وجوه ومرايا شـيء مــن الســيرة وشـيء مـن الـنقد - ميخائيل عيد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:51 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

مــــــرايـــــا

ســــــليمـان البســــــتاني واليــــــاذة هـومــــيروس‏

-إشـــارات إلى المقدمـــة -‏

حين تذكر إلياذة هوميروس يرد إلى الذهن اسم سليمان البستاني، وحين يذكر اسمه يرد اسم الإلياذة، فمن هو سليمان البستاني وما هو سر هذا الارتباط ما بين اسمه والإلياذة؟‏

جاء في المنجد: "سليمان البستاني (1856-1925) رجل دولة، عالم، أديب وشاعر، ولد في بكشتين (لبنان) كان وزيراً في الأستانة، نال شهرة واسعة بتعريبه الياذة هوميروس وبالمقدمة التي وضعها عليها فكانت نموذجاً للدراسة الأدبية ومقارنة الآداب"‏

ويقول مارون عبود في كتابه: "رواد النهضة الحديثة" ‍!"أما سليمان البستاني ففاق من تقدموه من الرواد، فعرف خمسة عشر لساناً حتى لغة "النور" إن صدق من ترجموا له."‏

ويقول أيضاً: "قضى سليمان عشرات السنوات في دراسة الإلياذة، وتعلم جميع اللغات التي توطئها له، وظل دائباً يرحل ويقيم حتى رأى بعينه أخيراً مواطن حوادثها فأفاد منها ما كان قد فاته. وأخيراً انبرى لها، ونظمها، وشرح لنا غوامضها، وكأنه رآها لا تكون تامة بلا مقدمة فقدم لها بمئتي صفحة فجاءت تلك المقدمة كتاباً أشبه بمقدمة ابن خلدون لتعدد أغراضها ودقة بحثها".‏

ويذكر له مارون عبود كتاباً آخر "عبرة وذكرى" ويقول: "ولعل نثر البستاني لا يقل عن شعره جودة" ثم يذكر رأيه في ترجمته الشعرية فيراه مقصراً وذلك لتراكم الأسماء الأجنبية في الإلياذة ونظم تلك الأسماء شعراً يفقد الشعر رونقه ثم يقول: "إن البستاني، في ترويض هذه الأسماء اليونانية لتصير شعراً عربياً، لهو أشبه بمن ينفق السنين ليعلم الدب الرقص، ثم لا يفوز أخيراً إلا برقصة دب.. ثم يقول: "فياليت سليماننا عرّبها نثراً."‏

نعلم أن التمني يكون قبل الفعل لا بعده.. والتمني بعد التمام يكون نوعاً من الانتقاد بمعنى من المعاني.. ولكن هل يعيب مثل هذا العمل الكبير شيء من الانتقاد؟ ولقد "تمنى" مارون بعد أن امتدح على كل حال.‏

وإذا أمعنا النظر في ماجاء في المنجد وما قاله مارون عبود لرأيناه، على إيجازه، فائق الأهمية وبعيد الدلالة. قد لا يعنينا، في كثير أو قليل، أن يكون سليمان البستاني رجل دولة، كل ما يعنينا هو وصفه بالعالم والأديب. والشاعر... فهل كان فعلاً كما جاء في المنجد؟‏

منذ "ديباجة الكتاب" التي جاءت في ثلاث صفحات ندرك أننا أمام عمل كبير حجماً وقيمة وإن من قام بهذا العمل يتحلى بصفات كثيرة من صفات العلماء، بل قد لا نجد صفة من صفاتهم الحميدة غير متجلية فيه.‏

قيل لأبي تمام: "الشعر أهون مما تأخذ نفسك به" ولم يكن أبو تمام يؤسس للشعر العربي بل كان يتابع مسيرة تطوره وازدهاره.. وكم يصدق هذا القول في سليمان البستاني إذا وضعنا التعريب موضع الشعر.. فالتعريب أهون مما أخذ نفسه به.. ولكن شعوره بأنه يرسي أسساً جديدة لنهضة جديدة قد يكون الحافز الذي حفزه على فعل ما فعل وعلى أخذ نفسه بمثل ما أخذها به.‏

يمضي عشرات السنوات في دراسة الإلياذة، ويتعلم جميع اللغات التي توطئها له، ثم يزور مواطن حوادثها قبل أن يشرع في الترجمة ويلزم نفسه بترجمتها شعراً، ثم يضع لها من الشروح والحواشي ما يساوي كتاباً كبيراً كثير الفوائد عدا المقدمة التي تضاهي أكثر من كتاب ثمين من حيث إفادة كل طالب علم وكل باحث في الأدب والتاريخ ومقارنة الآداب والأساطير وفي أصول الترجمة والتعريب.. ثم يقول بصدق العالم المتواضع: "فإن أحسنت وفيه منتهى جهدي فذلك من حسنات الاجتهاد وإلا فحسبي أن أفتحه باباً يلجه من‏

وفقه الله إلى سبيل السداد."‏

إن النظرة العلمية التي تعتمد المنطق السليم ومناقشة المعطيات التاريخية ومقارنتها واستخلاص الأحكام الأقرب إلى منطق الأمور هي بعض صفات أسلوب سليمان البستاني، وإننا لنلمس أيضاً بعض سمات أسلوب الجاحظ وطريقته في التأليف إذ يفرّع الموضوع ويشعبه فينتقل مستطرداً من فرع إلى آخر حتى يشبعه تدقيقاً وشرحاً ثم يُجمل الرأي فيه فلا نشعر في سفرنا معه بالضيق أو الملل، فهو يعرف إلى أي حد يسير في الأمور ثم يقف حيث ينبغي أن يقف بعد أن يقتنع ويقنعنا بجدوى ما فعل وبأن الثغرات التي بقيت والمسائل التي لم تستوف حقها الكامل الشامل ليست بذات كبير شأن، فهو يقدم لنا الجوهري من الأمور ويعالج الأساسي من المسائل.‏

بعد إهداء الكتاب إلى والده خطار سلوم نادر البستاني وديباجة الكتاب الموجزة والغنية نصل إلى المقدمة فنعرف من هو هوميروس بما لقب به ونعرف أن المؤرخين قد اختلفوا في اسم صاحب الإلياذة.. وهوميروس تعني الضرير.. ومنذ الصفحة الأولى نعرف أننا أمام عالم موسوعي الثقافة يعرض المسائل عرض الخبير المتمكن فنطلع على أهم ما قيل حول نسب الشاعر ومولده ونشوئه ومدرسته وأسفاره وشروعه في قرض الشعر فمرضه ووفاته وذلك كخلاصة لترجمة نص هيرودوتس المؤرخ لهوميروس. ثم يناقش ما تقدم ويقول: "وحاصل القول إنه كان للقدماء مزاعم كثيرة في هوميروس مما أسند إلى السلف وتنوقل بالتواتر أو استنبط من فقرات من أناشيده" ثم يناقش زعم بعضهم أنه ولد في مصر واتصل بالعامة وبالكهان والأحبار ويرد ذلك، دون أن يجزم في الأمر، إلى رغبة الكثيرين في انتحال نسبة هوميروس ويتطرق إلى قولهم إنه ربي في حجر بنت عظيم الكهنة ويرى في ذلك تحريفاً لنص التوراة في نشأة موسى. وهذه مسألة قد يكون مفيداً الرجوع إليها والتفصيل في بحثها فقد يكون نص التوراة مأخوذاً عن القول الآخر. فنصوص الكثير من الأخبار والأساطير البابلية واليونانية والتوراتية متشابهة إلى هذا الحد أو ذاك، وبعد أن يعرض مختلف الآراء يرجح صدق ترجمة هيرودوتس.‏

ثم يتكلم على منزلته عند القدماء وينقل لنا قول اسطرابون: "إذا قيل الشاعر عُني به هوميروس" وإن رائد هوميروس هو الحقيقة وأما الخيال فإنما اتخذه حلية وشّى بها شعره فبهر بها النواظر.. ثم ينقل لنا أن أهالي ساقس شادوا له معبداً وعبدوه وتداولوا نقوده كما فعل أهل ازمير... ثم ينقل لنا رأي المتأخرين فيه ومنهم العرب ثم يحدثنا عن منظوماته وعن الأوذيسيه وعن معارضة الأوذيسية بالالياذة. ويمهد للكلام على الالياذة بشيء من التاريخ ثم يتكلم على موضوعها:‏

"حرب الإغريق والطرواد" وعلى نظمها وتناقلها شفاها حتى جاء زمن التدوين، ويكلمنا عن العميان وإنشاد الشعر ثم يصل إلى حفّاظ الشعر عند سائر الأمم وخصوصاً العرب. يقدم لنا الكثير من الأمور المفيدة ليعود إلى جمع الالياذة وكتابتها ويقدم زبدة ما قيل في هذا الموضوع ثم يبسط القول في سلامتها من التحريف والتصحيف ويتكلم على الدخيل عليها والمكرر من أبياتها وعلى ما أغلق عليه فهمه من أمور ويبدي الرأي في كل موضع فيناقش رأي العالم الألماني ووكف وسواه ليتكلم على وحدتها ثم يحللها ويشرحها متكلماً على الأشخاص والأعلام الجغرافية وارتباط أجزائها وفلسفتها وآدابها وسبب الارتياب في آراء الكتبه ثم يتكلم عليها وعلى معارف عصرها وعلى "الالياذة والتاريخ، والالياذة والجغرافية والالياذة وسائر العلوم" ويعجب لإلمام هوميروس بعلوم الطب من جراحة وتشريح وفيسيولوجيا ونبات وأدوية وعلاج ووصف الأمراض والأوبئة وعلوم الفلك والحرب والسياسة والحكومة والدين والفنون والصنائع ليصل إلى الكلام على سبب حياتها وخلودها فيقول: "فإن هوميروس إنما نقر على أوتار الأفئدة فأثارها ونفخ في بوق الأرواح فأطارها. ومزج الحقيقة بالخيال مزجاً يخيل إليك إنهما تآلفا فتحالفا. وسبر أعماق النفس في سذاجتها. وتحرّى الفطرة في بساطتها، وهاج العواطف والشعائر وتكلم بجلاء لا تشوبه مسحة التكلف فأسهب موضع الإسهاب وأوجز موضع الإيجاز ومثل تمثيلاً ناطقاً وفصّل تفصيلاً صادقاً عن عقيدة وإخلاص.‏

وإذا أضفنا إلى ذلك بلاغة الشعر وتناسق النظم ودقة السبك ورقة المعنى والسهولة والانسجام ذهبت عنك غرابة ذلك الخلود."‏

ثم يحدثنا عن انتشارها ونقلها إلى اللاتينية والهندية والفارسية والسريانية ولغات الإفرنج وإغفال العرب نقلها إلى لغتهم، ويرجع ذلك إلى ثلاثة أسباب هي: الدين وإغلاق فهم اليونانية على العرب وعجز النقلة عن نظم الشعر العربي.. ثم يعرض لنا موقفي النصرانية والاسلام منها.‏

وتحت عنوان "التعريب" يحكى لنا حكاية تعريبه الالياذة وما بذله من جهد في هذا السبيل. فبعد أن شرع يترجمها عن الفرنسية والانكليزية والايطالية رأى أن الرجوع إلى الأصل اليوناني أفضل فأخذ يتعلم اليونانية على معلم ضليع حتى أتقنها فاصلح الخلل فيما ترجمه وكان يعرض ما يترجمه منها على الشعراء والأدباء حيثما حل ويأنس بآرائهم. "وكانت الالياذة رفيقي حيثما توجهت أختلس الأوقات خلسة فلا تفرغ اليد من عمل إلا عدت إليها"... "وكنت حيث حللت أتوخى الاستفادة من أهل ذلك المحل ولا سيما الأستانة..."‏

وحين أكمل الترجمة عمل على وضع الشروح لها كي لا يقدمها "عارية" و "بغية أن يأنس القارئ العربي بالرجوع في نظره إلى أخلاق أمته في جاهليتها وفي بعض حضارتها والمشهور من أساطيرها وعباداتها والمأثور من آدابها وعاداتها ومناهج شعرائها وأدبائها ومواقف ملوكها وأمرائها وساستها وزعمائها والإعجاب باتساع لغته.. الخ"... " كل ذلك بالمقارنة والمقابلة مع ما كان من نظيره في الأمم الغابرة ولا سيما في أمم اليونان".. "ولهذا لم يكن لي بد من مطالعة الأسفار الطوال والمجلدات الضخمة من كتب العرب والأعاجم في الأدب والشعر والتاريخ. وإذا ألقيت نظرك على باب الشواهد في المعجم في ذلك الكتاب ورأيت أنني اضطررت إلى الاستشهاد بمئتي شاعر عربي بين جاهلي ومخضرم وموّلد فضلاً عما نقلته من شعر الأعاجم عذرتني على ما أضعت من الوقت في شرح الكتاب إذ ربما قرأت ديوان الشاعر كله طمعاً ببيت واحد. ولو جمعت الزمن الذي صرفته في النظم لما زاد عن نصف مثله مما صرفته في تدوين الشرح". ثم أشرف بنفسه على طبع الكتاب وكان المصحح له والمنقح.‏

ويحدثنا حديث الذين ينقلون لغات الإفرنج إلى العربية "وعلى أصول ابتدعوها فشطوا بأكثرها عن منهج الصواب" .. "فمن متصرف بالمعنى يزيد وينقص على هواه فيفسد النقل ويضيع الأصل.. ومن متسرع يضن بدقائق من وقته للتثبت من مراد المؤلف فيلتبس عليه فهم العبارة فينقلها على ما تصورت له لأول وهلة فتنعكس عليه على كره منه.. ومن ماسخ يلبس الترجمة ثوباً يرتضيه لنفسه فينقلب بالمعاني على ما يطابق بغيته ويوافق خطته حتى لا يبقي للأصل أثراً. ومن عاجز يجهد النفس ما استطاع وهو وإن أجهدها ما شاء غير كفوء لخوض هذا العباب" ثم يتكلم على السرقة والدجالين.. الخ.‏

ويتحدث عن النقلة العرب وعن طريقتهم في الترجمة: وضع كلمة عربية مقابلة للأجنبية أو صياغة الفكرة صياغة عربية سليمة بعد فهم المعنى وهو يفضل الثانية مع الحرص على نقل المعنى بأمانة ودقة..‏

ويتكلم على مسلكه في تعريب الالياذة فيقول: "وأقول زيادة للإيضاح إني وطنت النفس على أن لا أزيد شيئاً على المعنى ولا أنقص منه ولا أقدم ولا أؤخر إلا فيما اقتضاه تركيب اللغة" ثم يشرح لنا بإسهاب خطته فندهش لدأبه وسعة علمه وشدة اخلاصه فنتمنى لو يأخذ جميع المترجمين أنفسهم بشيء مما أخذ نفسه به أو أن يطلعوا على ما أختطه في الترجمة.‏

ويعرض لنا طريقة ابن خلدون الواردة في مقدمته ويتكلم على "النبر" والتصرف بالحروف والحركات وعلى الألفاظ المعربة من اليونانية ثم ينتقل إلى الكلام على "النظم في التعريب" فيتحدث عن تردده إذ ليس ثمة أصول وضعها السلف ويصعب علينا وضعها فيتقيد كل بحر من بحور الشعر بباب من الأبواب وكل قافية لمعنى من المعاني.. ثم يقول: "والقريحة الجيدة نقادة خبيرة إذا طرقت باباً انفتح لها ملء رغبتها فتقع على البحر والقافية وهي لا تعلم من أين تأتى لها أن تقع عليهما وإنما هو الشعور الشعري يدفعها إلى حيث يجب أن تندفع" ولكي نصقل هذا "الشعور الشعري" أو القريحة ينصحنا بتلاوة الشعرالجيد.‏

ويحدثنا عن أوزان الشعر العربي حديث خبير بها فندهش ونتعلم، ويقارنها بأوزان الشعر الفارسي ثم يحدثنا عن القوافي والأوزان اليونانية والإفرنجية وصولاً إلى القوافي في لغة العرب فيتكلم على "تناسب القوافي والمعاني" وعلى "القوافي الضيقة والثقيلة" وعلى "رنه القوافي" ليصل إلى "جوازات الشعر" ويقدم لنا لائحة بما استباحه لنفسه من تلك الجوازات وما أنكر منها.‏

ثم يصل إلى "عيوب القافية وسنادها" فيشرح كل ذلك شرحاً محكماً ثم يتكلم على تكرار القافية الذي لم يستبحه فلم يكرر قافية واحدة في نظم الالياذة وهي في أكثر من ألف صفحة. وكذلك لم يتوخ التجنيس الثقيل..‏

وينتقل إلى الكلام على "ضروب النظم في التعريب" فندهش لسعة اطلاعه وطول باعه.‏

وتحت عنوان "الالياذة والشعر العربي" يتناول المسائل التالية: "الشعر القديم" "أصله" "طقوسه" "عكاظ" "القرآن ولغة قريش" فيعرض الأمور بإيجاز ووضوح ثم يصل إلى "مقابلة بين لغة قريش المضرية ولغة الالياذة اليونانية وكيف عاشت الأولى وتلاشت الثانية" وينتقل إلى "اطوار الشعر العربي أو طبقات الشعراء بالنظر إلى زمانهم ومزية كل طبقة منهم" ويتكلم على "النهضة الجاهلية" و "الحد الفاصل بين شعراء الجاهلية والمخضرمين " ويورد تحت عنوان "الطبقة الأولى أو شعراء الجاهلية" قصائد لكبار الشعراء مثل مهلهل وعبدة بن الطبيب وبشر بن عوانه والسمؤال وزهير وعنترة ويقارن بين نفسهم ونفس هوميروس.‏

ثم ينتقل إلى "الطبقة الثانية أو شعراء المخضرمين وشعراء الدولة الأموية، ويقدم نماذج شعرية كثيرة ويشرحها ثم يتكلم على "الطبقة الثالثة" من شعراء العصر العباسي فيقدم لنا الشعر والتاريخ معاً ثم يقدم لنا "نظرة في شعر المولدين" ويقدم خلاصة أراء القدماء والمعاصرين له ويناقش شتى النظرات والآراء، ثم يعرض "مناهج المولدين في أبواب الشعر وفنونه وأساليبه" ليصل إلى "علوم الأدب عند المولدين" فيتكلم على العروض واستنباط الخليل بن أحمد له ويذكر أن العروض العربي "مختلف في جميع أوضاعه عن عروض اليونان ومن جرى مجراهم" وينفي صحة قول ابن المقفع: "علم الخليل أكبر من عقله" ويعجب بكمال عمله. ويذكر ما استعمل المولدون من الأوزان الفارسية ويعدده.‏

ثم يتكلم على البديع وتفنن المولدين في الصناعة الشعرية وعلى البيان ثم ينتقل إلى "أطوار شعر المولدين ومزاياه" ونقرأ رأياً عميقاً وحصيفاً في كل ما يكتب.‏

ومن "طبقة المحدثين أو المتأخرين" ينتقل إلى "الشعر العصري" ثم إلى "الملاحم أو منظومات الشعر القصصي" فيورد لنا رأياً في أصل كلمة ملحمة وأنه فضل استخدامها على استنباط كلمة أخرى، ومن ثم يتكلم على "ضروب الشعر عند الإفرنج" وتقسيمهم الشعر إلى قصصي ومنه الملحمي وإلى غنائي والحاقهم الشعر الدرامي بهذين البابين ويقارن بين هوميروس وشكسبير وكورني وغوته.‏

ويتكلم على "ملاحم الأعاجم" فيوطئ لذلك بالكلام على شعر قدماء المصريين والهنود والعبرانيين "في التوراة" والجرمانيين والسكندنافيين ثم اليونان فالرومان فالفرنسيين ويعرج على شهنامه الفردوسي الفارسي ومنظومة شهودي التركية ثم ينتقل إلى "ملاحم العرب" فيؤكد أن أيوب عربي وإن سفر أيوب في التوراة ملحمة عربية الأصل متقدمة بوضعها على ملاحم اليونان. ثم ينتقل إلى "نظرة في الجاهليتين، جاهلية العرب وجاهلية اليونان" فيعرض الآراء ويناقشها ويقدم الأدلة والشواهد والمقارنات، بين طباع الناس، قبائليتهم وتفانيهم في القتال، وتحالفاتهم وغير ذلك ثم يتكلم على "ملاحم الجاهليين" كلاماً فيه عمق التفكير والرصانة العلمية وحصافة الرأي وسعة الاطلاع، ثم يتكلم على "جمهرة أشعار العرب" و "ملاحم المولدين" ويضع في مقدمتها مكانة "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري.‏

وتحت عنوان "الحقيقة والمجاز، التشبيه والكناية والاستعارة" يعرض لنا نظرة هوميروس إلى الحقائق وإمعانه في أحوال الطبيعة وكيف عمد إلى الرسم بلا تكلف ولا تأنق... ولكنه أكثر من التشبيه والمقابلة حتى ألمَّ بكل أحوال البشر، ويقارن بين تشابيهه وتشابيه الشنفرى وعنترة وغيرهما ويعرض لنا سمات أسلوبه، ثم يعرج على "البديهات" وعلى "النقل والسرقة وتوارد الخواطر" في الشعر العربي ويقدم الكثير من الأمثلة ثم يورد بعض ما نقله فرجيليوس عن هوميروس وما نقله عنه تاسو الإيطالي وملتن الانكليزي وفولتير الفرنسي وغيرهم..‏

ويعرض تطور الأذواق الأدبية الجمالية عبر الأزمنة تحت عنوان "فعل الحضارة في استهجان المستحسن واستحسان المستهجن في التشبيه والمجاز" ويقدم الأمثلة الوفيرة والمقارنات الكثيرة على عادته ثم يتكلم على "مزية العربية على لغات الافرنج في هذا الباب."‏

ونصل إلى "الخاتمة" ولقد قيل ختامها مسك، ونحن هنا عند مسك المسك.. فمقدمة الالياذة كنز حقيقي من العلم والفن والأدب والطيب الفاخر فما بالك بختامها الذي هو مسكها.. إنها نشيد ختام رائع لملحمة نثرية علمية أدبية رائعة كتبها سليمان البستاني وأطلق عليها اسم "مقدمة" فهنا كلام، وأي كلام، على الشعر والموهبة وسمات اللغة العربية وغنى الشعر العربي وسماته، وهنا مقارنة بين العربية واليونانية وسمات كل منهما.‏

"فخزانة العربية أجمع وثروتها أوسع بما حوت من الألفاظ المفردة التي لا يعبر عنها في لغات الأعاجم إلا بعبارات" ولكن للعربية مزيتين في مفرداتها تقصر اليونانية وسائر اللغات عن مجاراتها فيهما، وهما كثرة المترادفات الدالة على المعنى الواحد وتعدد المعاني للفظة الواحدة" ويعدد سمات اللغة العربية تعداد الخبير العارف أفضل معرفة ويقارن المترادفات أو ماصار بحكم المترادفات في لغته ويشير إلى الفرق الدقيق بين الكلمة والأخرى.. ثم يتبرم بإيصاد باب العربية أمام الاجتهاد ويدعو إلى فتح باب التمحيص والتهذيب تتبعاً لخطة السلف وإيداع لغتنا "كل ما بدر وصدر من نتاج العلم أو اقتضته ملابسة سائر الملل" ويورد الكثير من الأمثلة على ما فعله أجدادنا في هذا الباب.‏

ويعبر في ختام الخاتمة عن تفاؤله: "ولكن تيار الأفكار إذا اندفع بأمة قضّ السدود وتجاوز الحواجز. فإن أبناء العربية شاعرون أن حياتهم بحياة لغتهم وقد علموا الآن أنه لا معين لهم غير أنفسهم على بلوغ أمنيتهم منها... ويقول في مكان آخر: "والشعراء من توابع اللغة ولوازمها فإذا ارتفع شأن اللغة فبشر الشعراء"‏

وإني، بعد أن قرأت الالياذة وشرحها مراراً، لاستغرب قول مارون عبود: "فياليت سليماننا عربها نثراً " فسليماننا" قد نظمها شعراً وعربها نثراً وشرحها شرحاً وافياً وقدم لنا موسوعة كاملة وفريدة في نوعها حول أبطالها وأساطير اليونان عامة وأساطير العرب وغيرهم وحفظ لنا من كلمات لغتنا الشيء الكثير وقارن الآداب فكان رائداً في مثل هذه الترجمة الفريدة للعصور والأزمنة وكان رائداً في إرساء أسس الأدب المقارن الحديث. وإنه لعالم وأديب حقاً.‏

ويمر في خاطري ما يجري الآن فأسأل مضطرباً: هل مضت أزمنة مثل هذه الأعمال الكبيرة إلى غير رجعة؟ أيكتسح سيل الإعلام الاستهلاكي حصون الثقافة العامة ويدمرها كما تحاول التفاهة أن تدمر كل شيء غير تافه؟ هل يلتفت المثقفون التقدميون والوطنيون إلى هذا الخطر ويحاربونه متى؟ وكيف؟‏

وأين هي المؤسسات التي ستقوم بذلك؟ ومن سيقيمها؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244