وجوه ومرايا شـيء مــن الســيرة وشـيء مـن الـنقد - ميخائيل عيد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:51 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

الحداثــــة فــي حــركة الشـــــــعر العربــي المعاصــر

ليس الموضوع جديداً، ولكن الكتاب الذي يحمل هذا العنوان هو الجديد، وإنها لشجاعة أن تأتي بدلوك إلى بئر كثر الواردون إليها، وأن تسعى إلى أن تقول جديداً في موضوع كثر دارسوه.‏

كانت هذه الفكرة تراودني وأنا أقلّب صفحات الكتاب الذي صدر عن مطبعة الجمهورية للدكتور خليل الموسى ولكنني لم ألبث طويلاً حتى أبعدت كل التخوفات والأسئلة..‏

وكانت الرحلة مع الكتاب جميلة ومفيدة.‏

إنه لحدث سعيد أن تقع على كتاب جميل، على كثرة ما يصدر من كتب، وإنه لأمر جميل أن تكتشف أبعاداً جديدةً في صديق كنت تعتقد أنك تعرفه جيداً.‏

الدكتور خليل الموسى باحث مجتهد يكتب في موضوع تخصص له... وقد عالج الكثير من موضوعات الحداثة في مقالات وأبحاث نشرت في الصحف والدوريات، وكان جاداً في معالجاته... ولكن معالجة الموضوع في كتاب تبقى مسألة أخرى، مسألة فيها شعور أكبر بالمسؤولية وفيها أيضاً شيء من المغامرة.‏

يتجلى الشعور بالمسؤولية وعنصر المغامرة في الكتاب من الصفحة الأولى حتى الصفحة الأخيرة، فالكتاب حسن التبويب، والأبحاث تنتقل من المقدمات الضرورية إلى الاستنتاجات المقنعة، بعد أن يقف الكاتب وقفة كافية عند الأمور المفصلية، وهو، وهنا عنصر المغامرة، يبذل جهداً كي لا تكون دراسته حجراً يلقى في الماء من أعلى فيثير دوائر على السطح ثم تسكن المياه، إنه يتوغل في عمق المسائل ثم يحاول أن يحرك المياه من الأعماق.. إنه لا يدرس المعطيات وحسب بل هو يناقش المسائل ويبحث عن حلول، ويصوغ آراء ويطرح أسئلة..‏

وليس بالأمر الهين أن ترج الأعماق.‏

ثمة باحثون يتجنبون المسائل الشائكة أو يدورون حولها، أما الدكتور خليل الموسى فيواجهها متقحماً ومسلطاً الضوء على جوانبها المتعددة، أو منقباً عن جذورها الضاربة في أعماق الحياة الثقافية قديماً وحديثاً، والجميل في أمره أنه يبحث الأمور الغامضة بوضوح ويخلص إلى آراء واضحة وصريحة قد تختلف معه بشأنها، وهذا طبيعي في مثل هذه المسائل، ولكنك لا تخرج من حوارك معها أو معه إلا وفي ذهنك أسئلة أو إشارات إلى أجوبة.‏

يلي المقدمة الوجيزة فصل "الحداثة في الحياة والأدب" وهو كالمقدمة فصل وجيز، نسبياً، حشد فيه الباحث مسائل شتى تصور لنا محطات درب الحداثة الرئيسة عبر المدارس التي سبقتها: "لاسيما المدرسة الرومانسية التي قوضت أركان القديم ووزعت بذور الثورة في كثير من جوانب الحياة والأدب.." (الحداثة في حركة الشعر العربي المعاصر... ص9)‏

ثم تأتي الرمزية وبودلير ورامبو ومالارميه، وبروتون، وبيرس، ويمر سريعاً بالسوريالية وفرويد والمادية والخ. وكل ذلك في أوروبا خصوصاً والغرب عموماً ثم نصل معه إلى العالم الثالث والعرب منه، ومن هناك نصل إلى قوله: "فجاءت الحداثة مقلوبة، ودخل العرب عصرها مستهلكين"(ص11)‏

ويورد لنا رأياً ليوسف الخال في الحداثة ثم يورد آراء لادونيس ويتكلم على اتصال الحداثة في الأدب بالحداثة في الحياة، وعلى كوننا مستهلكين نستورد "التيارات الفكرية والايديولوجية والأدبية والفنية" (ص12) ثم يصل إلى القول: "ولم تكن الحداثة أول ما استوردناه ولن تكون آخر ما نستورده"(ص13) وهو يرى ذلك كله مشروعاً ولكنه يرى فرقاً بين التأثر السلبي الذي هو نقل وتقليد وبين التأثر الإيجابي الذي يجاري المرحلة العربية الراهنة" (ص13)‏

ويمايز بين الحداثة والمعاصرة ويناقش المصطلحين، ويمايز بين مفهوم الحداثة ومفهوم التجديد ويخلص إلى القول: "وقد يكون التجديد، في بعض صوره، تمهيداً للحداثة، ولكنه ليس الحداثة نفسها" (ص17)‏

ويمضي قدماً ويظل متماسك المنطق واضح الرؤية والعبارة ويخلص إلى القول: "تكون الحداثة، إذاً، في النص لا في الشاعر، وتكون في الأغنية لا في المغنى، وتكون في اللوحة لا في الرسام" (ص19)‏

ويقارب مفهوم الأصالة ويناقش أقوالاً لأدونيس وسواه ثم يعرّج على مفهوم التراث بعد أن يمر بالتقليد والتجديد ثم يصل إلى القول: "حتى إن العالم نفسه لا يقبل على حداثتنا إلا إذا كانت جديدة مختلفة عن غيرها، تبرز فيها تجاربنا وهويتنا"(24) وهو هنا يعلن أن تقليد الغرباء لا يختلف في الجوهر عن تقليد الأهل. والمسألة هنا ذات دلالة محددة تماماً.‏

في الفصل الثاني من كتابه يعالج الدكتور خليل الموسى "الموضوعات في حركة الحداثة الشعرية" وندخل معه حديقة الثقافة الشعرية في الشرق والغرب، وفي أزمنة متعددة، فنقطف ثمرة أو نشم وردة، أو نقتلع شوكة، ثم نتنقل ما بين مواضيع منها الشاعر والمدينة حيث نسمع أصوات الشعراء الذين فخروا بالمدن، وأصوات الذين ضاقوا ذرعاً بها، ثم نمر بموضوع الشعراء والمرأة فنسمع أصوات الرومانسيين في الأدبين الغربي والعربي، ونسمع أصوات السورياليين قبل أن نصل إلى صورة المرأة في حركة الحداثة حيث نرى وجه المرأة في شعر السياب، وجه المرأة الأم والمرأة رمز الخصب والمرأة العاثر، والمرأة المومس، ثم نرى وجهها عند خليل الحاوي حيث هي "عنصر درامي يقوم الشاعر بوساطته على تشكيل التضاد والمفارقة في بنية القصيدة المتكاملة" (ص47). ونرى كيف يحولها الزمن إلى "عجوز شمطاء"(ص49) ثم نرى وجهها عند ادونيس والبياتي قبل أن نصل إلى موضوع "الزمن والإنسان" ونسمع آراء الفلاسفة، ونرى كيف استعمل الأدباء "الزمن الذاتي" والزمن "السلبي والإيجابي" وكيف رأى الرومانسيون الزمن وكيف رآه الرمزيون ثم نصل إلى الزمن في حركة الحداثة حيث يبدو موضوع الزمن في حركة الحداثة متكاملاً -تجربة ورؤية - في أعمال خليل حاوي (ص56)‏

تأخذ تجربة خليل الحاوي الزمانية أو موقفه من الزمن جل اهتمام الباحث، فنراه يسهب في معالجة المسألة ويعطيها ما تستحقه من التحليل.‏

وفي موضوع "الموت في الشعر" يعرض مواقف شتى من الموت، ونسمع دبيب الموت في مفاصل الأحياء، ونسمع عويل الشعر الكلاسيكي ونواحه على الفقيد ونرى فرح المتصوفة به، ومن ثم ينتقل الباحث إلى الكلام على الموت في حركة الحداثة، ونرى أن الموت ينقسم عند الحداثيين إلى موت شخصي، وإلى موت فداء، وإلى موت حضاري (ص74 ومايليها)‏

يقف الباحث طويلاً عند الموت الشخصي في شعر السياب، فنقرأ مأساة الشاعر وندخل إلى جحيم حزنه، ونتمنى لو نستطيع أن نفعل شيئاً، ولكننا نصدم بجدار المستحيل فنأسى ونبقى أسرى رنات الحزن، وأسرى أصداء اللهفة والحنين...‏

ويتكلم الدكتور موسى على موت الفداء عند الشعراء التموزيين بإيجاز، فهذا الموت اتحاد بالألوهة وانتقال من عالم التغير إلى عالم الثبات، أو هو انتقال من العالم الزمني إلى العالم اللازمني ويتمثل في الاستشهاد، فالعاشق إذا مات في سبيل قضية كبرى توحد بالفينيق أو تموز أو بعل أو السيد المسيح ويبقيه هذا التوحد حياً" (ص81)‏

ثم يتكلم على موت الفداء عند السياب وأدونيس، والبياتي وأمل دنقل ومن ثم يصل إلى الموت الحضاري الذي هو "نقيض لموت الفداء" وهو موت الأمة التي لاتجد من يفتديها من أبنائها" (ص84) فيتكلم على هذا الموت عند السياب والحاوي.. وهو يرى: "أما شاعر الموت الحضاري فهو خليل حاوي" (ص85) ولكنه لا يسهب هنا فقد ألمح إلى هذا الموت كثيراً في كلامه على "الزمن والإنسان".‏

في الفصل الثالث نقف مع الباحث عند "العناصر الجمالية في حركة الحداثة الشعرية" ونتقدم معه نحو الأعماق حيث التفجرات والتيارات المتضاربة.. والوقوف هنا شديد الحساسية، شديد الخطورة، فأنت على ما يشبه شعرة الصراط، والمهاوي كثيرة والنظرات متضاربة.‏

وإذا كان الخروج من "الموت الحضاري، ومن الزمن الفاسد والمكان الموبوء"عند خليل حاوي متاحاً بعبور "الجسر" وهو هنا جسر التضحية في سبيل المستقبل فإن الجسر الموصل إلى معرفة جوهر الفن وتحديده لم يقم بعد، ثمة دروب ضيقة جداً يضيع فيها من السالكين أكثر بكثير ممن يكادون يصلون...‏

فأين هي، مثلاً، الحدود الفاصلة بين مانسميه الموسيقا الداخلية وبين ما نسميه الموسيقا الخارجية، وهل الداخل.. منفصل عن الخارج في الشعر؟ ألا يدور خلاف كبير حول الموسيقا في القصيدة؟‏

ألا نزعم أن لكل قصيدة حقيقية وقعها الفريد؟ وهل زعمنا هذا يعني الزعم بأنها مستقلة تماماً عن سياق الشعرية التاريخي نغمياً؟ وإذا كان الجواب سلباً فأين هي حدود الخاص والعام وما دور الكلمة في سياق القصيدة الحديثة والقديمة، وما الدور الذي يلعبه الجو الشعري في توهج الكلمة المفردة وتحويلها إلى عنصر جمالي، إلى عضو حي في جسد القصيدة؟ وإذا كان الدارسون يبيحون لأنفسهم تقسيم موسيقا القصيدة إلى داخلية وخارجية تسهيلاً للبحث فهل الأمر كذلك في الواقع؟ وهل الكلام على المفردة النثرية والمفردة الشعرية كلام دقيق وليس محتاجاً إلى شيء من التدقيق؟‏

الأسئلة كثيرة، كما ترون، والموضوع فائق الرهافة والهشاشة، ولا يتوقعن أحد أن يستطيع علماء الجمال في المستقبل القريب الوصول إلى الأجوبة الشافية والكافية...‏

الدكتور خليل الموسى يتقدم بحذر حاشداً إلمامه الواسع بالمسألة، مستعيناً بتجارب الباحثين من عرب وأجانب واضعاً في اعتباره أنه استاذ جامعي وأن الجانب البحثي- التعليمي ينبغي مراعاته، فهو يسهب في بعض المواضع بعض الإسهاب ويورد بعض الأمثلة.. فهو يرى أن "الإيقاع الشعري ذو وترين متلازمين يعزفان ويؤثران معاً في نفس المتلقي وفي أذنيه، وهما وتر خارجي يتجلى من خلال النغم الصوتي المتمثل في الوزن والقافية، ووتر داخلي يتجلى من خلال النغم النفسي العميق...(ص 93).‏

وبعد أن يؤكد أن الموسيقا "أحد مكونات الشعر" (ص94) يتكلم على "الموسيقا الخارجية" التي تتألف من "الأوزان العربية المعروفة والقافية" (ص94) ثم ينتقل إلى الموسيقا الداخلية "التي تتوالد من الموقف النفسي الذي يوحد الوترين معاً، وتصبح الحالة الصوتية صدى للحالة الداخلية" (ص94-95) وينتقل من التعميم إلى التخصيص، ويزداد الأمر تعقيداً، وتكثر الأسئلة. يقول على الصفحة 97: "إذا كان الشعر فاعلية لغوية فهذا يعني أن جوهر الشاعرية وسرها في اللغة كما أن جوهر اللوحة وسرها في تناسق ألوانها وجوهر القطعة الموسيقية وسرها في تناغم أصواتها، وهذا يعيد القول في أن اللغة ذات استعمالين، استعمال نثري واستعمال شعري. وليست لغة النثر غاية في ذاتها وإنما هي وسيلة إلى غاية وهدفها في الفائدة الناجمة عن موضوعها"‏

"أما لغة الشعر فهي نقيض لغة النثر ولذلك هي غاية في ذاتها، وهي لا تقدم فائدة بمقدار ما تصنع فناً، وبلاغتها في خروجها على المألوف وتحليقها في عالم الأعماق.. الخ"‏

فهل الشعر فاعلية لغوية صرف، أم هو فاعلية شعورية أو كينونية أداتها اللغة؟ وهل الكلمات في النثر غيرها في الشعر أم أن التفريق هنا غير دقيق، أم أن الوسط أو الجو النثري والشعري هما المختلفان. وإذا كان ممكناً التفريق بين النثري والشعري فهل الفارق في الكلمات أم بدرجة الكثافة ومقدار الشحنة الروحية الشعورية فيها؟ أليس النثر والشعر أصلهما الكلام وأداتهما الكلمات؟ ألا يرقى بعض النثر درجات على سلم الفن حتى يداني عتبه الشعر؟ أليس في ما نسميه الشعر، وحتى أرقاه، الكثير من العنصر النثري؟ وهل صحيح أن لغة الشعر غاية في ذاتها؟ أليس صنع الفن هو الفائدة من الكلام؟ وما معنى الفائدة هنا؟ إن استعمالها غير محدد.. فكيف تكون للكلمة في النثر فائدة ولا تكون لها في الشعر؟ وهل كلمة النثر لا أعماق لها؟ ولماذا نحدد الأعماق ولا نتكلم على العلو والرحابة؟ ألا يفقر النظر إلى العمق وحده الشعر كثيراً ويجعله أحادي البعد.؟‏

وثمة مسألة أخرى: هل توجد كلمات شعرية بذاتها وأخرى غير شعرية بذاتها؟‏

وإذا كانت الكلمة الشعرية "تسمو بمقدارما تعبر عن الذات التي صدرت منها" (ص97) فهي إذن وسيلة تعبير عن الذات على الأقل وليست غاية في ذاتها... ثم ألا تسمو الكلمة النثرية "بمقدار ما تعبر عن الذات التي صدرت منها؟"‏

يعود الدكتور خليل الموسى إلى هذه المسائل في أكثر من موضع فكأنه يحس في أعماقه اضطراب "التعريفات" و "الصفات" التي يطلقها علماء الجمال على الجميل، والصفات إشارات إلى الشيء وليست الشيء، وهو يحس أيضاً خطورة أن نفصل اللغوي عن النفسي في الأدب.. إن الجميل حقاً هو الذي يدمج الكل في واحد.. الفن هو خلق كيان عضوي حي وفريد لا يتكرر، وكل تقطيع لأوصاله يشوهه... واللغة هنا كما في النثر أداة ولكن الفرق في كيفية الاستعمال ودرجة الحرارة.. وجمال العزف لا يرتبط بهذا الوتر أو ذاك وحسب، فثمة مكان أيضاً لبراعة العازف.‏

وإذا كان الرمزيون قد "قدّسوا اللغة الشعرية" فإن أسلوبهم في التعبير هو المتميز وليس الكلمات.. لقد جهدوا كي يستعملوا اللغة استعمالاً غير مألوف، وهذا طبيعي، فالمألوف نقيض الإبداع الحق. وإذا اهتموا "بجمالية القبح" وسواها فالمسألة هنا مسألة مواضيع وليست مسألة لغة وحسب.‏

إن الكثيرين من دارسي الشعر الحديث يوردون الحوار القصير الذي دار بين "إدغار ديغا" و "مالارميه" لقد اشتكى "ديغا" من ضياع النهار وهو يحاول أن يكتب قصيدة وقال:‏

- "ومع ذلك ليست الأفكار هي ما ينقصني، فإنني مفعم بها" ويقول مالارميه:‏

- "ليس بالأفكار تصنع القصائد يا ديغا، وإنما بالكلمات" (ص98) وصار قوله هذا آية منزلة أو ما يشبه الآية المنزلة "فهل المسألة كذلك فعلاً؟‏

نعرف جيداً أن الشعر ليس أفكاراً وحسب، ولكننا نعرف أيضاً أن الشعر ليس كلمات وحسب، قد يكون، مثلاً، نضال باللغة ضد اللغة، ولكنه نضال ضد المألوف و الآسن في اللغة والفكر معاً وفي الحياة أيضاً.‏

أجل، إن الشعرالذي لايصنع بالأفكار وحدها لا يصنع بالكلمات وحدها. فثمة ملاط سحري، ومنظومة معقدة من العناصر والوشائج، وليس الفكر خارجها، وهي التي تصنع من الكلمات بناء شعرياً، ومن الألوان والخطوط لوحة فنية، ومن الأنغام عملاً موسيقياً.‏

قال القدماء: "التفكير تذكر" ونحن نتذكر أكثر مما نفكر، وأدوات تعبيرنا تحمل ذاكرات عديدة.. والإبداع تجاوز للذاكرات أو تقدم عليها نحو الآتي.. ومن هنا ندرة الإبداع وصعوبة الوصول إلى الجميل والشعري، ومن هنا صعوبة الإيصال والتواصل... فاللغة كثيفة وكتيمة.. ولتحويلها إلى أداة حسنة الشفافية والإيصال يلزم الكثير من الصقل والكثير من الحرارة الداخلية.‏

ويمضي الدكتور خليل الموسى في مثل هذه الدروب الوعرة.. يعرض وجهة نظر "البيريس" و "رولان بارت" الذي يقارن الكتابة الصفراء الكلاسيكية بالكتابة البيضاء أو الكتابة في درجه الصفر، الحيادية، الطليعية التي ليست سوى "كتابة تحررت من عبودية الشكل والطبقات وهي متناقضة مع الثقافية أو الذهنية، ومن هنا براءتها" (ص98- 99)‏

ولكنا نعلم أن الشكل هو الماضي، وإذا كانت الطليعة متناقضة مع الثقافية أو الذهنية فهي تولد منها على كل حال كما يولد الحاضر من الماضي.. وإذا كانت طليعية فعلاً فهي تكملها.. فالعاديون ديمومة للماضي، والمبدعون اكمال له وخطوة نحو المستقبل أو وصول إلى الحاضر على الأقل.. والبراءة ليست نوعاً من "العودة إلى البراءة الأولى في الكلمات" كما يرى بارت. إن الحداثة الحقة، في نظري، ليست عودة إلى الماضي البريء بل هي تطور في الحاضر... فللحاضر براءته وله عناصره الأولية أيضاً.. إن الدهشة البريئة أو البراءة المدهشة تولد كل لحظة، والمسألة هي: كيف نزيح تراكمات الذكريات ونصل إليها؟‏

وتدهشني تبسيطيه جان كوهين إذ يقول: "فاللغة الطبيعية، تحديداً، هي النثر، أما الشعر فهو لغة الفن، وهذا يعني أنه مصنوع" (ص99)‏

إن أقل ما في الشعر من الشعرية هو الصنعة.. وقد نجد في بعض النثر الرديء من الصنعة أضعاف ما نجده منها في بعض الشعر الجيد.. والمزالق هنا ناجمة عن محاولة تعريف ما لايمكن تعريفه.‏

والانزياح الذي هو شرط "أساسي وضروري في النص الشعري" (ص99) ليس صنعة لفظية وحسب فللعمل الشعري، والغني.. عموماً منطقه الخاص، وجوّه الخاص وبنيته الخاصة وليس للغة الشعر قوانينها بل حياتها التي تتمثل في كونها جزءً من النص المحدد ولا قيمة فنيه لها خارجه. إنها الشفافية والرهافة في مقابل الكثافة ... والانزياح يكون في النثر الجيد، بل يكون في كل ما هو جيد من شتى الفنون.‏

إن الكثيرين من الباحثين في المسائل الجمالية يشرحون الشيء بإحالته إلى نقيضه، فكيف تكون الحال حين يكون النقيض الذي نحيل إليه غير محدد؟. ثم هل نقبل زعمهم أن الشعر نقيض النثر؟ إنه شقيقه الذي يفارقه في كثير من السمات النوعية أحياناً، ولكنه ليس نقيضه على كل حال...‏

ويطلب منا بعض الباحثين في الغرب والشرق أن نعالج النص بمعزل عن كلماته ثم يطلبون منا أن نعالج الكلمات خارج النص، وهذا يوقعنا في مطبات كثيرة وخطيرة جداً... فلا نص بلا كلمات ولا قيمة جمالية للكلمات خارج النص.. فهي في النص تصير جزءً مكوناً من كيان عضوي شعري مرهف، وهي تكون كذلك في النص النثري الجيد أيضاً. إذ لكل كائن كيانه الخاص وجماله الخاص، والشعر لا يمتاز على النثر بالكلمة المفردة بل بسبيكة كيانه العضوي الجديد بكاملها.‏

وفي كلامه على "النص المفتوح"، أو الموّار اللامنتهي" يذكر الدكتور الموسى أن أمثال هذا النص" تحمل في ذاتها خصوصية سرية، يقبل عليها القارئ ويقبلها، ويحدث بينهما الحوار والتفاعل، سواء أكان النص معاصراً أم كان قديماً" (ص102)‏

لقد ذكرتني هذه "الخصوصية السرية بالمغنية وحيد التي قال فيها ابن الرومي:‏

"يسهل القول إنها أجمل الخلق طراً ويصعب التحديد"‏

نعم... ستبقى "الخصوصية السرية" تشير إليها الكلمات ولا تفيها حقها، فالإسم يدل على الشيء ولكنه ليس الشيء أو كما قال جلال الدين الرومي:"اسم الوردة ليس الوردة" ستبقى هذه الخصوصية عنصراً لا يمكن شرحه، لأنه يبقى سرياً.. والشرح هو إحالة ما لانفهمه إلى ما نفهمه كما يقول القدماء.. فهل يفسر السر بما ليس سراً؟‏

وتستوقفني في كلام الدكتور الموسى على الصورة في حركة الحداثة الشعرية مسألتان على قدر كبير من الأهمية، خصوصاً وهو يعرض المسألة عرضاً ضافياً وجميلاً وفيه الكثير من الفائدة.. (ص104-105)‏

المسألة الأولى هي أن الكلام على "جمال القبيح" هو كلام على جمال الجميل في الجوهر.. إنها إعادة اعتبار للجميل الذي أضيفت عليه، لاعتبارات غير جمالية، أحكام قيمة غير معلله جيداً.. إنها أحكام نجمت عن النظر إلى القشور دون اللباب.‏

والمسألة الثانية هي أن الفكرة لا تتبع الصورة بل تنبثق من الصورة ولا تنفصل عنها، وليست المسألة مسألة تابع ومتبوع..‏

ثم أمرّ سريعاً بالكثير من التحليلات الجميلة.. وبالكثير من الاستنتاجات المفيدة جداً، والمستندة إلى إحساس جمالي مرهف وإلى فكر نافذ... ثم أتوقف عند كلامه على أراغون الذي استطاع: "أن يجعل من حبه لزوجه "إلزا" رمزاً للدهشة والإعجاب ومثاراً للجديد الذي يتفتح كل لحظة وينمو" (ص108) فرؤية هذا الجديد الذي يتفتح كل لحظة وينمو هي المقدمة والأساس لكل إبداع.. والمسألة هي في أننا لا نستطيع رؤية هذا الجديد بمعزل عن الذاكرة، أي بمعزل عن الماضي الذي صار صوراً تزحم خيالنا، وصار لغة تثقلها تاريخيتها، ومن هنا استحالة كمال العمل الفني كمالاً مطلقاً.. ولهذا قالت القدماء: "من سمع الغناء على حقيقته مات" وقالت المتصوفة: "الوصول ضياع العقول" فالمسألة نسبية ولا شئ مطلق مادام ينمو.‏

أما استلهام الأساطير الذي "يثري العمل الفني" فهو ضرب من استدعاء الخارج إلى الداخل، ومن تفسير الحاضر بالماضي، والجديد بالقديم ومن هنا يمكن القول: لا حداثة مطلقة ولن تكون، وخصوصاً ما دمنا نعتمد على اللغة كوسيلة،... فاللغة، كالإنسان، معطى تاريخي ولن نخلصها من تاريخيتها مهما بذلنا من جهد، وليس لزاماً أن نخلصها من سمتها هذه بل المهم أن نجسد فيها "الجديد الذي يتفتح في كل لحظة وينمو" وأن نخلق معادلاً فنياً أو ما يكاد يكون المعادل الفني لجوهره.‏

والقناع الذي نعبّر بوساطته عن العصر يبقى قناعاً لاأكثر إذا حل محل الشخصية أو الحدث، وقد تبوخ ألوانه ويخبو بريقه على الزمن، ولكن القناع الذي يشف عن الشخصية يجعلها أبهى وأكثر تشويقاً وإيحاء وأغواء. فرب وشاح أبرز من المفاتن أكثر مما أخفى.‏

يأخذ الباحث موضوعاً لتحليلاته في هذا الجانب قصيدة "بغداد" للشاعر محمد عمران التي يقدم لها بالقول: "وخرج الخليفة حافياً، يقدم للغزاة مفاتيح المدينة" (ص114) فيدرسها بقسميها دراسة رصينة ويلقي الأضواء على رموزها فنرى الوشاح الجسد والجسد المتشح ونرى الاستمرارية والتناقضية معاً في موقفي أبي نواس ومحمد عمران:‏

"عاج الشقى على أرض يموت بها‏

وبحثتُ أسأل في الحانات عن بلدي" (ص115)‏

ونزداد اقتناعاً بأن الدكتور الموسى يبدع حين يحلل، فها هو ذا يمضي برشاقة ومهارة من صورة إلى صورة، ومن رمز إلى آخر. ونزداد إفادة من تحليلاته وإشاراته، إذ نجد أن جوانب كثيرة من جوانب القصيدة قد أضيئت أمام بصائرنا وازددنا استيعاباً لمكونات الجمال فيها.‏

وينتقل من "بغداد" محمد عمران إلى "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" للشاعر أمل دنقل فلا يقل هنا إعجابنا بقدرته على التحليل والإضاءة بل يزداد ولا يكف عن الإزدياد حتى آخر الكتاب.‏

وإذا كانت للأرقام من دلالة هنا فإن قائمة المراجع في آخر كل فصل من فصول الكتاب لذات دلالة ومغزى، والأهم من ذلك هو أسماء الشعراء العرب الكبار الذين كانت قصائدهم منطلقاً لتحليلاته وفي مقدمتهم بدر شاكر السياب، وأحمد عبد المعطي حجازي، وعبد الوهاب البياتي، وخليل حاوي، والياس أبو شبكة، ومحمد عمران، وأدونيس وأمل دنقل.‏

بلى، إن المرء ليكتشف جوانب ملونة في كيانه حين يقرأ كتاباً جيداً فالكتاب الجيد يساعدنا على اكتشاف الآخر وعلى اكتشاف الذات أيضاً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244