وجوه ومرايا شـيء مــن الســيرة وشـيء مـن الـنقد - ميخائيل عيد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:50 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
خلــــــيل مطـــــران (1872-1949)

خلــــــيل مطـــــران (1872-1949)

"الأستاذ خليل مطران سيّد شعراء العرب في مختلف أقطارهم، وباني أول صرح جديد في الشعر العربي وأعرف الأدباء جميعاً بمداخل اللغة ومخارجها.."

الياس أبو شبكة.

يحار في أمره من يحاول أن يتكلم على خليل مطران. فهذا الرجل الذي قيل فيه الكثير ويقال فيه الكثير سيظل موضوعاً غنياً متعدد الجوانب لمن يريد أن يقول...

لقد كتب في شعره وسيرته أكثر من كتاب، ودرس جوانب من إبداعه، وترجماته أكثر من دارس وباحث ولم يوفه أحد كامل ما يستحق- وكيف تحل الدراسات محل الإبداع- ومع ذلك عليَّ أن أقول وأوجز.. وهل يمكن أن يختصر من اختصر عصره؟.

كان خليل مطران إنسانياً كبيراً في زمن كثر فيه الظلم والجهل والتخلف فصار ثائراً وفي الشعر مجدداً. كان الغديرَ العذب الذي روّى حدائق الشعر العربي المعاصر.

ومن الإجحاف أن يدرس جانب واحد من جوانب شخصيته وإبداعه بمعزل عن الجوانب الأخرى، ففي سيرة هذا الشاعر وإبداعه تتجلى وحدة الشخصية ووحدة الموقف السلوكي والفني في صورتها المثلى.. وقليلة هي الشخصيات التي تمثلت فيها هذه السمات بين من وصلتنا أخبارهم من المبدعين.

وإذا كان ماكتبه أحمد فارس الشدياق رداً على من قال للعرب: "خذوا لغتكم من أعجمي" فإن شعر خليل مطران رد على الذين زعموا أن التجديد لم يأت الشعر العربي إلا على أيدي الأجانب.

أجل، إن شعر خليل مطران خطوة كبيرة على طريق تجديد الشعر العربي ومنعطف جليل الخطر نحو العصر والحداثة.

يسميه طه حسين "زعيم الشعر العربي المعاصر وأستاذ الشعراء العرب المعاصرين" ويخاطبه قائلاً: "فأنت علمت المقلدين كيف يرتقون بتقليدهم عن إفناء النفس فيمن يقلدون وأنت قد علمت المجددين كيف ينزهون أنفسهم عن الغلو الذي يجعل تجديدهم عبثاً وابتكارهم هباء. وأنت قد علمت أولئك وهؤلاء أن الفن حر لايعرف الرق، كريم لايحب الذل، نشيط لايحب الجمود، أبي لاينقاد للمحافظة إلى غير حد، ولا ينقاد للتجديد في غير احتياط (الكتاب الذهبي).

ويقول مارون عبود: "الشاعر العظيم خليل مطران الذي أعده كما عد القدماء بشار بن برد، جسراً عظيماً يصل القديم بالحديث. فمطران مجدد في تصوره وتفكيره وخطته الشعرية. تلد مخيلته الصور الرائعة الطريفة التي قلما خلت منها قصيدة من روائعه المشهورة". "ولمطران أيد بيضاء على الشعر وتجديده بل على النثر أيضاً وخصوصاً المترجم منه. فقد عمل الرجل كثيراً وأفاد كثيراً. وصلى خلفه في هيكل الشعر خلق كثير. فهو، حقاً، فجر مدرسة جديدة". (جدد وقدماء ص240).

إن عرض ماقيل فيه من آراء متفاوتة والتعليق عليها يأخذ من الباحث صفحات كثيرة، ولذا أرى أن نتجاوز الكثير مما قيل، ونعرض الأهم.. أما سيرته وسماته الشخصية فلم تكن موضوع خلاف.. فلنبدأ من هنا.

ولد خليل مطران في بعلبك في شهر تموز عام 1872. عاش طفلاً طليقاً مرهف الحس فياض المشاعر يستجيب للأشياء والأحداث استجابة قوية. وقد ربي على شيء من التقليد وشيء من التحرر. وكان لأمه دور بارز في تكوين خلقه. وتكونت لديه خصلتان هما خصلة المراجعة الذاتية للأخطاء وخصلة حب الاختلاط بالآخرين والحنو عليهم.

درس الابتدائية في الكلية الشرقية في زحلة وخلفت دراسته فيها أجمل الأثر في نفسه، وفي واديها هبت أولى نسمات الحب على قلبه:

 

عهداً بزحلة ذكره غنم

 

هل تذكرين ونحن طفلان

يتضاحكان ويأنس الكرم

 

إذ يلتقي في الكرم ظلان

ثم انتقل إلى المدرسة البطريركية للروم الكاثوليك في بيروت حيث درس النحو على الشيخ خليل اليازجي والبيان والأدب على الشيخ إبراهيم اليازجي ودرس الفرنسية على أستاذ افرنسي متمكن. وكان الشيخ ابراهيم يشده نحو الأدب العربي ويدفعه رشيد مطران على التوجه نحو أدب الغرب. ولكنه اتبع طريقه الخاص وفقاً لروح العصر.

نظم بعد تخرجه في المدرسة البطريركية قصائد ضد الاستبداد وضد جور السلطان عبد الحميد فأوقف وحقق معه. وعاد ذات ليلة إلى غرفته ليجد فراشه مثقوباً بالرصاص. لقد حاول جواسيس السلطان التخلص منه.

وخاف أهله فسافر إلى باريس. فهناك يكون في مأمن ويستطيع متابعة الدراسة. واتصل في باريس بقادة تركيا الفتاة ولكن جواسيس السلطان كانوا هناك أيضاً، فراح يدرس اللغة الإسبانية استعداداً للهجرة إلى أمريكا اللاتينية.. وصار يتقن أربع لغات: العربية والتركية والفرنسية والإسبانية. ولكنه ذهب إلى الاسكندرية لمتابعة النضال هناك بدلاً من كسب المال والرفاه في تشيلي.

وكانت مصر واحة للأحرار والمناضلين.

عمل محرراً في الأهرام ومراسلاً لها ثم أنشأ مجلة فصحيفة يومية. ولكن حادثاً طريفاً يدل على رهافة حسه وأنفته جعله يترك الصحافة ويعمل في الشؤون المالية، وفي عام 1912 أضاع في صفقة واحدة كل مايملك. وكانت الصدمة قاسية.

وعين سكرتيراً مساعداً للجمعية الزراعية الخديوية فراح يكتب في الاقتصاد وأظهر براعة في الشؤون الاقتصادية. ثم بدأ يترجم للمسرح.

لاقى خليل مطران الكثير من التكريم في حياته التي انطفأت شعلتها في أول تموز عام 1949.

جمع ذهن خليل مطران بين قوة الخيال والواقعية الصارمة فجاء شعره محكم السبك لايستسلم للمتلقي من غير مشقة، فهو بحاجة إلى أكثر من قراءة مستأنية. وقد أمدّته ثقافته الواسعة بالكثير مما يحتاج إليه الشاعر الكبير والإنساني الكبير والثائر.

في شعر خليل مطران قوة عجيبة وفيه سلاسة وعذوبة مدهشتان. أجل، من القوة والجزالة ومتانة الأسلوب ومن الرقة المنتاهية والعذوبة الفائقة يرسم خليل مطران لوحات شعرية قل نظيرها في شعرنا العربي ويقيم أسساً راسخة لشعر ملحمي متين ويكتب قصصاً فيها القصة الجيدة وفيها الشعر الرائع.

قال خليل مطران: "أريد أن يكون شعرنا مرآة صادقة لعصرنا في مختلف أنواع رقيه. أريد- كما تغير كل شيء في الدنيا- أن يتغير شعرنا، مع بقائه شرقياً، مع بقائه عربياً، مع بقائه مصرياً، وهذا ليس بإعجاز". (الكتاب الذهبي ص267).

ويقول في حديث إلى "الهلال" عام 1928: "لم يقولوا عني إني قديم والواقع أني أجرأ من حافظ وشوقي على التجديد ولكني مع ذلك لم أجدد شيئاً عظيماً".

أكثر الذين درسوا شعره يؤكدون أنه كان قادراً على أن يجدد أكثر مما فعل.. وقد يكون الشاعر أفضل من ينقد شعره.. وهاكم رأي خليل مطران:

"إني لما رأيت الشعر لايزال على ماكان عليه من أقدم زمانه، لم يتجدد ولم يتطور، بل نأخذ القديم وننشئ الجديد على طرازه وإذا أدخلنا عليه إيحاءات العصر جاءت متكلفة، قلت إن التجديد يجب أن يشمل الأساس، وكان أمامي صعوبات شتى لبلوغ هذه الغاية ولكني اعتزمت اقتحامها في شيء من المداورة يساعد طبعي عليه، رأيت المداورة خيراً من المباشرة في تحريك شيء تركز جداً في نفوس الناس وعقائدهم، فمصادمته لاتقنعهم وقد تصرفهم عن الشيء الجديد، أما إذا صدمته من جانب وتركته من جانب فقد تقنعهم ولا تنفرهم. وهكذا أحببت إن يبقى الشعر كما كان من ناحية البحور والروي والأساليب التي أحبها الناس من جهة معرفة اللغة بحق، وأن أدخل مقابل ذلك الوحدة على القصيدة بدلاً من أن تكون قصيدة متناكرة بأجزائها كل بيت منها لمعنى أو لغاية. قلت لنفسي سأتعب من ناحية الشكل وألتزم القيود المعروفة، أما من هذه الناحية فسأسير وسيساعد الزمن على تحقيق ما أبغيه" (مجلة الطريق المجلد 4 العدد 14 ص3).

قد لايُرضي المتحمسين مثل هذا القول، ولكنه يدل على مدى معرفة الرجل بعلم نفس الجماعة، وعلى مدى حرصه على أن يفهمه أبناء جيله كي ينهض منهم من يعمل على إكمال الرسالة التجديدية. وكان لخليل مطران ماأراد فلم يذهب تجديده صرخة في واد بل "وصلّى خلفه في هيكل الشعر خلق كثير".

أجل، لقد جدد خليل مطران "كل شيء ماعدا الأوزان" ولم يكن لأحد سواه ماكان له من أثر على تطور الشعر العربي المعاصر.

يقول الدكتور محمد مندور: "كان هناك عملاق لم يهاجمه أصحاب الديوان لأنه لم يكن من دعاة الشعر التقليدي، ولكنهم مع ذلك لم يحتضنوه، ولا اعترفوا بأستاذيته وتجديده وتطعيمه الشعر العربي بأصول واتجاهات الشعر الغربي وخروجه بالشعر من الذاتية إلى الموضوعية وتطويع قوالبه وأوزانه للشعر القصصي والتصوير الدرامي. وهذا العملاق العظيم هو خليل مطران.

"ومع ذلك، فإن عبقرية مطران لم يتبدد أريجها سدى، بل لعل تلك العبقرية هي التي كانت نقطة البدء في تطور الشعر العربي الحديث، وتنوع فنونه وتجديد معانيه واتجاهاته، وذلك على عكس جماعة الديوان التي ربما أن تأثيرها في النقد، بل وفي الهدم، أكبر من تأثيرها في الإنشاء والتوجيه والإنتاج وتشجيع الشعراء الناشئين والحنو عليهم ودفعهم نحو الابتكار والتحمس للشعر والإيمان به". (محمد مندور، الشعر المصري بعد شوقي، ص121).

وكان خليل مطران يؤمن بأن المستقبل لطريقته في الشعر. يقول في مقدمة ديوانه: "على أنني أُصرح غير هائب، إن شعر هذه الطريقة -ولا أعني منظوماتي الضعيفة- هو شعر المستقبل لأنه شعر الحياة والحقيقة والخيال جميعاً".

أما أحمد زكي أبو شادي فيرى: "إن مطران جاء بمذهب الحرية الفنية الصحيحة التي تحترم شخصية الفنان واستقلال الفن عن الصناعة والبهارج والأناقة الزخرفية وكل مايفرض العبودية على الفن والفنان من ألفاظ وقيود إتباعية لايحتمها الجمال المطبوع وأصالة الفن. دعّم مطران وحدة القصيدة وشخصية الفنان وعزز رسالته كما تدعم الديمقراطية حقوق الإنسان، وفتح له باب الحياة على مصراعيه. كما أفسح له آفاق الخيال، وأبرز له كل شيء في هذا الوجود، صغيراً كان أم كبيراً، كموضوع شعري خليق بعنايته وأهل للتناول الفني إذا مااستطاع الشاعر أن يتجاوب معه، وحبب إليه الموضوعات الإنسانية بدل الاقتصار على العواطف الذاتية فحسب، وأقنع شعراء مدرسته بأن على كل منهم رسالة مثالية لابد له من أدائها، وليست وظيفة الشاعر أن يكون نظاماً لغوياً أو بين المرتلين الانتهازيين، بل عليه أن يكون بين زعماء الفكر ورسل الوجدان ودعاة الإصلاح وأعلام الإيمان لجيلهم ولما بعد جيلهم وأن يجمع بين كل القيم التي تؤهل الزعامة الروحية العقلية التي تزاوج مابين أحلام الفنان وحكمة الفيلسوف الواقعي" (الأديب، العدد 12(1953) ص3-4).

وكان خليل مطران بين "زعماء الفكر ورسل الوجدان ودعاة الإصلاح" وكانت له "أحلام الفنان وحكمة الفيلسوف الواقعي"، وقد تجلى ذلك فيما قبسناه من أقواله النثرية ونحن نعلم أن القول سهل وأما العمل فعسير.. فهل تجسدت تعاليم الخليل في شعره؟

رأى خليل مطران أمته تتخبط في ظلمات شتى فثار على واقعها ودعاها إلى النهوض. كان يجابه حين تكون المجابهة في حدود الممكن وكان يداور حين لايرى مناصاً من المداورة. ولكنه كان يفعل كل مايفعله ويقول كل مايقوله منطلقاً من الخطة التي اختطها لنفسه، وهمه الأكبر أن تنهض هذه الأمة وتتخلص مما أصابها من جهل وتخلف وكأن لسان حاله يردد: "لن أضع العثرات على طريق أهلي إلى الفهم فالنهوض" وها هو يخاطب المستعمرين والظالمين:

 

واقتلوا احرارها حراً فحرا

 

شردوا أخيارها بحراً وبرا

آخر الدهر ويبقى الشر شرا

 

انما الصالح يبقى صالحاً

وتزعج قصيدته السلطات وتهدده بالنفي فيغضب:

 

فرسي مؤهبه وسرجي

 

أنا لاأخاف ولا أرّجي

فالمطية بطن لجّ

 

فإذا نبا بي بطن بر

وهذا النهج نهجي

 

لا قول غير الحق لي قول

لديّ طريق فلج.

 

الوعد وألا يعاد ماكانا

وبر بوعده فلم يقل إلا ما أعتقد أنه الحق والصواب وكان هذا دأبه في كل ماكتب على تفاوت قيمة ماكتب من حيث الفن. لقد اتحد الإنساني والثائر والمفكر والحالم والفنان في شخصية عرفناها باسم خليل مطران.

لم تثر هذه الشخصية الرصينة على الأوضاع السياسية وحدها بل شملت ثورتها الأوضاع الاجتماعية أيضاً، وكثيراً مارأى من الأشياء ماوراء مظاهرها الخارجية، وكثيراً مارأى في التاريخ غير مايرى المؤرخون من أتباع السلاطين: "وإلى جانب هذا كنت أرى آلام الشعوب وتعاساتها وأنكرها وأعتقد أنها متأتية للشعوب منها لنفسها. أردت أن تشعر الشعوب بمسؤولياتها. أن تشعر بحقها في الحياة الحرة السعيدة، وأن لاتنزل عن هذا الحق مرة واحدة لأن رجلاً حمل سكيناً وأراد منها أن تفعل ذلك" (مجلة الطريق م4 عدد 14 ص3).

ولقد كرر لومه للشعوب في أكثر من قصيدة على قلة مايكرر، فهو يؤمن أن من يسكتون على ظلم الطغاة ليسوا أقل سوء من الطغاة أنفسهم فها هو يعلن في "مقتل بزرجمهر":

 

إلا لما خلقوا به فعّالا

 

ما كان "كسرى" إذ طغى في قومه

وهمُ أرادوا أن يصول فصالا

 

هم حكّموه فاستبد تحكما

الا خلائقَ إخوةً أمثالا

 

لولا الجهالة لم يكونوا كلهم

ألفيت تاليه طغى وتعالا

 

وإذا رأيت الموج يسفل بعضه

ثم يصرخ بالجماهير الخانعة على لسان ابنة القتيل خاتماً قصيدته:

 

لو أن في هذي الجموع رجالا.

 

ماكانت الحسناء ترفع سترها

ويردد في رائعته "نيرون":

 

هو بالسبة من "نيرون" أحرى

 

ذلك الشعب الذي آتاه نصرا

فترامى يملأ الآفاق فجرا

 

ضخموه وأطالوا فيئه

ثم يقول في ختامها:

 

إن أزرى الخلق شعب مات صبرا

 

ماعلينا من غريم غارم

"قيصر" قيل له أم قيل "كسرى"

 

كل قوم خالقوا نيرونهم

ويقول "في ظل تمثال راعمسيس":

 

لا صبر عقل ولكن صبر إيمان

 

يسومها كل خسف وهي صابرة

وقبّلت دمها في المرمر القاني

 

فبجلت تحت تاج الملك مدميها

في مشترى سيد أرواحُ عبدانِ

 

كم راح جمع فدى فرد وكم بذلت

قد أسعفوه بأموال وفتيان

 

هم الذين على عسر بمطلبه

ويصل به الأمر إلى حيث يتمنى وهو في سورة الغضب:

 

يعلو بأخلاقها تيار طغيان

 

ليت البلاد التي أخلاقها رسبت

ينجو الاذلاء من خسف وخسرانِ

 

أكرم بذي مطمع في جنب مطمعه

ويدعو المظلومين إلى مساعدة المظلومين مهيباً بالأدباء وكل ذي قلم:

 

والأرض قد خضبت بدم

 

فيم احتباسك للقلم

في صدر من لم يستقم

 

سدد قويم سنانه

فعَّله يحيي الرمم

 

نبّه به أمم الزوال

قام الألى ظلموا فقم

 

اليوم يوم القسط قد

وبيننا قربى النقم

 

بين الذين يقاتلون

فله بنا صلة الرحم

 

من يستبحه عدونا

وكان طبيعياً أن يصور بطولة الأبطال وأن يمتدح رجولة المناضلين ضد الظلم حيث ناضلوا. ويقف المرء دهشاً وينتشي إعجاباً أمام رائعة المطران "عتاب واستصراخ لمعونة طرابلس". وكم هممت بأن أنقلها لكم كاملة ولكنها طويلة جداً فليعد إليها في ديوانه من يجد سبيلاً إلى ذلك:

 

 

صدقت في عتبكم أو يصدق الشمم

لا المجد دعوى ولا آياته كلم

 

 

يا أمتي حسبنا بالله سخرية

منا ومما تقاضي أهلها الذمم

 

 

هل مثل مانتباكى عندنا حزن

وهل كما نتشاكى عندنا ألم؟

 

 

جرح بقلبي دام ليس يلتئم

 

لا تنكروا عَذَلي هذا فمعذرتي

حمى به كانت العقبان تعتصم

 

نحن الذين أبحنا الراصدين لنا

لولا تواكلنا تالله ما اقتحموا

 

لولا تغافلنا، لولا تخاذلنا

 

 

عودوا إلى سير التاريخ لاتجدوا

شعبا قضى غير من ضلّوا الهدى وععموا

 

 

أولئك إنما بادوا بغرتهم

وإنهم آثروا اللذاتِ وانقسموا

 

 

لا شعب يقوى على شعب فيهلكه

فإن ترَ القوم صرعى فالجناة هم

 

ثم يذكر العرب بأمجادهم الماضية ليصل إلى جهاد الليبيين:

 

 

قلّوا وأبلى بلاء الجمع واحدهم

حتى تحيّر مما خولف الرقم

 

 

يغشون بكر الروابي وهي ناهدة

فتكتسيهم على عُري وتحتشم

 

 

وربما طرقوا الطود الوقور ضحى

فهو الخليع يصابيهم ويغتلم

 

 

جند من الجن مهما أُجهدوا نشطوا

كأنما الوهيُ بالأعداء دونهم

 

 

مهما تشنعت الحرب الضروس لهم

أعارها ملمحاً للحسن حسنهم

 

ويذكر حالهم وجوعهم وعطشهم فنذكر أهلنا المنتفضين في الأرض المحتلة:

 

وقد يكونون في بؤس وفي عطشٍ

فما يقي الغرماء الريُّ والبشم

 

 

الجوع قُبّح من كفر وإن ولدت

منه أعاجيبها الغارات والقحم

 

 

هو القوي الذي لايظفرون به

وهو الخفيُّ الذي يُفني ويهتضم

 

 

لاتتركوه يراديهم وقد قعدت

بلا قتال تُلاشي بأسها البهم

 

 

يارب عفوك حتى الماء يعوزهم

فمر تُجدهم بنقع الغلة الديم

 

ثم يخاطب الثائرين الصابرين على الجوع والعطش خطاباً قل نظيره:

 

 

كونوا الملائك لاجوع ولاظمأ

وليغلبن نظام الخلق صبركم

 

 

أليس منكم أوان الكر كل فتى

يصول ماشاء في الدنيا ويحتكم

 

 

صعب المراس على الآفات يتعبها

جلد تقاذفه الأنوار والظلم

 

 

يقول للعلم الخفاق في يده

فييء من الأرض ماتختار ياعلم

 

 

يهوي وفي قلبه رؤيا تصاحبه

من آية الفتح حيث العمر يختتم

 

 

الموت مالم يكن عقبى مجاهدة

نوم تبالد حتى مابه حُلُم

 

 

بعض الثرى فيه آمال يُحس لها

ركز ونبض وفي بعض الثرى رمم

 

ويذكر العرب بأن الأعداء يحاربونهم بالعلم ومبتكراته.. ثم يقسم باسم الثائرين:

 

تالله لو طار فوق النسر طائرهم

وذللت لهم الأبحارَ فُلكُهم

 

 

وسخرت كل آيات الفناء لهم

حتى الجوارف والأرياح والرجم

 

 

لن يملكوا نفس حر في طرابلسٍ

ولن يضيموا سوى الأشلاء إن حكموا.

 

 

يا أيها الوطن الداعي لنجدته

لبتك مصر ولبى القدس والحرم

 

 

لقد شعرنا بما نالت جهالتنا

منا وبالغ في تأديبنا الندم

 

 

أموالنا لك وقف والنفوس فدى

وعش ولاعاش في نعماك مُتّهم

 

ويبدو أن الخليل أفرط في حسن ظنه بالحاكمين الذين لهم اسم العرب وليسوا بعرب، كما نفرط نحن الآن، فها هو ينكر علينا الإكثار من القول والإقلال من العمل.

 

إن كان قول فادياً لبلاد

 

نفديك بالأرواح والأجساد

 

أما إذا استنجزتِ وعدك فاعذري

يا أمُّ قل البرُ في الأولاد.

 

ويعجب لنبوغ الأفراد منا ولتخلف جموعنا، ولتحررنا أفراداً وذلنا جماعات:

 

أنظل جمعاً في الجموع مؤخراً

والفرد منا أول الأفراد

 

 

أيكون منا كل حرٍ سائدٍ

وسوادنا يبقى أذل سواد

 

لقد انتقيت هنا أبياتاً هي جزء عضوي من قصائد.. وإذا جاز ذلك في شعر الآخرين فهو غير جائز في شعر خليل مطران. فموقع الجزء من الكل في شعره يضفي عليه جمالاً عاماً وهو كجزء يعطي الكل جمالاً خاصاً وفريداً، والأمر كذلك في كل كيان عضوي.

وخليل مطران لم يرَ المرأة جميلة وحسب بل رآها مناضلة تنقل الرسائل السرية للمناضلين أو تخوض غمار المعارك دفاعاً عن وطنها، رأى فيها أنبل السمات الإنسانية ولكنه لم يغمض عينيه عما فيها من سوء وشر وقد رسم لنا صوراً نسائية رائعة وكتب قصصاً لاتقل فيها عظمة المرأة البطلة عن عظمة البطل من الرجال. وكان حب الشاعر للحقيقة من أبرز سماته. وقد ظل حريصاً على قولها في كل قصائده التاريخية والاجتماعية.

إن هذا الشاعر الفذ لم يحفز بشعره خيالنا على التحليق ليجاري خياله المحلق فحسب بل هو يحفز أفكارنا ومشاعرنا الإنسانية ويهزنا بقوة كي نفتح أعيننا جيداً فنرى التاريخ والواقع على حقيقتهما، وهو لايصور لنا المستقبل بألوان زاهية بل يدعونا إلى التكاتف والعمل في سبيل بناء المستقبل.

وهو إذ ينظر إلى الهرم لايرى عظمته وحدها بل يتصور أولئك الذين سخروا لبناء الهرم.

 

خلائقا تكثر أن تعّددا

 

إني أرى عد الرمال ههنا

كالكلأ اليابس يعلوه الندى

 

صفر الوجوه نادياً جباههم

كالنمل دب مستكيناً مخلدا

 

محنية ظهورهم خرس الخطى

انهراً منحدرين صُعّدا

 

مجتمعين أبحراً، منفرعين

تبني لفانٍ جدثاً مخلدا؟

 

أكل هذي الأنفس الهلكى غداً

قد يكون بين أجمل عناصر الجمال في شعره ذلك التنامي الدرامي المنطقي للأحداث والتكامل التدرجي للصور، وتفصيل العبارات والمجازات على قد الأجزاء التي تكوّن لوحة القصيدة أو التي تصير جزء من جسد القصيدة الحي، وتلك الحركة النغمية التي تسري بين الحروف والكلمات والسطور سريان النسغ في الأغصان أو سريان الدم في العروق والخلايا.. وإننا لنرى الحركة حتى في صورة وجه رعمسيس المقدود من صوان.

لا يأتي البيت عنده متنافراً مع الذي سبقه أو مع الذي يليه بل يأتي متمماً لنغم السابق وممهداً للاحق، وهكذا يكون الكل في الواحد والواحد في الكل وتكتمل الروعة:

 

والقلب بين مهابة ورجاء

 

ولقد ذكرتك والنهار مودع

كلمى كدامية السحاب إزائي

 

وخواطري تبدو تجاه نواظري

بسنى الشعاع الغارب المترائي

 

والدمع في جفني يسيل مشعشاً

فوق العقيق على ذرى سوداء

 

والشمس في شفق يسيل نضاره

وتقطرت كالدمعة الحمراء

 

مرّت خلال غمامتين تحدراً

مزجت بآخر أدمعي لرثائي

 

فكأن آخر دمعة للكون قد

فرأيت في المرآة كيف مسائي

 

وكأنني آنست يومي زائلاً

حاولت مراراً أن أقتطع من جسد قصيدته "قلعة بعلبك" بضعة أبيات فلم تطاوعني يدي.. إن جمال الأبيات في أماكنها كجمال حجارة قلعة بعلبك في أماكنها وهي لاتذهب إلى المشاهدين بل هم يذهبون إليها... وكذلك كانت حالي مع "فتاه الجبل الأسود" ومع "من غريب إلى عصفورة مغتربة" فهذه القصائد والكثيرات غيرها من قصائد خليل مطران تقرأ كاملة أو الأفضل ألا يقرأ جزء منها. وعلى الرغم من ذلك سأغامر أيضاً فأنقل لكم شيئاً من قصيدته "بدر وبدر":

 

ولاروض زاه نضير

 

لم أنس حين التقينا

والليل راء حسير

 

إذ العيون نيام

ورب شاك شكور

 

نشكو الغرام دعابا

من الهوى وزفير

 

وفي الهواء حنين

تذوب منه الصخور

 

وللمياه أنين

على المروج يدور

 

وللنسيم حديث

يرويه عنها العبير

 

وللأزاهر فكر

آنا وآنا يثور

 

والبدر في الغيم يخفي

لديه وهو أمير

 

بيض الغيوم جوار

تحية وتسير

 

تدنو إليه فتلقي

مرآتهن الغدير

 

مناظر رائعات

ودأبه التصوير

 

يدأبن مبتدعات

ولّى فولى السرور

 

لهفي عليه زمانا

للسعد عهد قصير.

 

مضى قصيراً ولكن

لايتسع المجال هنا للكلام تفصيلاً على قصائده التاريخية ولا على قصصه الجميلة وقد تجلت فيها سمات التجديد في شعره تجلياً واضحاً.. أما في قصيدته -الحكاية "الجنين الشهيد" فنرى صوراً واقعية جداً وقاسية جداً.. ولكن مآسي الناس ليست أقل واقعية ولا أقل قسوة، فلماذا نزين الواقع أو لماذا نضفي عليه أخلاقية ليست فيه... وها هي ليلى الجميلة ابنة الفقراء:

 

 

أتت إلى مصر تستعطي بأعينها النجل

وعرض جمال لايقاس إلى مثل

 

 

غريبة هذي الدار بادية الذل

جلت طفلة عن موطن ناضب قحل

 

 

إلى حيث يروي النيل باسقة النخل

ويروي لنا سيرتها ويصف جمالها وبؤس ذويها واضطرارها إلى أن تطعمهم من خزيها:

 

وتكسوهم مما تعّرى جمالها

وتحمل مافي العيش عنهم من الثقل

 

وتعمل ليلى في حانة وتسقي الزبائن.. ونسمع حواراً واقعياً ونعجب من تحويله إلى شعر:

 

 

فلما سقتهم قال نشوان يمزحُ

"أتسقيننا روحاً وجفنك يذبح؟"

 

 

ومديداً منهم فتى متوقح

إليها فجافت ثم صافت ليسمحوا

 

لها بمزيد من شراب ومن نقل

 

 

وقالت: "بتول فارقبوا الله واتقوا"

ولكن أشار اللحظ أن لاتصدقوا

 

 

فأضحكهم هذا العفاف الملفق

وقال فتى: "شأن الرحيق يعتق

 

 

ولكن تعتيق العفاف من الخبل"

وتتوالى تعليقات الفتيان ومداعباتهم.. ويعقب الشاعر:

 

 

أيا ليل هل تصفو وتطلعُ أنجما

لتقذى بارجاس الورى أعينُ السما

 

 

ويازمناً قالوا به "الرق حرّما"

علام أبيح الطفل للجوع والظما

 

فباعاه للفحشاء تحت يد العدل.

 

ثم يستطرد في وصف ماتلاقيه الفتاة وماتفعله برواد الحانة.. ثم يأتي "جميل" فيصم الهوى ليلى ويعميها وتسلمه جسدها بعد أن يعدها بالزواج وتحمل منه فيبتزها ويسرف في ابتزازها وينفق من دخلها حتى تمرض ولايبقى لديها ماتنفقه على أهلها وعليه فيغادرها... وتتجرع سماً وتجهض.

ولكن مالي أستعجل الأمور فأتجاوز فقرات القصة لأصل إلى الخاتمة.. ثمة قبل الخاتمة مايجب التوقف عنده في ذلك الليل الذي كان "كهم على صدر الوجود مخيم" ثم تحوّل إلى :

 

 

وكان الدجى قد رق حتى تصدّعا

وهب بشير الصبح يرتاد مطلعا

 

 

فما زال يجلو خافياً ومقنعا

إلى أن نضا أدنى الستور وقد وعا

 

دماً طاهراً أجراه إثم فتى نذلِ

 

 

دم كان سراً في البتول مقدسا

فلما أراقته ابتذالاً تدنسا

 

 

أفي لحظة تغدو المصونة مومسا؟

وتضحي عروس البغي إكليلها الأسى؟

 

 

ومرقدها بعض الحجارة والرمل؟

وتصل القصة إلى ذروتها وتخاطب الأم جنينها الضحية خطابا مؤثراً ثم يصل بنا الشاعر إلى:

 

 

رأت شهب الظلماء مشهد ظلمها

وقد أسقطت منها الجنين بسمها

 

 

فلم تتساقط مغضبات لحطمها

وأشرب نور الشمس من دم إثمها

 

 

كما يلغ الضاري الدماء ويستحلي.

 

على أن "ليلى" بعد عام تصرما

سلت وسلا المغري لها ماتقدما

 

 

وعاش "جميل" ناعم البال مكرما

كأنهما لم يستبيحا مُحرّما

 

 

إذا التقيا با للحظ يوماً تبسما

لذكرى شهيدين: البكارة والطفل.

 

يقول عمر فاخوري: "الحقيقة ليست حلوة وليست مرة إن لها طعماً خاصاً هو طعم الحقيقة" وأرى أن واقعية خليل مطران هي كالحقيقة من حيث طعمها الخاص، فهي أكثر إيحاء وأقوى أثراً في النفس. وقد تصدمنا أول الأمر صدمة قوية ولكنها ما تلبث أن تشدنا وتشعرنا أنها الأحلى من حيث هي فن لا من حيث هي أخلاق أو موعظة أخلاقية مباشرة.

إن خليل مطران شاعر العصر، الشاعر الذي حلّق بمطولاته عالياً ومضى بعيداً إلى حيث لم يصل شاعر عربي قبله، هذا الذي يحملنا بقوة خياله من الحاضر إلى الماضي ثم يضعنا على مشارف المستقبل، هذا الشاعر العظيم كان إنساناً عظيماً أدهشت عظمة إنسانيته كل الذين عرفوه. وقد روى معارفه الكثير من أخبار تلك الإنسانية. كانت أمنيته: "أُمنيتي أن أجتاز طريقي دون أن أُسيء إلى أحد" وكان إلى ذلك جريئاً أبياً كريماً رضي الخلق مخلصاً لأصدقائه، ويجهل التأنق، فالزينة عنده في الروح لافي الثوب، وكان محباً للخير والصالح العام. يُروى أن المرحوم سليم سركيس أخبره أن صديقه علي المنزلاوي قد ذمه وتكلم عليه بسوء فأجابه خليل مطران: "لعل صديقي كان ضيّق الصدر لعارض من عوارض الحياة فاختارني للتفريج عن صدره، فإذا لم يجد في صديق حميم مثلي متنفساً ففيمن يجد؟"

إن هذا الشاعر العظيم والإنسان العظيم الذي لم يخاصم أحداً سوى الطغاة والظالمين، والذي أحب الناس وأخلص لمن عرفهم من الناس قد كتب في مناسبات عادية أشعاراً ليست كلها في مستوى شعره العظيم وقد لامه دارسو شعره على إدراجها في ديوانه، ومنهم مارون عبود.

يرى الدكتور ميشال جحا أن الشاعر: "ليس حراً في أن يسخر شعره لمثل هذه الأشياء. ذلك لأن حياة الشاعر ملك لنفسه أما فنه فهو ملك لسواه". (خليل مطران باكورة التجديد في الشعر العربي الحديث- دار المسيرة- بيروت).

ويقول نجيب جمال الدين: "لقد جنى على الأدب العربي بطيب أخلاقه، وشعر مناسباته جناية لايشفع له بها الا ما قدم للشعر من أطايب الفكر وأفانين القول." (خليل مطران شاعر العصر- 1949 مطبعة دمشق).

لقد امتدحه الذين عرفوه كثيراً وقد قيل فيه: "صخرة الأخلاق القويمة التي تتكسر عليها كل أهواء الدنيا ومغرياتها" وقال فيه توفيق حداد "ولانغالي إذا قلنا موجزين إنه جمعية خيرية مستترة ينبغي التبليغ عنها إلى وزارة الشؤون (الكتاب الذهبي ص178). وعلى الرغم من ذلك لامه النقاد على "شعر مناسباته" فكيف فات دارسيه أن يروا وحدة شخصية هذا الرجل؟

كان يساعد المحتاجين إلى المال بماله، ويساعد المحتاجين إلى الكلمة الجميلة بكلام جميل... فإذا كان الشعر فناً كلامياً جميلاً أتقنه الخليل فإن أفعاله كانت شعراً عملياً، شعر ممارسة رائعاً.. ولقد وهب المحتاجين ماله ولم يسترده، وأهدى إلى جيرانه ومعارفه هدايا شعرية أفرحتهم في حينها وشكروه عليها فكيف ترضى له أخلاقه وكرمه أن يستردها؟

إن فعله الجميل هذا قد أضفى المزيد من الجمال على شعره الجميل وجعل صاحبه مثالاً في الفن ومكارم الأخلاق.

قد لايكون الفن دروساً في الأخلاق، ولكن تاريخ البشر لم يعرف مايهذب أخلاق الناس كالفن. ولم يكن عباقرة الفن إلا من أعظم الاخلاقيين بالمعنى الإنساني الواسع للكلمة. إن الفن العظيم يجسد الجوهري في الحياة، وليس في الحياة ماهو أسمى من الأخلاق.

لقد حفظ التاريخ لبشار لفتته الإنسانية إلى "ربابة ربة البيت" ومن منا لايحفظ بيتيه فيها.. ومن منا لا يتمنى أن يحصل على كامل شعر بشار الرائع الذي ضاع أكثره.

أجل، إننا، كبشر، نحتاج أيضاً إلى هذه اللمسات الإنسانية الرقيقة، غير الفنية تماماً، ولو غضب أساطين النقاد المتزمتين.

لقد حمل خليل مطران روح العصر إلى شعرنا وفتح أمامه آفاقاً جديدة، وإذا كانت غاية الفن القصوى هي تربية الإنسان تربية جمالية رفعية، ومن ثم الارتقاء بمناقبه وفضائله أفلا يحق لنا أن نعتبر الممارسة الأخلاقية قصيدة عملية رائعة؟

كان خليل مطران مؤسس مدرسة التجديد في الشعر وقد تأثر به شعراء الحداثة وساروا بالتجديد شوطاً أبعد. وقد اعترف بعضهم بفضله. يقول أحمد زكي أبو شادي: "عرفت هذا الرجل وأستاذيته منذ ثلاثين سنة، إذ تعهدني صغيراً وبقيت أهتدي بهديه، وأثره في شعري أثر عميق لأنه يرجع إلى طفولتي الأدبية، ويصاحبني في جميع أدوار حياتي، وإذا كان استقلالي الأدبي متجلياً الآن في أعمالي، فهو في الوقت ذاته، يمثل الاطراد الطبيعي للتعاليم الفنية التي تشربتها نفسي الصبية من ذلك الأستاذ العظيم، ومازالت تحرص عليها نفسي الكهلة الوفية، ناظرة إلى آثار الصبا وإلى معلمي الأول بحنان عميق" (نداء الفجر ص128).

ويقول فيه الشاعر خليل شيبوب:

 

 

أستاذي الأعلى ومرشدي الذي

منذ الصبا قد حاطني ورعاني

 

 

وأنكر بعضهم أن يكون قد تأثر به.

ولكن أحداً لاينكر دور هذا الشاعر الكبير في حياتنا الأدبية وأثره في الشعر العربي المعاصر.

أما مترجماته فنكتفي بما قاله فيها زكي طليمات: "إن الترجمة على يراعة مطران قد ابتدعت فناً بيانياً في اللغة العربية لانعرف له مثيلاً إلا عند ابن المقفع في كتابه (كليلة ودمنة) وذلك من حيث سلامة العبارة وقوة الأسلوب ووضوح المعاني، ثم من حيث تلك القدرة الخارقة التي تضفي مسحة عربية أصيلة زاعقة الألوان على ماهو غير عربي" (الكتاب الذهبي لمهرجان خليل مطران سنة 1947 ص63).

ومعروف أن خليل مطران قد ترجم أعمالاً لكورني: وراسين، وهوغو، ودي موسيه، وبول بورجيه، وشكسبير وغيرهم. وقد أورد أسلوب كل منهم في ترجمته لأعماله.

أما خليل مطران الصحفي فقد قيل فيه الكثير.. ولا مجال لمزيد من الإطالة.

نال خليل مطران الكثير من الأوسمة ولقي الكثير من التكريم ولكنه كان يرى قميصاً من الحرير الوطني أرفع من كل الأوسمة. فها هو يعلن في حفلة "جمعية النهضة النسائية في بيروت" وقد اشترطت عليه أن يلبس قميصاً من الحرير الوطني: "والله ياقوم -إني ماشعرت في حياتي كلها بعامل انتفض له قلبي طرباً، ولا تقلدت وساماً خفق له صدري فخراً، كشعوري عندما ألمس هذه القطعة الحريرية التي تلتصق بصدري الآن.. وماذاك إلا لأنها نسيج بلادي وهدية نساء وطني" (الكتاب الذهبي ص223).

فألف تحية إلى ذكراك أيها الوطني الكبير القائل بتواضع:

 

فعدا طوقي المرامُ الخطيرُ

 

كان في الشعر لي مرام خطير

كما يسألُ الغنيَ الفقير

 

هائم في الوجود اسأله الوحي

أنا في الفن مستفيد صغير

 

أكبروني ولست أكبر نفسي

يكره الفضل أن تضيق الصدور

 

لايضق صدر شاعر بأخيه

 

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244