|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:50 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
خلــــــيل مطـــــران (1872-1949) "الأستاذ خليل مطران سيّد شعراء العرب في مختلف أقطارهم،
وباني أول صرح جديد في الشعر العربي وأعرف الأدباء جميعاً بمداخل اللغة
ومخارجها.." الياس أبو شبكة. يحار في أمره من يحاول أن
يتكلم على خليل مطران. فهذا الرجل الذي قيل فيه الكثير ويقال فيه الكثير سيظل
موضوعاً غنياً متعدد الجوانب لمن يريد أن يقول... لقد كتب في شعره وسيرته أكثر
من كتاب، ودرس جوانب من إبداعه، وترجماته أكثر من دارس وباحث ولم يوفه أحد كامل ما
يستحق- وكيف تحل الدراسات محل الإبداع- ومع ذلك عليَّ أن أقول وأوجز.. وهل يمكن أن
يختصر من اختصر عصره؟. كان خليل مطران إنسانياً
كبيراً في زمن كثر فيه الظلم والجهل والتخلف فصار ثائراً وفي الشعر مجدداً. كان
الغديرَ العذب الذي روّى حدائق الشعر العربي المعاصر. ومن الإجحاف أن يدرس جانب
واحد من جوانب شخصيته وإبداعه بمعزل عن الجوانب الأخرى، ففي سيرة هذا الشاعر
وإبداعه تتجلى وحدة الشخصية ووحدة الموقف السلوكي والفني في صورتها المثلى..
وقليلة هي الشخصيات التي تمثلت فيها هذه السمات بين من وصلتنا أخبارهم من
المبدعين. وإذا كان ماكتبه أحمد فارس
الشدياق رداً على من قال للعرب: "خذوا لغتكم من أعجمي" فإن شعر خليل
مطران رد على الذين زعموا أن التجديد لم يأت الشعر العربي إلا على أيدي الأجانب. أجل، إن شعر خليل مطران خطوة
كبيرة على طريق تجديد الشعر العربي ومنعطف جليل الخطر نحو العصر والحداثة. يسميه طه حسين "زعيم
الشعر العربي المعاصر وأستاذ الشعراء العرب المعاصرين" ويخاطبه قائلاً:
"فأنت علمت المقلدين كيف يرتقون بتقليدهم عن إفناء النفس فيمن يقلدون وأنت قد
علمت المجددين كيف ينزهون أنفسهم عن الغلو الذي يجعل تجديدهم عبثاً وابتكارهم
هباء. وأنت قد علمت أولئك وهؤلاء أن الفن حر لايعرف الرق، كريم لايحب الذل، نشيط
لايحب الجمود، أبي لاينقاد للمحافظة إلى غير حد، ولا ينقاد للتجديد في غير احتياط
(الكتاب الذهبي). ويقول مارون عبود:
"الشاعر العظيم خليل مطران الذي أعده كما عد القدماء بشار بن برد، جسراً
عظيماً يصل القديم بالحديث. فمطران مجدد في تصوره وتفكيره وخطته الشعرية. تلد
مخيلته الصور الرائعة الطريفة التي قلما خلت منها قصيدة من روائعه المشهورة".
"ولمطران أيد بيضاء على الشعر وتجديده بل على النثر أيضاً وخصوصاً المترجم
منه. فقد عمل الرجل كثيراً وأفاد كثيراً. وصلى خلفه في هيكل الشعر خلق كثير. فهو،
حقاً، فجر مدرسة جديدة". (جدد وقدماء ص240). إن عرض ماقيل فيه من آراء
متفاوتة والتعليق عليها يأخذ من الباحث صفحات كثيرة، ولذا أرى أن نتجاوز الكثير
مما قيل، ونعرض الأهم.. أما سيرته وسماته الشخصية فلم تكن موضوع خلاف.. فلنبدأ من
هنا. ولد خليل مطران في بعلبك في
شهر تموز عام 1872. عاش طفلاً طليقاً مرهف الحس فياض المشاعر يستجيب للأشياء
والأحداث استجابة قوية. وقد ربي على شيء من التقليد وشيء من التحرر. وكان لأمه دور
بارز في تكوين خلقه. وتكونت لديه خصلتان هما خصلة المراجعة الذاتية للأخطاء وخصلة
حب الاختلاط بالآخرين والحنو عليهم. درس الابتدائية في الكلية
الشرقية في زحلة وخلفت دراسته فيها أجمل الأثر في نفسه، وفي واديها هبت أولى نسمات
الحب على قلبه:
ثم انتقل إلى المدرسة
البطريركية للروم الكاثوليك في بيروت حيث درس النحو على الشيخ خليل اليازجي
والبيان والأدب على الشيخ إبراهيم اليازجي ودرس الفرنسية على أستاذ افرنسي متمكن.
وكان الشيخ ابراهيم يشده نحو الأدب العربي ويدفعه رشيد مطران على التوجه نحو أدب
الغرب. ولكنه اتبع طريقه الخاص وفقاً لروح العصر. نظم بعد تخرجه في المدرسة
البطريركية قصائد ضد الاستبداد وضد جور السلطان عبد الحميد فأوقف وحقق معه. وعاد
ذات ليلة إلى غرفته ليجد فراشه مثقوباً بالرصاص. لقد حاول جواسيس السلطان التخلص
منه. وخاف أهله فسافر إلى باريس. فهناك
يكون في مأمن ويستطيع متابعة الدراسة. واتصل في باريس بقادة تركيا الفتاة ولكن
جواسيس السلطان كانوا هناك أيضاً، فراح يدرس اللغة الإسبانية استعداداً للهجرة إلى
أمريكا اللاتينية.. وصار يتقن أربع لغات: العربية والتركية والفرنسية والإسبانية.
ولكنه ذهب إلى الاسكندرية لمتابعة النضال هناك بدلاً من كسب المال والرفاه في
تشيلي. وكانت مصر واحة للأحرار
والمناضلين. عمل محرراً في الأهرام
ومراسلاً لها ثم أنشأ مجلة فصحيفة يومية. ولكن حادثاً طريفاً يدل على رهافة حسه
وأنفته جعله يترك الصحافة ويعمل في الشؤون المالية، وفي عام 1912 أضاع في صفقة
واحدة كل مايملك. وكانت الصدمة قاسية. وعين سكرتيراً مساعداً
للجمعية الزراعية الخديوية فراح يكتب في الاقتصاد وأظهر براعة في الشؤون
الاقتصادية. ثم بدأ يترجم للمسرح. لاقى خليل مطران الكثير من
التكريم في حياته التي انطفأت شعلتها في أول تموز عام 1949. جمع ذهن خليل مطران بين قوة
الخيال والواقعية الصارمة فجاء شعره محكم السبك لايستسلم للمتلقي من غير مشقة، فهو
بحاجة إلى أكثر من قراءة مستأنية. وقد أمدّته ثقافته الواسعة بالكثير مما يحتاج
إليه الشاعر الكبير والإنساني الكبير والثائر. في شعر خليل مطران قوة عجيبة
وفيه سلاسة وعذوبة مدهشتان. أجل، من القوة والجزالة ومتانة الأسلوب ومن الرقة
المنتاهية والعذوبة الفائقة يرسم خليل مطران لوحات شعرية قل نظيرها في شعرنا
العربي ويقيم أسساً راسخة لشعر ملحمي متين ويكتب قصصاً فيها القصة الجيدة وفيها
الشعر الرائع. قال خليل مطران: "أريد
أن يكون شعرنا مرآة صادقة لعصرنا في مختلف أنواع رقيه. أريد- كما تغير كل شيء في
الدنيا- أن يتغير شعرنا، مع بقائه شرقياً، مع بقائه عربياً، مع بقائه مصرياً، وهذا
ليس بإعجاز". (الكتاب الذهبي ص267). ويقول في حديث إلى
"الهلال" عام 1928: "لم يقولوا عني إني قديم والواقع أني أجرأ من
حافظ وشوقي على التجديد ولكني مع ذلك لم أجدد شيئاً عظيماً". أكثر الذين درسوا شعره يؤكدون
أنه كان قادراً على أن يجدد أكثر مما فعل.. وقد يكون الشاعر أفضل من ينقد شعره..
وهاكم رأي خليل مطران: "إني لما رأيت الشعر
لايزال على ماكان عليه من أقدم زمانه، لم يتجدد ولم يتطور، بل نأخذ القديم وننشئ
الجديد على طرازه وإذا أدخلنا عليه إيحاءات العصر جاءت متكلفة، قلت إن التجديد يجب
أن يشمل الأساس، وكان أمامي صعوبات شتى لبلوغ هذه الغاية ولكني اعتزمت اقتحامها في
شيء من المداورة يساعد طبعي عليه، رأيت المداورة خيراً من المباشرة في تحريك شيء
تركز جداً في نفوس الناس وعقائدهم، فمصادمته لاتقنعهم وقد تصرفهم عن الشيء الجديد،
أما إذا صدمته من جانب وتركته من جانب فقد تقنعهم ولا تنفرهم. وهكذا أحببت إن يبقى
الشعر كما كان من ناحية البحور والروي والأساليب التي أحبها الناس من جهة معرفة
اللغة بحق، وأن أدخل مقابل ذلك الوحدة على القصيدة بدلاً من أن تكون قصيدة متناكرة
بأجزائها كل بيت منها لمعنى أو لغاية. قلت لنفسي سأتعب من ناحية الشكل وألتزم
القيود المعروفة، أما من هذه الناحية فسأسير وسيساعد الزمن على تحقيق ما أبغيه"
(مجلة الطريق المجلد 4 العدد 14 ص3). قد لايُرضي المتحمسين مثل هذا
القول، ولكنه يدل على مدى معرفة الرجل بعلم نفس الجماعة، وعلى مدى حرصه على أن
يفهمه أبناء جيله كي ينهض منهم من يعمل على إكمال الرسالة التجديدية. وكان لخليل
مطران ماأراد فلم يذهب تجديده صرخة في واد بل "وصلّى خلفه في هيكل الشعر خلق
كثير". أجل، لقد جدد خليل مطران
"كل شيء ماعدا الأوزان" ولم يكن لأحد سواه ماكان له من أثر على تطور
الشعر العربي المعاصر. يقول الدكتور محمد مندور:
"كان هناك عملاق لم يهاجمه أصحاب الديوان لأنه لم يكن من دعاة الشعر التقليدي،
ولكنهم مع ذلك لم يحتضنوه، ولا اعترفوا بأستاذيته وتجديده وتطعيمه الشعر العربي
بأصول واتجاهات الشعر الغربي وخروجه بالشعر من الذاتية إلى الموضوعية وتطويع
قوالبه وأوزانه للشعر القصصي والتصوير الدرامي. وهذا العملاق العظيم هو خليل
مطران. "ومع ذلك، فإن عبقرية
مطران لم يتبدد أريجها سدى، بل لعل تلك العبقرية هي التي كانت نقطة البدء في تطور
الشعر العربي الحديث، وتنوع فنونه وتجديد معانيه واتجاهاته، وذلك على عكس جماعة
الديوان التي ربما أن تأثيرها في النقد، بل وفي الهدم، أكبر من تأثيرها في الإنشاء
والتوجيه والإنتاج وتشجيع الشعراء الناشئين والحنو عليهم ودفعهم نحو الابتكار
والتحمس للشعر والإيمان به". (محمد مندور، الشعر المصري بعد شوقي، ص121). وكان خليل مطران يؤمن بأن
المستقبل لطريقته في الشعر. يقول في مقدمة ديوانه: "على أنني أُصرح غير هائب،
إن شعر هذه الطريقة -ولا أعني منظوماتي الضعيفة- هو شعر المستقبل لأنه شعر الحياة
والحقيقة والخيال جميعاً". أما أحمد زكي أبو شادي فيرى:
"إن مطران جاء بمذهب الحرية الفنية الصحيحة التي تحترم شخصية الفنان واستقلال
الفن عن الصناعة والبهارج والأناقة الزخرفية وكل مايفرض العبودية على الفن والفنان
من ألفاظ وقيود إتباعية لايحتمها الجمال المطبوع وأصالة الفن. دعّم مطران وحدة
القصيدة وشخصية الفنان وعزز رسالته كما تدعم الديمقراطية حقوق الإنسان، وفتح له
باب الحياة على مصراعيه. كما أفسح له آفاق الخيال، وأبرز له كل شيء في هذا الوجود،
صغيراً كان أم كبيراً، كموضوع شعري خليق بعنايته وأهل للتناول الفني إذا مااستطاع
الشاعر أن يتجاوب معه، وحبب إليه الموضوعات الإنسانية بدل الاقتصار على العواطف
الذاتية فحسب، وأقنع شعراء مدرسته بأن على كل منهم رسالة مثالية لابد له من
أدائها، وليست وظيفة الشاعر أن يكون نظاماً لغوياً أو بين المرتلين الانتهازيين،
بل عليه أن يكون بين زعماء الفكر ورسل الوجدان ودعاة الإصلاح وأعلام الإيمان
لجيلهم ولما بعد جيلهم وأن يجمع بين كل القيم التي تؤهل الزعامة الروحية العقلية
التي تزاوج مابين أحلام الفنان وحكمة الفيلسوف الواقعي" (الأديب، العدد
12(1953) ص3-4). وكان خليل مطران بين
"زعماء الفكر ورسل الوجدان ودعاة الإصلاح" وكانت له "أحلام الفنان
وحكمة الفيلسوف الواقعي"، وقد تجلى ذلك فيما قبسناه من أقواله النثرية ونحن
نعلم أن القول سهل وأما العمل فعسير.. فهل تجسدت تعاليم الخليل في شعره؟ رأى خليل مطران أمته تتخبط في
ظلمات شتى فثار على واقعها ودعاها إلى النهوض. كان يجابه حين تكون المجابهة في
حدود الممكن وكان يداور حين لايرى مناصاً من المداورة. ولكنه كان يفعل كل مايفعله
ويقول كل مايقوله منطلقاً من الخطة التي اختطها لنفسه، وهمه الأكبر أن تنهض هذه
الأمة وتتخلص مما أصابها من جهل وتخلف وكأن لسان حاله يردد: "لن أضع العثرات
على طريق أهلي إلى الفهم فالنهوض" وها هو يخاطب المستعمرين والظالمين:
وتزعج قصيدته السلطات وتهدده
بالنفي فيغضب:
وبر بوعده فلم يقل إلا ما
أعتقد أنه الحق والصواب وكان هذا دأبه في كل ماكتب على تفاوت قيمة ماكتب من حيث
الفن. لقد اتحد الإنساني والثائر والمفكر والحالم والفنان في شخصية عرفناها باسم
خليل مطران. لم تثر هذه الشخصية الرصينة
على الأوضاع السياسية وحدها بل شملت ثورتها الأوضاع الاجتماعية أيضاً، وكثيراً
مارأى من الأشياء ماوراء مظاهرها الخارجية، وكثيراً مارأى في التاريخ غير مايرى
المؤرخون من أتباع السلاطين: "وإلى جانب هذا كنت أرى آلام الشعوب وتعاساتها
وأنكرها وأعتقد أنها متأتية للشعوب منها لنفسها. أردت أن تشعر الشعوب بمسؤولياتها.
أن تشعر بحقها في الحياة الحرة السعيدة، وأن لاتنزل عن هذا الحق مرة واحدة لأن
رجلاً حمل سكيناً وأراد منها أن تفعل ذلك" (مجلة الطريق م4 عدد 14 ص3). ولقد كرر لومه للشعوب في أكثر
من قصيدة على قلة مايكرر، فهو يؤمن أن من يسكتون على ظلم الطغاة ليسوا أقل سوء من
الطغاة أنفسهم فها هو يعلن في "مقتل بزرجمهر":
ثم يصرخ بالجماهير الخانعة
على لسان ابنة القتيل خاتماً قصيدته:
ويردد في رائعته
"نيرون":
ثم يقول في ختامها:
ويقول "في ظل تمثال
راعمسيس":
ويصل به الأمر إلى حيث يتمنى
وهو في سورة الغضب:
ويدعو المظلومين إلى مساعدة
المظلومين مهيباً بالأدباء وكل ذي قلم:
وكان طبيعياً أن يصور بطولة
الأبطال وأن يمتدح رجولة المناضلين ضد الظلم حيث ناضلوا. ويقف المرء دهشاً وينتشي
إعجاباً أمام رائعة المطران "عتاب واستصراخ لمعونة طرابلس". وكم هممت
بأن أنقلها لكم كاملة ولكنها طويلة جداً فليعد إليها في ديوانه من يجد سبيلاً إلى
ذلك:
ثم يذكر العرب بأمجادهم الماضية
ليصل إلى جهاد الليبيين:
ويذكر حالهم وجوعهم وعطشهم
فنذكر أهلنا المنتفضين في الأرض المحتلة:
ثم يخاطب الثائرين الصابرين
على الجوع والعطش خطاباً قل نظيره:
ويذكر العرب بأن الأعداء
يحاربونهم بالعلم ومبتكراته.. ثم يقسم باسم الثائرين:
ويبدو أن الخليل أفرط في حسن
ظنه بالحاكمين الذين لهم اسم العرب وليسوا بعرب، كما نفرط نحن الآن، فها هو ينكر
علينا الإكثار من القول والإقلال من العمل.
ويعجب لنبوغ الأفراد منا
ولتخلف جموعنا، ولتحررنا أفراداً وذلنا جماعات:
لقد انتقيت هنا أبياتاً هي
جزء عضوي من قصائد.. وإذا جاز ذلك في شعر الآخرين فهو غير جائز في شعر خليل مطران.
فموقع الجزء من الكل في شعره يضفي عليه جمالاً عاماً وهو كجزء يعطي الكل جمالاً
خاصاً وفريداً، والأمر كذلك في كل كيان عضوي. وخليل مطران لم يرَ المرأة
جميلة وحسب بل رآها مناضلة تنقل الرسائل السرية للمناضلين أو تخوض غمار المعارك
دفاعاً عن وطنها، رأى فيها أنبل السمات الإنسانية ولكنه لم يغمض عينيه عما فيها من
سوء وشر وقد رسم لنا صوراً نسائية رائعة وكتب قصصاً لاتقل فيها عظمة المرأة البطلة
عن عظمة البطل من الرجال. وكان حب الشاعر للحقيقة من أبرز سماته. وقد ظل حريصاً
على قولها في كل قصائده التاريخية والاجتماعية. إن هذا الشاعر الفذ لم يحفز
بشعره خيالنا على التحليق ليجاري خياله المحلق فحسب بل هو يحفز أفكارنا ومشاعرنا
الإنسانية ويهزنا بقوة كي نفتح أعيننا جيداً فنرى التاريخ والواقع على حقيقتهما،
وهو لايصور لنا المستقبل بألوان زاهية بل يدعونا إلى التكاتف والعمل في سبيل بناء
المستقبل. وهو إذ ينظر إلى الهرم لايرى
عظمته وحدها بل يتصور أولئك الذين سخروا لبناء الهرم.
قد يكون بين أجمل عناصر
الجمال في شعره ذلك التنامي الدرامي المنطقي للأحداث والتكامل التدرجي للصور،
وتفصيل العبارات والمجازات على قد الأجزاء التي تكوّن لوحة القصيدة أو التي تصير
جزء من جسد القصيدة الحي، وتلك الحركة النغمية التي تسري بين الحروف والكلمات
والسطور سريان النسغ في الأغصان أو سريان الدم في العروق والخلايا.. وإننا لنرى
الحركة حتى في صورة وجه رعمسيس المقدود من صوان. لا يأتي البيت عنده متنافراً
مع الذي سبقه أو مع الذي يليه بل يأتي متمماً لنغم السابق وممهداً للاحق، وهكذا
يكون الكل في الواحد والواحد في الكل وتكتمل الروعة:
حاولت مراراً أن أقتطع من جسد
قصيدته "قلعة بعلبك" بضعة أبيات فلم تطاوعني يدي.. إن جمال الأبيات في
أماكنها كجمال حجارة قلعة بعلبك في أماكنها وهي لاتذهب إلى المشاهدين بل هم يذهبون
إليها... وكذلك كانت حالي مع "فتاه الجبل الأسود" ومع "من غريب إلى
عصفورة مغتربة" فهذه القصائد والكثيرات غيرها من قصائد خليل مطران تقرأ كاملة
أو الأفضل ألا يقرأ جزء منها. وعلى الرغم من ذلك سأغامر أيضاً فأنقل لكم شيئاً من
قصيدته "بدر وبدر":
لايتسع المجال هنا للكلام
تفصيلاً على قصائده التاريخية ولا على قصصه الجميلة وقد تجلت فيها سمات التجديد في
شعره تجلياً واضحاً.. أما في قصيدته -الحكاية "الجنين الشهيد" فنرى
صوراً واقعية جداً وقاسية جداً.. ولكن مآسي الناس ليست أقل واقعية ولا أقل قسوة،
فلماذا نزين الواقع أو لماذا نضفي عليه أخلاقية ليست فيه... وها هي ليلى الجميلة
ابنة الفقراء:
ويروي لنا سيرتها ويصف جمالها
وبؤس ذويها واضطرارها إلى أن تطعمهم من خزيها:
وتعمل ليلى في حانة وتسقي
الزبائن.. ونسمع حواراً واقعياً ونعجب من تحويله إلى شعر:
وتتوالى تعليقات الفتيان
ومداعباتهم.. ويعقب الشاعر:
ثم يستطرد في وصف ماتلاقيه
الفتاة وماتفعله برواد الحانة.. ثم يأتي "جميل" فيصم الهوى ليلى ويعميها
وتسلمه جسدها بعد أن يعدها بالزواج وتحمل منه فيبتزها ويسرف في ابتزازها وينفق من
دخلها حتى تمرض ولايبقى لديها ماتنفقه على أهلها وعليه فيغادرها... وتتجرع سماً
وتجهض. ولكن مالي أستعجل الأمور
فأتجاوز فقرات القصة لأصل إلى الخاتمة.. ثمة قبل الخاتمة مايجب التوقف عنده في ذلك
الليل الذي كان "كهم على صدر الوجود مخيم" ثم تحوّل إلى :
وتصل القصة إلى ذروتها وتخاطب
الأم جنينها الضحية خطابا مؤثراً ثم يصل بنا الشاعر إلى:
يقول عمر فاخوري:
"الحقيقة ليست حلوة وليست مرة إن لها طعماً خاصاً هو طعم الحقيقة" وأرى
أن واقعية خليل مطران هي كالحقيقة من حيث طعمها الخاص، فهي أكثر إيحاء وأقوى أثراً
في النفس. وقد تصدمنا أول الأمر صدمة قوية ولكنها ما تلبث أن تشدنا وتشعرنا أنها
الأحلى من حيث هي فن لا من حيث هي أخلاق أو موعظة أخلاقية مباشرة. إن خليل مطران شاعر العصر،
الشاعر الذي حلّق بمطولاته عالياً ومضى بعيداً إلى حيث لم يصل شاعر عربي قبله، هذا
الذي يحملنا بقوة خياله من الحاضر إلى الماضي ثم يضعنا على مشارف المستقبل، هذا
الشاعر العظيم كان إنساناً عظيماً أدهشت عظمة إنسانيته كل الذين عرفوه. وقد روى
معارفه الكثير من أخبار تلك الإنسانية. كانت أمنيته: "أُمنيتي أن أجتاز طريقي
دون أن أُسيء إلى أحد" وكان إلى ذلك جريئاً أبياً كريماً رضي الخلق مخلصاً
لأصدقائه، ويجهل التأنق، فالزينة عنده في الروح لافي الثوب، وكان محباً للخير
والصالح العام. يُروى أن المرحوم سليم سركيس أخبره أن صديقه علي المنزلاوي قد ذمه
وتكلم عليه بسوء فأجابه خليل مطران: "لعل صديقي كان ضيّق الصدر لعارض من
عوارض الحياة فاختارني للتفريج عن صدره، فإذا لم يجد في صديق حميم مثلي متنفساً
ففيمن يجد؟" إن هذا الشاعر العظيم
والإنسان العظيم الذي لم يخاصم أحداً سوى الطغاة والظالمين، والذي أحب الناس وأخلص
لمن عرفهم من الناس قد كتب في مناسبات عادية أشعاراً ليست كلها في مستوى شعره
العظيم وقد لامه دارسو شعره على إدراجها في ديوانه، ومنهم مارون عبود. يرى الدكتور ميشال جحا أن
الشاعر: "ليس حراً في أن يسخر شعره لمثل هذه الأشياء. ذلك لأن حياة الشاعر
ملك لنفسه أما فنه فهو ملك لسواه". (خليل مطران باكورة التجديد في الشعر
العربي الحديث- دار المسيرة- بيروت). ويقول نجيب جمال الدين:
"لقد جنى على الأدب العربي بطيب أخلاقه، وشعر مناسباته جناية لايشفع له بها
الا ما قدم للشعر من أطايب الفكر وأفانين القول." (خليل مطران شاعر العصر-
1949 مطبعة دمشق). لقد امتدحه الذين عرفوه
كثيراً وقد قيل فيه: "صخرة الأخلاق القويمة التي تتكسر عليها كل أهواء الدنيا
ومغرياتها" وقال فيه توفيق حداد "ولانغالي إذا قلنا موجزين إنه جمعية
خيرية مستترة ينبغي التبليغ عنها إلى وزارة الشؤون (الكتاب الذهبي ص178). وعلى
الرغم من ذلك لامه النقاد على "شعر مناسباته" فكيف فات دارسيه أن يروا
وحدة شخصية هذا الرجل؟ كان يساعد المحتاجين إلى
المال بماله، ويساعد المحتاجين إلى الكلمة الجميلة بكلام جميل... فإذا كان الشعر
فناً كلامياً جميلاً أتقنه الخليل فإن أفعاله كانت شعراً عملياً، شعر ممارسة
رائعاً.. ولقد وهب المحتاجين ماله ولم يسترده، وأهدى إلى جيرانه ومعارفه هدايا
شعرية أفرحتهم في حينها وشكروه عليها فكيف ترضى له أخلاقه وكرمه أن يستردها؟ إن فعله الجميل هذا قد أضفى
المزيد من الجمال على شعره الجميل وجعل صاحبه مثالاً في الفن ومكارم الأخلاق. قد لايكون الفن دروساً في
الأخلاق، ولكن تاريخ البشر لم يعرف مايهذب أخلاق الناس كالفن. ولم يكن عباقرة الفن
إلا من أعظم الاخلاقيين بالمعنى الإنساني الواسع للكلمة. إن الفن العظيم يجسد
الجوهري في الحياة، وليس في الحياة ماهو أسمى من الأخلاق. لقد حفظ التاريخ لبشار لفتته
الإنسانية إلى "ربابة ربة البيت" ومن منا لايحفظ بيتيه فيها.. ومن منا
لا يتمنى أن يحصل على كامل شعر بشار الرائع الذي ضاع أكثره. أجل، إننا، كبشر، نحتاج أيضاً
إلى هذه اللمسات الإنسانية الرقيقة، غير الفنية تماماً، ولو غضب أساطين النقاد
المتزمتين. لقد حمل خليل مطران روح العصر
إلى شعرنا وفتح أمامه آفاقاً جديدة، وإذا كانت غاية الفن القصوى هي تربية الإنسان
تربية جمالية رفعية، ومن ثم الارتقاء بمناقبه وفضائله أفلا يحق لنا أن نعتبر
الممارسة الأخلاقية قصيدة عملية رائعة؟ كان خليل مطران مؤسس مدرسة
التجديد في الشعر وقد تأثر به شعراء الحداثة وساروا بالتجديد شوطاً أبعد. وقد
اعترف بعضهم بفضله. يقول أحمد زكي أبو شادي: "عرفت هذا الرجل وأستاذيته منذ
ثلاثين سنة، إذ تعهدني صغيراً وبقيت أهتدي بهديه، وأثره في شعري أثر عميق لأنه
يرجع إلى طفولتي الأدبية، ويصاحبني في جميع أدوار حياتي، وإذا كان استقلالي الأدبي
متجلياً الآن في أعمالي، فهو في الوقت ذاته، يمثل الاطراد الطبيعي للتعاليم الفنية
التي تشربتها نفسي الصبية من ذلك الأستاذ العظيم، ومازالت تحرص عليها نفسي الكهلة
الوفية، ناظرة إلى آثار الصبا وإلى معلمي الأول بحنان عميق" (نداء الفجر
ص128). ويقول فيه الشاعر خليل شيبوب:
وأنكر بعضهم أن يكون قد تأثر
به. ولكن أحداً لاينكر دور هذا
الشاعر الكبير في حياتنا الأدبية وأثره في الشعر العربي المعاصر. أما مترجماته فنكتفي بما قاله
فيها زكي طليمات: "إن الترجمة على يراعة مطران قد ابتدعت فناً بيانياً في
اللغة العربية لانعرف له مثيلاً إلا عند ابن المقفع في كتابه (كليلة ودمنة) وذلك
من حيث سلامة العبارة وقوة الأسلوب ووضوح المعاني، ثم من حيث تلك القدرة الخارقة
التي تضفي مسحة عربية أصيلة زاعقة الألوان على ماهو غير عربي" (الكتاب الذهبي
لمهرجان خليل مطران سنة 1947 ص63). ومعروف أن خليل مطران قد ترجم
أعمالاً لكورني: وراسين، وهوغو، ودي موسيه، وبول بورجيه، وشكسبير وغيرهم. وقد أورد
أسلوب كل منهم في ترجمته لأعماله. أما خليل مطران الصحفي فقد
قيل فيه الكثير.. ولا مجال لمزيد من الإطالة. نال خليل مطران الكثير من
الأوسمة ولقي الكثير من التكريم ولكنه كان يرى قميصاً من الحرير الوطني أرفع من كل
الأوسمة. فها هو يعلن في حفلة "جمعية النهضة النسائية في بيروت" وقد
اشترطت عليه أن يلبس قميصاً من الحرير الوطني: "والله ياقوم -إني ماشعرت في
حياتي كلها بعامل انتفض له قلبي طرباً، ولا تقلدت وساماً خفق له صدري فخراً،
كشعوري عندما ألمس هذه القطعة الحريرية التي تلتصق بصدري الآن.. وماذاك إلا لأنها
نسيج بلادي وهدية نساء وطني" (الكتاب الذهبي ص223). فألف تحية إلى ذكراك أيها
الوطني الكبير القائل بتواضع:
| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||