|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:51 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
لويـــــــس عـــــوض (1915-1990) وجه تألق ثم احتجب هاجمه خصومه بعنف وامتدحه
تلاميذه ومريدوه باحترام وإجلال.. وظل لويس عوض بين تجريح خصومه وامتداح مؤيديه
علماً كبير الأثر من أعلام الثقافة العربية المعاصرة. دخل الميدان الثقافي منذ أواسط
الأربعينات بعد أن بذل جهداً عظيماً في سبيل إعداد نفسه للنهوض بالمهمة الثقافية
الجليلة التي كرس لها حياته. وأول مايلمسه قارئ لويس عوض
هو الثقافة الموسوعية ورحابة الأفق والصدر وعمق التحليل. فلقد قرأ الكثير وتمثل
ماقرأ على أفضل وجه دون أن تستعبده الأفكار التي اطلع عليها. فالفكر قد خلق
لإغنائنا وتحريرنا وإطلاق أجنحتنا لا لتقييدنا. ولقد تجسدت ثقافة لويس عوض
سلوكاً عملياً ومواقف شجاعة مارسها الرجل في ظروف قاسية وصلت إلى حد السجن والضرب
والأشغال الشاقة.. ولقد عايش أحداثاً وأناساً في أوساط مختلفة فشهد لها ولهم
وعليها وعليهم شهادات فيها الصدق والإنصاف أو ما أعتقد أنه الصدق والإنصاف. ولقد جعله إخلاصه لما اقتنع
به من آراء عرضة للهجوم من قبل اليمين على أنه "قائد الفكر اليساري الماركسي
الملحد في العالم العربي" ومن قبل بعض أدباء اليسار على أنه "قائد الفكر
اليميني في العالم العربي". واعتبره محمود شاكر: "آخر قنصل للعالم
المسيحي في مصر منذ الحروب الصليبية". وكان في رأي آخرين: "داعية فكري
للقومية المصرية الفرعونية وعدو فكري للقومية العربية" (راجع على هامش
الغفران ص8) وقد تجاوز بعضهم ذلك فاتهمه بالارتباط "بتيار صهيوني مشبوه". وتظهر لنا مقدمته الهامة على
كتابه "على هامش الغفران" مدى رحابة صدره، وهاكم بعضاً من كلامه على
الذين انتقدوه يقول في المقدمة: "كما كتب عني الشاعر المبدع عبد الوهاب
البياتي وذلك الناقد الشريف القلم العف البيان حسين مروه" ثم يقول: "ولاشك
أني انتفعت بشيء قليل من نقد نقادي، ولاسيما الأستاذ المحقق محمود شاكر، ولولا
جموحه وجنوح قلمه لانتفعت من علمه كثيراً". ولم يتخل، حتى في الأجواء
العاصفة التي أحاطت به، عن رصانة المفكر، وظل يقارع الحجة بالحجة ويتعالى عن
الشتيمة تأتيه من هذا الجانب أو ذاك. لقد كان قوياً وصدق من قال: "كل شيء
يغذي القوي". ترك الرجل لنا خمسين كتاباً
بين مؤلف ومترجم وكانت كلها مفيدة، وكان طبيعياً أن تتفاوت إفادتها من حيث
الدرجة.وقد قدم لبعضها بمقدمات على غاية من الأهمية. وإني لأزعم أن قيمة بعض تلك
المقدمات قد فاقت قيمة الكتاب الذي يقدم له. وأزعم أن مقدمته لديوانه "بلو
تولاند" ومقدمته لكتاب "الاشتراكية والأدب" هما من هذا القبيل مع
أن للكتابين قيمة ثقافية لاتنكر، وخصوصاً "الاشتراكية والأدب". أدرك لويس عوض معنى القول:
"أما الحرف فيميت وأما الروح فيحيي" واتخذ منه نبراساً في فهم الأدب
والفلسفة، وتخلص من عبودية الفهم الحرفي للنص فنجا من أحابيل الدوغمائية إلى حد
بعيد... ولكن الدوغمائيين وضيقي الأفق
لم يتركوا الرجل في سلام.. وكيف يتركونه؟ إن وجود المبدع خطر كبير على الدوغمائي. وكانت الهجمات التي شنت عليه.
راحوا يشدونه كي يحبسوه في
القوالب، وراح يشدهم كي يخرجهم إلى رحابة العالم وغنى الحياة. كان يجتهد ويغامر فيخطئ ويصيب
وكانوا يرون خطيئاته ولايرون حسناته.. ومن كان منهم بلا خطيئة! والويل للمبدع من ضيقي الأفق. *** كان لويس عوض رجلاً فيه
الكثير من مناقب الرجل الرجل، والكثير من مناقب الباحث العلمي الذي لايؤمن حتى يرى
ويلمس، فإذا رأى ولمس آمن فكان إيمانه راسخاً يعرضه بوضوح ويدافع عنه دفاع المؤمن. وأذكر أنني سمعت من بعض
الأصدقاء كلمات قاسية بحقه قبل أن أقرأه، ثم قرأت أكثر ماكتبه واقتنعت بأن الكثير
مما سمعته يفتقر إلى الدقة والعدل. وإني لأسأل نفسي: لماذا نريد
من المثقفين وحدهم أن يكونوا ملائكة وأبطالاً كاملين في مثل هذه الأزمنة
الشيطانية؟ وأقرأ سيرة الرجل وأسمع
أحاديث بعض من عاشروه في أزمنة الشدة والرخاء فأرى وجه إنسان متعب ولكنه رجل،
يتألم ويخاف ويحذر ولكنه لاينحني بل يظل شاهداً صادقاً على زمنه وأهل زمنه في
أزمنة قل فيها الصدق وكاد يبيد فيها جنس الصادقين الذين لايتبعون الهوى. وقد عاش الرجل في زمن صعب! لقد اقنتع السلفيون بأن كل
مايمكن أن يقال قد قيل، وأن باب الاجتهاد قد أُقفل إلى الأبد.. وجاء الشكلانيون ليطلعوا على
الناس بموضة جديدة مع كل موسم.. وعملت فقاسات الموضة بإنتاجية عالية جداً وغمرت
أسواق الثقافة بضائع شتى تبوخ قبل أن يستعملها المستهلكون. ونسي بعض الماركسيين أن
الماركسية في أساس البناء الثقافي والروحي وليست بديلاً عنه، وأنها وريثة ما أبدعه
الفكر البشري وليست نقيضاً له.. ولن يكون ماقالته الكلمة الأخيرة في العلم
والإبداع.. فالماركسية تنص على أن الكلمة الأخيرة لن تقال لأن التطور سوف يستمر
مادامت الحياة. ونصبنا من أنفسنا كهنة نغفر
ذنوب من نشاء ونحرم من نشاء ملكوت "العلمية والموضوعية"... فمسموح الشك
بكل شيء إلا وجهة نظرنا.. نقول لا آيات منزلة في الفكر والعلم.. ولكن المقولات
التي آمنا بها لا تجوز مناقشتها. كيف؟ لايجوز السؤال.... ففي السؤال شك.. ومقولاتنا
التي تقول بلزوم الشك لايصح الشك فيها! وكم دخلنا في دوامة من
القوالب في سعينا إلى تحطيم القوالب، تبنينا فكرة النضال الطبقي الحازم من أجل
استرجاع إنسانية الإنسان التي ابتذلها التفاوت الطبقي واستغلال الإنسان للإنسان،
وهذا موقف علمي ومفهوم، ولكننا أوغلنا في الحزم النظري، ولم ندرس جيداً الواقع
الطبقي الكائن على الأرض لافي الكتب حتى صرنا نعارض الطبقي بالإنساني، وصارت
الإنسانية تهمة وسبة بعد أن كانت هدفاً... إن من يفهم روح الماركسية
يدرك أن بلوغ الموقف الإنساني في الحياة الاجتماعية هو الهدف الاستراتيجي لنضال كل
التقدميين في العالم... ونضال الثوريين الطبقي يستخدم الطبقي كأسلوب تكتيكي لبلوغ
الهدف الاستراتيجي.. وكل تكتيك ينبغي أن يكون في خدمة الاستراتيجية.. وكم نسينا
ذلك! لقد حقرنا الإنساني واعتبرناه معارضاً.. لأن الشقة مابين الاستراتيجية
والتكتيك أصبحت واسعة في ممارستنا. إن العجز، لظروف ذاتية أو
موضوعية، عن تحقيق الأهداف، والإيغال في طرح الجديد ثم الجديد من الشعارات التي
لاتدعمها سوى "مؤسسات" النوايا الحسنة.. وصواب النظرية المطلق قادانا
إلى مانحن عليه. وكم نسينا أن الناس قد عرفوا
منذ القدم الكثير من الحقائق النظرية ولكن التاريخ لم يعرف سوى القليل من ممارسة
العدالة. *** وضع لويس عوض في الكثير مما
كتبه الكثير من النقاط على الكثير من الحروف، ولمس بأصابعه مرهفة الحساسية نبض
الحياة.. وكانت مقدمته، على سبيل المثال، لكتاب "الاشتراكية والأدب"
خلاصة لمثل هذه الملامسة. لامجال هنا لعرض كل ماجاء في
هذه المقدمة، ونرى من المفيد العودة إليها. لقد صرح فيها بأن علينا صيانة الأدب
الاشتراكي "من أعدائه ومن أصدقائه على حد سواء، فقد يكون الصديق الجاهل أكثر
خطراً من العدو العاقل" وهو يرى أن "الاشتراكية فكرة إنسانية أولاً وقبل
كل شيء" وأنها تخلو من التعصب المقيت وتعترف بكل "مايمكن أن يدعم
إنسانية الإنسان" وهي "تقوم على الاعتراف الأعظم ولاتقوم على الإنكار
الأعظم" والاعتراف الأعظم ليس هو القبول الأعمى.." وهي ترى "في كل
مدرسة من مدارس الفكر والفن والأدب وجهاً إيجابياً خلاقاً يضيف إلى التراث العظيم،
وهذا الوجه الإيجابي الخلاق هو نقد الحياة". وهذا لايعني "قبولها للتراث
الإنساني كله". وهي ترى من الخطأ الفصل "بين الذات والموضوع"
"أو بين الشكل والمضمون" وغير ذلك مما أورده من نظرات مفيدة وعميقة. هل نزعم أنه قال الكلمة
الأخيرة في هذا الشأن؟ كلا، طبعاً. وهل استطاع غيره المجيء
بالمستحيل لنطلب منه أو حتى من جيله المستحيل؟ لقد اجتهد وطرح وجهة نظره..
ومالا شك فيه أن وجهات النظر المتعددة ستبقى ظاهرة طبيعية جداً ومفيدة جداً..
والضيق بها يضر حركة التقدم البشري. وفي كتابه "على هامش
الغفران" يبدي وجهة نظر في مسألة كانت ولاتزال موضوع أخذ ورد هي مسألة اقتباس
دانتي من أبي العلاء المعري.. وإذا كان لم يخرج بنتيجة حاسمة فإنه قد طرح مقدمات
مفيدة وحللها بكثير من العمق والشمول ولخص أعمالاً على قدر كبير من الغنى وقارن
أحدها بالآخر مقارنة مثقف ذي ثقافة واسعة وجاء بالكثير من الأفكار. في مقدمة هذا الكتاب الغني
عتب رقيق على الذين شنوا عليه حملات الانتقاد.. وهو يضع نفسه "في صف التقدم
والحرية والإنسانية بوجه عام. وإني قد أصيب وقد أُخطئ فيما أكتب وفيما أرى، ولكن
شططي لا يوصد دونه باب الغفران لأنه من شطط الاجتهاد لا من شطط الضمير". وهو يرى أن له أسوة بأستاذه
الكبير طه حسين الذي أوذي قبله "بهجر القول حين أراد تجديد تراث الآباء
والأجداد بإعادة فتح باب الاجتهاد فيه على ضوء المنهج العقلي والعلمي". وهو
يذكر المحافظين بأن "الازدهار الأكبر في الفكر العربي إنما اقترن بفتح باب
الاجتهاد على مصراعيه أيام مجد العرب في الدولة العربية الكبرى خلال القرون
الأربعة الأولى للهجرة". والكتاب إلى ذلك دراسة مميزة
من بين الدراسات الجيدة في الأدب المقارن. ولويس عوض هنا باحث متمكن من أدائه،
يعرف تراث العرب والعالم معرفة جيدة، يجول في مجالات التاريخ والفكر والأدب
والأساطير جولات موفقة، ويعود إثر كل جولة بحفنة من درر الأعماق التي غاص إليها
لينثرها أمام أعيننا فيمتعنا ويغنينا. لقد قيل الكثير من المدح
والقدح في هذا الكتاب. ولو لم يكن على قدر كبير من الأهمية لما أثار ما أثار من
أصداء ومن تعليقات. وهل يدور الجدل العظيم إلا حول الأمور العظيمة؟. لم يكن لويس عوض منتمياً إلى
أي تنظيم سياسي ولكنه تعامل مع المنتمين وتتلمذ له كثيرون من كبار الملتزمين. وكان
دائب البحث جم النشاط كثير العمل على إفادة الحركة الثقافية. وحتى السجن لم يستطع
إيقافه عن العمل فقد استغل فترة سجنه وراح يلقي المحاضرات على السجناء:
"أمضيت وقتي في المعتقل بين التعذيب والتعليم". لقد بذل الكثير في سبيل
النهوض بالثقافة العربية المعاصرة وقدم الكثير من الإجابات عن أسئلة العصر وطرح
الكثير من الأسئلة. وقد وجد في هذا الوسط الثقافي العجيب من يطعن في صدق انتمائه
إلى زمنه وإلى قومه ووجد أيضاً من شتموه ببذاءة مخجلة. وقد يكون هذا هو السبب في
ابتعاده في أواخر حياته عن القضايا "الساخنة" وعن المواضيع الشائكة،
التي تحاط في الكثير من الأوساط الفكرية وغير الفكرية بكثير من التقديس، حيث صارت
مسلمات لايجوز المساس بها إلا من قبيل التبجيل والتعظيم.. ولكن.. هل ابتعد فعلاً عن تلك
القضايا؟ أظن أن في توكيد مثل هذا
الزعم كثيراً من التجني. فإذا كان قد عمد إلى تلخيص بعض الكتب والمسرحيات الغربية
التي كان يطلع عليها في أثناء زياراته الغرب فإنما قد انتقى منها مايعالج مسائل في
مثل سخونة التي عندنا. ولقد قال على لسان الآخرين مالم يشأ أن يقوله هو اتقاء
للخصومة. وقد يكون كتابه "دراسات أوروبية" خير مثال على ذلك. إن تجاهل حسنات الآخرين وتضخيم
سيئاتهم من بين أخطر الأمور التي نمارسها في الوسط الثقافي العربي. فهاهو نفر ممن
أرادوا تكريم لويس عوض يحصي كل أخطائه وهفواته ويتكلم على ذلك بإسهاب عجيب ومن ثم
يمسح بعضهم كل ذلك بتعميمات مثل قولهم: إنه ذو دور وشأن كبيرين. كان لويس عوض عالماً ولم يكن متعصباً..
والعلم يوصل إلى رحابة الأفق، والتعصب يقود إلى المسالك الضيقة. لقد رحل لويس عوض مخلفاً لنا
ميراثاً ثقافياً ضخماً فهل سنبادر إلى نشره ودراسته دراسة موضوعية شاملة ومنصفة؟ آمل أن يقوم المنصفون بهذه
المهمة. كانت
حياته ماثرة إلى ذكرى معين بسيسو بعض الناس يولد ثم يموت وبعض الناس يولد ويناضل ثم
يموت وبعضهم الآخر يولد ويناضل
ويبدع فيستعصي على الموت. ومعين بسيسو من الذين ناضلوا
وأبدعوا. رحيل المبدع ليس موتاً.. فقلب
المبدع يتوزع في إبداعه ويغدو قلباً في قلوب كثيرة. كنت كلما قرأت قصيدة جديدة
لمعين أتمتم: يا للرفيق الطيب، إنه يحترق. والذين يحترقون ينقلون الدفء
والضوء إلى من حولهم، وحين تدفأ القلوب وتستضاء يزهر الأمل فتنتصب القامات التي
أحناها ليل القهر وتتجه الأعين نحو الشمس ويعلو هدير الكفاح. مباركة دروب الحياة المجيدة ومباركة القلوب والعقول التي
تنير الدروب المجيدة. *** لقد وضع القدر جيل معين بسيسو
في قلب العواصف السياسية والاجتماعية التي تعصف في منطقتنا. ومثله مثل كل الأجيال
التي تجابه العواصف نبتت للكثيرين من أبنائه أجنحة نسور قوية زادتها العاصفة قوة
وزادت الآفاق الواسعة التي تطلعت إليها عيونها بعد نظر وحدة نظر. كل شمعة اشتعلت في ذلك الحين
داهمها ألف ليل وكل سنونو فردت جناحيها لتدعو الربيع هاجمها البرد ولفتها الزوابع.
أجل، كانت معركة غير متكافئة ولكنها كانت نبيلة ومجيدة دافع فيها المناضلون العزل
عن شرفهم وشرف شعبهم وهزوا دياجي الليل بمصابيح من دم ومن كلمات. وأدرك الشعراء والكتاب أن
أجمل الكلمات تبقى كلمات جميلة ولا تتحول إلى فعل جميل وواقع جديد ومستقبل مشرق
إلاّ من خلال الانخراط في الأحزاب الثورية والعمل في إطارها من أجل النهوض بالشعب
للمواجهة الحاسمة ضد قوى التخلف والرجعية المحلية والعالمية. وأدركت الرجعية مدى الخطر
الذي يولده التحام الفن بالأفكار الثورية وبالنظرية الثورية تحديداً فأعلنتها
حرباً رهيبة شاملة ضد الالتزام والملتزمين. لقد استخدمت في تلك المعركة وماتزال
تستخدم كل ماترسب من عفن التاريخ وما ابتكرته فقاسات التزييف والتضليل الحديثة.. وأخافت
تلك الحملة الرهيبة بعض من انخرطوا في النضال فأحجموا وهي ماتزال تخيف أمثالهم..
ولكنها زادت من آمنوا بشعبهم والتحموا بمصيره قوة وصلابة وفولذت إرادتهم فتألقوا
كتاباً وشعراء وفنانين ومناضلين وأصبح بعضهم أعلاماً للحركة الثورية وجزءاً من
لحمها ومن دمها. كان معين بسيسو واحداً من
أولئك الذين رفعوا راية النضال ورفعوا فن الشعر إلى المستوى الجدير بخدمة فن
السياسة التي هي، بمعناها النبيل السامي، أم الفن وأم العلوم قاطبة، فهي فن وعلم
قيادة الشعوب على دروب مسيرة تقدمها التاريخي، هي فن وعلم استراتيجيا وتكتيك النضال
المجيد من أجل إخراج البشرية من ليل عبوديتها إلى فجر إنسانيتها الحقة، وصباح
تاريخها الأصيل. كان على ذلك الرعيل المجيد من
الكتاب والشعراء أن يصمد للضربات التي تكال له من كل جانب وأن يُحسّن أدواته
الفنية دون أن تتاح له الفرصة لالتقاط الأنفاس. وكانت مسألة حل معادلة جماهيرية
الفن وفنية الفن وأصالته إحدى أعقد المسائل التي ينبغي حلها خلال احتدام المعركة
التي يستخدم فيها العدو كل ساعة أصنافاً جديدة من الأسلحة ويدفع إلى سوق الفن كل
يوم صرعة جديدة ويخلق كل شهر تقريباً مدرسة جديدة. ولو تصفحنا تاريخ السنوات
الخمسين الأخيرة لرأيناها تضم شواهد تكاد تشكل غابة ضخمة لقبور
"المدارس" و "الصرعات" و "الطرق الجديدة" التي قذفت
بها الامبريالية والرجعية إلى ساحة المعركة ضد الواقعية الاشتراكية وضد الالتزام
والملتزمين. ولم تكن مسيرة الأدب الملتزم
تسير دائماً على مايرام. فقد أصيبت الحركة الأدبية بجرثوم "مرض الطفولة"
اليسارية الذي كثيراً ماأصاب الحركة السياسية، وصدرت عن الكثيرين من ممثليها ردود
فعل متشجنة أحياناً أوصدرت عنهم أحكام تطبيقية ميكانيكية. كان كل الإعلام المعادي
موجهاً بتركيز ضد محتوى الأدب التقدمي أساساً ورفعت لافتة "الشعارات السياسية
ليست أدباً". ولم يكن أحد قد قال إن الشعارات السياسية أدب، ومع ذلك عزفوا
على هذا الوتر بدهاء مستغلين بعض الأعمال غير الناضجة والرديئة فنياً، والفن
الرديء ليس فناً وليس سياسة، كي يبعدوا الكتاب والشعراء والفنانين الملتزمين عن
السياسة التقدمية تحت لافتة محاربة الشعارات في الأدب أو محاربة أدب الشعارات...
وكانوا يهللون للشعارات السياسية الرجعية في الأدب المعادي للتقدم.. لقد استخدموا جميع الوسائل
لتشويه مقولات الواقعية الاشتراكية الأساسية وكان سلاحهم الأول هو قلب الحقائق
رأساً على عقب وتسطيح المقولات التي لاتبدو حقيقتها بسهولة على سطحها. إن الشعارات السياسية
التقدمية هي تجسيد لمطامح شعوب بأسرها خلال مراحل تاريخية قد تطول وقد تقصر، وأنه
لمما يشّرف الأدب والفن العظيمين حقاً أن يجسدا فنياً بعض أبعاد الشعارات السياسية
التقدمية لعصر من العصور. إن تجسيد شعار "يسقط الاستعباد" بأعمال فنية
عظيمة مسألة شرف كبرى لكل فنان أصيل. ولأن صور الاستعباد لاحدود لتجليها في
العلاقات القائمة على الاستعباد فلن يقع الفن في التكرار أو الرتابة. أما أن يكتفي
كاتب أو فنان بترديد شعار "يسقط الاستعباد" فذلك ليس من الفن في شيء.
فالمهم هو تجسيد الشعار في عمل فني، هو إعادته إلى نبض القلوب التي جعلته راية
لها، وهدفاً لمسيرتها على درب إنسانيتها، ولخصت به تطلعاتها. هل يضير رواية شولخوف العظيمة
"الدون الهادئ" كونها كتبت، على سبيل المثال، تحت شعار "دافعوا عن
الوطن الاشتراكي"، أو هل يضير أعمال معين بسيسو وسواه من الشعراء والكتاب
التقدميين، كونها كتبت تحت شعارات النضال في سبيل استرجاع الوطن وتحرير الإنسان من
الاستثمار الوحشي الذي يسلطه عليه لصوص العصر من رأسماليين وتجار كبار وسماسرة
وطفيليين؟ وقد تعرضت نظرية الانعكاس
للكثير الكثير من محاولات التشويه والتسطيح والابتذال. وكان في مواقف المفترين
عليها الكثير من الخبث والحقد والقليل من المنطق أو الفهم. وكانوا في أحيان كثيرة
يعلنون فرحهم واعتدادهم بكون أدب الماجنين وحتى الداعرين من الكتاب والشعراء
انعكاساً لحياتهم الشخصية، وكانوا يلحون على عكس هذه الجوانب وحدها من حياة
المبدعين.. أما حين كان المناضلون الملتزمون بقضايا شعوبهم الأساسية يعكسون
التزامهم الذي هو شأن من شؤون حياتهم الشخصية أيضاً في مايبدعون من أدب وفن، فكانت
جميع أبواق المفترين ترفع عقيرتها منددة أو مشككة أو مشوهة. وكان على جيل معين بسيسو أن يقود
المظاهرات الجماهيرية وأن يصمد لسياط الجلادين وعتمة الزنزانات ورطوبتها أو أن
يتوارى مضللاً المخبرين وأن يكافح ضد كل سيول القذارات الفكرية والفنية، وأن يصوغ
الكلمة المناضلة المبدعة. كانت الشعارات الكبرى لحماً من لحمهم ودماً من دمهم
وكانت هي قضيتهم العامة وهي حياتهم الخاصة أيضاً. وقد سعوا جاهدين لتجسيد تلك
الشعارات أدباً حياً وفناً أصيلاً مشرقاً وقد أفلحوا في أحايين غير قليلة. وكم كانت ستبدو شاحبة لوحة
ألوان أدب وفن تلك الفترة لو لم تتوهج عليها أسماء ذلك الرعيل من الكتاب والشعراء
والفنانين الملتزمين التقدميين! وثمة الآن من يحاولون الخروج
على مقولات منهج الواقعية الاشتراكية بحجة أن أسسه وأولياته مفهومة وواضحة ولاحاجة
لتكرارها أو لذكرها. صحيح أن تكرار البدهيات والأسس الأولية قد لايكون مفيداً
لمثقف ومطلع، ولكن الخروج على منطق تلك البدهيات والأسس هو أمر ضار، دون ريب، وغير
مقبول. إن مسألة الالتزام قضية
مصيرية، قضية تقدم أولا تقدم، وليست مسألة ترف فكري أو موضوع جدال للجدال. وقد
أسهم معين بسيسو بسلوكه النضالي وبإبداعه الفني في خدمة هذه القضية وحمل صليبها
الثقيل على دروب الكفاح العسيرة... من ساحات غزة إلى السجون والمنافي، إلى معركة
بيروت المجيدة وحتى آخر لحظة من حياته. أجل كانت حياته كلها في غمار المعركة..
وكان همه أن تستمر المعركة حتى "يزول عهد الموت". انا ان سقطت فخذ مكاني
يارفيقي في الكفاح واحمل سلاحي لايخفك دمي يسيل
من السلاح وكان على معين وأترابه تمهيد
التربة للثورة وإقامة الأساسات. وتمهيد التربة وسط كل تلك الأشواك من الأمور
الشاقة:
ويثور معين مع الثائرين
للحق.. والثورة للحق لاتقوم على الأخلاق القديمة، أخلاق الطغاة وأخلاق الخانعين
وإنما تحتاج إلى أخلاق بديلة وهي أيضاً تحتاج إلى عواطف جديدة وأفكار جديدة.. وإذا
كان الغزو الخارجي قد جعله يهتف: قد اقبلوا فلا مساومة المجد للمقاومة لراية الإصرار شاهقة للموجة الحمراء من صيحاتنا
المعلقة على الشوارع الممزقة. فإنه لم ينس المعركة الداخلية
الكبرى... فهو يعيش في الوطن الذي تحول إلى سجن كبير، ويرى الوطن على الصليب ويرى ويرى
ويذوق صنوف العذاب لأنه يصف مايرى ولأنه يقاوم مايرى ويعلن أن قلب المقاومة
العنيدة لن يكف عن الخفقان، وأن كل شهيد من الأنصار: هو في الظلام جناح ريح ودم يفوح ويد من الكلمات في الصمت
الرهيب تنمو فيا أجراس أزهار المصير دقي إلى يده المطرزة الشرار على الظلام، على الجدار. وهو يعلن: فلقد مضى عصر القصائد ببغاوات
تطير في روضة الملك السعيد فالشرق في قمم النهار وفي الساحات، في الزنزانات
تبقى "فلسطين في القلب": استمعوا لي، اسمعني ياوطني فالآن خريف الأغلال يولي والآن سأحرق ظلي كي لاأتمدد في ظلي صمتاً، صمتاً، ياحملة أبواق -الخفاش الخشبي- يا أكلة قربان العجل الذهبي صمتاً، ولترفع بيرقها العاصفة السرية، والبرق السري ومعين الشاعر الثائر يحلم بأن
ابنته: أنا أحلم أن نمشي كفك شعلة برق، في كفي، شعلة أزهار تحت الأمطار. ثم يخاطب وطنه: ألف شتاء قد مر ومازال مصلوبك ياوطني يحلم لو تلمس قدماه الأرض النائية كنجم. وهو يناضل على الصليب أيضاً
ويهدي إحدى قصائده "إلى الذين يقاتلون ولايعلقون الأجراس في جراحهم"
ويبصق في وجوه المتخاذلين "الشاعر الذي رمى على المقابر السلاح، وعاد يلقي
الشوك في عيون ملهميه، يلعق المداد... " ويرى معين الطغاة اسطورة تخبئ شمس
الإنسان: "شمسك في أضلع غيلان
الثلج اطلعها بالفأس.." وهو إذ يستفيد من التراث
العربي والإنساني ومن الفكر الثوري المعاصر يرسم لنا بشعره لوحة كبيرة لقطاعات
واسعة من المعركة التاريخية الدائرة بين الفقراء ومصاصي الدم ويضيف إلى الخريطة
نهراً جديداً: "ليس تذكره الخرائط والوثائق" هو نهر دم الأبطال النازف
في السجون ودم الشهداء. ويطرح شعر معين بسيسو مسائل
جمالية أتمنى لو يعيرها النقاد المزيد من الأهمية.. فعلاوة على أنه رفع الشعر إلى
مستوى تجسيد الشعارات السياسية الكبرى فنياً استطاع أن يشحن بحور شعرنا التي حكم
عليها بعض النقاد بالإعدام بشحنات أقل مايقال فيها إنها شعر: لقد خطفته في الليل بنادقهم
من الخندق وفي ليل الزنازين رموه راية
تخفق على الأغلال نوقدها مشاعل في
الدجى تحرق وفوق رمادها نصغي إلى
المستقبل المشرق تصر خطاه كالمفتاح في سجن
الدم المغلق. وفي حين لايرى بعض الشعراء
العرب من المرأة سوى "كيسها الراقص من ورائها" أويشهقون لخيط ينقطع في
جورب برجوازية يخاطب معين بسيسو الأم التي استشهد أو سجن ابنها في النضال قائلاً:
ثم يصف المناضل:
ويختم القصيدة بحكمة جديدة
للعصر الجديد هي صورة الأم الجديدة:
ويمضي معين مع الرفاق: كإله من غير يدين تتبعني يا وطني وغراب البين يعرج قدامي ويصيح إلى أين؟ ياطالب رأس القيصر ياحافي القدمين ويدجو الليل وتتوالى
الانكسارات وتطفح الكؤوس بالمرارة و"أهل الكهف" لم يستيقظوا بعد! أهي
بداية انكسار الحلم! أم هي مرارة الكأس التي في اليد؟ أينسى المناضل أن هذا الزمن
الرديء ليس زمن مسراته، أم ينسى الكأس القادمة وهو يتجرع المرارة الراهنة؟ ألسنا
من يعتق خمرة المستقبل وقد قطرناها على نار النضال الدؤوب؟ أجل إن حاضرنا شديد
المرارة: يا من يرسل في الليل الموال الكرمل مازال بعيداً والخنجر في ظهر القمر الجوال وتتكرر النغمات الحزينة: إيه ياقافلة السبي لقد طال السفر سقط الظل على الظل وضيعت الأثر. وها هي من جديد: قمصان عثمان التي بليت على
الأيدي ومصحفه المخضب بالدماء في كل سارية قميص خافق وفم على بوق معار وهاهي الأيام: دارت كالطاحون على الأجنحة الأيام وانتحب البلبل وتضيق دائرة الأمل حتى
الاختناق: حتى السراب لايؤمل العطشان لايلوح والريح سرها في صدرها فلا تبوح والنبع تحت هذه الصخور من يزحزح الصخور وكل مااشتهيت في مخالب
الضباع. أيصل الأمر حد اليأس من كل شيء؟: وكيف هذه الأوزة الخشب تعطي لمن ينوح بيضة من الذهب؟ ولكن.. هل صار الأوز من خشب،
هل معين هو الذي ينوح... السمكة لاتعيش خارج الماء ومعين لايعيش خارج المعركة.
وهاهو يقول بحزم: مازال في العنقود حبه وفي السحاب قطرة من المطر مازال في المصباح شهقة من الزبد من قال طير الرخ عاقر وهذه الأمواج لن تلد؟ بل هي الأمواج تلد وتتوالى في
تدافعها وهاهو أبو ذر الغفاري يعود ليقول بقية الكلام التي ظلت في فمه حين مات،
وهو يتكلم على الرغم من أن السياف يدق بابه كل ليلة: كيس النضار في يمينه والنطع في يسراه أجل، إنها اللعبة القديمة
تتكرر وتمارس ضد الثوار الجدد.. ولكن الشاعر يأبى الغناء لجواري السلاطين.. وهاهي
فيروز تغني للقسطل: لم يبع جبهته الشاعر يافيروز غني للعصافير التي ماتت على شباك
سجني للعناقيد التي تحلم أن تملأ دني. وتلد الأحداث العظام الرجال
العظماء الأشداء وتطلع فقاسات الزمن الرخو أشباه الرجال والمهرجين "كل من شده
النخاس من وحل الضفائر" وتبشم ثعالبهم من لحمنا "صار درع الفارس المقتول
بيتاً للثعالب، آه ياسيف المحارب" وفي الأزمنة الرخوة يقعي العملاء على أبواب
السلاطين.. والسلاطين يشربون الخمر في نعل الجارية.. والأحرار في السجون أو تحت حد
السيف، وتنكسر أحلام البرجوازيين الصغار، فالعلماء الذين يقعون على الأبواب يصدرون
الفتاوى لتبرير لواط السلاطين: فالأعمال بالنيات! وفي الأزمنة الرخوة يولد شعراء
يبيعون كل شيء ويرى الشاعر أحدهم في كربلاء تحت راية الحسين: صهيل سيفه مع الحسين وفوق سيفه قصيدة منقوشة في مدح قاتل الحسين. ويلطم الرفيق معين أنوف هؤلاء
البشر الصغار، يصفع صغارهم وضعتهم وها هو يستبدل قول أمين الريحاني "قل كلمتك
وامش" التي صارت شعاراً لكتاب عصره بالقول: "قلها ومت".. أجل..
إنها هي الأخرى تصلح راية ثورية لنضال الشعراء والكتاب الأحرار في هذا الزمن: الصمت موتْ قلها ومت فالقول ليس مايقوله السلطان
والأمير وليس تلك الضحكة التي يبيعها
المهرج الكبير للمهرج الصغير فانت ان نطقت مت وانت ان سكت مت قلها ومت. وتهب على المنطقة العربية
رياح العبث والاغتراب واللاجدوى وغيرها من خلال ماترجم إلى العربية من نتاجات
أفرزها المجتمع الرأسمالي خلال تخبطه في مستنقع أزمته العامة، وتصبح هذه المسميات
إلى جانب الملح والكبريت والرماد والقيح وسواها لازمة لكل مايكتب بل ويجعلها بعض
النقاد جواز السفر إلى دخول أدب العصر وعالم الحداثة. فأبطال هذا الأدب مغتربون
ومهزومون وهم في مواقع مسؤولة في الحياة الفنية وفي الأعلام الذي تصدره
الامبريالية إلى كل شعوب العالم.. وتجرف هذه الريح السامة إلى دوامتها الكثيرين..
ويصلي في محراب العجل الرمادي -الكبريتي الجديد كتبةٌ وفريسيون من مختلف الدرجات
والرتب، ويبقى معين مع الرعيل الطليعي المكافح متفائلاً لأنه يرى أعماق الحركة
الجماهيرية: أنا الآن بين مئات الرفاق أشد لقبضاتهم.. قبضتي أنا الآن أشعر أني قوي وأني سأهزم.. زنزانتي. ويعرف معين ورفاقه أن
المرتدين والناكصين يكونون أحياناً أشرس وأضرى من الرجعيين في حربهم على الحركة
التقدمية وأكثر وقاحة في افترائهم فيتصدى لهم ويشير إلى الهاوية التي تنتظرهم، فهم
بتنكرهم للقضية يتنكرون للأم الحبيبة والبيت ولكل ماهو حبيب وعزيز ولن يكون
ارتدادهم أكثر من إضافة رقم آخر إلى أرقام سجل الخيانة... فالرجال سيتابعون
المسيرة.. وستبقى الأرض تدور. ويقول معين مخاطباً ثلج
الاتهامات التي ترسلها أبواق الأعداء وأذناب الأعداء: وطني يعرف وجهي، يعرف صدري..
وأنا لست المتهم الآن. إني أتهم الآن. ويرى معين بسيسو وجوه
المنافقين تطل من أكثر من نافذة فيقرف: "الجوقة: كان يصلي
دائماً خلف "علي" ويسأل الطعام من يدي
"معاوية" خلف -عليّ- الصلاة مجزية صلوا وراءه وبعدها خذوا الطعام والشراب من يدي
"معاوية" ومعين بسيسو يرى قسوة الزمن
العصيب، زمن هجمة الامبريالية والصهيونية الشرسة، إنه يرى "الرعب
والكذب" ينشدان ويعربدان ويرى الذين يدّعون الجنون كي يقولوا الحقيقة.. ولكن
ذلك لايحجب عن عينه رؤية القصيدة "تسبح حتى الضفة الجديدة". وعلى الرغم
من زمن التخاذل والكذب والردة، زمن البيع: كان زمانا يكذب يامولاتي كان زمانا سلّمت الشاعر فيه
للزنزانة من اعطته أول رمانة يظل يحب بردى والأعشاب التي تنمو
على صدره ويظل يدعو الشعراء إلى عدم بيع قصائدهم الزرقاء للماليك وللأثداء
المطاطية: أهرب من نافذة المومس ياعصفور... اهرب ياعصفور وفي أغنية إلى سمرقند يلخص
معين خلاصة حكمة حياته ورؤيته للعالم الذي يتهدده الخطر فيقول: ماأسهل أن يذبح بالكف العالم ماأصعب أن يولد من شفتينا
العالم ثم يردف: ما أشقى العالم حين يكون له وجه العصفور وقلب التنين إنه يناضل من أجل عالم مزدهر
تلتغي منه الحروب ولكنه يعرف أن الامبريالية والصهيونية لم تلقيا السلاح بعد،
وأنهما ترتكبان الكثير من الجرائم، وهاهو وطنه مسرح لتلك الجرائم، وهاهم الأطفال
الذين لم يكملوا كتابة مذكراتهم عن فظائع النازية يرفعون أصابع الاتهام مشيرين إلى
القتلة الجدد: العالم لم يصبح بعد حديقة والخوذة لم تصبح آنية زهور فالقتلة مازالوا مختبئين
هنالك... والقتلة وحراس معابد الجهل
وضروب المنتفعين والسماسرة مازالوا يرفعون المشانق ومازال دم الشاعر مهدوراً.. وهم
يتاجرون بالمقدسات ويحولون الميدان إلى سيرك وتدوس الثيران حديقة بابل ويحاولون
تغييب فلسطين، يحاولون جعلنا ننسى لون دمنا ولا نعرف سوى "لون الدينار ولون
القائمة السوداء". ويهتف معين محذراً: سنموت إذا ضمدنا الجرح. أجل، مهادنة الامبريالية
والصهيونية، مهادنة قوى الظلام تعني الموت.. وهو لايكف عن الدعوة إلى المقاومة: سأقاوم.. مازال في الجدار صفحة بيضاء ولم تذب أصابع الكفين بعد إنه يرفض متاجرات المتاجرين
بالقضية ويصرخ في وجوههم ووجوه المتخاذلين قائلاً: لا! وتكون لاوحدها قصيدة حين تقال
حيث يجب أن تقال: جراحه كانت تقول: لا أغلاله كانت تقول: لا لا للذين باعوا واشتروا إنه لاينسى لحظة أنه مناضل
أممي ولاينسى لحظة أنه مناضل فلسطيني وطني وحين تحط به الطائرة في مطار فهي تسلمه
من منفى إلى منفى: وحطت بنا الطائرة وصاحت طيور المنافي هي
القاهرة طيور المنافي مناقيرها في
العظام طيور المنافي مناقيرها في دمي مطار يسلمني لمطار أبيح دمي ولا تتكرر مأساة النفي وحدها: ونخاسنا عبر كل القرون يبدل جلداً وحافر ينادمه في ليالي السهاد شاعر يطارد شاعر ويملأ مخلاة شاعر ويقتل شاعر. ويقسو معين على أشباه الرجال
من الشعراء والكتاب، يصفعهم، وكأنه يريد الانتقام لبكارة الكلمة التي امتهنوها
وجعلوها سلعة رخيصة، ويكاد في بعض المقاطع يحملهم مسؤولية كل مايحدث من مآس. وما
وجودهم في الواقع سوى جزء من المأساة الاجتماعية، مأساة امتهان كل القيم. فلقد جعل
"السلاطين" العالم سوقاً للبيع والشراء. ومعين يعرف ذلك.. ولكن ماذا
يبقى من الشاعر وللشاعر حين يبيع سيدة القداسة الكلمة في سوق الجواري؟ ليكونوا
صادقين مع أنفسهم وليتحولوا إلى تجار، فيبحثوا عن سلعة لتجارتهم كما فعل رامبو...
والشعراء كما يراهم ثلاثة: الأول مات يدافع عن
"سيف" الدولة والثاني مات يدافع عن
"طبل" الدولة والثالث عاش يدافع عن
"احذية" الدولة والرابع من...؟ وهو يطرح مسألة الديمقراطية
باستمرار، فامتهان الحريات جرح فاغر الفم، والمخبرون في كل مكان، ولهذا يضطر الناس
إلى المواربة: مانكتبه ليس سوى القشر ياناقد هذا العصر لاتبحث عنا فوق الأوراق
العلنية. وهو يرى الجواسيس يتعقبون
الأحرار ويتعقب الجاسوس الجاسوس: جاسوس يتعقب جاسوساً والجاسوسان خلفهما جاسوسان والأربعة جواسيس خلفهمو أربعة جواسيس ويتسع نطاق التزييف مع احتدام
الصراع التاريخي فتطرح للاستهلاك على الأرصفة بلابل مزيفة ويهز المزيفون بطون
حناجرهم ويمجدون صاحب الجلالة الكذب ويبقى مالك الحزين صامتاً: هناك في منقار مالك الحزين
جوهرة من أجلها تراه صامتاً حزين.. يصونها بصمته ويصطلي بريقها بقلبه. و"تحمل جارية الشعر
الشمعة، لتقود لمخدعها النخاس" فيغضب معين ويصرخ حانقاً: لجهنم.. بالكلمة ذات القرط وذات
الخلخال ويدعو "كل قوافي الشعر
الخارجة على القانون لتقف صفاً واحداً" لتمزق جميع الأستار. أهي شعارات سياسية؟ أجل، وهي
قضية حياة أو موت- وهي مسألة العصر تتجسد شعراً. وهي بالتالي قضية الشعر والشعراء
الأولى. ومعين بسيسو الشاعر الفلسطيني
والمناضل ضد الامبريالية والصهيونية يجسد موقفه الأممي في قصائد كثيرة وفي مقالات
كثيرة. وها هو يخاطب جوزيف أتيلا الذي انتحر تحت عجلات قطار عام 1937 مطارداً من
البيروقراطية والبوليسية: ها نحن الآن معاً نمشي بين قطارين ونحب امرأة واحدة ومعين يرى الله جندياً وراء
متاريس دمشق ويراه أيضاً: كان الله على شاطئ حيفا يصطاد السمك لأطفال فلسطين ويصرخ من هول العشق ستجيء دمشق. على دمشق تسقط القنابل ساعي البريد في دمشق لم يزل يوزع الرسائل... وهو يرفض لعبة المتاجرين
بالشعارات ويرفض اللعبة حين يصير الوطن "مكاتب وثعالب" وحيث توجد
"فنادق تؤجر الوطن" ويمضي عبر السجون والمنافي والمتاريس دون كلل يكتب
قصيدة فلسطينية إلى لينين: في نافذة في أحد شوارع العالم كان لينين وكانت فوق أصابعه تتجمع كل الأشجار السرية
والعلنية كانت لحظة إبداع العالم ويكتب رسالة إلى جمال عبد
الناصر: الاسم: وطن... يمضي الزمن ونحن نلقي زهرة على اسمه وزهرة على الوطن ويدور الزمن وتبدل
"السلاحف العمياء والحيتان" جلودها ويتوالى سقوط الشهداء ويبقى: من يكتب لا يهرب الدم لم يتعب والدم لن يهرب وتخرج الأشجار والنساء من
الأجساد المذبوحة ويتكلم الذين "دمهم في فمهم" ويصير "الشهداء هم
الشعراء" ويسلمه "الجواسيس الكبار للجواسيس الصغار في عصر الكلاب"
ويظل مؤمناً بالغد: وسيأتي حاملاً وجهي على كفيه طفل من بلادي وحين تنكره العواصم ويبيع
الوطن مساومٌ إلى مساوم يتلفت إلى حبيبة الثورات: ياعاصمة الحياة يامقبرة الغزاة ياموسكو تبقين شامة على ذراع القدس ويلتفت إلى الأرض: تفاجئني الأرض، إن الحجارة تقاتل والأنظمة بنادقها ملجمة... تفاجئني الأرض إن أكف الصبايا مرايا وكف الشهيد بحجم السماء. ويكثف في "سورة يوسف
سلمان" ملحمة النضال فها هو يوسف سلمان يريه العلامة ويرسله ليبلغ الرسالة: ناولني يوسف سلمان رغيفاً كان الرغيف ملفوفاً بالحبال كان على الرغيف توقيع يوسف
سلمان قال هذا هو الرغيف الأخير تاج هذه الغزالة وكسر الرغيف قمراً أعطى نصفه لي. وأعطى نصفه الآخر للغزالة قال امضِ معها وبلغا الرسالة. يقول رسول حمزاتوف: "لو
أعطى كل منا الحياة خمس دقائق من الشعر لأصبحت الحياة شعراً وأصبح الشعر
حياة". وقد كرس معين بسيسو حياته للشعر وكرس شعره للنضال فاستحق عن جدارة لقب
المناضل الشاعر والشاعر المناضل. وإنه لحيٌّ من جعل عمره
مأثرة. | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||