|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:51 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
نســــيب الاخــــــتيار (1910-1972)
امتزجت المرارة التي في بيت
أيليا أبي ماضي بمرارة الشعور الذي اعتراني وأنا أبحث عمن يعرف شيئاً عن سيرة
نسييب الاختيار وعن أعماله... كان الرجل بيننا ينتج ويبدع
بغزارة ولم يفارقنا إلاّ في السادس من شهر تموز عام 1972، وهو الذي منح لقب
"بطل الانتاج" في الحقلين الصحفي والاعلامي! ولقد بحثت طويلاً إلى أن
عثرت على نبذة عن حياته في "معجم المؤلفين السوريين في القرن العشرين"
لعبد القادر عياش الصادر عام 1974 عن دار الفكر وإليكم بعض ما جاء فيها: "نسيب الاختيار بن مراد.
ولد في دمشق عام 1910 تخرج من معهد اللاييك بدمشق. بدأ حياته استاذاً للأدب العربي
في أنطاكية، فصلته السلطات الفرنسية بسبب نشاطه الوطني. مارس الصحافة، وقرض الشعر
وعمل محرراً ومترجماً في عدة صحف. من رواد القصة القصيرة في سوريا بين الحربين.
صدرت قصته الأولى عام 1930 بعنوان "عودة المسيح" موظف في الإذاعة
السورية، يشرف على قسم النشر فيها، تسلم رئاسة دائرة الأخبار وعمل مديراً للبرامج
الإذاعية، وكانت له زاوية سياسية". ثم يورد له صاحب المعجم
المذكور أسماء تسعة من الكتب بعد أن يذكر تاريخ وفاته. وكان مدعاة لدهشتي أن كل
الذين عرفوه أو عملوا معه قد امتدحوا طيبته وحسن معشره... وقد تحولت الدهشة إلى
اسئلة تثير الاستغراب أو تنجم عنه: ألم تشفع له طيبته ونشاطه الوطني؟ ألم يشفع له
نشاطه في الحقلين الصحفي والاعلامي؟ لماذا منح الرجل لقب "بطل الانتاج"؟
أين هم الذي رافقوه على درب النضال والعمل؟ أليس بينهم صاحب قلم؟ وماذا عن أعماله
التسعة التي أورد أسماءها المعجم؟ وماذا عن عمله العاشر الذي لم يرد ذكره في
المعجم: رواية "سقوط الفرنك" التي صدرت عن اتحاد الكتاب العرب عام 1974؟
أكل هذا ينسى في أقل من عشرين سنة؟ وما الذي سيبقى إذاً، من نتاج المبدعين من
أبناء جيلنا بعد عشرين قرناً؟ ويزداد شعوري بالمرارة فأردد
ويد القنوط تعصر قلبي:
*** وأبحث في مكتبتي عن كتاب من
كتب الرجل فلا أجد سوى روايته الوحيدة "سقوط الفرنك" فهل أحدّثكم
حديثها؟ قد يقول قائل: ما أنت بناقد؟ وأقول له: صدقت.. ولكن ما
حيلتي ونقادنا مشغولون بأمور أخرى؟ ألا ترى كم يكتبون لنا في الألسنية والبنيوية
والأسلوبية وكم يفحصون عن اليقين في نتاجات الغربيين ولسان حالهم يردد المثل
القائل: "المزار القريب لا يشفي"؟ يقول المثل: "عصفور في
اليد خير من عشرة على الشجرة" وليس في يدكم غيري الآن،
فاستعينوا بالله واستمعوا إليّ، وعسى أن يقرأ كلامي رجل يستطيع إنصاف هذا الرجل
فينصفه. تبدأ "سقوط الفرنك"
بلوحة بائسة جداً: غرفة "منطوية على فراشين توسدا الأرض، نامت على أحدهما
الطفلة الصغيرة، وجلس على الثاني، الريس عمر، أما الأم فقد قبعت في الزاوية"
(ص5-6) كانت الطفلة قد ماتت لأن أمها
لم تجد لها ثمن الدواء وكان الأب، الريس عمر، يسكر.. ويخيل للقارئ أن هذه الغرفة
ستكون مكان أحداث الرواية أو أحد أماكنها الأساسية ولكن تخيله لا يصح فالكاتب لا
يعود بنا إلى هذا المكان أبداً. ولكننا ننتقل إلى غرفة أخرى هي غرفة الخالة زهرة
حيث "شلة من نساء احتواها بيت تناثرت فيه غرف، لم يجسها طيف أمل" وهؤلاء
النسوة هن! الأميرة الفارسية (نرمين) وزوجة بائع الكعك خديجة، وامرأة العريف
الدركي المتقاعد هاله وأخت البويجي وضحة" (ص6) ثم يرسم لنا صورة للبيت لا
تصور بيتاً بذاته بل هي صورة عامة: "وكان القمر يلقي بأضوائه الشاحبة على صحن
الدار فتحضن أنواره ركام مقبرة أحياء" ونشعر على الفور أن في رأس
الرجل أفكاراً جاهزة يريد أن يوصلها لنا وقد اختار أسلوب "الرواية"
لايصالها.. فها هو يعرض لنا في تداعيات وحوارات لمحاً من حياة هؤلاء النساء،
فالخالة زهرة قد طردها زوجها فصارت مومساً وها هي تستعرض ذكرياتها في خطوطها
العامة جداً والعريضة جداً فكأنما هي "رؤوس أقلام" عن ذكريات.. بل أزعم
أن "سقوط الفرنك" هي كلها "رؤوس أقلام.. فهل كانت هذه الرواية
مشروع رواية لم يجد المؤلف الوقت الكافي لتحويله إلى رواية، أم أنها قد كتبت في
الزمن الذي تروي بعض وقائعه فغلبت الأفكار فيها على الحياة، والأصل في العمل
الإبداعي أن يحدث العكس، ثم تركها المؤلف على ماهي عليه، ثم مات الرجل فنشرت كما
وجدت بين أوراقه؟ والرواية، على تعدد أشخاصها وأحداثها في 112 صفحة. فلنعد إليها. نعرف في الفصل الثاني أن
"شلة النساء" هذه تسكن في بيت مستأجر من "واحد من أولئك المرابين
المعروفين في المدينة، أولئك الذين يأكلون لحوم الناس، في تواضع وقور" إنه
الحاج عمر، الذي عادت إليه ابنته لأن الثوار قتلوا زوجها الذي وشى بهم إلى سلطات
الانتداب... ومن هنا نعرف زمن أحداث الرواية.. ونعرف أيضاً أن الحاج عمر يتخاصم مع
ابنته التي جلبت له أولادها معها، وهم يأكلون، وأن زوجه تتدخل في الخصام، وهذا ما
"جعل عين الحاج عمر تتطلع إلى خارج البيت" ثم لا نعرف لون عين هذا الحاج
ولا نسمع له صوتاً إلا حين يأتي في الأوقات العصيبة على ساكني البيت المساكين
"ليزيد الطين بللا" إذ يطالبهم بزيادة الإيجار. أما في الفصل الثالث فيقدم
لنا "فؤاد" وهو يتيم تزوجت أمه من حائك فعمل أجيراً عنده، وكان الرجل
طيباً ولكنه زاد فقراً "والفقر يجلب الخصام" وأشرف على الدمار بسبب
مزاحمة معامل النسيج الألية التي بدأت تحتل الأسواق وتأخذ مكان صناعة النسيج
اليدوية... ثم يشب فؤاد ويختار صنعة أخرى هي الطباعة... ويودعه زوج أمه قائلاً:
"إن حياتك يا بني تسير أمامك، لا مثل حياتي التي تسير ورائي، إذهب، إذهب على
بركة الله" (ص27) وتتسع مدارك فؤاد وتستلفت
نظره في أثناء مطالعاته "حركات العمال في العالم وتنظيماتهم، إذ وجد في هذه
الحركات وسطه" ويتحول فؤاد إلى مناضل عمالي
يدافع عن حقوق العمال... "وشعر كل واحد منهم بمسؤوليته تجاه زملائه، وأدرك في
النهاية، أن التضامن مع الآخرين، هو الطريق المؤدية إلى تحرير قوة العمل من أرباب
وسائل الإنتاج" (ص31) في الفصل الرابع تدخل وضحة
غرفة فؤاد لتنظفها فيستطرد الكاتب ويحدثنا عن أخيها الفلاح الذي ترك الأرض مرغماً
وأتى إلى المدينة ليعمل ماسح أحذية.. ثم يعود إلى الغرفة مع وضحة وسمير ابن بائع
الكعك الذي يأخذ حزمة من أوراق سمير ليصر بها الكعك دون أن يعلم أنها منشورات
ممنوعة تتحدث عن سقوط الفرنك وما سيلحقه بالناس من أذى ومن رفع للأسعار وقد ارتفعت
أجور سكنهم فوراً. وترفض وضحة أن تدلي بشهادة
زور ضد فؤاد.. ويبرز فؤاد على اعتباره بطل الرواية. وتدور حوارات وأحداث، وتضرب
المدينة، ويتعاطف قاطنو الغرف بعضهم مع بعض... ونعرف كل ذلك من تدخل الراوي الحاسم
بعد حوار قصير يديره الساكنون... ثم يدخلنا المؤلف مع جاثم "أخي وضحة"
إلى المقهى حيث يجلس قرب طاولة التف حولها عدد من الشباب يتحدثون بأصوات مرتفعة
محتدمة، ونسمع مع جاثم ما قالوه، وهو حديث غني يحلل الوضع الاقتصادي والسياسي في
فرنسا وفي بلادنا يتلوه درس سياسي رفيع المستوى في ضرورة النضال الحازم والشامل
وحول معنى الثورة. ولم يفهم جاثم ما قاله
المثقفون فغادر المكان ثم أصدر عليهم الحكم التالي: "ولكن المتعلمين لا
يعرفون إلاّ الكلام، إنهم يتحدثون عن المشاكل كما يتحدثون عن الكتب التي قرأوها في
معاهدهم، ويتنافسون ويتجادلون." ثم يردف : "أما نحن الذين لا نعرف
القراءة والكتابة، فإننا نعيش مشاكلنا، ومن خبرتنا وتجربتنا، نتعرف عليها...
نعم... نحن لا نناقش ولا نجادل... ولكننا نعمل وهذه هي ميزتنا." ونتابع معه أفكاره ونبتسم:
أجل، هو مرض المرحلة الذي أصاب القوى التقدمية التي هدمت، نظرياً، كل المقدسات
الإنسانية القديمة دفعة واحدة، ثم أضفت، نظرياً أيضاً، على البسطاء والفقراء كلهم
قدسية جديدة، واسبغت عليهم من صفات النبل والصفاء والنقاء مالم يحلم به أحد من
الحالمين ثم زعمت أن ذلك كله: هو نظرية علمية ثورية! بلى، كان ذلك زمن الشعارات
البراقة والأحلام الجامحة. وإذا كانت تفتقر إلى الواقعية فإنها لم تكن تفتقر إلى
حسن النية ونبل المقصد.. ويبدو أنها كانت ضرورة موضوعية في تلك المرحلة من تاريخنا
الحديث... في الفصل السادس يتظاهر
العمال ويخطب فيهم فؤاد خطاباً طبقياً وسياسياً موجزاً ومفيداً... ولكن المندسين
في المظاهرة وزعماء الأحياء قد أثبتوا وجودهم وفض الإضراب. في الفصل السابع تلد
"نديده" صبياً جميلاً. وفي الفصل الثامن يلقي فؤاد
درساً سياسياً وتنظيمياً على جاثم في السجن، ونسمع أيضاً حكاية جاثم ونعرف كيف خدع
المرابي والده. والفصل التاسع درس مباشر في
النضال الطبقي مفيد جداً لمن لم يقرأ تاريخ الحركة العمالية من وجهة نظر تقدمية،
وقد يعطيكم ختامه صورة عما جاء فيه: "لو ربط العمال قضيتهم
بقضية الفلاحين الذين هم حلفاؤهم، وبصغار التجار، والموظفين، والباعة، والمثقفين
التقدميين، ومضوا في انطلاقتهم، تحت قيادة واعية ناضجة، لكان في الإمكان أن تتحقق
أشياء كثيرة، نعم أشياء كثيرة، ومع هذا فإن الطريق ليست مسدودة، ولا بد من يوم
يتحقق فيه هذا التحالف، وتشرق الشمس ثانية من جديد." وفي الفصل العاشر والأخير
تتبرأ من السياسة زوجة العريف المتقاعد خوفاً على راتب زوجها التقاعدي، وكذلك زوجة
بائع الكعك وزوجة ريس الفرن والأميرة نرمين... وفي الصباح يأتي الحاج عمر
مطالباً "بأجار البيت" ويهددهم بالطرد إذا لم يدفعوا الزيادة... ونسمع
حواراً بين النسوة الفقيرات فيه الكثير من المرارة... ويعدن إلى السياسة... "وشعرت النسوة بأن
أفكارهن تتجه إلى زاوية واحدة، إلى ذلك السجن الذي يضم فؤاد، إلى ذلك المكان الذي
زج فيه إنسان، رفع صوته عالياً من أجل قضية، هي قضية كل من كان على مثل حالهم. وفي اليوم التالي، أدت الخالة
زهرة للحاج عمر ما طلبه من زيادة" ووضحة وحدها: "التي
عرفت: أن الخالة زهرة باعت سوارها" وأبتسم وأنا أطوي الصفحة
الأخيرة من "سقوط الفرنك" فلقد رأيت فيها صورة لمرحلة نحن من أبنائها
وقد مر بها التقدميون جميعاً ثم أنطوت... كنا نعلن أن لا حقائق مطلقة
في الكون ومع ذلك كنا نؤمن بأن تصوراتنا عن الواقع الطبيعي والاجتماعي هي حقائق
موضوعية راسخة رسوخ الجبال، بل رسوخ الكون الذي تتبدل فيه الأشياء ولا تفنى.. ولكن صيغنا الثورية ما كانت
تقبل أي تبديل، إنها معادلات رياضية ثابتة وكل مسألة لها معادلتها الجاهزة. وأبتسم مرة أخرى: لقد أورد
الانجيل مثالاً عن مومس صارت قديسه طاهرة هي مريم المجدلية فجعل التقدميون كل
الموسمات في أعمالهم الإبداعية قديسات أو إنسانات نبيلات على الأقل.. والخالة زهرة
هي مومس متقاعدة. وأبتسم أيضاً إذ أرى الاصطفاف
المصطنع: الأغنياء وزعماء الحارات كلهم أشرار وكل الفقراء أخيار. حتى الذين لا يعرفون القراءة
والكتابة يفهمون الحياة فهماً أفضل من فهم المثقفين لها...! كيف! أجل.. هي السذاجة بقضها
وقضيضها... ومع ذلك كان هذا الوباء شاملاً.. وكم لحق من الأذى بالذين كانوا محصنين
ضده!! وثمة سؤال هامشي: هل فؤاد بطل
"سقوط الفرنك" هو رسالة تحية من نسيب الاختيار إلى المناضل النقابي
التقدمي فؤاد الشمالي أم أن الأمر محض مصادفة؟ وألف تحية إلى ذكرى الوطني
المتحمس والإنسان الطيب "بطل الانتاج" في مجالي الإعلام والصحافة،
والأديب نسيب الاختيار. | ||||||||||||