|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:51 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
عبد الله عبد وأدب الأطفال ويوم الطفل العالمي لقد أحرزت الإنسانية "نصراً" فأقرت هيئة الأمم المتحدة يوماً عالمياً للطفل هو اليوم الأول من حزيران.. أنتم تعلمون، كما أعلم، أن أيام السنة محسوبة جيداً ومحددة بقوانين ليست كقوانين العالم "الثالث" بل هي قوانين طبيعة صارمة ودقيقة منها دوران الأرض حول نفسها ودورانها حول الشمس. المعذرة.. أعرف أنني حدت قليلاً عن الموضوع... ولكن أهمية الحدث الكوني تستدعي إلى الذهن أفكاراً كونية.. وقد يفسر لنا علم الفلك وحده مسألة مثل التي أنا بصددها. وللدلالة على أهمية تخصيص يوم في السنة للطفل العالمي أذكركم بأهمية اليوم في السنة. ألا تعرفون، مثلي، أن كل أربع سنوات تتضافر معاً فتوفر كل واحدة منها ربع يوم لكي تحصل الرابعة على يوم كامل فنسميها سنة كبيسة؟ ومن حسن حظ الأطفال، بل من حسن رعاية العالم المتحضر الذي تمثله الأمم المتحدة للأطفال أنها لم تجعل التاسع والعشرين من شباط يوماً للطفل العالمي! وأذكركم أيضاً بأن كل القوى الشريفة فعلاً قد ناضلت طويلاً حتى أحرزت هذا "النصر". هل أذكركم ببعض ما ينفقونه يومياً على القتل والتدمير والتآمر؟ حين كنت شاباً كنت أفرح فاضحك وأحزن فأبكي.. وها أنا وقد حصنني الظالمون ضد الفرح صرت حين أصل إلى قرارة الحزن أنفجر ضاحكاً ضحكاً مراً وموجعاً.. ولقد قالت العرب: شر البلية ما يضحك. وتبقى لفته كريمة من هيئة الأمم المتحدة على كل حال.. فماذا في وسع هذه الهيئة المسكينة أن تفعل أكثر من ذلك؟ إن تذكر الأطفال، الذين تفتك بهم الأوبئة كل يوم وينفخ الجوع بطونهم، يوماً من كل 365 يوماً أو من كل 366 يوماً في السنوات الكبيسة، خير من نسيانهم تماماً.. ولعن الله الطمع والطامعين... والذين ينكرون فضل ذوي الفضل وإحسان ذوي الإحسان.. هل أستطيع الانتقال معكم، بعد هذه المقدمة السوداوية، إلى الجانب الآخر من الموضوع؟ سأحاول... وسأبدأ كلامي ببضع كلمات على العالم الجميل الذي بناه الكاتب الإنساني الراحل عبد الله عبد. هل تعرفون شيئاً عن هذا الكاتب؟ ليتكم تعرفونه! *** تعود بي الذاكرة إلى أواسط الخمسينات من هذا القرن... كنت في أوّل الدرب إلى عالم القراءة الجادة.. وكانت أولى محاولاتي الكتابة.. ونشرت قصة عبد الله عبد "مات البنفسج" في إحدى المجلات الثقافية. كان نشرها حدثاً أدبياً احتفى به الأدباء الوطنيون والتقدميون خير احتفاء، وهللوا لميلاد هذا النجم الساطع في سماء الأدب. وتوالت أقاصيصه.. وسأل الناس دهشين: كيف تزهو كل هذه الألوان وتتضوع كل هذه الطيوب على هذه الساق الناحلة النامية في مثل هذه البيئة الفقيرة؟ كانت تلك هي الأعجوبة التي جسدها أدب عبد الله عبد. لقد عاش فقيراً، ومات فقيراً وأورث أسرته الفقرالذي لا تزال تعاني منه حتى اليوم، ولكنه أعطى الأدب ثروة كبيرة وصار أدبه موقداً للدفء الروحي في هذا العالم البارد.. وإذا أقرن اسم عبد الله عبد بيوم الطفل العالمي فإنما أفعل ذلك عن سابق عمد وتصميم... لا أعرف الشيء الكثير عن طفولته الحقيقية، أي عن سني حياته الأولى على هذه الأرض، ولكنني أعرف أنه كان في سنوات شبابه ورجولته طفلاً مدهشاً، وظل الطفل الذكي المدهش إلى أن ناء جسده باعباء الحياة التي أحبها كثيراً... ثم خذله... وذهب ولم يقل إلى اللقاء! ولكن روح الطفولة فيه لم تخذله... وقد شاءت أن تبقيه طفلاً مدهشاً إلى الأبد. سأحاول أن أنقل لكم صورة ولو شاحبة جداً عما غرسه عبد الله عبد في حديقة أدب الأطفال في بلادنا.. ولا أحسب أن أحداً منا قد أهتم لأطفاله الذين عانوا الفقر والحرمان... مات عبد الله عبد منذ سنوات عديدة.. مضت تباعاً ولم يذكره فيها أحد.. ولم يكرس له أحد يوماً طوال تلك السنوات.. وهنا يذكر لهيئة الأمم المتحدة شيء من الفضل إذا قورنت بنا.. فنحن لم نكن بارين بطفل الأدب المدهش هذا.. بين يديَّ كتابان صغيران للأطفال يحملان اسم عبد الله عبد، الكتاب الأول، وهو الأكبر، صادرعن اتحاد الكتاب العرب عام 1977 وعنوانه "الطيران الأول"، الكتاب الثاني من سلسلة "كتاب أسامة الشهري" التي تصدرها وزارة الثقافة في دمشق وعنوانه "الأطفال ينتظرون الفرح" وقد صدر في عام 1981، وهو قصص اختيرت من كتابه "العصفور المسافر" الصادر عن وزارة الثقافة عام 1975. هل أحدثكم عن الكتابين في مثل هذه العجالة؟ ولكن كيف؟ إن عبد الله عبد لم يضع في كل ما كتب للأطفال كلمة واحدة في غير موضعها، وهذا أمر يحرج الناقد الذي يحب أن ينقل للقارئ ملخصاً للقصص. قصصه ليست أحداثاً تحكى وحسب وهي ليست أفكاراً تبنى عليها حكاية ذات مغزى بل هي لوحات أدبية جميلة، هي قصائد فائقة العذوبة والشفافية تتكون من صور متماسكة تكمل الواحدة منها الأخرى وتبزغ الفكرة فيها من قلب الصورة ولا تنفصل عنها. لست بالناقد فأحلل وأُركّب، ولست بصاحب القلم المصور لاقدم لكم لوحة حية تصور عالماً يمور بالحياة والجمال ويمتزج فيه العمق بالبساطة والشفافية امتزاجاً عضوياً. ومع ذلك أشعر أن من واجبي أن أفعل شيئاً. وقررت اختيار الطريق الأسهل مع أنني أعرف أن الطرق السهلة ليست الأقصر ولا الأجمل. و لا حيلة لي في غير ذلك. إن الكلام على الأدب الرفيع يسير وعسير في وقت واحد.. فمن اليسير أن تقول فيه كلاماً جميلاً عاماً، ومن العسير جداً أن تتكلم على مكونات الجمال في العمل الجميل.. ويزداد الأمر عسراً إذا كان ما تسعى إلى تحليله كلاماً في منتهى البساطة والوضوح والشفافية كهذا الكلام الذي يسوقه عبد الله عبد مستهلاً به قصته "الأطفال ينتظرون الفرح" التي تحمل اسمها المجموعة المذكورة أعلاه. يقول عبد الله عبد: "مشى الفرح في إحدى طرق المدينة فالتقى بطفلة. قالت له الطفلة: - أنا حزينة فقال الفرح: - لماذا أنت حزينة؟ قالت: - طلبت من أبي دمية مثل دمية رفيقتي فنهرني وأمرني أن أكفّ عن طلب الدمى، لأن مثل هذه الأشياء لا ترغب في المجيء إلى بيوت الفقراء قال الفرح! - لاتحزني أيتّها الطفلة. إليك ما تطلبين. وتناول دمية من خلف ظهره وأعطاها للبنت الصغيرة فذهب الحزن عنها في الحال. ومضت في سبيلها. قال الفرح في نفسه: - الحزن لا يليق بالصغار" (الأطفال ينتظرون الفرح ص3) هل سمعتم أرق من هذا الكلام وأعذب؟ فلأكمل لكم الحكاية مع أشد الاختصار: ويسير الفرح فيرى طفلاً يحتمي بجدار وهو حزين لأنه بردان وليس لديه قميص فيعطيه قميصاً و يقول في نفسه: "الفرح قميص صوفي" (ص7) ويرى طفلاً آخر حزيناً لأنه رأى صورة دراجة حمراء وليس لديه دراجة فيعطيه دراجة ويقول: - الحزن دراجة حمراء على الورق، والفرح دراجة بعجلتين ينطلق بها ولد صغير (10-11) ويستمر الفرح في تجواله فيرى صبياً جائعاً يبكي فيعطيه قطعة خبز مدهونة بالسمن والسكر ويقول: - الجوع بكاء والفرح قطعة خبز مدهونة بالسمن والسكر" (ص13) وحين يهم الفرح بالرجوع إلى بيته يأتيه طائر ويعيره جناحيه كي يذهب إلى مدينة أخرى ينتظره فيها الأطفال فيفعل الفرح ثم يعود ليعيد الجناحين إلى الطائر فيقول له الطائر! - احتفظ بالجناحين. من يدري فقد تحتاجهما لتطير إلى مدينة ثانية وثالثة. ربما هناك مدن حزينة كثيرة أخرى في العالم. أيّها الفرح! هل تستيطع أن تغمض عينيك وأنت تعلم أن هناك في بلدٍ ما أطفالاً حزانى؟ (ص16) أعرف أنني أسأت إلى حد بعيد إلى هذه الحكاية الرائعة. ولكن ما حيلتي في الأمر؟ إن عبد الله عبد هو المذنب في ذلك. فهو الذي كتب قصة غاية في الجمال والرقة يؤذيها كل مساس بها ويسئ إليها كل تفسير لها أو اختصار. وتتوالى القصص الصغيرة على هذا المنوال من العذوبة والشفافية والشعور الإنساني النبيل والشاعرية... وأشعر أن من اللياقة أن لا أسئ كثيراً إلى هذا الكاتب النبيل الذي حمل للناس مثل هذا الحب ولم يسئ إلى أحد. وأقلب بضع صفحات تضم حكايات لا تختصر وأصل إلى حكاية "مسافر" وأحاول أن أتجاوزها هي الأخرى فلا أستطيع... فهنا أم وابنتها أمام باب بيتهما بعد مغيب الشمس... وها أنا أقف معهما. وتسأل الفتاة أمها بحزن: - "أين أبي؟ فأجابت الأم: - مسافر فسألت الفتاة: - ألا يضيع في الظلام؟ فقالت الأم: - كلا. لأن لكل مسافر نجمه الذي ينير له دربه. وأشارت الأم إلى أول نجم تلألأ في السماء وقالت لابنتها: - هو ذا نجم أبيك.." (الأطفال ينتظرون الفرح ص25) وتستمر الحكاية بسيطة رشيقة، ويتوالى ظهور النجوم حتى لم يعد بمقدور الفتاة أن تحصيها فتهمس بأسى: - يا إلهي ما أكثر الآباء المسافرين تحت النجوم في هذه الليلة. (27) وتتجاوب في سمعي صيحة مماثلة ختم بها عبقري القصة في بلغاريا يوردان يوفكوف إحدى أروع قصصه "على الأسلاك" إذ هتف على لسان بطل القصة: - إلهي، كم من الألم في هذا العالم يا إلهي (ملاحم الجبال الهرمة -مطبوعات مكتبة الزهراء ص247) لقد مات عبد الله عبد قبل أن أترجم قصة يوفكوف بزمن طويل.. ولكن شعورهما الإنساني العميق جعلهما يطلقان الصيحة ذاتها.. فما أعجب أمر العبقرية! وتأتي "قطرة الندى" في ختام هذه المجموعة الجميلة لتكون مسك ختام ونشيد ختام... ولكنني لن ألخصها.. إنها أغنية.. ومن يتجاسر على تلخيص أغنية؟. عاش عبد الله عبد فقيراً وخبر أحلام الفقراء المتواضعة وأخرجها في صور إنسانية عميقة وصادقة فكانت صوراً مؤثرة. إن الفرح الإنساني لا يكلف كثيراً، ومع ذلك لا تقدمه المجتمعات الإنسانية لأبنائها البائسين... والجمال في كل ما يحيط بنا فلماذا لا نعطى الفرصة كي نتأمل جمال الأشياء والكائنات؟ ولماذا لا نطلق جناحي الفرح كي يجوب العالم ويسعد الناس؟ ها أنا أطوي كتاب "الأطفال ينتظرون الفرح" وأتأمل غلافه الجميل الذي وضعه ووضع رسوم الكتاب الداخلية الفنان المرموق غسان السباعي. ويقفز إلى ذهني سؤال! ومتى سيصل الفرح إلى أرض فلسطين المعذبة؟ وكيف؟ وهل لدى هيئة الأمم المتحدة جناحان تعيرهما للفرح فيذهب إلى أطفال فلسطين؟ وهل سيصبح مصير أطفال العالم الشغل الشاغل للأمم متحدة ومنفردة؟ وأعود إلى عبد الله عبد .. فهل أحدثكم حديث كتابه الآخر؟؟ إنه الأكبر حجماً والأكثر قصصاً وليس الأقل جمالاً... فلنؤجل الكلام إلى مناسبة أخرى.. ودعونا نحلم بأن تصبح السنة بكاملها يوماً للطفولة والفرح والبهجة.. ولنتذكر طفل الأدب المدهش عبد الله عبد الذي حكى لنا ولأطفالنا حكايات "العصفور المسافر" ثم سافر.. وأما كتبه للكبار فلها حكاية أخرى تنتظر من يحكيها.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |