وجوه ومرايا شـيء مــن الســيرة وشـيء مـن الـنقد - ميخائيل عيد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:50 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
مـــــع مــــارون عــــــبود (1886-1962)

مـــــع مــــارون عــــــبود (1886-1962)

كلما قرأت كتاباً لمارون عبود أتمتم منتشياً: أي نبع من الجمال والظرف والحكمة وحدّة الذهن، وأية قدرة سحرية على التعبير، وأية ثقافة واسعة!

ومارون عبود بستاني ماهر لايكتفي بحصد الشوك بل يعمل على اقتلاعه من الجذور، وهو يرعى الغراس الواعدة بالفيء والزهر والثمر ويشذبها ويفتح لها نوافذ الفضاء لتسبح في النور وتعانق الزرقة. أطلع على التراث الثقافي العربي والعالمي وأحبه وأغتني به، وأحب الحياة حباً شاملاً إنسانياً موحداً، فالحب لايتجزأ.. قريته "عين كفاع" التي أنطق حتى حجارتها في قصصه هي جزء من لبنان الذي يحبه كما يحبها، ولبنان جزء من العروبة والعروبة جزء من الإنسانية، وكل هذه الأجزاء أصيلة وحبيبة وكلها تستحق أن يعيش الإنسان فيها ومن أجلها، وأن يعمل على إغنائها بكل ماهو جميل وحق. وهذا الحب المعافى للحياة والأرض لايحمله سوى قلب كبير نبيل.

صوّره الفنان الكبير الراحل رضوان الشهال صورة جميلة ومعبرة، والأكثر تعبيراً فيها أنه صوّره وفي يده كتاب يقرأ فيه ولكم خيل إليَّ أن هذا الرجل قد ولد وفي يده كتاب، وأنه ظل يقرأ ويكتب منذ ولادته وحتى آخر أيامه.

حين يرى جمالاً في الأدب والفن تصير أفكاره جماعة من النحل ترتشف الرحيق فتعطينا عسلاً شهياً، وحين يرى قبحاً تصير النحلات زنابير تلسع فتوجع، وهو في حال الرضى ينبوع عميق يسرك منه الصفاء ويطربك الخرير، أمّا إذا غضب فبحر متلاطم يُدهش ويرهب. ولكنه، حتى في ذروة غضبه، لا يتخلى عن ظرفه ولايجافي الموضوعية. شعاره الأول بل هدفه الأول أن يكشف الجمال ويرعاه ويدعو إليه، وأن يكشف الزيف ويشير إليه ويدعو إلى تجنبه. وهو يرى "أن الضحك فن، ورب ضحكة أغنت عن فطور. فالفكاهات والملح ربيع القلوب".

وأفطن إلى أنني لن أقول فيه إلا معاراً أو معاداً، فقد قيل فيه الكثير طوال أكثر من نصف قرن وقد شغل الساحة الثقافية العربية في فترة حساسة من فترات نهضتنا الثقافية والاجتماعية والسياسية. وكانت لديه الأشياء التي يراها ضرورية للناقد: الإحاطة، والخبرة، والذوق، وأبحاثه "مفصلة على القد كأثواب اليوم" فهي ليست فضفاضة ولا رجراجة.

تطل ثقافة مارون عبود الواسعة والعميقة من كل مايكتبه ويتجلى موقفه الإنساني في كل موضوع يعالجه، ونرى الوحدة والدقة والرحابة في المواضيع الكبيرة والصغيرة، وكل مايعالجه مارون عبود يصير كبيراً. هاهو ذا يعرض لنا في "الرؤوس" تاريخ الأدب العربي منذ الجاهلية حتى أيامنا عرضاً مشوقاً وغنياً فكأننا أمام مارد أسطوري ينتقل من ذروة إلى ذروة محيطاً الأمكنة بنظرة شاملة وثاقبة، واصلاً الأزمنة بالأزمنة حتى ليخيل إلينا أننا نرى نهر الإبداع يسير في بساتين الحياة وبين رمالها، ونجتاز معه الرمال الكثيرة، الرتيبة المتشابهة، في صحراء الشعر العربي فتكاد شفاه خيالنا تتشقق خوفاً من الظمأ ثم تلوح واحة فيها الظل والماء والثمر فتعود إلينا الروح ونسير على ضفة النهر الذي لايتوقف وإن بدا لنا أنه قد غار في الرمال أو بخرته شمس الصحراء اللاهبة أو حبسه المقلدون في قوارير التقليد التي قد يصحُ أن نقول إنها من النهر ولكنها ليست النهر ولن تكون.

ولايفارقنا الشعور برحابة الأفق والبراعة والدقة والموقف القومي الإنساني في نقداته الخاطفة في كتابه "على الطائر". وكثيراً مانقف ذاهلين أمام عبارة غير عادية في سياق توهمنا بدايته أنه عادي. يقول في تعليقه على برامج محطة الشرق الأدنى بتاريخ 26/2/1952 بعد تعليقات ذكية وخاطفة كطلقات صياد يرمي على الطائر: "أما في باب العلم فعلمنا من باب ميادين العلم والثقافة أن الزيت والماء صارا يمتزجان. فعسى أن يمتزج بعد هذا العقل والسلام مثلاً".

هل رأيتم؟ إنها ضربة معلم حق، بل هي رمية صياد فائق الحذق، ثابت اليد، حاد البصر والبصيرة، يناضل في سبيل أن يمتزج العقل والسلام في عصرنا الذي قد يهلك عقلاؤه البشرية.. ونحن نعلم أن الضغط على المنطقة كان في أوجه في تلك الفترة كي تنساق مع سياسة الأحلاف والحرب الاستعمارية.

قال أحد الباحثين: "ليس لائقاً أن تمتدح عالم رياضيات فتقول: إنه يتقن جدول الضرب" ووقوفنا عند مثل هذه اللمعات في "على الطائر" ضرب من امتداح هذا الناقد الموسوعي الفطن بمثل قولنا إنه يضع الأمور في مواضعها، وقد أبدع مارون عبود عالماً أدبياً كاملاً اسمه عالم مارون عبود.

حين قررت أن أكتب شيئاً عن مارون عبود كنت واثقاً من أن كتبه النقدية كلها في مكتبتي لكنني اكتشفت أن "على المحك" و "نقدات عابر" و "جدد وقدماء" مفقودة. وأحسست مرارة "فوائد" الإعارة، وقلت في أسى: الويل للمعيرين من المستعيرين!

لا أزعم أن ما أكتبه هو دراسة لإبداع مارون عبود. الدراسة تحتاج إلى دارس وأنا قارئ، والدراسة ستكون كبيرة الحجم وأمكنة النشر صارت مثل غرف الأبنية التجارية، ثم لاتنسوا غلاء الورق.

بين يدي الآن كتابه "الرؤوس" وأما كتبه الأخرى فأمامي على رف المكتبة. بل هي في صدر المكتبة. ولقد رمقتها مستأذناً ومعتذراً وخيل إليَّ أنها قالت باعتداد الواثق: إبدأ من حيث شئت! نحن لا نغار من أخينا.. لا تنس أننا رؤوس مثله لكن لنا أسماء أخرى.

ورأيتني أتمتم: صدقتِ، صدقتِ.. فلندخل إلى هذا البستان العبّودي الساحر!

لن أزعم أنني فوجئت بروعة ماقرأت. لا.. فأنا ممن أدمنوا قراءة مارون عبود.. لكن مثل هذه الخمرة الرائعة، والمحرمة، مغرية. فطوبى لمدمنيها.. فما أكبر سعادتهم.. وليجرب من لايصدّق!

مارون عبود أحد الرؤوس الكبيرة في أدبنا المعاصر، أحد المرموقين ممن وضعوا الأسس لنهضتنا الثقافية وأخذوا بأيدينا على دروب الأصالة والتجديد والتفرد الذي لايكون أدب وفن إلاّ به.

فما هو كتابه "الرؤوس"؟ أهو تأريخ جديد للأدب العربي منذ الجاهلية حتى أواسط قرننا العشرين؟ أم هو دراسة نقدية لهذا الأدب ولتاريخه؟ أم هو قراءة رائعة لروائع هذا التاريخ ومبدعيه؟

أزعم أن كتاب "الرؤوس" هو تكثيف غني وجامع لكل ذلك، وسر جماله وغناه في تفرد مبدعه كشخصية ثقافية ومن ثم في قراءة إبداعه.

وقد يسأل مماحك: وهل ثمة إبداع في التأريخ أو في النقد؟

وأقول: نعم، والشاهد هو مارون عبود.

أعرف أن كل ماقلته حتى الآن عموميات أو تعميمات. ومارون عبود لايقبل التعميمات في الآخرين فهل يقبلها في أدبه ونقده؟ فلننتقل إلى الملموس.

يبدأ الكتاب بأبيات لطرفة بن العبد، أولها: "ولولا ثلاث هن من لذة الفتى" فهي تصور لنا "السيد" الجاهلي.. وفي هذا الباب نرى أن مارون عبود الناقد والمؤرخ يصير مصوراً فذاً يرسم لنا بوضوح سمات الإنسان العربي وصفاته الجسدية والخلقية على خلفية البيئة الطبيعية والاجتماعية التي عاش فيها... ويقدم لنا منذ الصفحة الأولى رأياً فيه من الشعور الفني ومن ملكة التعميم ما يحتاج إليه كل باحث كبير في الأدب والفن: "إذا قلنا الشعر الجاهلي فكأننا قلنا الشعر العربي كله، من امرئ القيس حتى شوقي، لأن علم امرئ القيس، حامل لواء الشعر في النار، ظل خفاقاً في سماء أدبنا العربي بضعة عشر قرناً ولم ينزله بعضهم، إلا منذ أعوام. لم يُتبع رجل في آداب الدنيا كلها كما اتّبعَ هذا الشاعر!".

ويتكلم على العصبية العربية التي ألحقت بأدبنا وتاريخنا أفدح الضرر.. ويذكرنا بدور العرب المستعربة، والنبي العربي منهم، "وأثرهم في تطوير الأدب العربي وتجديد دمه".

ويحدد باقتضاب نقاط ارتكاز ويورد أفكاراً هامة فتتكون أمامنا لوحة فنية، تاريخية، اجتماعية غنية وشاملة.

ثم ينقلنا إلى "الشعر الجاهلي" فيقول لنا إن أسلافنا قد ظلموا الجاهليين وحطوا من قدرهم "فالعربي الجاهلي عَرف الحضارات التي تقدمته وهضمها عقله فأخرجها في شعره يوم كان الشعر لسان حال الشعوب، وأصدق دليل على مقدار رقيهم. وإذا نظرنا إلى الشاعر الجاهلي نظرة نزيهة رأينا أنه عبّر أكثر منا عن نفسه، وصور لنا حياته كما هي بلا تدجيل ولا مواربة" ويورد الأمثلة فلا إفراط ولا تطفيف فنرى صورة جميلة لأنها صورة الحياة، قد تكون مفتقرة إلى خيال الشعراء العظماء العالميين لكنها لاتفتقر إلى أية نبضة من نبضات الحياة.

ويمر بنا على أعلام الشعر الجاهلي: امرئ القيس، زهير، الأعشى، النابغة وعبيد بن الأبرص ثم يصل إلى الكلام على عنترة: "فالذين وصفناهم من أصحاب القصائد العشر قد يقصر بعضهم في نواحٍ أو ناحيةً، أما هذا العبد الأسود فأرانا أخلاقاً يندر وجودها في الأحرار البيض. فحبه عربي قح، وخلقه عربي صرف، وأسلوبه دانٍ كل الدنو من لغتنا اليوم. ولهذا سندرسه أكثر من أصحابه. وفي كل حال لسنا نرسم إلاّ خطوطاً رئيسية، وعلى من يتعمق أن يفصّلها.

ويدرس شخصية عنترة على ضوء قصائده وعلى ضوء علم النفس فيرينا أن هذا العبد "خير نموذج للأحرار" و "أن عنترة أول شاعر يدرس الفتى العربي، بعد أبي الطيب المتنبي. لقد تسامى هذا العبد فرفع نفسه ورفع الناس معه. "

وفي "خصائص الشعر الجاهلي" يرد على من حسبوا أن ليونة أبيات القصيدة دليل على أنها منحولة واعتبر ذلك قلة بصر بوجوه الشعر. ويورد قول الجاحظ: "كان الأصمعي يقول: قد كان للعرب كلام على معانٍ، فإذا تبدلت تلك المعاني لم تتكلم بذلك الكلام" ثم يدعو إلى "دراسة جديدة للشعر الجاهلي وغيره ناقداً أساليبنا التعليمية المقولبة، وهو يرى: "إن قصيدة واحدة من القصائد العشر لتغني عن الشعر الجاهلي كله". وهذا رأي ساق له من المبررات مايراه كافياً وإن كنا لانراها كذلك.

وتحت عنوان عام "بعد الإسلام" يمر على "عصر النهضة العربية" مروراً سريعاً فنرى صوراً معبرة. وتحت عنوان "عصر الهجاء" يورد قولاً لدارس غربي هو: "نستطيع أن نضع خلف كل شاعر جديد شاعراً قديماً". وقد رأى أسلافنا أن الأخطل كالنابغة، والفرزدق كزهير، وجرير كالأعشى.. ويرى مارون عبود: "أن خيال هؤلاء، ماخلا الأخطل، أضعف من خيال شعراء الجاهلية، فالفرزدق ينقصه الخيال والعاطفة وهما ملاك الشعر وقوامه".

ويعرض آراء القدماء في شعر الأخطل والفرزدق وجرير ثم يصل إلى "عصر الغزل" ثم يورد قول الجاحظ: "الناس أشبه بأزمانهم منهم بآبائهم" ليقول لنا إن الحجاز في زمن ابن أبي ربيعة كانت مترفة، ويعرض لنا شيئاً من سيرة هذا الذي "استغنى عن الخلفاء ومدح النساء"، الذي مازال يهذي حتى قال الشعر... ثم "قال ما أراده الشعراء فأخطأوه وبكوا على الطلول! " كما قال فيه جرير ثم الفرزدق.

ويذكر لنا بعضاً من سمات شعر عمر: "كان شعره متصلاً بنفسه كل الاتصال، بل هو صورة حياته اليومية أخرجها قلم أوتي براعة القصص ففتن الناس، لم يتكلم بلغة امرئ القيس وتلاميذه، بل باللغة التي تفهمها المرأة كل الفهم. وكان شعره غير مهتاج، ولا مضطرم، ولا متألم، لأنه محظوظ، يشكو اليسر ولا يشكو العسر، ففتح قلبه نصف فتحة. لايترك شعره الغزلي أثراً عميقاً في أنفسنا، لأنه لم يتألم ولم يُحرم". ثم يذكر سمات أخرى لا مجال لتعدادها.

ويحدثنا عن "عمر والمرأة" حديثاً غنياً ليصل بنا إلى الحديث عن "شعر عمر وشاعريته": "ليس لعمر حساسية بشار الفنية، ولا نفس أبي نواس المرحة، ولا موسيقى جرير. هو وسط الخيال، وسط الحساسية، منفرد في سهولة الشعر، لايحسن إلا بث شكواه وتحرقه أحياناً. كل ديوانه تكرار ممل للحوادث والتعابير، يكاد لولا القليل أن يكون موضوعه واحداً". ثم يورد لنا سقطاته الفنية واللغوية ويعود للحديث عن "خوالد عمر".

"العباسيون" "عصر الترف" ونقرأ تاريخاً أو زبدة تاريخ صافية وترتسم أمامنا صورة العصر التي يريدنا أن نراها ثم يقدم لنا "بشار زعيم الخلعاء": "فإنك ماء الورد إن ذهب الورد" ثم يقول: "يتأثر الأدب بالحياة لأنه وليدها، يصعب الاختراع فيه لأنه صورة عنها وهي لاتتغير إلا بمقدار. ولهذا تقل الاكتشافات فيه ويظل قديمه متصلاً بحديثه، يتمشى تمشيّ السلالات والأنواع. وينمو نمواً حسابياً لا هندسياً".. وأما عن الشاعر "فبشار زعيم أدبي رغماً عن وطأته الثقيلة ففي ذلك الجسم الجاموسي نفس فنية مارأى الأدب العربي مثلها، نفس أدركت عفواً أن الأدب ابن البيئة، فتحسست بيئتها تحسساً، فكان لها من كل اصبع ألف عين. رأى بشار بأنفه وأذنيه ولسانه مالم تره ملايين الناس بأعينهم. وهو من العباقرة الذين سبقوا دهرهم دهوراً.

أراد بشار أن يكون لعصره أدب غير أدب الجاهليين والأمويين فتعمد ذلك ووضع معالم فنه صامتاً" ثم يقول: "فأخرج فناً شايعه عليه أبو نواس وغيره فكان أدب المولدين". أما أخلاق بشار فيوجز سماتها قوله: "فقضى عمره بين نارين: شهواته وفنه" "ولا كبير عنده إلا الجمل". "مادي ممتلئ شبقاً، زنديق إذا خاف، ملحد حتى الهذيان إذا اطمأن" "ولقد كان مصاباً بحمى الحياة، ولم يفارقه الدور حتى ضربه المهدي ضرب التلف، وألقي في البطيحة".

ويحدثنا عن "الطاقة البشارية" فنرى على ضوء "الطاقة العبّودية" ما أراده النقاد فأخطأوه: "ومن هذه الدمنة التي سميت بشاراً بسقت فروع مخضلة" ثم يحدثنا حديث علم النفس الذي لايفرق بين جهد وجهد ليحدثنا عن جهد بشار "العنيف الذي لولاه لظل لعبة الصبيان وكرة يتلقفها من لايرحمون ذا عاهة بل يقولون: "اضرب الأعمى واكسر عصاه ما أنت خير من ربه الذي أعماه". ويحدثنا عن مخيلة بشار وعن إدراكه بغير عينيه "والسمع يكفيك غيبة البصر" وعن "حسه البديعي وثقافته الشاملة وفهم سر كل لفظة".

وفي حديثه عن "فن بشار" كلام مفيد وجميل ولا يوجز فليعد إليه من شاء.. وسأتجاوز "غارات بشار" مكتفياً بقول مارون عبود في ختامها: "أما بشار ففنان لا يُضاهى، والكلمة العامية "شيخ كار" لاتنطبق إلا على الشيخ بشار"

وسأقف عند "شعراء الخمرة" وسأنقل لكم أبياتاً من شعر أبي نواس، فمارون يتكلم على هذه الخمرة التي لاقبلها قبل ولابعدها بعد كما قال ابن الفارض وهو يورد الكثير من الشعر ثم يتكلم، أول مرة، على هامش الشعر فيقدم لنا أمثلة على "آداب شرب أبي نواس" وعلى "إصداره المراسيم للشاربين" وكيف يتمنى أن يدفن بين المعاصر:

إذا عصرت ضجة الأرجل.

 

لعلي اسمع في حفرتي

أجل هو الشعر.. فلنصمت في ملكوته:

 

واستقي دمه من جوف مجروحِ

 

مازلت أستل روح الدن في لطف

والدن منطرح جسماً بلا روحِ.

 

حتى انثنيت ولي روحان في جسدٍ

وينقل لنا من غزله النسائي رائعته:

 

يستخفه الطرب

 

حامل الهوى تعب

ليس مابه لعب..

 

إن بكى فحّقَ له

ويتكلم على "مقدرة أبي نواس" ويورد الأمثلة الشعرية فيمتزج جمال بجمال ونذهل كالسكارى. ثم نقول باسمين: صدق أبو نواس إذ يقول: "ترى عندنا مايكره الله كله".. ولكننا نرى هذا "المكروه" في حلل من الفن لامثيل لها عند سواه.

وتحت عنوان "الشاعر الشاذ" يتكلم على سماته الفنية وسعة اطلاعه واستفادته من كل مايسمع، وحاسة التصوير عنده، وصدق اعترافه، وسهولة عبارته ومرونتها التي هي موسيقى كمناجاة ينابيع لبنان لا كهدير أنهاره.. ويخلص إلى القول: "فهو شاعر الخمرة بلا منازع كما كان شاعر المرأة بلا منازع، وكلاهما قليل الحياء والمروءة".

و "المعاصرون" وهم "أبو تمام ودعبل" و "ابن الرومي" و"البحتري" يدرسهم مارون عبود بنظره الثاقب وذائقته الفنية فنعرف الكثير عن طباعهم وزمنهم وشعرهم ومالهم وماعليهم.. ثم نصل معه إلى "رأس ضخم" ونقلب الصفحة لنقرأ "نسب المتنبي وهجرته".

نحن إذن في حضرة "مالئ الدنيا وشاغل الناس".... ذاك الذي "قتلوه بحثاً وتمحيصاً وما انكشفت لهم صفحته". ولا يترك لنا فسحة كي نسأل من هم.. فها هوذا يقول: "فصدرت كتب عديدة أضخمها كتاب للأستاذ طه حسين- دكتور في الآداب- عنوانه "مع المتنبي" تربى صفحاته على السبعمائة".

ونشعر من اكفهرار أجواء الصفحة الأولى أننا سنشهد معركة. فهنا نسمع هديراً وجلبة.. ومارون عبود. ككل المبدعين في كل زمان ومكان، يرد على "المحرضات" بقوة تماثلها أو تفوقها. لكنه عوّدنا على طول الأناة والصبر والمداعبة الساخرة، فما باله هنا يباغت الخصم بمثل هذه الضربة "القاضية": "فقلنا إنه كلام بين بين يغلب فيه الهذيان على التفكير، فهو كالليمون اليافيّ قشره أكثر من لبه. وهذا شأن الدكتور في أكثر مايكتب، يمغّط الكلام ويمطه كالعلكة..." وتلي ذلك تشابيه طريفة.

ونسير مع المتنبي وطه حسين وبلاشير وماسينون وغيرهم من عرب ومتمشرقين من الصفحة 173 حتى آخر الصفحة 282.. فهل نستطيع أن نوجز كل ذلك ونحن نعرف أن كاتب هذه الصفحات الطوال مارون عبود يكره مط الكلام وتمغيطه؟ وهو ليس مثل طه حسين الذي "يسوّد عشرات الصفحات مفتشاً عن لاشيء، ثم لايظفر بشيء إلا الشذوذ الذي رآه في حياة المتنبي فعزاه إلى ضعف أسرته" . ويعتب على الدكتور لأنه لم يفطن إلى حقيقة بسيطة وهي: "ليست القصائد مثل "مكاتيب المهاجرين" لا ينسى صاحبها أن يسلّم على كل واحد من الضيعة لئلا يعتب عليه، ولذلك يسلّم على الجميع."

مثل هذا الكلام يستحق الوقوف عنده طويلاً فهل نستطيع أن نقف؟ لكن لماذا نقف والكثير منه ومما هو أجمل منه وأظرف عند مارون عبود؟ ويرد سؤال: هل وفرة الجمال تقلل من قيمة الجميل؟ وهل تكون الماسة مفردة أجمل منها في العقد أوبين شقيقاتها؟.. فلنكتف بهذا ولنسرع، فكروم جمال مارون مثقلة بالعناقيد الشهية، ودنانه طافحة بالخمرة المعتقة!

ويتصدى مارون عبود بكل أسلحته، وأفتكها السخرية، لهذا الخصم القوي، طه حسين وأساتذته من المتمشرقين وكل الذين يسيرون خلفهم أويؤيدون أحكامهم غير المعللة على لغة العرب وشعر العرب وعباقرة العرب، وهو ينكر عليهم العناد الأدبي الذي يضلل كثيراً.. ومن أين للمتمشرقين الحق في إصدار أحكام على روائع أمة لايستطيعون استكناه كل أسرار بلاغتها ولا روعة موسيقاها وسحر إيجاز كلامها البليغ؟

وأسأل نفسي: هل أصاب المتنبي مارون بعدوى مثل هذه الحمية العربية أم أن مارون متحمس للمتنبي بسبب من حميته وعروبته، أم أن المسألة ليست هنا ولا هناك بل هي مسألة جمالية أولاً ثم هي مسألة بحث عن الحقيقة الفنية أولاً والتاريخية ثانياً؟

ويرد سؤال: لماذا يغفر الناس للحكام والقادة حتى خطاياهم ولايغفرون للعبقري من الشعراء وسواهم أية هفوة ولو من هفوات سلوكه الشخصي؟ وكيف يرى الناقدون الشيء ذاته جميلاً عند هذا الشاعر وقبيحاً عند ذاك؟

وبعد الكثير والكثير من الحجج والآراء الفنية والطرائف والمقارنات الذكية يخلص مارون عبود إلى القول: "والفن الفذ لايعرف الحدود والمقاييس، فالفنان كهؤلاء الجبابرة الذين يقلبون الدنيا ويكبون نظمها". ويقول: فليطوِ طه بركاره ومتره، وليضع زاويته في صندوقته، فليس الفن مثلثات ومسدسات وموشورات وأهراماً. أليس لحبة الثلج ألف شكل؟ ".

ويحدد مايدعو إليه: "إننا ندعو إلى أدب مرغوب فيه، إلى أدب طازج، فقد سئمنا أكل القديد". ثم يردف: "فليعفنا أحباؤنا، عفا الله عنا وعنهم، من الزندقة، فليس من يستعبده القديم مؤمناً مخلصاً، ولا من يكدح لتضخم ثروة أمته كافراً مرتداً فالعربية لساننا ولنا فيها الطريف والتليد، فكيف نجحدها؟

ويناقش مسألة الإقليمية الشائكة مناقشة هادئة وموضوعية تدل على علم واسع وحدّة ذكاء وقوة عارضة. ويختم فصل "إقليمنا وشعر المتنبي بالرد على المتمشرقين: "فبلاشير وزملاؤه المتمشرقون يتلهون بقشور لغتنا والذي يبلغ اللب منهم قليل وجوده". ومن أين لهم أن يحكموا على شعر شاعر كالمتنبي: "فالمتنبي مصور فذ ظهر جبروت عبقريته في سحنة غريبة أظفره بها حده الفني لا السياسي فليست الأشخاص كلها تعين الفن والنبوغ".

وتهدأ ثائرته بعد ما أورد من حيثيات ويصدر حكمه الأخير: "إن الأستاذ الدكتور طه حسين أقدر على تأريخ الأدب منه على نقده". وفي كتابه ماقاله في شعر المتنبي: "كلام كثير لايخلو من روعة وقوة وجمال ولكنه كلام لا أكثر و لاأقل"!

وبعد أن ينقلنا إلى "نواحي شعر المتنبي" ثم إلى "منابع شاعريته" وإلى "عناصر متنبئية" يوصلنا إلى "بعد المتنبي" فندخل حديقة الشريف الرضي. وينثر مارون عبود الكثير من الآراء، عربية وعالمية قبل أن يقول: "إن للشريف خاصة موسيقية فريدة في شعره الذي يرسله عفو الخاطر، أما حين يتكلف الاستعارات البعيدة أو الرمزية فقد رأيته يفقد كثيراً منها".

ويقف بنا عند "الموشحات" وعند "ابن الفارض" فنسمع منه "المختصر المفيد" ثم يصل إلى "بهاء الدين زهير" الذي فتن الناس بشعره الخفيف "ولا عجب، فليس للفن عيارات ثقيلة أو خفيفة". والحال هنا كما هي الحال عند أبي نواس، فقد أكثر الناقد من إيراد الشواهد من شعر الشاعر العذب.

ويقدم لنا عرضاً سريعاً لما قبل النهضة تحت عنوان "رؤوس صغيرة" فنقرأ وثباً مجارين الكاتب فنصل سريعاً إلى "يقظة" ونقف معه وقفة قصيرة أمام "وحي الجبل" لنقف عند "أحمد شوقي" "خلاصة الرؤوس وخاتمة الشعر المدرسي، الكلاسيكي" وقد أخذ من الرؤوس التي سبقته.

ونقرأ في ختام "الشعر بين الناقد والمعلم": "قد حان للوثنية الأدبية أن تتوارى فالفن لايعرف غير إله واحد هو الجمال. فابحثوا عنه". ثم يقول: "لقد عشنا عشرين قرناً وعيوننا في ظهورنا، فلننظر إلى الأمام. إن ثقافتنا لفي خطر، وستهوي إذا لم تتداركها يد جبارة فتنزعها من فم اللجة التي تجذبها إليها، ومن لها غير سواعد الشباب؟

أريدوا أيها الشباب، تفلحوا. لايتبع بعضكم بعضاً فتشيخوا قبل الأوان".

****

سأل مارون عبود مرة: "هل هذا تلخيص أم مسخ؟".

وكم يصدق قوله هذا في مافعلت بكتابه الثمين. إن كتاب الرؤوس في 440 صفحة كتبها ناقد هو من هو فهل يمكن أن يلخص أو يختصر؟

احكموا بأنفسكم! وسيصغر في نظركم كل مايكتب عنه إذا قرأتم ماكتب.

ويلح سؤال: لماذا اختار مارون عبود الكلام على شعر عمر وأهمل شعر جميل بعد أن قال "عمر وجميل هما شاعرا الغزل، أما بقية الشعراء فبدد"؟

أهو الحظ الذي أكثر من ذكره، أم أن وكده كان منصباً على الخط التجديدي؟ وإذا لم يكن جميل مجدداً فهل هو شاعر حقاً؟

وأعرف أنني لن أسمع جواباً.. فإن "هذا الحي أبدا بيننا، ولن يموت" كما قال فيه حسين مروة، قد رحل إلى الأبد.

 

مـــــارون عــــــبود
فـــــي المخــــــــتبر

ويلح السؤال أبداً: كيف نبدأ، ومن أين؟.. وكل الأماكن خصبة في عالم هذا الكاتب الفذ.

يقول جورج مصروعة: "عنوان "في المختبر" قليل على هذا الكتاب. فهو مختبر، ومستشفى ومصح، وصيدلية" ثم يردف: "ولعل إيجابية مارون عبود في نقده هي سر قوته. فهو لايقسو ليدمر، ويسخر متشفياً منكلاً، بل يضرب ليؤدب، وإذا جرح فليفقأ دملاً خبيثاً ويبرئ الجسم المصاب. فبورك قلمه القلاّم، وبوركت جرأته الأدبية التي خدمت الأدب أكثر من مجامعنا العلمية كلها".

وأزعم أن الرجل قد أنصف مارون عبود ولم يظلم مجامعنا العلمية فإن ما أنجزته غير قليل.

قال الشيخ سعيد الشرتوني في محمد عبده: "هذا الرجل إذا تكلم يخرج النور من فمه".

ويقول مارون عبود: "فقديماً كان فم يوحنا ذهبياً" ويقول في محمد كرد علي: "نعم إنه لم يتجرد من عاطفته كل التجرد، وأي ناقد استطاع هذا قبله ليستطيع هو؟" ويخاطب أحد النقاد فيقول: "ليس النقد مزحاً ياعزيزي، إنه عين الجد، وإن ألبسناه حيناً ثوب الفكاهة".

ويقول في روايات كرم ملحم كرم! "روايات بارعة لو كان كاتبها غير عربي لنعم بالشهرة والغنى". ويقول: "فالروائي النبيه يريك ماتراه كل يوم ولا تدركه".

ويقول في عمر فاخوري: "بصيرة نقادة تنفذ إلى الأعماق، وعينان كأشعة رنتجن، وأسلوب ملك صاحبه ولاغبار على عروبته، متأثر بلغة الكتاب والسلف الصالح، وفي جعبته دائماً لقاح جديد، فيغرز إبرته الدقيقة برفق في الشرايين المتصلبة".

ويقول فيه أيضاً: "يمزج أدب العرب بأدب الغرب فيزاوج ويقارن بين الأدمغة المختلفة.. ثم يقول في أدبه: "مادة طريفة مستقاة من ثقافة عميقة واسعة". "وأسلوب عمر فاخوري طريف قوي، وقلما تجتمع الطرافة والقوة".

وإنني لأزعم أن كل ماقيل في هؤلاء المبدعين يمكن أن يقال في مارون عبود وفي أدبه دون أن يقع المرء في المبالغة.

لقد ظل الرجل طوال سنوات كثيرة يبدع أدباً حياً، ويلقي الأضواء على دروب الثقافة العربية المعاصرة، فصار منارة لكتاب تلك الأزمنة وسيبقى منارة تستنير بها الأجيال القادمة.

كان كاتباً أصيلاً يفخر بعروبته فلا يشتط، ويفخر بلغته العربية ويتصدى لمن يتطاولون عليها وعلى الأدب العربي، ويرى أن العرب قد هضموا ثقافات الحضارات القديمة واستفادوا منها فأبدعوا ثقافة غنية وباهرة أفادت العالم كله. وهو يدعو كتاب زمنه إلى فتح النوافذ على العالم وعدم الانحباس في قلاع الحصون القديمة.. وهو... وهو... فأية مسألة هامة من مسائل الأدب والفن والاجتماع لم يدل فيها بدلوه؟!

وكتابه "في المختبر" أحد الكتب الغنية والمفيدة.. ولندع تدبيج الصفات.. إنه يحمل اسم مارون عبود.. وهذا يكفي.

العنوان الأول بين عناوين الكتاب هو "المعركة الأدبية في مصر" وهي حلقة من حلقات المعركة القديمة المتجددة، التي بها يتجدد الأدب والفن.. وهو يرى أنها حملة نقدية نظمت في ذلك الزمن وقد "جلبت أعتدتها من مصانع الغرب". "وخلعوا على من ناوأهم جبة القديم فكانوا متطرفين".. "وكان يوم له مابعده، صراع بين القديم والجديد تطوع فيه "سنت بيف" لتحرير الأدب العربي، تطوع لافاييت لتحرير أميركا".. ثم صار الشبان شيوخاً.. وقد "شيّخوا طه حسين، والعقاد، والمازني قبل الأوان... " واندفع الشبان الجدد ليكيلوا للشيوخ بالكيل الذي كالوا به لمن سبقوهم داعين إلى أدب غير منقول أو منحول.. وتستمر المعركة.. ونرى صورة شاملة لمعركة تلك الأيام.

وفي "أدب القصة بين العقاد والرافعي" نسمع جلجلة غضب مارون عبود وبروق صواعقه على "الذين يكبسون بيوت أدباء الغرب ليسبوا بناتها" ويذكر لنا أن طه حسين قد اقتبس كثيراً ومشى على ضوء "تين" وتعكز على "سنت بيف" وذلك لايضيره مادام قد أبدع شيئاً مذكوراً.. "إلا أن طه واخوانه من أدباء الساعة في مصر أصبحوا كالدجاج العجوز تبيض قليلاً وتقوق كثيراً فتشين عطاءها بالمن والسأم- ويبرم الناس قوقها".

ونسأل: أليست هذه حال كل الذين يشيخون إبداعياً؟

ثم يعرض الكثير والكثير من الآراء والأفكار ويطرح الكثير من الأسئلة التي تلامس كل أزمنة الأدب والإبداع.. ثم يتصدى لآراء العقاد في القصة فنسمع آراء ناضجة وتبهرنا سعة اطلاع هذا الرجل ثم نسمع حكمه على العقاد في هذه القضية: "وإن مقاييس العقاد في الكم والكيف مفصلة عليه، فما خلا منه أدبه فذاك شيء لا يُعتد به، وليس من الآداب الرفيعة.. " وهو يرى أن نثر العقاد أشعر من نظمه ويناشده ترك الشعر لأصحابه.

ويورد آراء الرافعي في القصة والرواية ويفندها ويدافع عن أدب القصة خير دفاع ثم يقول: "إن هذا الفن يحتاج إلى أداتين: الطبع أولاً والمزاولة ثانياً" وهو لايرى عند الرافعي طبعاً وقد فات زمان المزاولة.

ويتصدى في "القصة المصرية بين الشبان والشيوخ" للذين في نفوسهم صبوة إلى "الكلية" "فهم كتّاب ونقاد ومؤرخون وفلاسفة وعلماء في كل فن حتى اللاهوت" كما يتوهمون.

ونقرأ ونبتسم... فبيننا الكثيرون من هؤلاء وأولئك.. ونشعر وكأن مارون عبود يتكلم بما في نفوسنا ونرى مانراه كل يوم.

ويعجب لكون العقاد "يغصب نفسه على الشعر" ولاينصرف "إلى النثر وفي أبحاث لايتعداها" فهو "لم يوحَ له ببيت يدور على ألسنة الناس".

"وما ضر طه حسين لو انصرف إلى الترجمة "جهرة" والنقد العام لا التطبيقي والدراسات الفردية- كما أشار عليه المازني- واختص بتأريخ الأدب العربي وتمحيص الرواية ولو غوى مع الكثيرين من المتمشرقين وهام في أودية مرغليوت.

وما ضر المازني لو لزم أسلوبه الفكاهي وقفّى على آثار مارك توين وإضرابه؟ الخ".

 

ثم يدعو حسين هيكل وسلامة موسى والرافعي إلى أن يختص كل منهم بما خُلق له فما "ينقلونه إلى لغة العرب يعثر عليه كل طالب ألم بلغة أجنبية".. "لقد توكأوا على الشهرة، والشهرة كالسياسة تفسد الفن.. ".

وهو يرى أن الكثيرين يقلدون وآفة الفن التقليد، وإن أدبنا كله قصص، وقد شبع العالم من الفتات المتساقط عن موائدنا.

ويرد على الذين يحطون من قدر القصة "أما القصة التي نحن في صددها وننشرها فلايحسنها إلا العبقري الذي خلق لها".

"الروائي خالق مبدع، ومصور مثال، وشاعر كلي الخيال".

"الروائي الفنان النابه يخلق عالماً يتحرك، وينطق ويحيا ويخلد، وبخلوده يخلد الفنان، فالحياة والخلود متبادلان بين الروائي وشخوصه، تبادل الثناء والتقريظ بين متزعمي الأدب عندكم".

ثم يؤكد: "ونحن من علّم أوروبا هذا الفن".

"لقد طعمنا الأدب الأوروبي يوم كان برياً فصيرناه بستانياً".

ونرى في "أشياخ الأدب في مصر" تفصيلاً لكثير من المسائل التي ألم بها، ثم يسخر من "مجمع اللغة العربية الملكي" الذي ينتقي لأحدث اختراع أعتق لفظة، ونخرج بالكثير من الظريف واللطيف. ثم يلخص واقع الحال في "الأدب والنقد في مصر" فيقول: "فلما جامل الكبراء بعضهم بعضاً، وخاف الناشئون من الكبراء ضاع النقد بين هؤلاء وهؤلاء" ويعطينا صورة واضحة عن معارك تلك الأيام فنردد: ما أشبه اليوم بالبارحة! فثمة اليوم أيضاً جيل رخو، هو جيل الذين يستعجلون الشهرة ويرون لأنفسهم العصمة ولاينتظرون من النقاد إلا ثناء وحمداً. وثمة اليوم من ينتجون أدباً من نوع خالف تعرف.

ويقارن بين أحمد أمين وطه حسين وحسين هيكل. ويبث في أثناء ذلك الكثير من الملاحظات الذكية. ثم يسخر من الذين يلبسون "البرنيطة" ليفكروا بالفرنسية و "الملبوس لايصنع القسوس" ويرى أن الكثيرين من الكتاب يفرون من معركة الإبداع إلى ميدان أحياء القديم.

وبعد هجمات عنيفات على طه حسين يعود إليه في "جنة الشوك" و "مرآة الضمير" و "المعذبون في الأرض". فيمتدحه ويمسح برفق على جرح نفسه ويحمد القدر الذي جعله يكتب في همومه الذاتية فيسخن أسلوبه. ويعرض عرضاً سريعاً "حياتي" لأحمد أمين و "اليوم خمر" لمحمود تيمور.

وتحت عنوان "حول القصة والقصصيين- توفيق عواد من الصبي الأعرج إلى الرغيف" يكتب دراسة ضافية في موضوع القصة والرواية قد تكون بين أمتع وأغنى ماكتب في العربية في هذا الموضوع فهو يحلل ويعمم ويورد الكثير من الخلاصات المفيدة في الإبداع: "ليس هناك قواعد تعلمنا بالحصر كيف نخلق الأثر الفني، ولكن هناك شروطاً لايحيا بدون مراعاتها هذا الأثر"،

ألا فلنضرب بعمود الشعر كل رأس فارغ

أجل لايخلد أثر فني إلا إذ كانت مادته إنشاء شخصياً، وهذا الشرط يعني كل تأليف وخصوصاً الرواية التي طغت اليوم على الأسواق الأدبية،

إن الفن يفوق العلم وإن لم يكن له صدقه، والرواية أشد ضروب الأدب تعرضاً لعلاقة الفن بالواقع، والموضوعية لاتنفي الذاتية،

ليس على الرواية أن تكتشف نواميس طبيعية،

أما كيف يتخطى القصصي من التحليل إلى التأليف فهنا سر النبوغ،

يجب أن يكون إنشاء المؤلف متفرداً متشبعاً من شخصية لها لونها وطابعها.. وغيرها الكثير.

ثم يورد لنا "حكاية الرغيف" لينتقل إلى "أشخاص رواية الرغيف" وهنا نجد "خلاصة مكثفة لآرائه: "وأصعب أعمال الفن الروائي خلق شخص حي".. قد تحيي الشخص بضع كلمات وقد تقضي عليه جمل فصيحة يحسب المؤلف حين مسح القلم منها أنه استراح كالله في اليوم السابع. وقد يخلق الصمت بطلاً يعجز عن تصويره الكلام".

"إن العناصر المتكدسة في مخيلتنا كالبضاعة في مخازن الجمرك تعمل جميعها في تكوين أبطالنا، كما تتشارك عناصر السلالة جمعاء في تكوين مولود جديد. فإن نبغ فهو ابن أولئك كلهم ولكنه غيرهم في كل حال.. ".

ويغتنم الفرصة هنا أيضاً ليدافع عن العربية والعروبة ويعلن اعتزازه بهما، وكيف لايعتز وقد اطلع على تراث الأمم وعلى تراث أمته وعرف المكانة التي يحتلها هذا التراث الفني، ثم نراه ينثر الكثير من جواهر تلك الكنوز الموروثة.

ويعرض "قصص تقي الدين العشر" عرضاً مدهشاً فيوزع الحكمة والنقد والابتسامات فنخرج وقد زادنا غنى ومرحاً وحباً للحياة. وكم يذكرني بأقوال كارانفيلوف قوله: "فالناقد كالاثري، ينبش القناطير المقنطرة من التراب ليعثر على تمثال أكله الصدأ". وهو مثله أيضاً في الدعوة إلى التفرغ للعمل الإبداعي وإلى التعرف على حياة الشعب ونبذ الحشو في الشعر والنثر وغيرها.. واعلم أن مارون عبود قد سبق كارانفيلوف إلى مثل هذه الأفكار وغيرها.

ويقف مارون عبود أمام "الباب المرصود" لعمر فاخوري فنلمس إعجاباً كبيراً بالرجل وحباً كبيراً له ولأدبه ونقرأ فصلاً غنياً وممتعاً رشيق العبارة غنياً بالآراء الحكيمة، ينبض الحب في كل حرف من حروفه. كيف لا... والناقد المبدع يكتب في صديقه الكبير المبدع ويعرض لنا أسلوبه "الطريف وسخريته التي يمشي فيها الماء تحتك ولا تحس".. والذي كتابه "مادة طريفة مستقاة من ثقافة عميقة واسعة".. و "ياسوء حظ العصر إن لم يكن فيه عدة أخوة للباب المرصود".

ثم يحدثنا عن عمر فاخوري حديثاً آخر، حديثاً حميماً يقطر ألماً ويفيض حباً.. يصف لنا حال هذا الأديب الكبير أدباً وإباء وهمة في أثناء مرضه، هذا الأديب الذي "ينهضك من أعماق الأودية ليحط بك على شماريخ الذرى. إن فحص القلب ضروري لقارئ عمر وإلاّ فمن يكفل سلامته إذا رافقه صعداً وقدماً وانقضاضاً؟".

"قالوا: مادخلت السياسة شيئاً إلا أفسدته. أما أنا فأقول: حاشا أدب عمر".

وتحت العنوان الفرعي "عمر في يومه الأسود" نرى صورة موجعة جداً لهذا الإنسان الذي "تعاون عسره ومرضه على هيكله الواهي. عاف عمله في الإذاعة انتصاراً لوطنه فذاعت القلة في كيسه".

ونقرأ حواراً بين الرجلين.. وأي حوار!.. ثم نراه يدعو أصدقاءه وأصدقاء عمر إلى قريته عين كفاع لتناول قدح من عرقه المثلث: "صانعين هذا لذكر كاتب عظيم مات..

سنصنع هذا لذكر ركن من أركان هذه النهضة، لذكر موظف عاش نظيف اليد والجيب".

"كان لا طائفياً، ولكنه لم يتشدق يوماً بذم الطائفية كأصحابها الأشد تعصباً من الكهان، ثم يتفانون غيرة على الأوطان، كان عمر لايصيح ولا يداهن ولايصانع، فظل حيث هو لأنه لايحسن المداجاة والمصانعة والمداهنة، لأنه أبيّ ثابت يزدري المنافقين والزنادقة الذين يكرون مع كل خيل مغيرة".

ويكثر من ذكر صفات عمر الرجل بعد ذكر صفاته كأديب كبير "فكان من خير من كتبوا بلسان العرب من المحدثين". ثم نصل إلى عنوان فرعي هو "في ذكرى عمر" فلانسمع رثاء في عمر وحسب بل رثاء في كل الأدباء الأباة من أمثال عمر: "مسكين الأديب، يعيش على الكلام ويموت على الكلام. فكل مايعمل للأدباء عندنا هو من بضاعتهم تلك "حكي بحكي" والذي مات بداء الحكي غماً نحاول نحن أن نحييه بالحكي ثم نُعّدُ هذا خلوداً".

ونمضي مع "كرم ملحم كرم" ومجلته "ألف ليلة وليلة" ومع رواياته ورأي مارون فيها. ثم نصل إلى "وفاء الزمان- سجل التوبة" للريحاني ونقرأ بعد الكثير من التحليل هذا الرأي: "إن فيلسوف الفريكة لم يكن مقلاً كجبران ولا متنوعاً مثله، ولهذا تجد في كلامه الرائع والعادي، فهو في نثره كخليل مطران في شعره، دنيا من الفن والفكر فيها القمم والشماريخ، والأودية والكهوف والهُوى".

ويدخل إلى مختبره كتاب "الوعي القومي" للدكتور قسطنطين زريق الذي يرى أنه "أديب مثقف، وكاتب هادئ، تجمعت في شخصيته الفذة قوى المنطق وعلم النفس والفلسفة، فانتظم تفكيره واتسق، وتساوت فيه قوى المرء الثلاث: العقل والوجدان والإرادة".

ويقف مع "مصطلح التاريخ" لاسد رستم فنسمع اطراء للكتاب وكاتبه، وهو يرى أن عرض الكتاب مسخ له... وخاصة إذا كان على شاكله هذا الكتاب.. وكم يصدق قوله هذا في عرضي لكتبه.

إن مارون عبود يقف من الشبان الموهوبين موقف الأستاذ الحريص والأب الحنون.. وهاهو بعد أن يثني على رواية رئيف خوري "الحب أقوى" يشير إلى هنات لغوية فيها ثم يختم كلامه عليها بقوله: "فما كان أحلى خاتمة قصتك يا رئيف، لو ظلت بدون خاتمة".

ويتصدى كاتب باسم مستعار للدفاع عن رئيف خوري فيغضب مارون عبود وتقسو نبرات صوته، ولكن الوقار لايفارقه بل نسمع منه المزيد من الحكمة: "ليس النقد مزحاً يا عزيزي، إنه عين الجد، وإن ألبسناه ثوب الفكاهة". ونسمع كلاماً رائعاً في اللغة "فلا يكون البيان خبصاً في خبص" ونرى شيئاً من بحر معرفته بهذه اللغة ونعرف سر جمال أسلوبه ودقة ألفاظه، فهو يغرف من بحر.

 

وفي عرضه "مذكرات الأرقش" تدهشنا معرفة الناقد بسمات أدب هذا الكاتب وقدرته على استخلاص الجوهري: "ميخائيل نعيمة أديب مسكوني، ولا ألقبه بالأستاذ لأنه لقب عمّ حتى خمّ. ولا أسميه فيلسوفاً لأنه أديب قبل كل شيء، وتظل صبغته الأدبية ثابتة مهما غسلها وطهرها بزوفى الفلسفة. وهذه المذكرات الأرقشية، بدأ بها الأديب الكبير، في فجره الأدبي، وقد قرأت منها فصولاً منذ ثلاثين سنة، وها هو قد أتمها لتخرج سفراً صغيراً في حجم أوراقه ولكنه كبير بما يحتوي عليه من الفلسفة النعيمية التي أحبها قولاً وأكرهها فعلاً".

وهو لاينسى أن يذكر لنعيمة هفواته اللغوية، فالكاتب العظيم مثله يطلب منه الكثير لأنه قدوة للناشئين.

"إن من يعجزون عن الأسلوب الشخصي هم الذين يتحصنون في قلاع الأسلوب العلمي المنيعة".. بمثل هذه الحكمة يخاطب "معلم المعلمين وأستاذ المربين" فؤاد أفرام البستاني وهو يعرض كتابه "خمسة أيام في ربوع الشام".

ويورد فحوى الفكرة السابقة في كلامه على "مذكرات الأستاذ كرد علي". فيقول: "كان الأستاذ في "مقتبسه" كاتباً موضوعياً. أماهنا، في أكثر هذه المذكرات، فهو كاتب ذاتي. والكتابة الموضوعية لا تلذ لي كالكتابة الذاتية، وإن كان غيري يبتهر بها ويسميها "أسلوباً علمياً" ستراً لعورتها وثقل ظلها وفجاجتها"..

ويعرض أيضاً كتابه ذكرى الأجداد ويثني عليه ولكنه لاينسى الإشارة إلى هفواته اللغوية.

ويعرض قصص رياض طه: شفتان بخيلتان" فنسمع حديثاً شعرياً.. وتصدح أغنية عذبة من امتزاج الذاتي بالموضوعي.

ويصل إلى "تاريخ الأدب العربي" للأستاذ حنا فاخوري فيثني عليه ويناقش بعض أحكامه وآرائه الجمالية، فالقرآن لم يثبت اللغة العربية فقط بل "رفعها إلى أعلى عليين في سموات الجمال الفني... ويتفق معه حين يهاجم "الأدب الزيزفوني" أي الذي يزهر ولايثمر فكراً بل هو كالفقاقيع الملونة.. ولكنه يخالفه بشأن الحقيقة والضلال في الفن.. الضلال بالمعنى الأخلاقي: "والحساب في ملكوت الله لافي دنيا الفن".. ويناقش آراء أخرى ثم يوجز رأيه في الكتاب:
"زي فرنجي من قماش عربي مفصل على القد".

 

ونقرأ كلاماً طريفاً في حديثه حول "الفوضى العالمية على ضوء الإنجيل" للخوري حنا مارون، و "الرمزية والأدب العربي" لأنطون غطاس كرم.. ثم يصل إلى "أعلام الحرية" لقدري قلعجي، وهذه سلسلة من الكتب "التي لم تكتب للخاصة وحدهم، وإن لم تنحط عن مستواهم" والتي كان هدف مؤلفها "تأميم" العظام من العالمين وهم أحق بالتأميم في نظري من النفط وغيره" ويقف مع كتابه: "محمد عبده" فيورد لنا بعضاً من أقوال هذا المصلح الكبير ومنها:

"ولكن ديناً قد أردتُ خلاصه                    أُحاذر أن تقضي عليه العمائم"

ويختم كلامه بقوله: "يا ويح الرجل الذي ليس له أمة، وأشد التعب أن ترى من حولك مرضى ولا تستطيع معالجتهم".

ثم يختتم كتابه بالكلام على "الأسلاك" وهو كتاب لاميل حائك فيقسو على أخطائه ويسخر ممن يستخفون بأصول اللغة.

لقد نقلت عن مارون أكثر مما كتبت.. وهذا أسلم وأسهل. وأكرر القول: إنها دعوة إلى قراءة هذا الرائد ورعيله من المؤسسين. إنهم أشجار وارفة الظلال، شهية الثمار في حديقة الأدب العربي... فهل يُنقل الفيء الوارف والثمر الكثير الشهي في مقال؟

لقد أحيا مارون عبود وجوهاً من وجوه القرية لايمكن أن تنسى، وأنطق أشخاصاً ومنحهم الخلود في قصصه فكانوا صورة لزمن ومكان تميزا بالفرادة، وأنار بملحوظاته النقدية ودراساته فترة زاخرة بالعطاء من فترات نهضتنا المعاصرة، وكان في كل ذلك علماً مفرداً، فيا حسن حظ عصر كتب فيه مارون عبود ماكتب.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244