الاغتراب في الشعر العراقي- محمد راضي جعفر

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:49 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
الفصل الرابع

الفصل الرابع

البنية الإيقاعية

عضوية الموسيقى

-1-

مما لاشك فيه أن للصورة الشعرية الأثر الكبير في بنية القصيدة الفنية، لأنها أداة خطرة بيد الشاعر، وفيها يكمن سر شاعريته. ولكن هذه الأداة  يمكن بأي شكل من الأشكال أن تنهض بمهماتها من غير أن تتآزر معها وسيلة أخرى من وسائل التعبير الشعري تلك هي الموسيقى.

إن تقرير مثل هذا القول ليس جديداً، فقد بات أكيداً في تراثنا النقدي أن الصورة والوزن هما مصدرا الشعرية، وهذا ما أكده ابن سينا حين ذكر في كتابه الشفاء) أن الشعر هو ذلك الذي يجتمع فيه القول المخيل والوزن))،[1]) فمن هاتين العلتين تولدت الشعرية)).[2]) وهو ما يؤمن به النقد الحديث. يقول ماكس آيستمان: إن المبدأين الرئيسين الناظمين للشعر هما الوزن والمجاز، فهما متلاحمان ينبع أحدهما من الآخر)).[3]) فمثل هذا التلاحم القائم بين الصورة والوزن، نابع من أن التوهج الانفعالي قادر على استدعاء الألفاظ المنسجمة موسيقياً معه، ومعنى ذلك أن الشاعر، من دون وعي مسبق ربّما، قادر على الاتيان بالألفاظ المتوازنة موسيقياً لإقامة التجربة الشعرية.

إن اتحاد الصور الشعرية بمختلف أنماطها بالصورة السمعية، يقود إلى مغادرة اللحظة الشعرية الواعية إلى لحظة شعرية غير واعية. أي إن الامتزاج الكامل بين أخطر أداتين الصورة+ الموسيقى) يقود إلى دلالات يفيد منها الناقد لسبرغور اللغة العميقة من خلال الانحراف عن اللغة الاعتيادية أوالسطحية، ومن هنا ندرك أهمية الموسيقى في نقل القيمة التعبيرية/ التصويرية إلى المتلقي.

وتأسيساً على هذا الفهم، فإن اللغة الشعرية من دون موسيقى تظل دائرة على محور ثابت. والشعر -بأدواته جميعاً- بحاجة إلى حوار دائم مع النص، ومع المتلقي في آن واحد. ولا نبالغ إذا قلنا أن الوزن- كما تذهب نازك الملائكة- هو الروح التي تكهرب المادة الأدبية وتصيِّرها شعراً... فلا شعر من دونه مهما حشد الشاعر من صور وعواطف، لا بل إن الصور والعواطف لا تصبح شعرية بالمعنى الحق إلا إذا لمستها أصابع الموسيقى ونبض في عروقها الوزن))[4])، ولذلك عدَّت الوزن سحراً فاعلاً في النص، وفي الوظيفة: إن الوزن هزة كالسحر تسري في مقاطع العبارات تكهربها بتيار خفي من الموسيقى الملهمة. وهو لا يعطي الشعر الايقاع فحسب، وإنما يجعل كل نبرة فيه أعمق وأكثر إثارة وفتنة. ولذلك كان الشعر مؤثراً بحيث كان القدماء يعدونه ضرباً من السحر يسيطر به الشاعر على الجماهير))[5]) لأن الوزن خلق مسافة توتّر بين المكونات اللغوية العائمة في وجودها العادي خارج الشعر ووجودها داخله))[6]) ومن دونه يرى لغة الشعر تنحط تدريجياً إلى ما ليس بلغة شعر)).[7])

إنّ الشاعر حين تعتريه الحالة الشعرية يصبح ذهنه مشحوناً بالموسيقى. وهذه الموسيقى تجعل الألفاظ تنبعث في عقله الباطن وترفع إلى سطحه عشرات الكلمات المطموسة المعالم مما رقد في الذهن الجماعي للأمة وبعثته موسيقى الحالة الشعرية))[8]).

وطبقاً لهذا الفهم، فإنّ البنية الموسيقية يجب أن تؤدي وظيفتها في التجربة الانفعالية تعبيراً وتوصيلاً. بمعنى أن الموسيقى تسهم إسهاماً فاعلاً في احلال الدلالة في فضاء منفتح على التجربة الشعرية.

بإزاء هذه القيمة الفنية لموسيقى الشعر، يمكن أن ندرس نمطين من الموسيقى في الشعر: الأول الموسيقى الخارجية التي تعتمد على الصورة الزمنية التفعيلة)، والثاني الإيقاع الداخلي الذي يفعل فعله في الموسيقى الخارجية من أجل توحيد القصيدة.

-2-

لا شك في أن للإيقاع الداخلي وقعاً صوتياً على الأذن الأمر الذي يؤدي إلى تثبيت حالة شعورية تكون قد نهضتْ بالاستناد إلى قيمة تعبيرية معتمدة على ألفاظ. وهذه الألفاظ هي من التقاط تلك الحالة الانفعالية. وعلى هذا الأساس تكون النفس -وقت التجربة الشعرية أو تمثلها- قد غاصت في مساحة واسعة من الألفاظ فاجتذبت إليها ما يشكِّل المواءمة. وتأسيساً على ذلك، فإن القيمة الإيقاعية من الاشتغال الفاعل مع النشاط الذي تُحدثه النفس التي انفعلت فاطمأنّت ثم كتبت القصيدة، ووظيفة ذلك الاشتغال تنطلق من الوجدان الذي يحطِّم الرؤية البصرية والسمعية ليبني بناء جديداً الصورة + الصوت) وصولاً إلى البلاغ الشعري.

إن ما يراد بالإيقاع الداخلي تلك الإحساسات الخاصة بالأصوات، والألفاظ، والتراكيب، بحيث تكون مؤثرة في النص وقادرة على خلق الدلالات الجديدة التي تنطلق من سياق خاص. وفي هذا فهمٌ مدركٌ لجماليات التجاوز والتباعد من خلال رؤية سمعية) تؤلَّف تأليفاً جديداً، بحيث يسمع الشاعر فيها ما لايسمعه الآخرون. ومعنى ذلك أن مثل هذا التأليف يبتعد عن الصورة الزمنية للتفعيلة التي تشكل صورة الوزن الشعري أو البحر الشعري، وتلك مسألة شاقة لا تشرئب فيها إلا أعناق الشعراء التي استندت إلى الموهبة والتحصيل المكتسب.

غير إنني يجب أنْ أشير إلى مسألة مهمة هي أنّ تحقيق مثل هذا الايقاع قد لا يخضع إلى تخطيط مسبق، وإنما يرتبط بحركة الآن التي توجه الانفعال. لأن الشاعر الحق يستطيع أن يستعمل الألفاظ استعمالاً ناجحاً ولكنه لا يدري كيف تتم العملية)).[9]) إن مثل هذا الاستعمال الناجح يؤدي دوراً بارزاً في تحقيق البناء الموسيقي. وهذا الدور يتمثل في التعبير والتلقي للشحنات الانفعالية التي هي مجال العمل الشعري))،[10]) وفي هذا قدرة على خلق الاستجابة، وشد المتلقي، ومن ثم خلق قاعدة دلالية تنهض من سياق خاص يرتبط أساساً بالانفعال والعاطفة.

تكرار الأصوات:

إن قارئ شعر الرواد، وهو يستلهم تجربة الغربة بأشكالها المختلفة، يجدهم يتوسلون بوسائل كثيرة من أجل تحقيق إيقاع منسجم والتجربة، ومن هذه الوسائل تكرار الأصوات:

يقول بلند الحيدري في قصيدته أرض مرة))

من يدري؟

قد نرحل عند الفجر

لا تلقِ

مرساة

لا تبذرْ

بذرةْ

فالأرض هنا صماء كالصخرةْ

عمياء كالصخرةُ[11])

الشاعر كرّر في النص صوت الراء) تسع مرات، الأمر الذي أشاع إيقاعاً أستطيع تسميته إيقاعاً اهتزازياً))، وأقصد بذلك أن الايقاع المتولد من هذا الصوت أشاع نوعاً من الايقاع القادر على التردد بين درجتين: الانخفاض والارتفاع الأمر الذي أدى إلى انسجام الدلالة الاغترابية مع الخطاب الذاتي الذي تشكل على نحو حوار داخلي منلوج).

ويقول بلند في قصيدة وحدتي) مكرراً الميم)، و النون)، و التاء):

هكذا أنتِ نموتِ

قفرةً جرداء لم تحلمْ بنبْتِ

قفرةً جرداء كالخيبةِ

كالخيبة أنت[12])

هنا يتكرر صوت النون) ست مرات وصوت الميم) ثلاث مرات، وصوت التاء) تسع مرات. إن تكرار النون) ضعف تكرار الميم) هو الذي أشاع غُنّةً إيقاعية في طقس الانفراد والوحشة، كما أن تكرار التاء)- وهو صوت مهموس- بزيادة ثلاث مرات على صوت النون وست مرات على صوت الميم يشكل جواً هامساً للدلالة على الأعماق الخاوية التي تثير عتباً يصل إلى حد الوخز، وبذلك تحقّق الايقاع المطلوب.

وتراوح نازك الملائكة بين صوتي السين) و الشين) بطريقة 2:1 فغيابهما ثم 2، فتعود إلى 1: 2. تقول في قصيدتها إلى العام الجديد)):

يا عام لا تقربْ مساكننا فنحن هنا طيوفْ

من عالم الأشباح ينكرنا البشرْ

ويفرّ منا الليل والماضي، ويجهلنا القدرْ

ونعيش أشباحاً تطوفْ

نحن الذين نسير لا ذكرى لنا

لا حلْمَ، لا أشواقَ تُشرق، لا منى[13])

إن إيقاع الصوتين المهموسين السين والشين) استطاعا أن يشيا بدلالة ترتمي في أحضان الوحدة والغربة، ومثل ذلك الترتيب الايقاعي قاد إلى تحويل الانفعال إلى طاقة صوتية هامسة تنماز بالجهد -كما يقرر علماء الأصوات- أو أنها مُجهدة للتنفس، لأننا نحتاج إلى كمية من هواء الرئتين أكبر مما تتطلبه الأصوات المجهورة.[14])

ويستعمل السياب أصوات العين) و الغين) و الحاء) بتداخل فيحس المتلّقي بالأثر الجلي للايقاع الداخلي، يقول في قصيدته الباب تقرعه الرياح)):

الباب ما قرعته غير الريحِ..

آهِ لعلّ روحاً في الرياحْ

هامتْ تمر على المرافيء أو محطات القطارْ

لتسائل الغرباء عني، عن غريب أمس راحْ[15])

إن اشتعال صوت العين) خمس مرات، ومثله صوت الحاء) بإزاء ثلاثة تردُّدات لصوت الغين)، أسهم اسهاماً واضحاً في تصعيد الطبقة الايقاعية، فالصوتان المتماثلان في العدد -الحاء والغين- ينطلقان من أقصى الحلق وهي هنا إشارة إلى مدى ما يكابده السياب من آلام الغربة المُمضّة.

وإذا ما احتجنا إلى تخطيط مثلناه بما يأتي:

1.   ع غ ح

2.   ع ح ح

3.   ع ح

4.   غ ع ع غ ح

ــــــــــــــــــــــــــــــ

= 5 ع 3 غ 5 ح

غير ناسين الأثر الذي يحدثه الشطر الرابع في ترتيب صوتي الغين) و العين) وانتهائه بصوت الحاء).

ويكرر عبد الوهاب البياتي صوت لا)) في قصيدة مسافر بلا حقائب)):

من لا مكانْ

لا وجهَ، لا تاريخَ لي، من لا مكانْ

تحت السماء، وفي عويل الريح، أسمعها

تناديني: تعال!))

لا وجهَ، لا تاريخ... اسمعها تناديني:

تعالْ!))[16])

 

إن تردد لا) خمس مرات، له أثر ايقاعي في الجملة الشعرية. ومن أجل التركيز على النفي -وهو غربة مكانية- حشد هذا الصوت ليكون إلحاحاً على نفي المكان الذي ينفي الوجه) ثم التاريخ).

أصوات المد:

وأصوات المد من الأساليب الإيقاعية التي تُحدث أثراً موسيقياً، لأنها -كما يقول علماء الأصوات- تُسهم في مدِّ النفس إذ أنها... أطول من الأصوات الساكنة)).[17]) تقول نازك الملائكة في قصيدة في جبال الشمال)):

عُدْ بنا يا قطارْ

فالظلام رهيبٌ هنا والسكون ثقيلْ

عُدْ بنا فالمدى شاسع والطريق طويلْ

والليالي قصارْ

عد بنا فالرياح تنوح وراء الظلالْ

وعُواء الذئاب وراء الجبالْ

كصراخ الأسى في قلوب البشرْ

عُدْ بنا فعلى المنحدرْ

شبح مكفهرٌّ حزينْ[18])

إن تراكم مثل هذه الأصوات في الصورة الشعرية للقصيدة، من شأنه أنْ يشكّل إيقاعاً يجسّ نبض الحالة النفسية التي ركزت على غربة مكانية لاتطيقها الشاعرة. والتعبير عن السأم تمثَّلهُ النص من خلال امتداد هذه الأصوات، الأمر الذي أشاع إيقاعاً ذا حركة متثاقلة وبطيئة تنسجم مع بطء الحالة الآنيّة التي كانت تسكن الشاعرة، هذا فضلاً عن الأثر الموسيقي المتباطيء الناشيء عن القافية المقيّدة.

ويتوسل بلند الحيدري بصوت التضعيف في قصيدته الخطوة الضائعة)):

كان الشتاء يحزّ أرصفة المحطةْ

وللرياحِ هواء قطّةْ

يهتزّ فانوس عتيقْ

فيهزّ قريتنا الضنينةْ

ماذا سأفعل في المدينةْ[19])

التضعيف الصوتي، هنا، في أفعال تدل على الحاضر. والحاضر به وقع خاص في وجدان الشاعر، فجاءت تلك الصيغ الصوتية يحزّ- يهتزّ- فيهزّ) لتشمل مساحة زمنية صوتية واحدة ذات نهايات مدبّبة تتمثل بصوت الحاء) والزاي) تتردد بين صوت الهمس الحاء) والجهر الزاي)، وبذلك يتوتر الايقاع مع توتر التجربة الشعرية.

التدويم:

ويتوسل السياب بالتدويم... ويقصد بالتدويم تكرار النماذج الجزئية والمركبة بشكل متتابع أو متراوح بغية الوصول إلى درجة عالية من الوجد الموسيقي)).[20])

يقول في قصيدة جيكور والمدينة)):

وتلتف حولي دروب المدينةْ

حبالاً من الطين يمضغن قلبي

ويعطين، عن جمرةٍ فيه، طينَهْ

حبالاً من النار يجلدْنَ عُري الحقول الحزينهْ

ويحرقن جيكور في قاع روحي

ويزرعن فيها رماد الضغينهْ[21])

هنا استخدم السياب صيغة لغوية هي: يفعلْن)) أربع مرات، الأمر الذي أدى إلى تحقيق تدويم موسيقي ملحوظ يقود إلحاحه إلى الضيق الذي تنشره دروب المدينة/ الحبال)) حول السياب.

ويستثمر بلند الحيدري تكرار الجملة لتحقيق الإيقاع الداخلي. يقول في قصيدته الخطوة الضائعة)):

ماذا سأفعل في المدينة..؟

وسألتني:

ماذا ستفعل في المدينةْ؟[22])

إن تشكيل لقطة الحوار الداخلي في الجملة الأولى يؤدي إلى تثبيت اللاجدوى المنبعث من التنكر للمدينة حيث تضيع الخطوات، من هنا يجيء الالتفات الايقاعي في الجملة الثانية التي استبدلت ستفعل) بـ سأفعل) لتوكيد الصوت الداخلي. وبذلك أسهم الايقاع في قراءة الهمس الداخلي للشاعر الذي يتضادّ مع المدينة.

التوقع القافوي:

ويتوسل السياب بما يمكن أن أسميه التوقع الايقاعي القافوي) والمقصود به أن الشاعر أحياناً يوحي إلى المتلقي بتوقع مجيء قافية ما من خلال السياق الذي أشاعه. يقول السياب في قصيدة ليلة في باريس)):

وذهبت فانسحب الضياءْ

أحسستُ بالليلِ الشتائيّ الحزينِ، وبالبكاءْ[23])

إن انسحاب الضياء هو المولد للبكاء، والملحظ أن ايقاع هاتين الصورتين يتشكّل من الكامل)) وبتوزيع 4:2 أي أن الشاعر من أجل إقامة هذا الايقاع جاء بتفعيلتين في الشطر الأول ثم بأربع تفعيلات في الشطر الثاني.

ومثل ذلك في قصيدة اختناق)) لبلند الحيدري:

رغم الغدِ المفتوح في الأفقْ

أحسّ بي!

سأختنقْ[24])

فالأختناق) يتضاد مع الأفق) على الرغم من الانفتاح على الغد، وهو هنا بنية مفارقة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد في البنية الايقاعية وصولاً إلى هبوطها بما ينسجم والاختناق، ولعل توزيع التفعيلات على نحو 1:1:3 ، قد أسهم في بلورة ما ذهبتُ إليه.

تكرار التخصيص:

في قصيدة البياتي الليل والمدينة والسل)) يسجل الشاعر صورة إيقاعية أخرى لموقفه المتضاد من المدينة مع اعترافنا أنها أكثر التصاقاً بموقفه المنتمي المنفي، ففي هذه المرايا لم تعد المدينة وحشاً ضريراً يتخبط ليصرع الطيبين وأجساد النساء فحسب، وإنما عادت ذات دورة حياتية منتظمة تبدأ من الولادة وتنتهي إلى العدم، ولذلك عمد الشاعر إلى التضاد وإلى ما يمكن تسميته تكرار التخصيص) وتكرار ألفاظ بعينها. يقول:

في ليالي الموت والخلقِ،

وفي الأعماق أعماق المدينةْ

لم تزلْ كالهرة السوداء،

كالأم الحزينةْ

تلد الأحياء في صمتٍ

وأعماقُ المدينةْ

تبصق الموتى على الأرصفة الغُبْرِ السخينةْ

في ذراع الليل، ليلِ السل،

كالأمّ الحزينةْ

لم تزل تبصق آلاف المساكين: المدينةْ

في مقاهيها، وفي حاراتها السودِ اللعينةُ

وعلى أشجارها الصفر الدميمةْ

يُولدُ الخوفُ، كما تولدُ في أعماقها السفلى

الجريمةْ[25])

إنّ جوّ الإسقاطات النفسية على المدينة هو الذي هيّأ إيقاعاً ترجم الموقف التعبيري، فجاء هذا التضاد الموت والخلق) وتكرار التخصيص: الأعماق أعماق المدينة)، و ذراع الليل ليل السل)، وتكرار ألفاظ بعينها: المدينة) و لم تزل)، و تبصق)، و يولد، تولد، تلد) وفي هذا إشباع لقيمة إيقاعية.

تردد النسق الايقاعي:

وتتوسل نازك الملائكة بما أسميه تردد النسق الايقاعي) وأقصد بذلك أن القيمة الايقاعية للصورة الشعرية تتأتّى من تردّد عبارات بعينها مع بعض التحوير الناتج من الحذف والإضافة. تقول في قصيدة في جبال الشمال)):

شبحُ الغربةِ القاتلةْ

في جبالِ الشمالِ الحزينْ

شبحُ الوحدةِ القاتلةْ

في الشمالِ الحزينْ[26])

فالتردد الإيقاعي متناظر في شبح الغربة القاتلة) و شبح الوحدة القاتلة)، مع استبدال الغربة) بـالوحدة) وحذف الخافض، وكذلك التردد حاصل في جبال الشمال الحزين) و في الشمال الحزين) بعد حذف جبال) مما أشاع إيقاعاً سكونياً هو عبارة عن صدى ايكو) حوار النفس سّراً وعلانية.

وثمة وسيلة أخرى تلجأ إليها نازك الملائكة، هي إلباس التفعيلة الأولى ما يناسبها إيقاعاً من دون أن تكمل الكلمة، والملاحظ أن مثل هذا الإلباس يقف على صوت المدّ. تقول نازك في قصيدتها في جبال الشمال)):

وهنالك همسٌ عميقٌ

لاثغٌ خلف كلّ طريقْ

في شعاب الجبال الضِخامْ

ووراء الغمامْ

في ارتعاش الصنوبر، في القرية الشاحبةْ

في عواء ابن آوى، وفي الأنجم الغاربةْ

في المراعي هنالك صوت شرودْ[27])

فالايقاع قد استحوذ على التفعيلة من خلال في شعا، في ارتعا، في عِوا، في المرا) ووزنها فاعلن)، وتدويمها على مساحة أربع تفعيلات من شأنه أن ينهض بالايقاع الداخلي.

تجزئة الوزن:

وقد ينشأ الايقاع الداخلي من خلال تجزئة الوزن حيث يصبح هذا التجزيء وقفاتٍ يكون التوقف عليها منسجماً مع التقطيع الصوتي. وفي هذا التوقيع الصوتي وحداتٌ إيقاعية هي ليست إيقاع القصيدة بمجموعها؛ غير أننا بضمّ الإيقاع العروضي إلى بعضه فإن الوزن يبرز من جديد، وطبقاً لتلك الوقفات يتنوّع الايقاع، يقول السياب في قصيدته أمام بيت الله):[28])

أصرخُ في الظلام أستجيرْ

فاعلُ        فا علاتُ فا علانْ

 


مستفعلنْ        متفعلنْ   فعولْ

يا راعيَ النمالِ في الرمالْ

 


مستفعلنْ     فعولُ      فاعلانْ

 


مستفعلنْ    متفعلن   ْ فعولْ

وسامعَ الحصاةِ في قرارة الغديرْ

متفعلنْ  فعولُ  فا علنْ  متفـعلانْ

 


متفعلنْ   متفعلنْ   متفعلنْ   فعولْ

فمثل هذا التقطيع يؤدي إلى نشوء إيقاع جديد، ولكن عند ضم التفصيلات إلى بعضها نجدها تنتمي إلى الرجز).

-3-

موسيقى الإطار:

لحظنا في الصفحات التي مرت بنا الجانب المتحقق من الايقاع الداخلي. وفي هذه الصفحات الآتية سنتعرف على مدى ما حققته الأوزان الشعرية -موسيقى الإطار- من دلالات شعورية تتوافق مع الانفعال الذي تثيره التجربة الشعرية، يوصف المدرك الصوتي، ونحن نتحدث هنا عن الموسيقى الخارجية- والصورة الشعرية كعنصرين يعملان على تحويل القيمة الانفعالية إلى قيمة تعبيرية.

إن الذي لا نشك فيه هو أن للوزن رغم شكليته الخارجية قيمة انفعالية هامة تتعلق بتخدير الحواس من الناحية الفسيولوجية، كما أنه يرتبط بالأحاسيس الفطرية لدى الإنسان وما يتصل بها من تفريج بايولوجي، مما يجعل من الشعر التعويض الضروري والحيوي لتوترات انفعالية كثيرة)).[29]) وطبقاً لذلك فإنّ الوزن ليس زينةً تتزيّن بها القصيدة، بمعنى آخر أن الوزن ليس قالباً جامداً مفروضاً على القصيدة من الخارج، بل إن الوسائل التعبيرية الفنية، وبضمنها الوزن، تولد في لحظة الخلق.

على أساس هذا الفهم فإن الباحث لا يُقرّ بتلك الآراء التي سلكها بعض النقاد العرب القدامى والمحدثون، حين ربطوا بين الوزن والموضوع الشعري. يقول ابن طباطبا مثلاً إنّ الشاعر حين يريد بناء قصيدة مخضّ المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثراً وأعدّ له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه والقوافي التي توافقه، والوزن الذي يُسلس له القول عليه))[30]) وهذا حازم القرطاجني يرى ضرورة أن تحاكى... المقاصد بما يناسبها من الأوزان.... فإذا قصد الشاعر الفخر حاكى غرضه بالأوزان الفخمة الباهية الرصينة، وإذا قصد في موضع قصداً هزلياً أو استخفافياً وقصد تحقير شيء أو العبث به حاكى ذلك بما يناسبه من الأوزان الطائشة القليلة البهاء، وكذلك في كل مقصد)).[31])

إن النظرة الصحيحة يجب أن تنطلق من كون الأوزان العربية وسائل صوتية قادرة على ترجمة العواطف والانفعالات المختلفة بما يتوافق والتجربة، وعلى هذا الأساس، فإن المحاولات النظرية التي قالت بالربط بين الوزن والموضوعات الشعرية لا تخلو من تعسف.

إن رفض تلك الآراء يتأتى من أن حركة الوزن حركة آنيّة لا تنفصل عن حركة المعنى أو تعقبها. إن الشاعر يفكر في مستويات التجربة وأبعادها تفكيراً آنيّاً لا انفصام بين عناصره، وحركة خياله داخل التجربة حركة موحدة)).[32])

ومعنى هذا أن الوزن يكتسب صفاته وخصائصه من داخل التجربة الشعرية من خلال علاقات متفاعلة داخل القصيدة الواحدة أو النص الواحد، فثمة قصائد تنتمي إلى وزن واحد ولكنها تختلف عن بعضها بالايحاء. فالوزن رغم أنه صورة مجردة [فإنّه] يحمل دلالة شعورية عامة مبهمة، ويترك للكلمات بعد ذلك تحديد هذه الدلالة)).[33])

إذن على وفق حركة الوزن في استيعاب حالة الشاعر النفسية سنحاول المعالجة في الفقرات الآتية.

تقول نازك الملائكة:

عُدْ بنا يا قطارْ

فالظلامُ رهيبٌ هنا والسكون ثقيلْ

عُدْ بنا فالمدى شاسعٌ والطريق طويلْ

والليالي قصارْ

عُدْ بنا فالرياحُ تنوح وراء الظلالْ

وعُواء الذئاب وراء الجبالْ

كصراخ الأسى في قلوب البشرْ

عُدْ بنا فعلى المنحدرْ

شبحٌ مكفهرٌّ حزينْ

تركت قدماه على كل فجرٍ أثرْ

كلّ فجرٍ تقضّى هنا بالأسى والحنينْ))[34])

تنتمي القصيدة إلى وزن المتدارك)/ فاعلن)، ونواة المتدارك تتألف من سبب خفيف فا)، ووتد مجموع علن) إن النبر يقع على الوتد المجموع، ومن أجل أن تستوعب الشاعرة التجربة الاغترابية المكانية، فقد لجأت -طبعاً من دون وعي مسبق- إلى قافية مقيدة ساكنة) من دون استثناء أي شطر. فضلاً عن ذلك فقد استعملت أصوات المدّ بشكل مكثّف، الأمر الذي أدى إلى مدّ الأصوات على مساحة زمنية أطول، ولا شك في أن سبعة وثلاثين صوتاً ممدوداً وردت في المقطع لها -شئنا أم أبينا- دورٌ كبير في إضاءة الدلالة المعنوية والشعورية يساعدها في ذلك صوت الرويّ الساكن. إن قراءة واحدة لهذا النص تثير في المتلقيّ الحالة السكونية المهيمنة على الشاعرة، ومثل تلك الحالة هي المسؤولة عن تطبيع هذا الاطار الخارجي ليكون منسجماً مع الضيق والسكون اللذين يلفّان التجربة حيث الخوف من أرضٍ لم تألفْها الشاعرة، ومن شأن ذلك توليد إيقاع قادر على الانسجام مع الصورة الشعرية والانفعال الشعري. ولعلّي لا أبالغ إذا قلت إنّ الشاعرة استطاعت أن تنسجم مع تجربتها والوزن من خلال إيراد ضرب) لم يعرفه المتدارك، إذ أن للمتدارك عروضَيْن: الأولى فاعلنْ أو فعلنْ وضربها مثلها[35]) غير أنّ الشاعرة استعملت ضرباً لا يجيء في المتدارك. وحين استعيد بعض المصطلحات العروضية من بحور أخرى، لقلت أنها استعملت علّة التذييل) وهي زيادة حرف ساكن على ما آخره وتد مجموع)).[36])

إن الإضافة الايقاعية الجديدة، من شأنها إطالة زمن أصوات المدّ التي هيمنتْ على النص، وهذا ما يشير إليه الاحصاء الذي قمنا به: فقد تشكّلت القصيدة من (62) شطراً، توزعت أضربها على النحو الآتي:

فاعلان      =        52

فاعلن       =        10

والفرق بين العددين شاسع.

وحين نعاود النص سنجد أنه يتشكل على وفق الجدول الآتي:

فاعلن       فعلن     فعلان    فاعلان

25          11        3        5 = 44

إن المدقق في الجدول يجد ما يأتي:

الفرق الحسابي بين فاعلنْ) و فعلنْ) هو -13)، وبين فعلانْ) و فاعلانْ) هو -2) وهذه الفروقات تبرز النبرة الايقاعية الممتدة متمثّلةً في فاعلنْ) و فاعلانْ) وبذلك فقط نقول إن التجربة الشعرية بدت منسجمة مع الغربة المكانية التي كانت تعاني منها الشاعرة[37])فامتدت هذا الامتداد الناتج عن كثافة فاعلنْ) التي حافظت على الوتد المجموع فضلاً عن تأثير القافية المقيّدة كما أسلفنا.

ويقول عبد الوهاب البياتي في قصيدة الالهة والمنفى)):

1. وتمزقتُ وقاتلتُ طواحين الهواءْ

2. وأمتطيتُ القمر الأسود مهراً

3. عبر صحراء غنائي

4. وصنعتُ الشعر من آلام أهلي الفقراءْ

5. ثم ماذا؟

6. هذه أنت حزينةْ

7. تمضغين الثلج والأوراق في ليل المدينةْ

8. تلعنين الموت بالجهر، وسّراً تعشقينهْ

9. تلعقين الدم من قلبي

10. وتبكين حزينةْ

11. ثم ماذا؟

12. هذه أنت وهذا ما ترينهْ

13. هذه أنت: بحيرات سهادِ

14. وسهوب من رمادِ

15. أبدا يزرعها

16. فارس الميّت في وهج الظهيرةْ

17. درعه بالدم مصبوغاً

18. وبالحبر أياديه الصغيرةْ

19. عينه: نجمةُ صبح، غرقت عبرْ ضفيرة[38])

قام النص على بحر الرمل فاعلاتنْ). وهذه النواة تتألف من سبب خفيف + وتد مجموع+ سبب خفيف. ومثل هذه النواة فيها انبساط موسيقي لكونها ذات وتد وسطي يقع بين سببين خفيفين. يتوزع النص بين ثلاث حركات، تبدأ الحركة الأولى من 1-4، والحركة الثانية من 6-10، والثالثة من 12-19.

والملاحظ على هذه الحركات الثلاث ما يأتي: تشكّلت الحركة الأولى من أربعة أشطر ومثلها الثانية. أما الثالثة فقد تشكلت من ضعف ما شكلته الأولى والثانية.

إن قراءة فاحصة للحركات الثلاث من حيث التفعيلات الصحيحة والزاحفة والمعلولة والخارجة على النظام الايقاعي[39])تبيّن ما هو موجود في الجدول الآتي:

 

 

 

 

ز

ص

ع

خ

المجموع

1.

ز/ز/ ز/ ع.

الحركة

7

4

2

صفر

13

2.

ص/ز/ ز.

الأولى

 

 

 

 

 

3.

ص/ز.

 

 

 

 

 

 

4.

ز/ ص/ ص/ ع.

 

 

 

 

 

 

 

النسبة المئوية

 

84ر53%

76ر30%

38ر15%

صفر

-

5.      ثم ماذا؟

6.

ص/ ز

 

4

9

صفر

2

15

7.

ص/ ص/ ص

الحركة

 

 

 

 

 

8.

ص/ ص/ ز/ ص

 

 

 

 

 

 

9.

ص/ ز/ فعْ

الثانية

 

 

 

 

 

10.

فعولن/ ز

 

 

 

 

 

 

 

النسبة المئوية

 

66ر26%

60%

صفر

33ر13%

 

11     .ثم ماذا؟

12.

ص/ ز/ ص

 

11

6

صفر

7

24

13.

ص/ ز/ ز

الحركة

 

 

 

 

 

14.

ز/ ص

 

 

 

 

 

 

15.

ز/ فعِلنْ

الثالثة

 

 

 

 

 

16.

فاعلاتنْ فاعلاتنْ فاعلنْ فعْ

 

 

 

 

 

 

17.

ز/ ز/ فعْ

 

 

 

 

 

 

18.

فعولنْ/ ز/ ص

 

 

 

 

 

 

19.

ص/ ز/ ز/ ز

 

 

 

 

 

 

 

   النسبة المئوية

 

83ر45%

25%

صفر

16ر29%

 

 

 

 

يتضّح من الجدول أن نسبة التفعيلات الزاحفة في الحركة الأولى بلغت 53.84% وهي نسبة تتربع على نسب الحركتين الأخريين الثانية والثالثة. وإذا ماحاولت تفسير الدلالة الإيقاعية فإنني أشير إلى أن الشاعر حاول أن يمر سريعاً للدخول في قضيته الرئيسة: الغربة، ولذلك لجأ إلى خبن)[40]) التفعيلة فاعلاتنْ   فعلاتنْ)، وفي هذا الإجراء ضياع للوتد المجموع الذي يرتكز عليه النبْر، ومن ثم تشكيل ثلاث حركات فَعِلاتنْ) في بداية التفعيلة الأمر الذي يؤدي إلى سرعة إيقاعية ملحوظة.

من هنا نجد في الحركتين الأخريين تناقصاً في التفعيلات الزاحفة، لأن الحركتين تبثّان التجربة الشعرية التي ترتكز على الغربة. وملاحظة أخرى تخصّ الخروج على النظام الصوتي لتفعيلة الرمل فاعلاتنْ) لقد وجدنا هذا الخروج في الحركة الثانية إذ بلغتْ نسبته 13.33% في حين خلت الأولى منه تماماً، أما الثالثة فقد بلغت نسبته 29.16% ولنا في هذا الأمر تفسير اجتهادي، على الرغم من علمنا أن القارئ يستطيع تدوير الأشطر ليحصل على التفعيلة الخاصة بالرمل:

إن مثل هذا الخروج يشير إلى تأزّم نفسي حاد، حاصر الذات الإنسانية التي بثّتْ إيقاعها الخاص، غير أنها حاولت أن تتخلص من ذلك بإفرادها و هذا مارتّبه الشاعر: تفعيلات لاتنتمي للرمل فهو بحسب هذا الفهم جاء بحركة تعويضيّة صوتية بمعنى أنه استطاع المحاولة للخروج على الرتابة الآسرة الناتجة من غربة النفي.

ويستغل السياب البحر المتقارب) لتمثيل تجربته الاغترابية المدينية. يقول في قصيدة جيكور والمدينة):

وتلتف حوليُّ دروب المدينةْ

حبالاً من الطين يمضغْن قلبي

ويعطينَ -عن جمرة فيه- طينهْ

حبالاً من النار يجلدْن عريَ الحقول الحزينةْ

ويحرقنْ جيكور في قاع روحي

ويزرعْن فيها رمادَ الضغينةْ

دروبٌ تقول الأساطير عنها

على موقدٍ نام: ماعاد منها

ولا عاد من ضفة الموت سارِ

كأن الصدى والسكينة

جناحا أبي الهول فيها، جناحان من صخرةٍ في ثراها دفينةْ

فمن يفجر الماء منها عيوناً لتبني. قرانا عليها؟

ومن يرجع اللَّهَ يوماً إليها؟[41])

النص التفات إلى الداخل لبثّ حالة انفصام العلاقة بين السياب وبين المدينة. والعلاقة علاقة مقت تنزف من روح مغتربة، تنهجَ نهجاً مسدوداً لانكفاء الذات على نفسها بسبب انعدام التوافق فهو لايملك القدرة على خرق السور، كما أنه غير قادر على بعث الحياة من جديد ومادامت الحالة هي تلك، فلابد من استيعابٍ إيقاعيّ يلمّ الأطراف من دائرة واحدة، فكان هذا النضح) الذي يضخّ_ دماً متحولاً إلى حبر... هذا هو النص. إن الارتكاز على المتقارب): فعولنْ، يعني الضغط على النواة فعو)، وهذا الضغط يتولّد في بداية التفعيلة. ومن شأن البداية أن تجهر بالدرجة التوقيعية، غير أنّ السياب استطاع أن يضفر الصورة والوزن فجاء النص مخترقاً الجهر ليستقر هادئاً منسجماً مع الخطاب الشعري الذي بدا حواراً هامساً مع النفس التي تتضادّ مع المدينة.

-4-

القافيـــــــــــة:

ومما يتصل بالبنية الإيقاعية: القافية فمما لاشك فيه أنها قيمة موسيقية بوصفها عدة أصوات تتكرر في أواخر الأشطر أو الأبيات... وتكررها هذا يكون جزءاً هاماً من الموسيقى الشعرية))[42]).

والشعراء الرواد في هذا الموضوع لم يتخطوا القافية وهم ينظمون قصيدة شعر التفعيلة بل أعاروها اهتماماً كبيراً لأنها ركن مهم في موسيقية الشعر الحر... تثير في النفس أنغاماً وأصداء. وهي فوق ذلك فاصلة قوية واضحة بين الشطر والشطر، والشعر الحر أحوج مايكون إلى الفواصل)) كما تقول نازك الملائكة[43])، وهذا ماذهب إليه السياب إذْ عدّ نفسه من أعداء المتفلّتين من القافية في الشعر الجديد. يقول في رسالة بعث بها إلى الشاعر عبد الكريم الناعم أنا من أعداء التفلت من القافية)[44])، ويعلل ذلك بقوله: إن اللغات الخالية من الحركات- كل اللغات ماعدا العربية- وأوزان الشعر التي تعتمد على الارتكاز وليس التفعيلة قد تخفف مما يحدثه خلو الشعر من القافية، على الأذن من وقع منغوم))[45]).

وانطلاقاً من هذا الفهم فإن الشعراء الرواد لم ينبذوا القافية، وإذا ما حاولت الاستشهاد على ذلك فإنني سأجتزئ نماذج لأن الشواهد على ماذهبت إليه كثيرة جداً.

يقول السياب في قصيدة غربة الروح)):

ياغربة الروح في دنيا من الحجرِ

والثلج والقار والفولاذ والضجرِ

ياغربة الروح.. لاشمس فأئتلقُ

فيها ولا أفُقُ[46])

فالقافية في هذا النص تمثل: 11: ب ب وتقول نازك:

عُدْ بنا قد سئمنا الطوافْ

في سفوح الجبال وعدنا نخافْ

أنْ تطول ليالي الغيابْ

ويغطي عواء الذئابْ

صوتنا ويعزّ علينا الإيابْ[47])

فالقافية هنا تمثل: 11/ ب ب ب.

ويقول البياتي في قصيدة قصائد حب على بوابات العالم السبع):

أشرد من دائرة الضوء إلى الواحاتْ

أهبط من منازل الكواكب الأخرى إلى اللوفرِ))

مأخوذاً بسحر العالم المجنوء في اللوحاتْ

بالطائر الأعمى الذي يطارح الغرامْ

أنثاه في الظلامْ

بالكلمات وبنار الغسق المطفأةِ الزرقاءْ

بوجه بيكاسو)) وراء واجهات الزمنِ الضائعِ والغاباتْ

بلمسة الفرشاةْ

على أديم جسد المرأةِ والوردةِ والسماءْ

بصيحةِ المهرّج السوداءْ

وهو يرى قناعه يغرق في اللوارْ))

أعود للبيت وفي رأسي ضجيج مدنِ الأمطارْ

وعنكبوتِ النارْ[48])

فالقافية هنا تمثل:

1111/ ب ب/ جـ جـ جـ/ د د د.

أما بلند الحيدري فيقفز بنا خطوات إلى الأمام وهو يلتزم قافية واحدة في إحدى قصائده المتأخرة وهي: خيبة الإنسان القديم)) التي نقتطع منها النص الآتي:

صليتُّ يا أختاهْ

صليتُ حتى صارت الذنوب في مجاهلي

صلاهْ

وصمتٌ حتى جفّت الشفاهْ

وقلتُ:

في الشفاهْ

في الخشب المعد للشتاء لي

إلهْ

وانني سحابة جادت بها يداهْ

وانني حلْمُ الرمال السُمرِ بالمياهْ

وانني من يَبَسي أفجّر الحياةْ

وكانت الحياةْ

تُسمّر الصليب في الجباهْ

وتصلب المسيح كلّ ساعةِ

تصلب هذا الميْتَ كلّ لحظةِ

فينتشي من المي مداهْ

وفي عيوني اليابسات ترتمي سماهْ

حكاية عن تائهٍ تخنقه خطاهْ[49])

يتضح من النصوص المتقدمة -وهي جزء يسير من أشعار الرواد الأربعة تماثلها في البنية الموسيقية- أن الاحتفاظ بالإطار الموسيقي العربي -والقافية جزء هام منه- ليس مما يعيب الشعر العربي أو أي شعر))[50])مادامت القافية بشكل خاص، وذلك الإطار عموماً، أمراً فنياً وشعورياً مطلوباً. على أن القافية عند الرواد لايُبحثُ عنها في قائمة من الكلمات التي تنتهي نهاية واحدة، وإنما هي كلمة ما من بين كل كلمات اللغة يستدعيها السياقان المعنوي والموسيقي للسطر الشعري))[51]).

تنوع الأوزان في القصيدة الواحدة:

وهذه قضية موسيقية ترد عند الرواد في القصيدة الواحدة ذات المقاطع المتعددة، فالشاعر الكبير لايمكن أن يغيّر الوزن من مقطع إلى آخر مالم يكن ذلك من أجل غرض موسيقي، يعتقد أنه ملائم لحالته الانفعالية، وبعبارة أخرى فإن التنوع جاء من أجل توظيف الموسيقى لإبراز بعض النواحي الموضوعية أوالنفسية التي يحرص الشاعر على إبرازها))[52]). وقد وجدت للسياب سبع قصائد[53]) وللبياتي ثماني قصائد[54]) ولنازك ثلاث قصائد[55])، فيما خلت دواوين بلند الحيدري منها. وسأكتفي بإيراد مثال واحد طمعاً في الإيجاز.

تتكون قصيدة مدينة السندباد)) للسياب من خمسة مقاطع، في المقطع الأول نقرأ مايأتي:

جوعان في القبر بلا غذاءْ

عريان في الثلج بلا رداءْ

صرختُ في الشتاء

أَقضَّ يا مطرْ

مضاجعَ العظام والثلوج والهباء

مضاجع الحجرْ

وأنبتِ البذورَ، ولتفَتّحِ الزهرْ

وأحرقِ البيادرَ العقيم بالبروقْ

وفجّر العروقْ

وأثقلِ الشجرْ[56])

البحر هو الرجز، وقد طوّعه الشاعر بما يناسب عواطفه التي اتسمت هنا، بالفوران، والحساسية المفرطة بإزاء ماتعانيه مدينة الشاعر -ومن خلالها العراق- من جوع وعري وجدب. ومع أن الشاعر ابتدأ القصيدة بالأنا: جوعان وعريان ولكن صرخته كانت من أجل الآخرين. والرجز ذو فعالية راقصة[57])، استغله الشاعر لاستثارة المطر) كي يتحرك لينهي الجذب ويُوجِد الخصب. فكأنّ الشاعر هنا يؤنسن) المطر، فالشاعر اختار الرجز مخاطباً من خلاله المطر وعارضاً حاله وحال المدينة ملتمساً الحل والخلاص. أما في المقطع الثاني فقد استبدل الشاعر موسيقى الرجز بموسيقى المتدارك فعولن) ولكي نكون موضوعيين في تحديد علاقة الموسيقى الجديدة بالموضوع لابد أن نقرأ جزءاً من المقطع:

أهذا أدونيسُ؟ هذا الخواءْ؟.

وهذا الشحوبُ، وهذا الجفافُ؟

أهذا أدونيس؟ أين الضياءْ؟

وأين القطافْ؟

مناجل لاتحصدْ

أزاهرٌ لاتعقدُ

مزارع سوداء من غير ماء!

اهذا انتظار السنين الطويلةْ

اهذا صراخ الرجولةْ؟

اهذا أنين النساءْ؟

أدونيس إيا لاندحار البطولةْ

لقد حطّم الموتُ فيك الرجاءْ

وأقبلت بالنظرة الزائغةْ

وبالقبضة الفارغَةْ[58])

الشاعر هنا يستعرض باندهاش ماحلّ بأدونيس من خواء وشجوب وجفاف، وهو إله الجمال والخصب والانبعاث. وكأنّ الشاعر لايصدق هذا الذي يحدث أمام ناظريه ولذلك قاده توهج التجربة الشعورية إلى المتقارب) فتساءل بهدوء) عما يجري، وأنكر برباطة جأش) ماحل بالمناجل، والأزاهر، والمزارع، ثم عاد إلى التساؤل بجديّة) مشوبة بقليل من السخرية عما حل بالرجولة والبطولة وضياع الأمل. ولعل المتقارب) قد استوعب كل تلك الشكوى، وذلك التساؤل والاندهاش فكما أن الشاعر لايملك غير أن يشكو ويسأل كذلك لايملك المتقارب) غير توصيل الشكوى والتعبير عن الخذلان. فالشكوى المهموسة تمر من خلاله.

وفي المقطع الثالث يعود الشاعر إلى الرجز مرة ثانية لأن مايراه الشاعر الآن ليس فقط الخواء والجدب والشحوب) بل الموت والعقم وهما لاشك- إلى جانب الدم المسفوح في كل مكان- أعلى مرتبة من الخواء والشحوب:

الموتُ في الشوارعْ

والعقم في المزارعْ

وكل مانحبه يموتْ

الماء قيّدوه في البيوتْ

وألهثَ الجداولَ الجفافْ

هم التتار أقبلوا، ففي المدى رُعافْ

وشمسُنا دم، وزادْنا دمٌ على الصحافْ

محمد اليتيمُ أحرقوه فالمساءْ

يُضيء من حريقهِ، وفارت الدماءْ

من قدميه، من يديه، من عيونهِ

وأحرق الإله في جفونهِ

محمدُ النبيُّ في حراء)) قيدوهْ

فسُمِّر النهارُ حيث سمروهْ

غداً سيُصلب المسيحُ في العراقْ

ستأكل الكلاب من دمِ البراقْ[59])

الرجز هنا يمنح الموضوع كامل موسيقاه، فالموت الذي حاق بالحياة، والدم المنبجس من الشمس، والطعام، والرعب الذي مبعثه حرق الرمز الأكبر محمد) والخوف من مصير الرمز الآخر المسيح) في غد، كل ذلك يدفع الشاعر إلى الولولة، والصراخ، والإعلان عن النهاية الفاجعة. وأظن أن الرجز بديناميته الحركية، وخفته، وحساسيته قد استطاع أن يتوافر على كل تلك العينات من الرعب، والموت، والعقم وليس الموسيقى وحدها قد استجابت للموضوع بل إن اللغة أيضاً كانت حاضرة.

وفي المقطع الرابع يستمر الشاعر مع موسيقى الرجز لأن الموضوع استمرار لما هو عليه في المقطع السابق: شيء من الصراخ، وشيء من الولولة، وشيء من التوبيخ:

يا أيها الربيعْ

يا أيها الربيع ما الذي دهاكْ؟

جئتَ بلا مطرْ

جئت بلا زهرْ

جئت بلا ثمرْ

وكان منتهاكَ مثل مبتداكْ

يلفه النجيعْ...

وأقبلَ الصيف علينا أسودَ الغيوم[60])

هنا لايشكو الشاعر، بل يعنّف، ويؤنب ويوبخ، فالربيع الذي جاء بلا زهر وبلا مطر وبلا ثمر، الربيع الذي يتساوى مبتدؤه ومنتهاه، الربيع الذي يسربله الدم: لايجدي معه غير التوبيخ والتقريع، ولأن الشاعر لايشكو وكأنه يخاطب نفسه كما رأينا عند المتدارك في المقطع الثاني، فقد استخدم موسيقى الرجز المفتوحة بخفتها عن الاندياح والجهر، للتعبير عن انفعالاته الصاخبة. وفي المقطع أيضاً تقريع للصيف بصيغة الغائب -لابصيغة المخاطب- وإنكار لمطره الذي خبأ الوباء في قطراته:

من الذي أطلق من عقالها الذئابْ؟

من الذي سقى من السراب؟

وخبّأَ الوباء في المطرْ؟[61])

ومرة أخرى نلتقي بالموت:

الموت في البيوت يولدْ

يولد قابيل لكي ينتزع الحياهْ

من رحم الأرض ومن منابع المياهْ

فيظلم الغدُ

وتجهض النساء في المجازرْ

ويرقص اللهيب في البيادرْ

ويهلك المسيح قبل العازرْ[62])

وتستمر موسيقى الرجز -إلى جانب لغة الألم الصاخبة- في المقطع الأخير حين وقف الشاعر على مدينته وقد آلت إلى خرائب، لا اله فيها ولا ماء ولا حقول)) فيما راحت خناجر التتر) تنغرز في جسدها.

لقد عبر تنوّع الموسيقى عن حالة الشاعر الاغترابية، فهي تصخب وتجأر حين يثقل عليه الألم، وتفيض الغربة، فيرى نفسه مستجيراً، لائذاً بالآخرين، معلناً السخط والغضب، وهي تهدأ وتخفت -ربما حد الهمس- حين يلتفت الشاعر إلى نفسه الحزينة ليلتقط أنفاسه، فيبعث شكواه مخذولة مستكينة.

التنـــــاوب:

وهذه ظاهرة موسيقية أخرى -وإن كانت أقل شيوعاً من الظاهرة السابقة- وردت في بعض قصائد البياتي والسياب. ويعني التناوب: تكوين القصيدة موسيقيا من الشكلين: التقليدي والحر، وغالباً مايأتي هذا التناوب على شكل مقاطع أيضاً))[63]). ولايريد الباحث تناول هذه المسألة على وفق الأهمية التي تستحقها، ولكنه رأى أن يلم بها إلماماً سريعاً في هذا الفصل، لأنه لابد من وجود علاقة ما تربطها بالمضمون الشعري وتحولات الموقف الانفعالي خلافاً لما يعتقده البعض من عدم وجود ضرورة نفسية أو فنية لها[64]). ولأن هذه الالتفاتة تمهيدية وعجلى كما يرى الباحث -فسوف أتجاوز ماورد في قصائد البياتي[65]) وأرتكز على ماورد في شعر السياب وهي ثلاث قصائد: رسالة)) وقد أُرّخت في 3/8/1964. وإقبال والليل)) وقد قال عنها الناشر إنها آخر قصيدة كتبها الشاعر)) احتمالاً[66]) وليلى)) وهي من القصائد التي نظمت في الكويت ولايعرف تاريخها))[67]).

يتضح مما تقدم أن السياب كتب هذه القصائد المزدوجات في أيامه الأخيرة الأمر الذي يحملنا على الاعتقاد أن جمع الشكلين الشعريين لم يكن ترفاً، أو إظهاراً لقدرة الشاعر، وإنما جاء استجابة لحالة انفعالية وجد الشاعر نفسه مزحوماً بها بسبب استفحال مرضه وتفاقم يأسه من الشفاء أي -بتعبير آخر- أن استشراء حالة الاغتراب المركب الذي أخذ بخناق الشاعر كان وراء تناوب الشكلين في القصيدة الواحدة، وهل ثمة اغتراب مكاني، وروحي، أدهى وأشد من ذلك الذي عاشه السياب لاسيما في أيامه الأخيرة، في ضوء هذا الرأي سأحاول أن أجتهد في قراءة قصيدة ليلى)).

يتّكئ السياب في قصيدة ليلى)) على أبيات من الموروث الشعري بطريقة الاقتباس المباشر. وقصيدة ليلى)) تتشكل من أربعة مقاطع كتبت بطريقة التناوب)) اثنان منهما تنتميان إلى شعر البيت واثنان إلى شعر التفعيلة. قوام المقطع الأول ثمانية أبيات يستهلها الشاعر بمخاطبة صاحبه:

قرِّبْ بعينيْكَ مني دون إغضاء

 

وخلّني أتملّى طيف أهوائي

أبصرتَها؟ كادت الدنيا تفجّر بي

 

عينيك دنيا شموس ذات آلاءِ

أبصرت ليلى فلبنان الشموخُ على

 

عينيك يضحك أزهاراً لأضواء[68])

أبيات تذكرنا بالشاعر الجاهلي وهو يخاطب خليله، أو صاحبه، وفيها يسأل الشاعر صاحبه إن كان قد رأى ليلى)) في لبنان. الجو تراثي بما فيه اسم ليلى الذي نستحضر من خلاله الليلات)) العاشقات، وقد زاد السياب في شحناته التراثية بمفردة بؤبؤيك)) التي أصبحت محور الثقل))[69])في المقطع:

إني سألثمها في بُؤْبُؤْيك كمنْ

 

يقبِّل القمر الفضي في الماءِ

ليلى! هوايَ الذي راح الزمان به

 

وكاد يفلت من كفيَّ بالداء

حنانها كحنان الأم دثّرني

 

فأذهَبَ الداءَ عن قلبي وأعضائي[70])

لقد أراد الشاعر أن تكون زفراته عمودية)) مثل أبياته وقد أثراها البحر البسيط بموسيقى غزيرة تجود في كل ما له صلة بالشجن))[71]). ويفاجئنا الشاعر بانتقالةٍ إلى شعر التفعيلة في المقطع الثاني وتلك هي المفارقة الأولى. أما المفارقة الثانية فهي تغيّر الوزن من البسيط إلى الكامل:

روحي الاعزّ عليَّ من روحي وآمالي وعمري

حملتْ ضفيرتها هواي كأنها أمواج نهرِ

حملته نحو مدى السماءْ

نحو المجرّة والنجوم ونحو جيكور الجميلةْ[72])

هنا ينقلنا الشاعر من الصحراء التي طافت بأذهاننا في المقطع السابق، إلى جيكور الجميلة. وقد لعب الكامل)) دوراً في إذكاء الحزن، وتأجيج الشجن لأنه مناسب للتجارب ذات الحس الحزين القاتم[73])ويرسم الشاعر في المقطع صورة له وهو في جيكور فتى يتصيّد الأحلام تحيطه الفراشات الخضيلة)) كما يتصيد الأشعار والقوافي والغناء. وقد حاول الشاعر إقامة نوع من التوازن بين الصحراء رمز الحياة المنصرمة، وبين جيكور رمز الحياة الحاضرة وتخفيفاً لما يشعر به من غربة جسدية وروحية تتوزع بين الماضي الحزين والحاضر الحزين فيما يقف الشاعر حيالها راضياً قانعاً أو هكذا يخيل إليه. ولنلاحظ أن آخر سطر في المقطع الثاني هو:

وهنا نبني خيمتين من التأسي[74])

ومن هذا التمني ينتقل إلى المقطع الثالث وهي أبيات لشوقي يستعيرها دونما تغيير أو تحوير تبدأ بهذا البيت:

ليلى منادٍ دعا ليلى فخفَّ له

 

نشوان من جنبات الصدر عربيدُ

إن اقتباس هذه الأبيات يدل على إعجاب الشاعر بها أولاً، كما قد) يوحي لنا بأنه عجز عن التعبير الدقيق عن تجربته الشعورية ورأى في أبيات شوقي ما يستكمل بها آفاق تجربته، على أن جوّ هذا المقطع يعيدنا إلى جو المقطع الأول العابق بذكر الصحراء، والتراث والحب العربي. وفي المقطع الأخير يستعيد الشاعر مرة أخرى شعر التفعيلة ليقدم لنا صورة متقابلة: فثمة صورة للعاشقين وقد قطعا الصحراء متعانقين يهمس الرمل تحت أرجلهما تقابلها صورة -لعلها لجيكور- وقد نام النخيل الموجوع بها بينما يتعالى من بعيد نباح كلاب. ولأن الشاعر ظامئ للحب. والحلم الجميل فقد اختلق آخر صورة لصحراء تفجّر منها الماء:

 

وتكركر الصحراء عن ماء وراء فم الصخورْ

فأظل بالكفين أسقيك المياه فترتوينْ[75])

وهكذا تكون القصيدة المزدوجة -في جانبيها الموضوعي والفني- إشباعاً لانفعال اغترابي عاشه السياب بخاصة، بسبب المرض الذي أقعده وعزله عن العالم، وأشعره بالعجز، وقرّبه من الموت. فالشكل القديم من القصيدة ملاذ يحتمي به الشاعر من حاضره المغترب، الموجوع، يصله، من ناحية، بالشاعر العربي القديم، ووقوفه على أطلال الأحبة، مخاطباً خليله، متنقلاً على ظهر ناقته أو فرسه من مكان إلى آخر، متمتعاً بفحولته وفتوته. وهو، من ناحية أخرى، يعيده إلى شبابه حيث العافية، وصحة النفس، وعنفوان الرجولة.

خاتمة البحث

عاش الشعراء الرواد الأربعة أنواعاً من الاغتراب بسبب الظروف السياسية والاجتماعية التي كانت سائدة يومئذ. فقد كتب عليهم أن يواجهوا تحدياً سياسياً فرضته المؤسسة السياسية القائمة، إذ ربطت العراق بعجلة الغرب الاستعماري، وفرطت بالثروات الوطنية، وصادرت الحريات الشخصية والعامة. كما واجهوا تحدياً اجتماعياً مثله جمود المنظومة الاجتماعية والأخلاقية، واستخذاء أمام قيم الطبقات المتنفذة، وبحكم موقع الشاعر في مجتمعه، فقد اضطلع الشعراء الرواد برسالتهم في حركة التغيير الاجتماعي والسياسي المنشود، إبان أربعينيات هذا القرن والسنين التي تلتها، الأمر الذي انعكس عليهم بصورة خيبات متلاحقة من النكوص والإحباط وهكذا كتب عليهم أن يعيشوا الاغتراب الاجتماعي مدخلاً لاغتراباتهم اللاحقة.

ولاشك في أن العزلة من طبائع الذات الإنسانية لاسيما الذات الشاعرة، والفنانة، على أن هذه العزلة نسبية، ولكنها قابلة للنمو والتضخم في الظروف التي تشكل قيداً على حرية الفنان، وحاجزاً أمام انطلاق فكره، واندياح إبداعه، كتلك التي نشأ في ظلها الشعراء الرواد. ولهذا اندفع هؤلاء نحو الحب، والعمل السياسي، لكي يتجاوزوا عزلتهم النسبية، ولكن إخفاقهم في هذا وذاك، أسلمهم إلى الاغتراب العاطفي، والسياسي، والمكاني، وصولاً إلى الاغتراب الروحي الذي يعني الاغتراب المركب.

ولكي لايتحول الاغتراب إلى جحيم لايطاق، فقد سعي الشعراء الرواد إلى تجاوزه، أو التخفيف من آثاره في أقل تقدير، من خلال منهج تعويضي تمثل في ردود مشتركة هي العودة إلى الطفولة، واستعادة الماضي، وبناء المدن الحلمية، وفي صيغ أخرى خاصة: هي التشبث بالحياة عند السياب، واستعادة الإيمان عند نازك، والتحول من الثوري المنتمي إلى الثوري اللامنتمي عند البياتي، وامتهان المجون والتشرد عند بلند.

أما السياب فقد كان لمرضه الأثر الكبير في استمرار اغترابه وصولاً إلى الاغتراب الروحي الذي حاول مقاومته، لولا الموت. وأما نازك فقد اقترن اغترابها الاجتماعي الحاد نسبياً باغتراب عاطفي حاد هو الآخر، واقترن الاثنان بنزوع جامح نحو مثل أعلى غير موجود، ولذلك استسلمت لاغتراب روحي مطلق، لم تملك أمامه سوى الانكفاء على الذات واعتزال العالم. وأما البياتي فقد اختار المنفى خارج الوطن، واستطاع من خلال تطلعه إلى المجد الشعري، ومحاولاته الفنية التجديدية، وطول فترة أقامته، أن يعادل اغترابه بما يساويه -وربما يتجاوزه- من المنجز الفني، والمجد الشخصي. وهكذا جعل من اغترابه المكاني- وربما من اغترابه النفسي- حالة اعتيادية، لا اغتراباً- وهو مايفسر بقاءه خارج العراق بعد زوال أسباب هجرته. وأما بلند الحيدري فقد كان اغترابه الاجتماعي حاداً نسبياً- شأن نازك- بسبب ظروفه الخاصة، وسرعان ما أسلمه إحباطه السياسي، وحرمانه العاطفي إلى اغتراب روحي حاد نسبياً هو الآخرة أسلمه بدوره إلى المنفى الاختياري، حيث شهد نهايته شاعراً، ممتهناً العمل الصحفي ضمن مؤسسات تدين بفكر حاربه الشاعر في شبابه، وربما كان في ذلك، مايساوي اغترابه بل مايتفوق عليه في القوة، وبذلك لم يعد اغترابه اغتراباً، وإنما أصبح حياة اعتيادية يعيشها الشاعر.

في كل شاعر مغترب: تلك هي الحقيقة التي يؤمن بها الباحث، ويبقى اعتزال المجتمع، أوالاندماج به، أو علاقة البين بين شأناً خاصاً، وربما سراً خاصاً من أسرار الشاعر نفسه.

 



[1]) فن الشعر، أرسطو طاليس، 168.

[2]) نفسه، 172.

[3]) الصورة الفنية في شعر أبي تمام، د. عبد القادر الرباعي، 223.

[4]) قضايا الشعر المعاصر، 238.

[5]) نفسه، 225.

[6]) في الشعرية، د. كمال أبو ديب، 89.

[7]) قواعد النقد الأدبي، لاسل آبر كرمبي، 44.

[8]) الصومعة والشرفة الحمراء، نازك الملائكة، 147.

[9]) العلم والشعر، رتشاردز، 31.

[10]) لغة الشعر العربي الحديث، د. السعيد الورقي، 209.

[11]) ديوانه: خطوات في الغربة، 32.

[12]) ديوانه: أغاني المدينة الميتة، 45.

[13]) ديوانها: قرارة الموجة، 2: 251.

[14]) ينظر: موسيقى الشعر، د. إبراهيم أنيس، 27.

[15]) ديوانه: شناشيل ابنة الجلبي، 1: 615- 616.

[16]) ديوانه: أباريق مهمشة، 1: 168.

[17]) الأصوات اللغوية، د. إبراهيم أنيس، 154.

[18]) ديوانها: شظايا ورماد، 2/ 124.

[19]) ديوانه: أغاني المدينة الميتة، 96.

[20]) ظواهر أسلوبية في شعر شوقي، صلاح فضل، مجلة فصول، ع2، يوليو 1981، ص211.

[21]) ديوانه: أنشودة المطر، 1: 414.

[22]) ديوانه: أغاني المدينة الميتة، 96.

[23]) ديوانه: شناشيل ابنة الجبلي، 1: 621

[24]) ديوانه: رحلة الحروف الصفر، 57.

[25]) ديوانه: يوميات سياسي محترف، 428:1-429.

[26]) ديوانها: شظايا ورماد، 2/125.

[27]) نفسه، 2، 126.

[28]) ديوانه: المعبد الغريق 1: 135.

[29]) لغة الشعر العربي الحديث، د. السعيد الورقي، 209.

[30]) عيار الشعر، 5.

[31]) منهاج البلغاء وسراج الأدباء، 258. ويذكر أنّ عبد اللطيف الطيب أحدُ المتحمسين لتلك الفكرة، ينظر: المرشد إلى فهم أشعار العرب 72:1، وينظر: النقد الأدبي، أحمد أمين، 87:1 وما بعدها.

[32]) مفهوم الشعر، د. جابر عصفور، 264.

[33]) التفسير النفسي للأدب، د. عز الدين اسماعيل، 51.

[34]) ديوانها: شظايا ورماد، 124:2-125.

[35]) ينظر: ميزان الذهب، أحمد الهاشمي. 96.

[36]) نفسه: 14.

[37]) حددنا نوع الغربة هنا لتأكيد حالة الشاعرة الظاهرة في مكان بعث في نفسها الخوف، لأن غربة الشاعرة غربة روحية مركبة.

[38]) ديوانه: أشعار في المنفى، 412:1- 413.

[39]) سنرمز للتفعيلة الصحيحة بـ ص) وللزاحفة بـ ز)، وللمعلولة بـ ع) والخارجة على النظام بـ خ).

[40]) الخبن زحاف ويعني حذف الثاني الساكن.

[41]) ديوانه: أنشودة المطر، 1/414-415.

[42]) موسيقى الشعر، د.إبراهيم أنيس، 273.

[43]) قضايا الشعر المعاصر، 192.

[44]) رسائل السياب، جمع وتقديم ماجد السامرائي، 108.

[45])نفسه.

[46]) ديوانه: شناشيل ابنة الجلبي، 1: 660.

[47]) ديوانها: شظايا ورماد، 2: 125.

[48]) دوانه: قصائد حب على بوابات العالم السبع: 3: 75-76.

[49]) ديوانه: رحلة الحروف الصفر، 10-11.

[50]) موسيقي الشعر، الدكتور إبراهيم أنيس، 18.

[51]) الشعر العربي المعاصر، د. عز الدين اسماعيل، 67.

[52]) دير الملاك، د.محسن اطميش، 285.

[53]) هي سفر أيوب من ديوان منزل الاقنان، وجيكور والمدينة والعودة لجيكور، ورؤيا في عام 1956، ومدينة السندباد من ديوان أنشودة المطر، وفي انتظار رسالة، ومن ليالي السهاد من ديوان شناشيل ابنة الجلبي.

[54]) هي سفر الفقر والثورة من ديوان سفر الفقر والثورة، أما الست الأخرى فهي من ديوان كتاب البحر وهي: تحولات نيتوكريس في كتاب الموتى، والأميرة والغجري، واحمل موتي وارحل، والرحيل إلى مدن العشق والمعبودة، وسأنصب لك خيمة في الحدائق الطاغورية، ومن ديوان سيرة ذاتية لسارق النار قصيدة: قصائد عن الفراق والموت.

[55]) هي ثلاث مرات لامي من ديوان قرارة الموجة، وخمس أغان للالم، وثلاث أغنيات عربية من ديوان شجرة القمر.

[56]) ديوانه: أنشودة المطر، 1: 463.

[57]) ينظر: تطور الشعر العربي في العراق، د.علي عباس علوان، 247.

[58]) ديوانه: أنشودة المطر، 1: 465-466.

[59]) نفسه، 1/467-468

[60]) نفسه، 1/468-469.

[61]) نفسه، 1/469-470.

[62]) نفسه، ص: 470.

[63]) دير الملاك، د. محسن اطيمش، ص285. وقد سمي الناقد عبيد الجبار داود البصري هذا النوع من القصائد بالمزدوجات. ينظر: بدر شاكر السياب رائد الشعر الحر، ص36.

[64]) ينظر: دير الملاك، د. محسن طيمش، ص285.

[65]) ييستطع القارئ أن يرى هذا النوع من القصائد في ديوانه: كتاب البحر مثل: تحولات نيتوكريس في كتاب الموتى)) و احمل موتي وارحل)) و الرحيل إلى مدن العشق)) و المعبودة)) و سأنصب لك خيمة في الحدائق الطاغورية)).

[66]) ينظر ديوانه، 1/9719.

[67]) نفسه، 1/720.

[68]) ديوانه: شناشيل ابنة الجلبي، 1/720.

[69]) واقع القصيدة العربية، د. محمد أحمد، ص149.

[70]) ديوانه: شناشيل ابنة الجلبي،/ 1-720-721.

[71]) دراسات في النص الشعري، د. عبده بدوي، ص49.

[72]) ديوانه: شناشيل ابنة الجلبي، 1/721.

[73]) ينظر: الشعر الحر في العراق، يوسف الصائغ، ص140.

[74]) ديوانه: شناشيل ابنة الجلبي، 1/722.

[75]) ديوانه: شناشيل ابنة الجلبي، 1/723.

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244