|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:51 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
جلال فاروق الشريف (1925-1983) كان حتى البارحة ملء السمع والبصر، فكيف نسيناه؟ كان وقع خطواتهم الواثقة بنا وبالتاريخ والمستقبل يرن في زرقة الأمكنة نشيداً للتفاؤل، وأغنية للطموح إلى المأثرة، كانوا أنقياء ماضين كحسام من فولاذ دمشق يزيده قراع الخصوم بريقاً ومضاء. كانوا صادقي الإيمان والعزيمة، وما كانوا يعرفون غير الهجوم وعلى كل الجبهات المعادية. وغابوا عنا، ضاعت تلك الوجوه التي استنارت بالحب وأنارت في ضباب حقود لا يزال يتكاثف ويتكاثف، وراح وقع الخطوات يتلاشى... وكأن حوافر خيل الفناء التي تخب بهم بعيداً ممحاة تعمل في دأب عجيب على محو أسمائهم وأخفات رنين الأغنية. عبد البرعيون السود، وصفي قرنفلي، جلال فاروق الشريف، وصفي البني... من يذكر هؤلاء؟ هل وفيناهم ما يستحقون؟ لا، لن أبحث لنفسي أو لأحد عن عذر... فما معنى أن نزعم أنها الأحداث والأيام والشواغل وما إلى ذلك من معاذير تثير الضحك الموجع أكثر من البكاء؟ ها هي أماكنهم الشاغرة بيننا ما زالت تحمل دفء حضورها ولا يزال بريق عيونهم يتوامض ويعلمنا الحنان والحب والغضب والوفاء. إن ألماً كالمشرط يشرط نياط القلب. أيها الأدلاء إلى المستقبل! ها هي قوافلنا تتشتت بين كثبان الربع الخالي! ولا تزال أماكنكم شاغرة! هل لديك دمعة في مثل حجم القهر العربي؟ فلماذا البكاء إذاً أيها القلب! إن على المستقيمين أن يدفعوا الثمن مضاعفاً... يدفعونه للأعداء لأنهم أعداء.. ويدفعونه "للأهل" لأن استقامة المسقيمين تجرحهم وتحرجهم. فسلام على ذكراكم العاطرة أيها الرجال الرجال. لقد أصبح لكل شيء ثمن في هذا الزمن. تشير إلى عمل فني جيد أبدعه مبدع فيسألونك: لماذا؟ ولماذا هذه تعني ما الثمن؟ وتدهش! ولكنه عمل جميل في زمن كثرت فيه الأعمال غير الجميلة! ويدهشون.. ثم يقلبون الشفاه احتقاراً لسذاجتك. أعرف أن جلال فاروق الشريف لن توفيه حقه الأبحاث والدراسات وأعرف أن ذلك ليس في وسعي ولا في إطار اختصاصي، كل ما أبغيه هو أن أرسل ندائي وسط هذا الصمت المخيف ولن أقول التواطئي: "إن المعركة التي بدأها جلال ورعيله لم تصل إلى غايتها بعد! إن العدو يثير الغبار في ميادين أخرى كي تنتقل قوانا الأساسية إلى محاربة طواحين الهواء، فلنكن على حذر!" وأما الذين يسألونك: لماذا؟ الذين لا يكتبون إلا لنفع مادي وشخصي وعارض فلهم أقول: لم أكن ممن انتفعوا من صحبة جلال يوم كان قادراً على النفع. ولكنني انتفعت كثيراً قبل ذلك وما زلت انتفع كثيراً مما أبدع ومما ترجم. وسيظل ما قدمه نافعاً إلى عقود عديدة. *** ولد جلال فاروق الشريف عام 1925 في دمشق ودرس الحقوق في جامعتها... وأذكر أنني في بداية الخمسينات، بدأت أقرأ بنهم ما كان يكتبه من مقالات مفيدة حول الأدب الروسي العظيم وحول العظماء من رجالات ذلك الأدب... وكان ينشر مقالاته تلك في جريدة "النقاد" الأدبية لصاحبها المرحوم سعيد الجزائري. كان جلال ذا موقف واضح، وكان مستقيماً، يصادق باستقامة ويعادي باستقامة، قد تختلف معه في مسائل كثيرة أو قليلة ومع ذلك تحترم موقفه واستقامته المبدئية، أحب الأدب الروسي كثيراً وكتب عنه الكثير وترجم لأعلامه معتقداً أن ذلك مفيد لنهضتنا الأدبية. ومع عدائه للامبريالية العالمية، وكرهه لأساليبها الإجرامية على كل صعيد، والامبريالية الأمريكية خصوصاً، كان حريصاً على أن يمايز بوضوح ما بين الامبريالية الأمريكية وما بين الشعب الأمريكي، وكان يرى البون شاسعاً ما بين الثقافة الأمريكية الأصيلة والإنسانية في جوهرها وبين الإعلام الاستعماري الأمريكي المعادي في جوهره للشعوب وللقيم الإنسانية، وكان أول عمل أدبي يصدر له عام 1952 هو كتاب "عناقيد الغضب" وهو مجموعة قصصية من القصص الأمريكية القصيرة كتبتها نخبة من الكتاب الأمريكيين التقدميين، وقد قدم جلال لكل كاتب من هؤلاء وعرف به تعريفاً موجزاً وذكر أعماله الأدبية وسمات أدبه ومكانته الأدبية بين أدباء قومه والعالم. ومنذ ذلك العهد يبدو جلياً نضج جلال فاروق الشريف السياسي ونضجه الأدبي أيضاً، يقول في مقدمة "عناقيد الغضب" من بين ما يقول: "لقد أرادوا الدعاية، أي تسخير كل شيء في سبيل الأهداف السياسية، أما نحن فقد أردنا الأدب، أي إننا أردنا وجه الحقيقة، وشتان بين الإرادتين، بين إرادة التزييف والتضليل وبين إرادة خير القارئ العربي." وأما نضجه الأدبي في هذا العمل المبكر فيتجلى واضحاً في جمال أسلوبه ورشاقة تعابيره، وتلك الطلاوة التي تسري في النص فتبعد عنه الجفاف الذي يعرو الأعمال المترجمة، عادة، وتجعله يتبدى في حلة عربية جميلة حتى ليخيل للقارئ أن النص ليس بالمترجم. لا أحكم هنا على دقة الترجمة بل على جمالها ونصاعتها، وليس غريباً مع هذا أن تشوبها بعض الهنات التي قد لا ترضي المتشددين لغوياً.. ولكن علينا أن نتذكر في هذا الصدد أن الكتاب صادر في عام 1952، أي أن جلالاً قد أصدره وهو في السابعة والعشرين من عمره. وفي عام 1952 يصدر عن دار الرواد أيضاً كتابه الثاني "مراسلات غوركي - تشيخوف" وعنوانه خير دليل على محتواه.. وفي عام 1953 يصدر كتابه "مقابلات مع مكسيم غوركي" في عام 1964 يصدر عن دار الصحافة كتاب "الدعاية السياسية" وفيه يدعو إلى فضح الدعاية المعادية بكل حزم وإلى تبني دعاية علمية مدروسة جيداً وحسنة التوجيه كي تكون في خدمة القضية العربية والإعلام العربي. وفي عام 1965 يصدر عن دار "الصحافة" كتابه "علم الأدب السوفياتي" وفيه نظرات تحليلية عميقة إضافة إلى العرض الشيق. وفي عام 1968 العام التالي لنكسة حزيران التي أوجعته كما أوجعت كل المخلصين للوطن يصدر كتابه "الثورة العربية كما يراها اليسار الغربي" وفي عام 1972 صدر كتابه "ماياكوفسكي" ثم تلاه كتابه "بعض قضايا الفكر العربي المعاصر" وذلك في عام 1974.. وفي عام 1976 صدر كتابه "الشعر العربي المعاصر" ثم صدر عام 1978 كتابه "إن الأدب كان مسؤولاً" وبعد زيارة السادات المشينة إلى القدس التي رد عليها الوطنيون العرب بقيام جبهة الصمود والتصدي يدعو جلال فاروق الشريف إلى إقامة جبهة إيديولوجية للصمود والتصدي وذلك في كتابه "من أجل جبهة ايديولوجية للصمود والتصدي" الذي صدر عام 1979 عن اتحاد الكتاب العرب. وفي عام 1980 صدر عن اتحاد الكتاب العرب أيضاً كتابه "الرومانتيكية في الشعر العربي المعاصر في سوريا" وفي عام 1981 صدر كتابه "أفكار فلسطينية" وفي عام وفاته 1983 صدر كتابه "في الأدب السوفييتي" لقد أوردت عناوين كتبه وتاريخ صدورها عامداً كي يلحظ القارئ كم كان جلال فاروق الشريف حريصاً على أن يخوض معركة أمته على صعيدي الأدب والفكر السياسي. لقد رأى أن الأعداء يحاربوننا بكل الأسلحة التي يمتلكونها ورأى مفيداً أن نحاربهم بكل الوسائل التي نمتلكها... وكان يرى بوضوح تام أن أعداء أمتنا هم الامبريالية، العالمية بقيادة الولايات المتحدة وحليفتها الصهيونية العالمية والرجعية المحلية والدولية. وكان الهم الأول بين هموم جلال فاروق الشريف هو وحدة الأمة العربية والنهوض بها كي تستعيد دورها التاريخي بين أمم العالم المعاصر.. وكان مؤمناً بأن الوحدة العربية ستؤدي حتماً إلى نهوض عارم للأمة.. وكان يجزم أن النهوض لن يكون كاملاً إلا بالوحدة الكاملة، وأما التقدم مع عدم قيام الوحدة فهو تقدم مفيد ولكنه غير كامل الفائدة وهو مهدد دائماً بالانتكاس. ولقد دعا في كل ما كتب إلى محاربة الجمود والتخلف بكل صورهما ورأى في تبني الفكر العلمي والإخلاص له، نظرية وممارسة، خير وسيلة للخلاص من أمراضنا الاجتماعية. ورأى أن التحرر والاشتراكية هما شعار المرحلة الراهنة من مراحل نضالنا السياسي الاجتماعي القومي، وقد ربط ربطاً جدلياً بين التحرر السياسي والاجتماعي. وفي أزمنة التخاذلات والمساومات على القضية، في الأزمنة التي أسماها بعض المفكرين بمرارة "أزمنة سقوط القيم" يرتفع صوت جلال فاروق الشريف قوياً، مؤمناً، واضحاً. "إن القيم التي تجسد تطلعات الحياة العربية الحديثة لا يمكن أن تسقط عند المؤمنين بهذه الحياة، المرتبطين بها فكرياً ونضالياً" ( من أجل جبهة ايديولوجية للصمود والتصدي ص 104) أما على الصفحة 105 من الكتاب ذاته فنراه يؤكد: "وجدل الحياة والتاريخ جدل صاعد لذلك لايمكن في النهاية إلا أن ينتصر. الذين يرون في سقوط القيم في المرحلة الراهنة نهاية لهذه القيم لا يرون هذا الجدل ولا يؤمنون به لأنهم لايملكون تصوراً شاملاً لحركة التاريخ وقوانينه. أما المتسلقون على هذه القيم فهم وحدهم الذين يسقطون. وأما العابثون بها فهم المدانون الذين يلفظون،. وأما أعداؤها فقد يربحون جولة ولكنهم في النهاية هم الخاسرون. في مواجهة هذا التحدي التاريخي الكبير سيسقط من هو مؤهل للسقوط. من لا يملك من أصالة الفكر الثوري ما يمنحه هذا الفكر من رؤية واضحة. من لا يملك من الالتزام ما يربطه بتطلعات الحياة العربية الحديثة". لقد أسهم جلال فاروق الشريف في طرح الأسئلة حول أهم القضايا الراهنة التي تواجهها الأمة العربية وحركتها التقدمية، وحاول مخلصاً، الوصول إلى إجابات علمية دقيقة، ولقد كرس الكثير من جهده للكفاح على جبهتي الأدب والسياسة منافحاً عن القيم التي آمن بها ورأى فيها الخير لأمته وللعالم. إن الأسئلة التي أسهم في طرحها لم تجد إجاباتها الشافية بعد، ولما تزل العاصفة المصيرية في أوج اهتياجها واندفاعها.. وقد غادرنا جلال بالأمس غير البعيد... فكيف نسيه الجميع؟ هل في الأمر شيء من سقوط القيم؟ وهل تطمس الأيام ذكر الذين آمنوا وعملوا؟ أم أنها الأزمنة الغبراء وستأتي بعدها أزمنة الصحو والصفاء، أزمنة الملتزمين "بتطلعات الحياة العربية الحديثة"؟ *** أعلم أن هذا القدر من الكلام على جلال وأدب جلال وفكره قليل جداً، ولكنها إشارة وحسب، عسى أن تصل إلى أسماع النقاد والدارسين ولعل أحداً منهم يقوم بما يجب. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |