاحظته هو أن الصورة كلما احتفظت بأسرارها لحين، ونزعتْ إلى الغموض الفني الموحي، وألجأت القارئ إلى التأمل، كانت أقرب إلى روح الشعر، وألصق بمفهوم الشعرية لأن "المعادلة ما بين وضوح الصورة وجلائها وما بين تأثيرها تظل عكسية دائماً"[9]).

الصورة والمجاز:

المجاز عند البلاغيين هو "الكلمة المستعملة في غير ما هي موضوعة له"[10]) والمقصود به أن المجاز يخرج باللفظ "من الدلالة الواحدة إلى الدلالة المتعددة"[11]) وبعبارة أخرى فإن المجاز هو الذي يكشف عن المعنى الكامن وراء اللفظ فيشحنه بطاقة إيحائية كبيرة، ولهذا يؤكد كولردج أن "الشعر من غير المجاز يصبح كتلة جامدة.. لأن الصور المجازية هي جزء ضروري من الطاقة التي تمد الشعر بالحياة.[12])

أمّا أهمية المجاز فتكمن في تلك الحرية التي يتيحها للشاعر، ويتصرف من خلالها "في خلق أخيلته ورؤاه"[13]) على أن هناك من يقول بإمكان أنْ يقوم الخيال الخصب مقام المجاز في الصورة[14]) وفي هذه الحالة فليس بمقدور سوى الشاعر الفنان على خلق صوره اعتماداً على اللغة وبمعزل عن العناصر البلاغية. وفي كل الأحوال فلا غنى للشاعر عن المجاز.

الصورة والخيال:

الخيال -كما هو معروف- جوهر العمل الشعري- والأدبي عموماً- فلا يذكر الشعر إلا مقترناً بالخيال، وإذا كان لا بد من تعريفه فهو: "تلك القوة التركيبية السحرية التي تشيع نغماً وروحاً يمزج ويصهر المكان احداها بالأخرى.. إنه حالة عاطفية غير عادية وتنسيق فائق للعادة"[15]). فالخيال إذن "أداة من أجل مزيد من الإضاءة للواقع"[16]) وكلما اشتط، واغرب، توحد أكثر مع لغة الشعر التي تماثله في الإغراب والإدهاش معاً، ولذلك فلا يمكن للخيال إلا أن يكسو الأشياء شيئاً من الضبابية فتحتفظ بشيء من أسرارها المجهولة. ومن هنا فهو "أداة لا غنى عنها لفنان، لأنه لا يستطيع إلا بمعونته أن يتصور الأشياء والحوادث في صور حية قوية"[17]).

وليس بين الخيال والحقيقة تعارض أو تقاطع كما يظن بعضهم "فكلاهما عنصر فعال في مجال أوسع هو عالم الأشياء والأشخاص والأحداث ذلك العالم الدرامي النفسي "ما يقول مورينو)[18]) وذلك يعني أن "الشاعر حين يستخدم خياله لا يهرب من الحقيقة بل يلتمس الحقيقة كذلك في الخيال"[19]).

إن الشعر يتجه أساساً لمخاطبة "ملكة الخيال" عند الإنسان لا قوته العاقلة[20]) ولأن الخيال سر الشاعر -إذا صح القول- فقد تفاوَتَ في القوة، والخصب، من شاعر إلى آخر فوُصف شاعر بأنه ذو خيال خصب، وآخر بأنه ذو خيال فقير.

وكما نال الخيال منزلة اسمى عند "كانت" والرمانسيين من بعده في العصر الحديث فقد منح المتصوفة "الخيال اسمى ما يمكن أن يناله من قداسة وتقدير طوال عصور الفكر العربي"[21]) فالصوفي تواق إلى الاتحاد بالمطلق، وسبيله إلى ذلك الخيال المجنح فمن خلاله "يتم الكشف عن نوع مهم في المعرفة، ويُنار الطريق لإدراك طائفة من الحقائق المتعالية"[22])، ومن هنا كان الخيال عند المتصوفة "أصل جميع العوالم"[23]).

إن مهمة الخيال خطيرة في العمل الفني والشعري بخاصة، فالصورة الفنية "لا تكتمل بدونه مهما كانت قدرات الشاعر والفنان، ولما كانت هذه الصورة قد استوعبت صفات التشكيل المكاني"[24]) فإن الخيال ارتبط مثلها بالمكان الذي "يدعونا للفعل، ولكن قبل الفعل ينشط الخيال، ينقي الأرض ويحرثها"[25]).

الصورة والأسطورة:

تتحدد مهمة القصيدة الحديثة في "تنسيق أحزان العالم"[26]) وأحزان العالم هي احزان الوجود، "والشعر يهتم بالوجود والوجود لا نهائي"[27]).

وما دام الإنسان في صراع مستمر مع الوجود -ومن أجله- فإن الشاعر المعاصر هو أحد أطراف هذا الصراع، بل هو أحد أطرافه الأساسيين، ومن هنا جاء اهتمامه بالأساطير مستلهماً دلالاتها البدئية ومستكنها أبعادها الإنسانية لمواجهة خيبات العصر، فالأسطورة "هي الماضي الحاضر في الحاضر".[28]) وحين يستخدم الشاعر الأسطورة فإنه بذلك "يقوم بعملية اختراق حضاري لماضٍ غابر غير حضاري يحمل معه براءة البشرية ونقاءها في عهود طفولته الأولى"[29]).

فاستدعاء الأسطورة على وفق هذا التصور لا يكون حلية عند الشاعر الفنان بل هو استجابة لسياقات الشاعر النفسية والفنية معاً. ويترتب على ذلك أن يعي الشاعر "أن استخدامه لهذا الرمز أو ذاك لن يكون له قوة التأثير الشعري ما لم يحسن.. استغلال العلاقات أو الأبعاد القديمة لهذا الرمز، وما لم يضف إلى ذلك أبعاداً جديدة هي من كشفه الخاص"[30]).

وبعبارة أخرى، لكي يكون استخدام الأسطورة ناجحاً ينبغي استدعاؤها ضمن السياق الطبيعي، ومنحها الدلالة العصرية المناسبة من خلال ما يستلزمه السياق من تحوير وتغيير وزيادة، فكلما تضافرت "العناصر الأسطورية في دلالتها مع الصورة العامة أو العناصر الأسطورية الأخرى في القصيدة"[31]) اقترب الشاعر من روح الموقف الأسطوري فهذه الروح لا تخلو في جوهرها من لمسات شعرية.

إن الصورة الشعرية -في ضوء ما تقدم- هي سمة الشعر الحديث فمن خلالها يستطيع الشاعر أن يجسد فكرته في تعبيرية قادرة على استقطاب المتلقي وصهره في صميم التجربة الانفعالية. ولكي يكون "العمل الشعري كله علاقات صورية كما يقول هربرت ريد"[32]) توجّب على الشاعر أنْ يؤسس بنية إيحائية مركبة تستمد عناصر تصويريتها من قوة التوهج الانفعالي، عَبْر تحطيم علاقات المادة المنظورة وإقامة علاقات جديدة على وفق رؤيا الشاعر من خلال استخدام كل الحواس دون الوقوف عند حاسة البصر وحدها ذلك "أن الصورة يمكن أن تستقي من الحواس الأخرى أكثر من استقائها من النظر"[33]).

إن الصورة بمختلف أنواعها قادرة على إقامة علاقات جديدة بين الألفاظ، واستحداث استعمالات لغوية مبتكرة، تقود حتماً إلى خلقٍ صورى جديد ليس على مستوى الدلالات الوظيفية أو المعنوية المعروفة فحسب وإنما على مستوى الدلالات النفسية أيضاً وفي هذا الصدد يذهب ناقد معاصر إلى "أن للصورة مستويين.. هما المستوى النفسي والمستوى الدلالي"[34])، مشيراً إلى أن للصورة وظيفتين نفسية ومعنوية، ومن خلال تحديد الوظيفة النفسية فإن الصورة الشعرية ستتجاوز كثيراً الفقر الصوري الذي يتمخض عن القراءة البلاغية التقليدية.[35]) في ضوء ما مر من مفهومات سأتعامل مع الصورة الشعرية في شعر الرواد، ومدى تعبيرها عن غربتهم متناولاً عدة تشكيلات صورية هي:

التشكيل بالقصة

التشكل بالموروث

التشكيل بالرمز الأسطوري

التشكيل بالرمز الأدبي

التشكيل بالقناع

التشكيل بالقصة:

حين ننسب قصيدة إلى فن الحكاية أو إلى الفن القصصي فإننا لا نطمح إلى أن تكون تلك القصيدة قصة متكاملة، أو حكاية ناضجة، ذلك لأن الشاعر حتى لو امتلك كل مقومات القاص أو الروائي يظل شاعراً بالدرجة الأولى، ولكنه قد يستلهم بعض ملامح شعره من الفن القصصي قدر ما تسعفه تجربته الانفعالية، وأدواته الفنية، وقدرته في رسم الشخوص والأحداث.

وفي بعض شعر الرواد ترتسم ظلال الحكايات والقصص هنا وهناك مع تفاوت في الوضوح والضمور، والقوة والضعف، والنضوج والفقر. فقد نقرأ للسياب شيئاً من هذا في قصائده: في السوق القديم[36]) وغريب على الخليج، والمخبر، وعرس في القرية، ومدينة بلا مطر، والمومس العمياء، وحفار القبور[37])وتطالعنا في شعر البياتي بعض قصائده التي حملت جينات قصصية مثل: سوق القرية وعشاق في المنفى، والحديقة المهجورة، ومذكرات رجل مسلول[38]) والرجل الذي كان يغني، [39])، ومجنون عائشة، [40]) وأولد وأحترق بحبي[41]).

وفي دواوين نازك الملائكة تطالعنا من حين إلى آخر نماذج من قصائد تستقي، بسرعة وعلى استحياء، بعض ملامح القصة أو الحكاية، مثل: المقبرة العريقة، وبداية قصيدة السفينة التائهة[42]) ومر القطار، والخيط المشدود إلى شجرة السرو[43]) ولعل قصيدتها لعنة الزمن[44]) أقرب تلك القصائد إلى فن القصة. ولم يكن بلند الحيدري بعيداً عن الشعر /القصة أو الشعر/ الحكاية، فقد نلمس ظلالاً باهتة أو غامقة لهذا الفن أو ذاك في قصائده: سمير أميس، وصور في كأس، وربيع شقية،[45]) وثلاث علامات، وشيخوخة، والخطوة الضائعة[46]) ووحشه، وغصن وصحراء ومظفر[47]) واعترافات من عام 1961.[48]) وقد ارتأينا معالجة قصيدتين الأولى للسياب والثانية لبلند الحيدري.

تعد قصيدة "غريب على الخليج" إحدى أهم قصائد السياب، ففضلاً عما توافرت عليه من ملامح القصة، فإنها قدمت نموذجاً بشرياً عبر تجربة إنسانية فريدة، عانى فيها البطل/ الشاعر صراعاً عنيفاً ضد قوى الوجود والطبيعة[49]).

وعلى الرغم من تكدس المعاني والصور فيها وفي سواها من قصائد السياب الطويلة بسبب كونها "وصفية شبه قصصية أكثر منها مبدعة صراع" كما يرى الدكتور جلال الخياط[50]) فإن عذر السياب في ذلك أنه شاعر وليس قاصاً أو روائياً.

في بداية القصيدة يرسم السياب لوحة المشهد العام، وكأنه يجسد مدخل القصة:

الريح تلهث بالهجيرة، كالجثام على الأصيلْ

وعلى القلوع تظل تُطوى أو تنشّر للرحيلْ

زحم الخليج بهن مكتدحون جوّابو بحارِ

من كل حافٍ نصفِ عاري[51])

حركة دائبة ومصطخبة: من قلوع بعضها يُطوى وبعضها ينشر، وبحّارة حفاة أنصاف عراة يرتسم الكدح على جباههم، وطقس خانق، ساخن، تلهث الرياح فيه وكأنها كابوس ثقيل رهيب أطبق على الأصيل فقتل سحره. وفي هذا الجو المأساوي كان البطل يخوض صراعه:

وعلى الرمال، على الخليجْ

جلس الغريب، يسرّح البصر المحيّر في الخليجْ

ويهدّ أعمدة الضياء بما يصعّد من نشيجْ

أعلى من العبّاب يهدر رغوة ومن الضجيجْ

صوت تفجّر في قرارة نفسيَ الثكلى عراقْ

كالمدِّ يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيونْ

الريح تصرخ بي: عراق

والموج يُعْول بي: عراقُ، عراقُ، ليس سوى عراقْ[52])

هذا هو البطل من الداخل: تأزم أقوى من عباب البحر، واشتياق يعلو على كل ما عداه من الضجيج، فهو غريب، طريد، يقف على غير أرض وطنه مدافعاً بالمناكب، محترفاً بالرياح، ومسكوناً بالجوع والفاقة، والخوف، والحنين، والعراق يملأ عليه المكان والزمان، داخل ذاته، وخارجها.

ويستمر الشاعر في رسم اللوحات، وتوليد الصور: ففي اللوحة الثالثة: يسترجع الماضي من خلال مجموعة من الصور محدودة المساحة: فثمة صورة: الأم وهي تهدهد طفولة الشاعر، وصور النخيل المكتظ بالأشباح، وصور الأطفال وهم يعودون مبكرين مع الغروب خيفة تلك الأشباح، وصورة المفلّية العجوز وهي تروى قصة عفراء وحزام:

هي وجه أمي في الظلامِ

وصوتها يتزّلقان مع الرؤى حتى أنامْ

وهي النخيل أخاف منه إذا أدلهمّ مع الغروبْ

فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لا يؤوبُ

من الدروبْ؟

وهي المفلّية العجوز وما توشوشُ عن حزام[53])

ولكن خيط الماضي ينقطع، فتلك انتباهة حملت الشاعر، وها هو يصحو منها، ليعود إلى نفسه.. حيث هو،

غنيت تربتك الحبيبةْ

وحملتُها فأنا المسيح يجر في المنفى صلبيه

فسمعت وقع خطى الجياع تسير، تدمى من عثارْ

فتذّرفي عينيّ منك ومن مناسمها غبارْ[54])

فالمسيح الذي يرتهنه المنفى: "مترب القدمين" و"اشعث في الدروب، تحت الشموس الأجنبية" تستدر الأطمار التي يرتديها العطف والشفقة، ويكاد فقره يدفعه إلى الاستجداء بثوب "الشحاذ الغريب" وقد حاقت به العيون الغريبة، فبعض تحتقر وتزور وتنتهر، وبعض ترق وتسخو[55]) وهكذا قدم الشاعر تشكيلاً متدافعاً من الصور، هي في مجموعها قصة المناضل الطريد، موزعاً بين ماضي بريء وشاعري، وحاضر قاس، وصعب، مع تشوف واضح ومتفائل إلى المستقبل.

وتندرج قصيدة "اعترافات من عام 1962) لبلند الحيدري تحت هذا الباب فهي قصة الشاعر من خلال عمله الوظيفي اليومي، تسحقه دوامة الروتين. في البداية نلتقي بمشهد تمهيدي يحدد ملامح هذه الحياة من جهة ويشير إلى التفريعات الصورية الأخرى من جهة أخرى:

ما أتعس أنْ أقضي كل حياتي في عتمة مكتبْ

نفس الوجه المرميّ على الطاولة السوداءْ

نفس الزمن المترهّلِ في الظلِ

ونفُس الأوراق الملساءْ[56])

لنلاحظ اللون الأسود الطاغي على اللوحة:

عتمة مكتب/ الطاولة السوداء، الزمن المترهل

في الظل. في المقطع الثاني يصف الشاعر لوحة

حملت لفظ الجلالة زيّنت الجدار بحروفٍ

كُتبت بالخطّ الكوفي وقد خيل للشاعر أن اللامين علامتان تُنبئان بالصلب: "من المصلوب بلاميْهِ: من المصلوب"؟[57]) وهذا الهاجس صدى لتمرد الشاعر وأنسياقه في تيار التجديف. ثم يدخل الشاعر في صلب حياته الوظيفية برؤيا متوجسة قلقه:

وكأمسِ

ذهبتُ

يفتح فراشي باب الغرفة، يحني قامته العطشى

وبلهفة مَنْ عوّده الجوع على أن يحني

قامتهُ

ويُذلّ تحيته حد الهمس

سيقولُ:

صباح الخير[58])

هذه الصباح الخير)) تستهلك نفسها على وفق تصور الشاعر، وتصبح لغزاً: أهي: اسم مغنية، أم اسم قصيده أم اسم جريدة.[59])

إن سأم الشاعر، وضيقه بالحياة ألهمه كل تلك التوصيفات، ولأن هذا السأم تلبّسه فهو لا يرى في لوحة الحياة/ الوظيفية غير اللون الأسود الذي يعود في الجزء الآتي من القصيدة لوناً أساسياً يغطي كامل الصورة:

اغلق باب الغرفةْ

القهوة.. لا تنس.. مرّةْ

وأنا أكرهها مرّةْ

أكره هذا القار الأسودْ

أكره هذا الدربَ الأسودَ في قعر الفنجانِ

وأكره حتى الحبرَ الأسود... حتى. اللا...

... لا تكفرْ... لن يغفر ربك هذي الفكرةْ

- مرّةْ

- أجل.. مرّةْ

فمصابٌ بالسكرى لا يأخذ قهوته إلاّ مرّة.

- كيف أصبت به ومتى

- لا تسألْ[60])

هذه الحوارية السوداء)) بين الشاعر وبين الفرّاش، أو بين الشاعر وبين نفسه، قصة أو مقطع قصصي استقى من بحر الخبب إيقاعه الذي استوعب غربة الشاعر، ثم جاء اللون الأسود ليزيد من قتامة الصورة، وليعبر عن قرف الشاعر: فالقهوة المرة، رمز للحياة المرة، وهي أيضاً رديف الدرب الأسود وهو درب الذل، والاضطهاد، والانسحاق، وهذا القار الأسود رمز الاستخذاء والانصياع وربما كان الحبر الأسود عند الشاعر إشارة إلى التقارير السوداء) التي ترفع عنه. أما السكرى فهو داء العصر، ولكنه عند الشاعر داء السياسة، لأنه ارتبط عنده بالقهوة المرة السوداء.

إن اللون الأسود أحد ثلاثة ألوان عند بلند، فهو رمز لقتامة الحياة، إلى جانب الأحمر الذي اقترن بمرحلته المجونية، فهو رمز الطيش والشهوة، واللون الأصفر هو ثالث هذه الألوان وهو رمز الغروب والتلاشي.[61])

التشكيل بالموروث:

وجد الشعراء الرواد في التراث ضرباً من الرؤية الفنية يقوم فيه الحس التراثي مقام الرصد التاريخي))[62])، وقد تراوح استيحاؤهم التراث[63]) بين التضمين، والاقتباس، والإشارة. وحفلت دواوينهم بقصائد كثيرة تناولنا قسماً منها في مبحث البنية اللغوية، وسنتناول هنا كمّاً محدوداً تجنّباً للإطالة.

فمن باب التضمين العجول لبيت شعري قديم يقول البياتي:

قالوا: تمتّعْ من شميمِ

عرار نجد يا رفيقْ))

فبكيت من عاري:

فما بعد العشية من عرارْ))

فالباب أوصده يهوذا)) والطريقْ

خال، وموتاك الصغارْ

بلا قبورٍ، يأكلونْ

أكبادهم، وعلى رصيفك يهجعونْ[64])

في النص تضمين للبيت الشعري القديم:

تمتع من شميم عرار نجد

 

فما بعد العيشة من عرار

إن الشاعر وهو يتحدث عن ضياع يافا)) قرن هذا الضياع، بشميم عرار نجد فكما أن الشاعر القديم سيفتقد هذا العرار فإن البياتي/ الإنسان العربي الشاعر حيل بينه وبين يافا)) التي أوصد يهوذا)) الطريق إليها وربما عبر الشاعر عن هواجسه شاعراً مغترباً صودرت أحلامه أكثر مما عبّر عن مشاعر الفلسطيني المشرد. على أننا من جانبنا افتقدنا الصورة الشعرية التي ظل الشاعر سبيله إليها بسبب ما نحسه فيه من عجالة، وإذا أردنا الدقة بسبب سطحية التجربة الانفعالية بإزاء الموضوع، على أن البياتي تجاوز هذا القصور في أشعاره اللاحقة عبر تجريب مستمر ودؤوب وصولاً إلى القناع الذي تناول من خلاله عدداً من الشخصيات التاريخية والتراثية.

ويستخدم السياب موروثاً شعبياً التقطه من أغنية شهيرة لمغنٍّ عراقي هو حضيري أبو عزيز)) ففي قصيدة هرم المغني)) استعار الشاعر مقطعاً من أغنية سلَّمْ علي بطرف عينه وحاجبهْ)). وقد كان استدعاء هذا المقطع موفقاً من زاويتين على الصعيد الموضوعي: فقد كان جزءاً أصيلاً من نسيج القصيدة التي تتحدث عن مغنٍّ هرمٍ استلب الداء صوته وألغى زمانه:

هرم المغني، هدّ منه الداء فارتبك الغناءْ

بالأمس كان إذا ترنّم يُمسك الليل الطروبْ

بنجومِهِ المترنّحاتِ فلا تخرّ على الدروبْ

واليوم يهتف ألف آهٍ لا يهزّ مع المساءْ

سعف النخيل ولا يرجِّح زورق العرس المحلّى

بعيونِ آرامٍ ودفْلى

ودرابكَ ارتعدتْ حناجُرها فأرعدتِ

الهواءْ[65])

أي إن إسقاط صنعة المغني على الشاعر نفسه وليد عدة خصائص مشتركة بينهما: فكلاهما كان مشهوراً في فنه، وكلاهما أصيب بمرضٍ عضال اختطف أحدهما، وما يزال يتربّص بالثاني.

أما الأمر الثاني في استدعاء هذا الموروث الشعبي، فهو إحساس الشاعر بالعزلة والاغتراب وحاجته إلى العطف، والرثاء ما دام التعاطف، مستحيلاً كما يحسه:

هرم المغنّي فاسمعوه، برغم ذلك، تسعدوهْ

ولتوهموهُ بأنّ من أبدٍ شبابٌ من لحونْ

وهوىً ترقرق مقلتاه له وينفح منه فوهْ

هو مائتٌ، أفتبخلونَ

عليه حتّى بالحطامِ من الأزاهر والغصونْ

أصغوا إليه لتسمعوهْ

يرثي الشباب ولا كلام سوى نشيجٍ: بالعيونْ

سلِّمْ علي إذا مررتَ.)).

أتّى وسلم.. صدِّقوهْ!

هرم المغنّي فارحموهْ[66])

على أن السياب، ولفرط احساسه بالعزلة من جهة، وبإثرة الآخرين وبخلهم من جهة أخرى تصرَّف بالأغنية، فاستبدل الأفعال الماضية بأفعال الأمر استدراراً لموقف أكثر إنسانية وسخاء من الغير وتنفيساً عما يعتمل في نفسه من الألم والغيض جراء انفضاض الناس من حوله، أي أن الشاعر طور الحديث والمعنى[67])وبذلك حقق الاستجابة الفنية إلى جانب تحقيق الاستجابة الموضوعية.

وفي فترة مرضه استخدم رمزاً من الموروث الديني هو أيوب) استجابة لما كان يحسه من غربة روحية مركبة:

أطفال أيوب من يرعاهم الآنا؟

ضاعوا ضياع اليتامى في دجىً شاتِ

يارب أرجعْ على أيّوب ما كانا

جيكور والشمس والأطفال راكضةً بين النخيلاتِ

وزوجة تتمّرى وهي تبتسمُ

أو ترقب الباب، تعدو كلما قُرِعا

لعله رجعا

مشّاعةٌ دون عكّاز بهِ القدمُ[68])

يؤسس النص صورتين متناقضتين: الأولى هي انعكاس للواقع الراهن، صورة أطفال الشاعر/ أيوب وقد حل عليهم شتاء قاس أسلمهم للريح والبرد والضياع فهم يتامى ينتظرهم مصير مجهول. والثانية صورة متخيلة تعكس رغبة الشاعر: صورة لجيكور غارقة بشعاع الشمس، وأطفالٍ يلعبون تحت النخيلات، فيما كانت زوجة الشاعر تأخذ زينتها أمام المرآة تنتظر زوجها وقد عاد إليها دونما عكازة. وينبغي ملاحظة ما أفرزه استخدام الرمز من مفارقة: فأيوب النبي تخلّى عنه أهله جميعاً بعد أن تركوه يصارع المرض، في حين ظل للشاعر زوج وأطفال ينتظرونه، ويحيطونه بالرعاية.

أما نازك فقد حفلت بواكير شعرها بالعشرات من الموروثات العربية والإغريقية: من آدم وحواء وهابيل وقابيل وعاد وثمود وشهريار وشهرزاد إلى رموز العشق العربي وسواهم.[69]) وقد لحظ الباحث أن استخدام الشاعرة لتلك الرموز يأخذ طابع النمطية لأن الشاعرة انطوت على الذات انطواء))[70])تاماً مما حال بينها وبين اهتبال فرصة الاستخدام الفني الناضج من جهة، ولأن معظم هذه الاستخدامات كان في مطولتها المنظومة بطريقة البيت الشعري الذي ربما أعاقت استدعاء الرمز بحرية وحركة مناسبتين كما هو الأمر في شعر التفعيلة، من جهة ثانية، ولأن البنية التراكمية))[71]) التي تميز قصيدة نازك بما فيها من استطالات وامتدادات وزوائد كان وراء ذلك القصور، لأن التراكم يكون البديل عن التكثيف الذي يشع في النص إيحاء يقتنص للرمز شحنته الفنية المؤثرة من جهة ثالثة. واستخدامها رمز "ها جر" في قصيدة الماء والبارود لم يستكمل نضوجه الفني عند الشاعرة الكبيرة الرائدة، بالرغم من أنها فيه تجاوزت كثيراً استخدامها رموز العشق العربي.

يقوم رمز هاجر على رسم لوحتين: الأولى للجنود المصريين وهم يبتهلون إلى الله أن ينزل عليهم المطر من أجل أن يفطروا، تقول:

الله أكبر

يا صائمون افطروا

من أين ياربّ لنا بالماءْ؟

جرارنا عطشى وتمتد حوالي جدبنا الصحراءْ

شفاهنا من عطشٍ سيناءْ[72])

هذه الصورة تقابلها صورة الطفل اسماعيل يبكي عطشاً ومن ورائه أمه تركض سبع مرات بين الصفا والمروة ضارعة إلى الله هي الأخرى أن يطفيء عطش الطفل:

الطفل اسماعيل يبكي عطشاً

لم يبق في خديه لون وقمرْ

              .......

وقلب أمّه الحزين برعمٌ منصهرُ

ودمعها على مرايا وجهها ينحدرُ

              ......

وسبع مرات سعت والهةً

بين الصفا والمروةْ[73])

إن ما ينقذ الرمز من السقوط هو أن الشاعرة وضعتنا أمام مفارقة لم تتوقعها: فقدم الطفل تفجر الماء فتكون السقيا، بينما تسقي الطائرات المعادية الجنود بالصواعق بدل الماء الذي انتظروه من رب السماء. وكأن الشاعرة أرادت أن تقول: إنّ خروجها من أسر الذات المغتربة بحاجة إلى معجزة كما هي تفجر الماء تحت قدم إسماعيل) ولكن هذه المعجزة لن تتكرر كما لم تُستجبْ دعوات الجنود إلا بالموت) فليست ثمة معجزة في العصر الراهن.

توظيف الرمز الأسطوري:

لقد وقفنا في الفقرة السابقة عند توظيف التراث العربي وتخصيصاً التراث الأدبي الديني والشعبي، ونتناول الآن استخدام الرمز الأسطوري وسيلة لتشكيل الصورة الشعرية. فقد كان للسياب خاصة فضل استدعاء هذا الرمز لضرورات إنسانية وفنية معاً تتصل بطبيعة التجربة الشعورية للشاعر المعاصر، على أن التوافر على الأسطورة -شخوصاً ومدناً وأماكن ومواقف- أصبح سمة الشعر الحديث بعد ذلك ولشعرائنا الرواد عموماً تنويعات شتى في هذا الميدان، فلم يقفوا عند رمز أسطوري واحد بل اتخذوا لكل موقف، ولكل تجربة رمزاً خاصاً في ضوء دلالته الأسطورية والمعاصرة في آن. وإذا تجاوزنا المرحلة الأولى لهذا الاستخدام التي لم يتضح خلالها للرمز وظيفة فنية، أو ضرورة تتصل بالتجربة، إلى المراحل اللاحقة فنرى توظيفات موفقة أثبتت أن تلك الرموز كانت رموزاً حية على الدوام))[74])

وسأختار هنا شاهدين: للبياتي ولبلند الحيدري. أما البياتي فهو ذو خصوصية فنية منفردة أشرنا إليها في أكثر من موضع. فقد حقق ما سعى إليه من منجز فني من خلال النفاذ من دائرة الذاتية الضيقة إلى رحاب الإنسانية))[75])وبذلك استطاع توظيف الرمز الأسطوري بما يخدم تجربته الشعورية وبناءه الفني. وقد كرسّ رموزاً مثل السندباد، وسيزيف، وبروميثوس، ولعل الأخير أقرب إلى حقيقة الشاعر الفادي ومن هنا كانت أحزانه هي أحزان برميثوس الفادي الذي ضحّى من أجل الإنسانية)).[76]) يقول في قصيدة سارق النار)):

وحدي احترقت أنا! وحدي وكم عبرتْ

بيَ الشموسُ ولم تحفل بأحزانيْ

إني غفرت لهم، إني رثيتُ لهم

إني تركت لهم يا ربّ أكفاني

فلتلعب الصدفة العمياء لعبتها.

فقد بصقت على قيدي وسجّاني[77])

البياتي هنا مضحٍّ، وإن كان يائساً:

عصر البطولات قد ولى وها أنذا

أعود من عالم الموتى بخذلانِ[78])

ولكنه يأس مؤقت فالشاعر لم يُلقِ سلاحه ولم يستسلمْ، وما يقدمه النص من صورة ذهنية هي من صنع العلاقات الخاصة التي أقامها الشاعر بين الكلمات وفي قصيدة سيرة ذاتية لسارق النار))[79]) يكون بروميثوس والشاعر، وشعراء الكدية أبطال القصيدة، فالشاعر يبحث عن بروميثوس، ثم يلتقي به، ثم يموت هذا الأخير بعد أن يُبلِّغ الشاعر وصاياه.

أما بلند الحيدري فهو مثل نازك مستسلم لحزنه الشخصي، وغارق في غربته حتى الضياع فكأنه بنى لنفسه عالماً خاصاً متماثل الخطوط والألوان.[80]) وقد استخدم من الرموز أوديب، وبرميثوس والسندباد وإن لم يسمِّهِ صراحة)[81]). في قصيدة بروميثوس)) يقدِّم الشاعر ضياعه، إلى جانب كبريائه:

وكالذرى

تلك التي لا ترى

في صمتها القارس غير الرعودْ

أعيش في موتي واقتات من

سوى الذي كان فكان الوجودْ[82])

إنه يموت فوق قمة عالية توَّجتْها الوعود، وران عليها الصمت القارس، ولكن موتُهُ حياةٌ، على الأقل بالنسبة للآخرين، وهذه هي التضحية، ولكنها التضحية المشوبة ببعض اليأس:

هذي يدي نفضتُ عنها غدي

وألف وعد راسف في القيود

فليحلمِ النسرُ بأمواتهِ

ولتحلم الموتى بسرّ الخلودْ[83])

وإذا كانت الصورة غائمة في النص السابق لسيادة التجريد، فإن الشاعر يحشد في قصيدة أوديب)) صوراً مكثفة وموحية، ففي مقطع الصورة)) من القصيدة نقرأ:

وتطلُّ على ليل... عيناهْ

وتغور خطاهْ

أحلامٌ سوداء ومتاهْ

وهناك متاهْ

ومتاهْ

يا ألف سماء إنيّ... اللَّهْ؟[84])

الليل هو الصورة البؤرية: وثمة صورة منفصلة عنها ولكنهما تلتقيان في آخر المطاف: صورة العينين المطلتين على الظلام. وصورة الخطى الغائرة، والأحلام السوداء، والمتاه الممتد إلى اللانهاية، وقد اتشحت جميعاً باللون الأسود تعبيراً عن قتامة حياة الشاعر، ونظرته السوداوية. وفي مقطع أوديب)) من القصيدة يطالعنا الشاعر وحيداً، أعزل:

مهجورٌ كالليل أنا

كالصمتِ أنا مهجورْ

وهنا قرب يدي

ملء غدي

دنياي دجىً مقرورْ

بيداءُ

ربداءْ

ونداء مبتورْ

ودهورٌ تتساقط تجر فمها أمواهْ[85])

ثمّة كونٌ مظلم بارد، وأزمنه تتساقط كالأحجار فتجرفها المياه، وثمة بيداء شاسعة، ربداء من الصمت وهو رمز للتلاشي والضمور، وربما إشارة لاحتضار الحياة، فأوديب الذي هام على وجهه بعد جريمة قتل أبيه والزواج من أمه، أعمى يبتلعه الوجود اللامتناهي، كذلك هو الشاعر في غربته الروحية، والمكانية يموت عنده الزمن، ولا يستشعر في حياته سوى عبثية الأشياء ولا جدواها.

التشكيل بالرمز الأدبي:

الرمز الأدبي عمقٌ أو بعدٌ من أعماقِ أو أبعاد المعنى))[86])، وهو هنا غير الرمز الأسطوري الذي تحدثنا عنه في الفقرة السابقة، والذي توارثه الشعراء بالتوظيف والاستيحاء، ولا الرمز البدائي الذي انحدر إلينا من الثقافات البابلية والفرعونية واليونانية والهندية،[87]) وإنما هو ذلك الرمز الذي خلقه الشاعر بوحي من تجربته الانفعالية، وانتسب إليه، وارتبط بظروفه النفسية، وهو على وفق هذا التوصيف ابن السياق))[88])، ومما لا شك فيه أن هذا الرمز لا يقوم على العقل والإدراك وإنما على نظرة وجدانية حدسية))[89]) هي الأخرى وليدة التوقد الانفعالي، والنزوع الحلمي للانفصال عن الواقع.

ولقد اصطنع شعراؤنا الرواد رموزاً شتى تراوحت بين ألفاظ مستقاة من الطبيعة وأسماء لشخوص التاريخية. فقد استخدم السياب المطر)) رمزاً شعاعياً يبدأ بمحور ذاتي وينتقل إلى مستوى اجتماعي فكوني))،[90])ولذلك فقد شعَّ في شعره بغزارة[91]) أما عند البياتي فقد ارتبط المطر بالاغتراب، ولذلك دعاه بالعقيم)):

- وأنا...

- وأنت؟

- أنا وحيد

كقطرة المطر العقيم، أنا وحيدْ![92])

ويشترك البياتي والملائكة في استخدام رمز البحر)). فهو عند البياتي رمز التجوال والسفر))[93]) ولذلك عد البحر عنوانه[94]) أما عند نازك فهو رمز الاندياح المطلق واللانهاية، والتغير والتجدد.[95])

ومن الرموز السياقية التي استخدمها الرواد بيرز السور)) رمزاً للحاجز الذي يحول دون التجاوز حيناً، وحيناً رمزاً للطغيان، والعتمة، فعند البياتي يقترن بالليالي، والدم،[96])فهو تحدٍ خارجي لا يقف الشاعر إزاءه سلبياً. وهو عند السياب يأخذ معنى الحاجز، مرة، كما هو رمز الاستبداد مرة ثانية.[97])

ويكثر بلند الحيدري من استخدام الصمت)) و الصدى)) رمزين للتلاشي، والضمور، والخواء.[98])

وتتخذ نازك الملائكة من الليل رمزاً بدلالتين: فمرة يقترن بالخيال والأحلام والتوحد والإبداع)) ومرة أخرى يقترن بالكآبة، والموت)) كما يقول باحث معاصر.[99]) وكما انفردت نازك برمز الليل، انفرد بلند الحيدري باستخدام الطاحونة رمزاً للقوة القاهرة، الساحقة، المميتة.[100])

وخلقتْ نازك من الأفعوان، والسمكة، والسعلاة رموزاً لقوى خفيّة تطاردها، كما تابع البياتي قصته مع عائشة)) ليجعل منها رمزاً للولادة المنتظرة أو الحلم الشاخص، أما عن الرمز: عنصراً صورياً فقد اخترنا السمكة عند نازك وعائشة عند البياتي، فضاءين للتطبيق عليه، واستخراج وظيفته الفنية.

السمكة عند نازك رمز لقوة خفية تطاردها، هذه القوة قد تكون الزمن، أو المجهول، أو القدر الغشوم، أو الذكريات المحزنة، أو الندم.[101]) وهذا الرمز هو رديف رمز السعلاة)) التي ترصدتها في المعبر ورمقت طيفها بفتور،[102]) ورديف رمز الأفعوان)) الذي طاردها وسد عليها كل الطرقات وأطل عليها مع ضوء القمر.[103]) تفتتح الشاعرة القصيدة بمشهد عام هو مجموعة من الصور الشعرية لقصة لقائها بالحبيب في أصيل ألقت عليه الشمس الموشكة على المغيب لون الدم بينما كانت الأشباح تجوس الظلمة، ووسط هذه الظلمة ارتسم للنهر والريح وجودٌ مكثف من ظنون سوداء)) و مراوح نكراء)). يستغرق هذا المشهد خمسة مقاطع بلقطات احتشدت فيها صور الزهر والأفق والشفق، وأوراق الشجر، والأمواج، إلى جانب إطلالة سريعة على الماضي المخذول وطُرقهِ الخربة. ويبدو من الآن أن الشاعرة لم تترك قلبها ينساق مع أحلامها / الأوهام في اهتبال لقاءٍ صافٍ من دون منغّصات، كما أبدعت في وصف عاطفة النفس البشرية المأخوذة بسهر اللقاء:

وهجسنا شيئاً منفعلاً

في قلبينا، شيئاً ثملا

يلهث عاطفة بعد جمود سنينٍ مرّتْ في استغراقْ

وانبجستْ أشواقٌ وسنى

من أعيننا لوناً... لوناً

وتحرّك في دمنا معنى

ناريّ الشوق صدٍ توّاق[104])

في ذلك الجو المزدحم بالغموض والوضوح، بالسعادة الموهومة، والشقاء القادم، وقف العاشقان في الظلمة يحلمان، ويحوكان أطواقاً من النجوم والأمواج، ويجوبان عالمهما بعرباتٍ خرافيةٍ، وهنا تبدو ملامح المشهد السعيد حيث عطر الأزهار الخجلات)) و أسلاك الضوء الألاّق)). ولكنّ الشاعرة سرعان ما تسوق الصورة النقيضة:

لأياً وتبينا الحركةْ

ثمّة وإذا جثّة سمكةْ

طافية فوق الموجة ميتة والشاطئ في إشفاقْ[105])

وتبدأ السمكة بالنمو، والتعملق، وتستمر الشاعرة في رسم جزئيات هذا العدوّ والفضاء الذي استغرقه؛ من الأحداق ذوات اللعنة القاتلة، والزعانف السود، والسحائب السود التي حجبت وجه القمر السحري. إن ما يميز القصيدة هذا النسيج الدرامي الذيّ مد الحركة والتحول والتطور))[106]) فقد بدأ الرمز بهمس يكاد لا يبين، ثم استحال إلى حركة، ثم تطور إلى جثة سمكة طافية، بدأت تكبر شيئاً فشيئاً لتنتهي في صورة عملاق خرافي مرعب. إن الوعي الباطني هو الذي ألهم الشاعرة هذا الرمز، مشبعاً بغربة حادة، لذات واعية مهزومة حد الانسحاق.

و عائشة) عند البياتي رمز فني وإنساني ذو وظيفة أساسية في البناء الشعري، وعائشة في الأساس صبية أحبها الخيام في صباه، ولكنها ماتت بالطاعون، وقد استدعاها الشاعر فبدا وجهها من تحت القناع في الموت في الحياة) وجه شابة كانت قد ماتت منذ أزمنة موغلة في القدم))[107]) وهي كما يرى محيي الدين صبحي قناع أنثوي)).[108]) والحقيقة أن قصائد عائشة من قصائد السيرة وليست من قصائد القناع.[109])

في قصيدة رسائل إلى الإمام الشافعي)) يقول الشاعر:

تهدّل النور على الرياض في شيراز))

وفتحت أبوابها، ورفرفت فراشة زرقاء

                       .......

ناديتها: عائشة!

عائشة! لكنها لم تسمع النداءْ

ولم ترَ العاشق في جحيمه يزحف نحو النارْ

منتظراً في آخر الأبواب[110])

صورة موحية ترسمها العلاقات الخاصة التي أتقن البياتي إقامتها بين الكلمات: شيراز يغمرها النور، تفتح أبوابها لعائشة التي بعثت بصورة فراشة زرقاء، يهرع إليها الشاعر أو الخيام ولكنها لا تأبه له، لأن انبعاثها كان حلما أكثر مما هو حقيقة، ولكن الشاعر يظل ينتظر على الرغم من الجحيم الذي يزحف فيه. وفي مجنون عائشة)) يرسم الشاعر لوحة أخرى لعائشة وهي تطوف حول الحجر الأسود بأكفانها:

خبأت وجهي بيدي

رأيتْ

عائشةً تطوفُ حول الحجر الأسود في أكفانها

وعندما ناديتها: هوتْ على الأرض

رماداً، وأنا هويتْ

فنثرتْنا الريحْ

وكتبت أسماءَنا جنباً إلى جنب على لافتةِ الضريحْ[111])

لنلاحظ التضاد، أكفان عائشة البيض، والحجر الأسود: إنه الأمل إلى جانب اليأس، والحياة بإزاء الموت، وفي القصيدة إيحاء إلى أن الشاعر وعائشة كانا في الصحراء، في الزمن العربي القديم فعائشة هي التي فتحت للبدوي وهو في غربته الأبواب))، ثم ها هما معاً يبحثان في المعنى عن المعنى، وفي شعر الخروج)) حيث لم يجدا بوابة البستان)) بل وجدا:

... خيام الحب في الصحراءْ

منهوبة، والبدوى حولها يداعب الربابْ[112])

لقد دخلا، إذن، العصر العربي الحديث وهما في منفاهما فقد حدثته بذلك بعد مبارحتهما متحف اللوفر. ويتكرر طيف عائشة في قصيدة ميلاد عائشة وموتها))[113])فتحدِّثُ الشاعر عن قصة حبها مع آشور بانيبال الذي أحبّها وبنى من حولها الأسوار)) ولكنها لم تبادله الحب لأنها تكره القسوة والقهر اللذين اتسم بهما سلوك ذلك العاشق، وبذلك ينتهي مصيرها إلى أن تباع في سوق الرقيق)) حالمةً بالقرنفل الأحمر في حدائق الفرات)).

لقد كان رمز عائشة صرح هذا البناء الشعري الحافل بالصور، والإشارات، والمواقف التي استطاع البياتي من خلالها أن يبعث الروح التي افتقدها الشرق، في الأرض التي فقدت عذريتها)).[114])

التشكيل بالقناع:

يقول البياتي عن القناع هو الاسم الذي يتحدث من خلاله الشاعر نفسه متجرداً من ذاتيته، أي أن الشاعر يعمد إلى خلق وجود مستقل عن ذاته، وبذلك يبتعد عن حدود الغنائية والرومانسية التي تردّى أكثر الشعر العربي فيها))[115])، فالقناع على وفق هذا التوصيف شخصية فنية ممثلة بحيث تكون عناصرها حوامل للحقيقة المجاز)).[116]) وشعراؤنا الرواد هم الذين أسسوا هذا القناع، ولعل قصيدتي بدر شاكر السياب تموز جيكور، و المسيح بعد الصلب، هما البدايات الناضجة الأولى لفكرة القصيدة القناع)).[117])

على أن البياتي حقق في القناع مستوى نوعياً رفيعاً بسبب تطوافه الدائم في العالم، وفي مدن التاريخ، وطقوس الحضارات، ونزعته المغامرة في التجريب، ممّا أفصح فيه عن روح درامية متأزمة تقيم حواراً مع العالم، وتتمثل في أساليب متطورة، وقصائد تتخذ لها دورات متعاقبة، وتتطلع دوماً إلى أشكال من التعبير تسابق الزمن في تجددها المستمر)).[118])وهنا نستطيع أن نقول مع الدكتور احسان عباس أن البياتي كان أسبق المجددين إلى تغيير طبيعة المحتوى في ذلك الشكل))[119])

والحلاج، شاعراً ومفكراً وإنساناً، ينتمي إلى التراث الصوفي الذي استلهمه الشعر المعاصر لما فيه من سمات ثورية خاصة عند المتمردين والعشاق منهم ولا شك في أن بين البياتي والحلاج خصائص مشتركة فكلاهما شاعر، تغرَّبَ، وحورب، وكلاهما ثورى النزعة،[120]) وقصيدة عذاب الحلاج)) تتكون من ستة مقاطع: في المقطع الأول المُريد)) سمع صوتين هما في النهاية صوت واحد، صوت المريد وصوت البياتي ولكننا نستطيع أن نميز خيطاً شفافاً بينهما:

سقطتَ في العتمة والفراغْ

تلطَّختْ روُحك بالاصباغْ

شربتَ من آبارِهِمْ

أصابك الدوارْ

تلوَّثتْ يداك بالحبر وبالغبارْ[121])

ربما يكون هذا صوت الشاعر البياتي، أو صوت الأنا الأخرى للحلاج، وقد يكون صوت الروح الكوني اتصل بالحلاج. وإذ تلقى الحلاج هذا العتاب/ الاتهام فإنه يتكلم مدافعاً عن نفسه:

يا ناحراً ناقته للجارْ

طرقت بابي بعد أنْ نام المغنّي

بعد أنْ تحطّم القيثارْ

من أين لي؟ وأنت في الحضرة تستجلى

وأين أنتهي وأنت في بداية انتهاءْ؟[122])

تلك إحدى لحظات التجلي عند الصوفي وهو يتحسس خطأه حين التمس الحقيقة بالوسيط الحبر والغبار)، وحين شرب من آبار الغير ولم يحفر بئره بنفسه، ولذلك كان متهماً بنظر الصوت الأول[123])، وفي المقطع الثاني رحلة حول الكلمات)) ينفرد الحلاج بالتحدث:

ما أوحش الليل إذا ما انطفأ المصباحْ

وأكلتْ خبزَ الجياع الكادحينَ

زمرُ الذئابْ

وخربّت حديقةَ الصباحْ

السحب السوداء والأمطار والرياحْ[124])

الحلاج في النص يعلن عن رفضه الواقع، وهي البداية لإعلان الثورة، ثم يستمر:

يا مسكري بحبه

محيّري بقربه

يا مغلق الأبواب

الفقراء منحوني هذه الأسمال

وهذه الأقوال

فمدَّ لي يديك عبر سنوات الموت والحصارْ

والصمت، والبحث عن الجذور والآبار[125])

الحلاج يشير للفقراء وذلك يعني شروعه في الثورة من أجلهم الفقراء منحوني هذه الأسمال/ وهذه الأقوال)، والبياتي استخدم بعض أقوال الحلاج:

يا مسكري بحبه/ محيرى بقربه[126])

مما يعني أن الشاعر كان يعيش جو التصوف أو جو مصطلح التصوف على أقل تقدير.

وقول الحلاج في النص:

فمدَّ لي يديك عبر سنوات الموت والحصارْ

هو صوت البياتي نفسه، وصرخته من أجل الخروج من سنين غربته، كما أنه في الوقت نفسه نداء الحلاج لاقتحام المجهول من أجل المحبوب. وفي المقطع الثالث فسيفساء)) يعرض الحلاج جانباً من حياة السلطان: فهذا مهرجه يحب ابنته، وتشغفُ هذه بأعمال المهرج، ثم تموت، فيصاب المهرج بالغم، ويرى أن مهمته في القصر ستكون غير ذات جدوى برحيل الأميرة، ولذا فقد جن بعد موتها، ولاذت بالصمت)) والحلاج يأخذ الوجه الآخر من هذا العبث، أي ركوب الجد وهو ما سيقدم عليه في المقطع الرابع المحاكمة)):

بحتُ بكلْمتين للسطانْ

قلت له: جبانْ

قلت لكلب الصيد كلمتينْ[127])

وبذلك يتجاوز التردد ويرد على الاتهام الذي وجه إليه: فقد قذف السلطان ونام مستريحاً بانتظار الصلب. وفي المقطع التالي يقدم الشاعر صوراً حسية من العناق، والتحدث، والباس التاج، ومدّ الذراع كما يقدم صورة حسية أخرى لعملية الصلب:

واندفع القضاة والشهود والسيافْ

فاحرقوا لساني

ونهبوا بستاني

وبصقوا في البئر يا محيّري

ومُسكري

وطردوا الأطيافْ.[128])

وفي المقطع الأخير رماد في الريح)) نرى إلى لوحات تشكيلية لتقطيع أوصال الحلاج، واحراقها، ونثرها في الريح، وانتهاب أوراقه وأشواقه، وهكذا يصوّر الشاعر، من خلال اسقاط وضع الحلاج على حاله، اغترابه وما يعانيه في تعامله مع الوسط الذي يعيش فيه.

 



[1]) نظرية الأدب، رينيه ويلك وأوستن وارين، 28

[2]) الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري. د. علي البطل، 15.

[3]) الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، د. جابر عصفور 7.

[4]) الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري د. علي البطل، ص15

[5]) ينظر: الصورة الفنية في نقد الشعر العربي الحديث، بشرى موسى صالح، رسالة دكتوراه مطبوعة بالآلة الكاتبة، 105.

[6]) التفسير النفسي للأدب، د. عز الدين اسماعيل، 63

[7]) جماليات المكان، جاستون باشلار، 29

[8]) الأسطورة والرمز، ترجمة: جبرا إبراهيم جبرا 60

[9]) تطور الشعر العربي الحديث، د. علي عباس علوان، 48

[10]) مفتاح العلوم، السكاني، 170

[11]) الثابت والمتحول، أدونيس، الأصول، 107

[12]) الشعر كيف نفهمه ونتذوقه، اليزابيت درو، 59

[13]) دير الملاك د. محسن اطيمش، 246.

[14]) ينظر: الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري، د.علي البطل، ص25.

[15]) الشعر والتجربة،، ارشبيالد مكليش 53

[16]) علم النفس والأدب، د. سامي الدروبي 147

[17]) شوبنهاور، عبد الرحمن بدوي، 133

[18]) التفسير النفسي للأدب، د. عز الدين اسماعيل، 36

[19]) المكان نفسه.

[20]) ينظر: فنون الأدب، هـ. ب تشارلتن، 45.

[21]) الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي د. جابر عصفور ص51

[22])المكان نفسه

[23]) كشاف اصطلاحات الفنون، التهانوي، 2/351-353

[24]) تشكيل المعنى الشعري ونماذج من القديم، عبد القادر الرباعي، م فصول، ع2- ع3- 1984- ص65

[25]) جماليات المكان، باشيلار، 49

[26]) الصورة الشعرية، سي دي لويس، 20

[27]) الحياة والشاعر، ستيفن سبندر، 186.

[28]) الشعر العراقي الحديث، د. جلال الخياط، 159

[29]) المكان نفسه.

[30]) الشعر العربي المعاصر. د. عز الدين بن اسماعيل 196

[31]) الرمز الأسطوري في شعر بدر شاكر السياب، علي البطل 118

[32]) تشكل المعنى الشعري ونماذج من القديم، عبد القادر الرباعي، م فصول، ع2- مج4- 1984- ص55

[33]) الصورة الشعرية، سي، دي، لويس، 21

[34]) جدلية الخفاء والتجلي، كمال أبو ديب، 22

[35]) يدلل المؤلف على صحة رأيه بالاستشهاد بابيات لابن المعتز موضحاً الفرق الكبير بين القراءة البلاغية والقراءة الحديثة في ظل انسجام الوظيفتين المعنوية والنفسية، كما يقدم أمثلة أخرى من أشعار ابن المعتز وامرئ القيس والنابغة والشريف الرضي على عمل الوظيفتين "باتجاهين متضادين أو متخايرين"، ينظر: جدلية الخفاء والتجلي، 22 وما بعدها. كما ينظر: التفسير النفسي للأدب، د. عز الدين اسماعيل، وما قدمه من تطبيقات نفسية على إحدى قصائد ذي الرمة الصفحات 84-87) وإحدى قصائد الشاعر عبده بدوي الصفحات 113-116).

[36]) ديوانه: أزهار وأساطير، 1/21

[37]) ديوانه: انشودة المطر، 1/317-338-344-486-509-543- على التوالي.

[38]) ديوانه: أباريق مهمشة 1/190-210-249-270 على التوالي

[39]) ديوانه: أشعار في المنفى 1/414

[40]) ديوانه: قصائد حب على بوابات العالم السبع 3/89

[41]) ديوانه: قمر شيراز 3/485

[42]) ديوانها: عاشقة الليل 1/534-612 على التوالي

[43]) ديوانها: شظايا ورماد 2/58-185 على التوالي

[44]) نفسه 2/242

[45]) ديوانه: خفقة الطين 61-101-125 على التوالي

[46]) ديوانه: أغاني المدينة الميتة، 57-72-96- على التوالي

[47]) ديوانه: رحلة الحروف الصفر، 13-17- على التوالي.

[48]) ديوانه: أغاني الحارس المتعب، 80

[49]) ينظر: الرؤيا الشعرية المعاصرة د. أحمد نصيف الجنابي، 61، وبدر شاكر السياب رائد الشعر الحر، عبد الجبار داود البصري 62 ودير الملاك، د. محسن اطيمش، 26 وما بعدها.

[50]) الشعر العراقي الحديث، 158

[51]) ديوانه: أنشودة المطر، 1/317

[52]) نفسه: 1/317-318

[53]) نفسه: 1/318

[54]) نفسه 1/321

[55]) يُنظر: المكان نفسه.

[56]) ديوانه، أغني الحارس المتعب، 80.

[57]) نفسه، 81.

[58]) نفسه، 82، 83.

[59]) ينظر: نفسه، 83.

[60]) نفسه، 84.

[61]) ينظر: الزمن في شعر الرواد، سلام كاظم الأوسي، رسالة ماجستير بالآلة الكاتبة، 225-226.

[62]) واقع القصيدة العربية، د. محمد فتوح أحمد، 147.

[63]) تناول د. علي حداد بشيء من التفصيل أبرز المضامين التراثية وهي الأسطوري، والتاريخي، والديني، والأدبي، والشعبي. ينظر: أثر التراث في الشعر العراقي الحديث، 76-88.

[64]) ديوانه: المجد للأطفال والزيتون، 1: 289-290.

[65]) ديوانه، منزل الأقنان، 1/307-308.

[66]) نفسه، 1/308.

[67]) ينظر: دير الملاك، د. محسن اطيمش، ص 228.

[68]) ديوانه، منزل الأقنان، 1/257-258.

[69]) ينظر: نازك الملائكة دراسات في الشعر والشاعرة، من الموروث الأسطوري والديني في شعر نازك الملائكة، محمد رجب النجار، ص 357-421.

[70]) الشعر والشعراء في العراق، أحمد أبو سعد، ص 192.

[71]) ينظر: نازك الملائكة دراسات في الشعر والشاعرة، بنية القصيدة في شعر نازك الملائكة، عبد الرحمن ياغي، ص 705.

[72]) ديوانها، يغير ألوانه البحر، 31.

[73]) نفسه، 32-34.

[74]) الشعر العربي المعاصر، د. عز الدين اسماعيل، 1999.

[75]) عبد الوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث، احسان عباس، ص 103.

[76]) الحنين والغربة في الشعر العربي الحديث، د. ماهر حسن فهمي، ص 133.

[77]) ديوانه، أباريق مهشمة، 1/181.

[78]) المكان نفسه.

[79]) ديوانه، سيرة ذاتية لسارق النار، 3/369.

[80]) ينظر: الشعر والشعراء في العراق، أحمد أبو سعد، 177.

[81]) تنظر: قصيدة الرحلة الثامنة، ديوانه، خطوات في الغربة، 70.

[82]) ديوانه، أغاني المدينة الميتة، 76.

[83]) ديوانه، أغاني المدينة الميتة، 77.

[84]) ديوانه، خطوات في الغربة، 73.

[85]) نفسه، 74.

[86]) مقالات في الشعر الجاهلي، يوسف اليوسف، 298.

[87]) للاطلاع على أنوع الرموز ينظر مثلاً: نظرية البنائية في النقد الأدبي، د. صلاح فضل، 469-470.

[88]) الصورة الأدبية، د. مصطفى ناصف، 155.

[89]) البنية الموضوعية والفنية للشعر الوجداني الحديث في العراق، عبد الكريم راضي جعفر، رسالة دكتوراه على الآلة الكاتبة، ص255.

[90]) حركية الإبداع، د. خالدة سعيد، ص 134.

[91]) ينظر: قصائده جيكور والمدينة)) و أنشودة المطر))و مدينة بلا مطر))، 1/414و 474و 486 على التوالي.

[92]) ديوانه أباريق مهثمة 1/210. وينظر كذلك: ديوانه، الذي يأتي ولا يأتي))، 2/111. وديوانه المجد للأطفال والزيتون 1/331.

[93]) الزمن في شعر الرواد، سلام كاظم الأوسي، رسالة ما جستير على الآلة الكاتبة، ص 233.

[94]) ينظر ديوانه: كتاب البحر، 3/225.

[95]) ينظر دواوينها: ماساة الحيوان وأغنية للإنسان 1/450، وعاشقة الليل، 1/760، ويغير ألوانه البحر، 11.

[96]) تنظر: قصائده: الآفاق 1/343، و الموتى لا ينامون)) 211/96، وميلاد عائشة وموتها في الطقوس والشعائر السحرية المنقوشة باللغة المسمارية على ألواح نينوى، 3/135.

[97]) تنظر على سبيل المثال دواوينه: المعبد الغريق 1/146، و 1/160، وأنشودة المطر، 1/461.

[98]) تنظر على سبيل المثال دواوينه: خفقة الطين، ص85و 109و 214، و أغاني المدينة الميتة، ص 76، 109، وخطوات في الغربة، ص 74، و أغاني الحارس المتعب، ص26.

[99]) نازك الملائكة دراسات في الشعر والشاعرة، رمزية الليل قراءة في شعر نازك الملائكة، جابر عصفور، ص 524. وينظر: قصائدها: في وادي العبيد)) و ثورة على الشمس)) و الغروب)) رمزاً لدلالة الليل الإيجابية، ديوانها عاشقة الليل 1/494و 499و 594 على التوالي.

وقصائدها: بين فكي الموت)) و مرثية غريق)) و مدينة الحب)) و الفيضان)) رمزاً لدلالة الليل السلبية، ديوانها عاشقة الليل 1/580و 520و569و656.

[100]) ينظر: ديوانه أغاني المدينة الميتة، ص18.

[101]) ينظر: مبحث نازك الملائكة من الفصل الأول في هذا المبحث، الفقرة الخاصة بـ قوى المطاردة الخفية)).

[102]) ديوانها قرارة الموجة 2/402.

[103]) ديوانها شظايا ورماد، 2/75.

[104]) نفسه 2/245-246.

[105]) نفسه 2/247.

[106]) واقع القصيدة العربية، د. محمد أحمد فتوح، 139.

[107]) تجربتي الشخصية 2/107.

[108]) الرؤيا في شعر البياتي، هامش الصفحة 194.

[109]) في قصيدة القناع يقول الشاعر كل شيء من خلال الشخصية التي يتقمصها ويتحد بها دون اعتماد على صوته الذاتي، وفي قصيدة السيرة يتحدث الشاعر نفسه عن بطله. ينظر: دير الملاك، د. محسن اطيمش، 103و108.

[110]) ديوانه، قصائد حب على بوابات العالم السبع، 3/69.

[111]) نفسه: 3/94.

[112]) نفسه: 3/98.

[113]) نفسه: 3/135.

[114]) شجرة الرماد، د. وفيق رؤوف، 116.

[115]) تجربتي الشخصية، 2/37.

[116]) الرؤيا في شعر البياتي، محيي الدين صبحي، ص10.

[117]) دير الملاك، د. محسن اطميش، ص 105.

[118]) الشعر والزمن، د. جلال الخياط، 103-104.

[119]) اتجاهات الشعر العربي المعاصر، د. احسان عباس، ويريد بالشكل الجديد الشعر الذي اشترك في ريادته نازك الملائكة وبدر شاكر السياب.

[120]) وصف لويس ماسنيون الحلاج بأنه نزّاع إلى الثورة)) ينظر: شخصيات قلقة في الإسلام))، ص67.

[121]) ديوانه، سفر الفقر والثورة، 2/145.

[122]) المكان نفسه.

[123]) كان الحلاج يحب الله والله أكبر من أن يحب)، وحكم باهدار دمه، فاستخفى زمناً، ثم سجن، ولما أخرج ليصلب عرف أنه كان مخبول المطامع فأنشد يقول:

نديمي غير منسوب إلى شيء من الحيف

سقاني مثل ما يشرب فعل الحر بالضيف

فلماذا أرت الكأس بالنطع والسيف

كذا من يشرب الراح مع التنين في الصيف

فكان ذلك اعترافاً منه بأنه جهل قدر نفسه حين ارتضى أن يكون نديماً للمحبوب القهار. ينظر: التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق، الدكتور زكي مبارك 1/183-184.

[124]) ديوانه، سفر الفقر والثورة 2/146.

[125]) نفسه 2/148

[126]) قال الحلاج: يا من أسكرني بحبه، وحيّرني في ميادين قربه

ينظر: أخبار الحلاج، تحقيق ما سنيون وكراوس، ص17. نقلاً عن الرؤيا في شعر البياتي، محيي الدين صبحي، 140.

[127]) ديوانه، سفر الفقر والثورة 2/148.

[128]) نفسه.

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244