|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:51 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
النظريــــة الأدبيــــــة الحديثـــــة تقــــديم مقـــــارن وكما الحال في الحياة الأسرية حيث ينشعب البيت فيصير بيوتاً، كذلك هي الحال في المدارس الأدبية والنقدية، والفكرية ـ العلمية. فالمدرسة تصير مدارس، والعلم يصير علوماً، والتيار يصير تيارات، وتتلاقى التيارات والمدارس والنظريات وتتصادم وتتداخل، ثم تتفرق وتتشعب فيصير البحر أنهاراً، وتصير الأنهار قنوات، ثم تتشعب القنوات إلى سواق تسيل بين الناس، تمتزج بالبنى المجتمعية الأخرى وتتفاعل فتولد أزهار شتى تنعقد ثماراً فيها الحلو والمر وفيها الأبيض والأسود ومابين هذا وذاك، وتبقى الحياة هي التربة الأم التي تنبت فيها الأشجار وتنبثق منها الأنهار وتتكئ على صدرها الحنون البحار والمحيطات مرسلة فوقها الغيوم لتعود إليها مطراً ونداوة، ومن ثم تعاود دورتها من جديد.. ويتم التقدم خطوات عبر ذلك كله من جيل إلى جيل... ويظن الجديد، أحياناً، وهو في غمرة الحياة، أنّه جاء بالقول الفصل أو أنّه قد قال ماينبغي أن يقال ثم وضع النقطة الأخيرة في خاتمة الكلام. ويجد الجيل الذي يليه أن المسائل لم تحسم، ويدور الحوار من جديد، وكثيراً ما يتحول إلى جدل فإلى حرب طاحنة تطحن رحاها ما خيل للكثيرين أنه صلبٌ لا يُكسر، وتنتف أصابع فرسانها ريش الطواويس والأغربة وكثيراً ما تتناثر تحت حوافر الخيل أشلاء الكثيرين من العقلاء الأبرياء. ويأتي الدارسون، كالمؤرخين، ليحصوا النتائج ويسجلوا قوائم بالأرباح والخسائر... وكثيراً ما يطوف بعضهم بالقبور فينثر هنا زهراً أو يسفح عطراً.. ولا يندر أن يغمغم بكلام لا يليق قوله في الموتى.. ويمضي متجهماً أمام شاهدات بعض القبور. كتاب "النظريات الأدبية الحديثة، تقديم مقارن"، لمؤلفيه آن جفرسون وديفيد روبي وغيرهما... والذي ترجمه سمير مسعود وصدر مؤخراً في عداد منشورات وزارة الثقافة في دمشق حاملاً الرقم (17) من سلسلة "دراسات نقدية عالمية" هو أحد الكتب التي تحلل المعطيات وتحصي النتائج ويحاول مؤلفوها أن يحافظوا على أكبر قدر ممكن من الموضوعية وكانت لهم فوق ذلك وجهة نظرهم التي تمايز بين وجهات النظر المختلفة وتفترق عنها. قدم المؤلفون الكتاب بمقدمة مفيدة مهدت للدراسات التالية، وحللت وجهات النظر المتباينة، وألقت الضوء على ما غمض أو التبس من مسائل، وكانت تنبيها لطيفاً للقارئ على أن الدروب هنا متداخلة والمنعطفات كثيرة والأرض زلقة فالنظرية الأدبية التي صارت فرعاً من الدراسات الأدبية "يدرس ويعلم كموضوع متميز قائم بذاته" ليست بالموضوع "الجديد تماماً"... "فمعظم منظري الأدب في القرن العشرين على وعي بانتمائهم إلى تراث يرجع في أصوله إلى أفلاطون وأرسطو في أقل تقدير"، وللنظرية الأدبية الحديثة جذور في تربة الأسلاف، وهي "مدينة لهم بالكثير"، وهي مع ذلك تختلف عما أتوا به من حيث موقعها "ضمن فرع الدراسات الأدبية"، فهي غير التأملات الفلسفية في موضوع الشعر والأدب، وهي غير تأملات الكتاب في "طبيعة فنهم... مع أنّها متداخلة مع مجالي الفكر هذين...(راجع صفحة 5). وسمتها الأساسية هي "صلتها بالنقد الأدبي العلمي والدراسة الأدبية" أي صلتها بممارسة النقد. ولما كان علم الجمال يعنى بالأدب من الناحية الفلسفية فإن أهميته تبقى محدودة مع أن النقد الأدبي "استقى منه في الماضي بين الحين والآخر". والنظرية الأدبية الحديثة تعنى بخصائص الأدب المميزة كما تعنى بأغراض "النقد والدراسة الأدبيين"(ص6). وهي "نهج في التفكير في ممارسة الدراسة الأدبية". وتمايز المقدمة بين النقد والدراسة، فالنقد ليس أكاديمياً دائماً بل كثيراً ما يناقش الأعمال الأدبية، مناقشة ترتكز على تجربة القراءة... والدراسة فعالية "متخصصة" تطمح إلى التجرد والصرامة "ذاتهما اللتين تتسم بهما الفروع العلمية الأخرى"(ص8). أما ما تستطيع النظريات تقديمه للدراسة الأدبية فهو "قاعدة لبناء فرع أكثر عقلانية ومنهجية يحسن تقدير المكانة الفريدة التي يحتلها الأدب عادة، ويستطيع النقد أيضاً، بالطريقة نفسها، أن يستفيد من النظرية الأدبية لكن حاجته إليها يمكن أن تتخذ شكلاً مغايراً بعض الشيء"، لأن النقد أقل من الدراسة نزوعاً "إلى إهمال قيمة الأدب أو خصائصه المميزة".(ص12). والنظرية تزودنا بوسيلة لمعالجة الخلافات في الرأي النقدي ولتأسيس فرع دراسات أدبية، ولم تتطور أية نظرية أدبية في الفراغ بل كانت استجابة للمسائل التي تثيرها مقاربة النصوص، ولا توجد طريقة مسلم بصحتها للإجابة عن هذه المسائل. والأدب الذي هو ضرب من "الاتصال بين مؤلف وقارئ"، والنص الأدبي الذي "يمثل شكلاً من أشكال الحوار له دوافعه الخاصة" يتيحان لنا صوغ تعريف أولي للأدب على "هذا النحو: يرسل المؤلف نصاً أدبياً حول الواقع إلى القارئ بواسطة لغة"(ص17). وتحدد المقدمة الأسئلة "التي يمكن لنا أن نطرحها على نظرية الأدب"، على النحو التالي: 1 - كيف تعرف الخصائص الأدبية للنص الأدبي؟ 2 - ماهي العلاقة التي تفترضها بين النص والمؤلف؟ 3 - ماهو الدور الذي تعطيه للقارئ. 4 - كيف تنظر إلى العلاقة بين النص والواقع؟ 5 - ماهي المكانة التي تعطيها لواسطة النص، اللغة؟(ص18). وتتباين الإجابات عن هذه الأسئلة وتتضارب الآراء حول تعريف الأدب، فثمة من يعرفه من خلال "علاقته باللغة العادية" وثمة من يعرفه "من خلال علاقته بالأيديولوجيا" ويراه بعضهم عنصراً من عناصر البنية الفوقية"، وثمة من يؤكد أهمية المضمون في حين يؤكد آخرون أهمية الشكل، فالمضمون هو أسلوب إيراده، وتكون الأهمية الأولى هنا "لمعالم النص الشكلية"، وتنحى جانباً أهمية المضمون،وثمة من يدرسون النص مستندين إلى سيرة كاتبه، ويرى آخرون، أن ذلك يشكل عقبة على طريق دراسة النص. وهم يرون أن للنص خصائص أدبية صرف.. ويدافع هؤلاء وأولئك بحماسة عن وجهات نظرهم... وكثيراً مايضفي طابع الإطلاق على وجهة النظر، فيحل الجزء محل الكل. ويضفي كل طرف على وجهة نظره سمة "العلمية". ويدخل بعضهم القارئ على اعتباره طرفاً أساسياً لكن الاستجابات الذاتية المتباينة متعارضة مع "المتطلبات المنهجية لأي نظرية صارمة"(ص21)... وهنا ينبغي تفسير الأمور بحنكه. فالقراء من بيئات متباينة وطريقة القراءة يحددها "الوضع التاريخي والثقافي" للقارئ... ويدور الكلام على الأدب والواقع، فيربطه بعضهم بالواقع "الاجتماعي والسياسي"، ويرى آخرون "أن الأدب يمثل في الأساس واقعاً سيكولوجياً" ويدور كلام على نوع العلاقة بينهما. هل هي علاقة إحالة إليه، أم من خلال تقرير مباشر؟"(ص22). ويدور نقاش حول أهمية عنصر اللغة في الأدب، وحول فصل النظرية الأدبية عن علم الجمال. وثمة من يعتبر أن الأدب "استخدام خاص للغة" والاستخدام الخاص يعني الانحراف عن اللغة العادية. وقداستخدم مصطلح"الانزياح" بدل اصطلاح الفارابي "التغيير"... وتطورت النظريات وتباينت وجهات النظر مع تطور علوم اللغة والدراسات اللغوية والبنيوية. وقد ادعت هذه النظريات مكانة شبه علمية لمنظوماتها الخاصة، وهي تتعارض مع الدراسة الأدبية الوضعية ومع "معظم أشكال التاريخ الأدبي القائمة، كما تتعارض بدرجة مساوية مع المقاربة التقويمية التي يتسم بها جانب كبير من النقد الأدبي"، (ص24). ويشعرالقارئ أن التاريخ قد استبعد، تماماً من هنا، ونفي أيضاً إمكان وصول النقد إلى أحكام تقويمية.. وتثير الحذر النبرة التوكيدية على الرأي.. وفي حين نرى العلماء في ميادين العلم كلها يتركون الباب مفتوحاً أمام بوادر الشك في صحة النتائج أو في صحة النظرية نرى واضعي "النظريات الأدبية"، يغلقون الباب بإحكام في وجه الشك في صحة نظرياتهم وشمولها. لكن الفروق التاريخية بين نص ونص تظل قائمة، وتبقى قائمة مسألة تفسير هذه الفروق وكيفية معرفتها ومكانتها ضمن المنظومة الكلية. ولن نستطيع إلغاء "الأبعاد التاريخية للأدب ذاته"، ويجب وضع "صوغ نظري" لهذه الأبعاد التاريخية.(ص25). ويبقى مفهوم "التقويم" الأدبي أكثر روغاناً من مفهوم "التاريخ" فالناس ينتظرون من دارسي الأدب أن يقولوا لهم: هذا الكتاب جيد أو رديء. إن الصرامة الموضوعية والمنهجية هي في نظرهم "نقيض تام"، للاستجابة الذاتية التي يقوم عليها التقويم. لكن أكثر النظريات الحديثة تخصص للتقويم مكاناً مركزياً في منظوماتها. وليس ثمة "نظرية أدبية" لا تمتلك نظام أفضليات خاصاً بها"(ص27).ومامن نظرية أدبية ذات "كتلة متجانسة"، وكثيراً ماتتكون من عدد كبير من النظريات المتنافسة"، التي تكون متناقضة في أغلب الأحيان. وستبرز في الكتاب "الفروق بين النظريات الأدبية الرئيسة"(ص28)، ويتحاشى المؤلفون فرض تقويمهم الخاص لهذه النظريات إلى حد ما. فالنظريات هنا غير متناغمة بل هي متضاربة، ويرون من "غير الممكن وضع حد فاصل ثابت بين ماهو أدبي وما هو غير أدبي. والكثير من النظريات الأدبية قد تطور "وسط قرائن غير أدبية، ونتيجة لذلك يندمج من جوانب كثيرة مع فروع أخرى كالانتروبولوجيا أو التحليل النفسي، أو اللسانيات، أو التاريخ"(ص30). ومع أن بالإمكان أن نستمد من النظرية "أنماطاً معينة من الممارسة النقدية"، فليس "بإمكان النظرية أن تحدد بدقة شكل تلك الممارسة وتفصيلها، والعكس أيضاً صحيح"(ص30-31). وتحت عنوان "الشكلانية الروسية"، يتكلم آن جفرسون علىتلك الحركة "تاريخها وممارسوها"، و"مبادئ نظرية عامة"، ويؤكد أنها "واحدة من أولى المحاولات المنهجية لإرساء الدراسات الأدبية على قاعدة مستقلة، ولجعل دراسة الأدب فرعاً محدداً ومستقلاً في حد ذاته"(ص35). وقد طرح الشكلانيون الروس حلاً "أكثر جذرية بكثير من الحل الذي طرحه النقد الجديد"، باستبعادهم كل ماهو غير أدبي. وانصبت جهودهم على "تبرير الوجود المستقل للدراسات الأدبية... وكان عليهم تعيين طبيعة" الموضوع المزمع دراسته"، أي دراسة المادة الأدبية بالمعنى الدقيق للكلمة... ورأوا "استبعاد كل التعاريف التي تصف الأدب بأنّه محاكاة وتعبير"، لكن الوجود المستقل سيفضي "إلى عملية تنخيل متكررة بحثاً عن العنصر السحري الوحيد"، وكانوا يرون أن الأدب يتكون ببساطة "من الفرق بينه وبين نظم الواقع الأخرى"، وأن موضوعه ليس موضوعاً وإنما "مجموعة من الفروق"، (ص 38)، فتأثير الشعر يكمن في "جعل اللغة - منحرفة"، "صعبة" أي تتحول اللغة اليومية إلى لغة "غريبة" وتبلغ "الأصوات درجة غير عادية من البروز"، وهذا "الإدراك المغرب للكلمات"، هو "نتاج الأساس الشكلي للشعر"، و"الكلام الشعري كلام مصوغ"، ونجد التغريب "حيثما نجد الشكل"، وقد أعار الشكلانيون اللغة أهمية كبرى في نظريتهم الأدبية (ص40)، ومن ثم وسعوا المبدأ الفرقي ليشمل المسائل غير اللغوية أيضاً، وصارت "الأدبية" لا الأدب موضوع الدراسة الأدبية، ولم يكن اهتمامهم بالشكل "غاية في حد ذاته"(ص43)، واعتبروا الأداة البطل الحقيقي لعلم الأدب. لكن الأدوات "الأدبية نفسها خاضعة لأتمتة الإدراك.. وهذا يعني أن التعارض بين المعتاد والمغرب بات الآن متواضعاً داخل الأدب ذاته، وأنه أصبح بالتالي غيرمتساوٍ في امتداده مع التمايز بين الأدب وغير الأدب"،(ص43). وجرى التمييز بين الأداة والوظيفة، فمفعول الأداة لا يعتمد على وجودها كأداة، وإنما على وظيفتها ضمن العمل الذي تظهر فيه، فالأداة الواحدة يمكن أن تستخدم في تأدية مجموعة متنوعة من الوظائف الممكنة، مثلما يمكن لأدوات مختلفة أن تشترك في تأدية وظيفة واحدة"(ص44)... وأخذ بعين الاعتبار التفاعل المتبادل بين عناصر النص الأدبي المكونة له مع اعتبار بعضها مهيمناً وبعضها الآخر ثانوياً، وأصبح بالإمكان النظر إليه ككيان "أو بنية، أو منظومة"،ولم يعتبر الفن مجالاً مغلقاً."ما نؤكد عليه ليس انفصال الفن بل استقلال الوظيفة الفنية"(ص46). وتحت عنوان فرعي آخر هو "مضامين" يسأل المؤلف "ماهي الوظيفة التي تعينها الشكلانية للفكر الذي احتل بؤرة اهتمام الدراسات النقدية ذات المنحى الفلسفي" ؟ فإذا قيل "لا وجود لشعراء أو شخصيات أدبية، هناك شعر وأدب"...وإذا كان الشعر "ليس تعبيراً عن الشخصية، بل هو هروب منها"، فهل هذا يعني إلغاء دور المؤلف؟، وحتى إذا لم نعتبره عبقرياً واكتفينا باعتباره عاملاً ماهراً يرتب، أو يعيد ترتيب المادة التي تصادف وجودها في متناوله؟"، فهل يمكن أن يوجد ترتيب لولا المرتب؟. الشكلانيون يؤكدون عدم أهمية التجربة الحياتية "وظيفة المؤلف هي أن يكون علىمعرفة بالأدب"، ولا أهمية لما يعرفه عن الحياة"، وليس "من رؤيا شخصية داخل تجربة الكاتب المعاشة"،(ص49). ويجري كلام على "الأدب الذي اخترع مؤلفه"، ويهمل دور المؤلف الذي أبدع أدبه... وسيرُ الشعراء "هي في أحسن الأحوال نتاج ثانوي للفن وليست سبب وجوده"(ص53) وحتى دور الواقع هو دور "ثانوي وتابع"، وهو في متناول المؤلف، حاله حال اللغة العادية "والأعراف والأدوات الأدبية"، أما بشأن المعنى فهو هدف الأداء الفني مع أنهم يرون أن "ليس للمعنى والأفكار أي شأن يذكر"، فهما "يدخلان الأدب كجزء من المادة المتوفرة"(ص54)، ويصبح المضمون "متوقفاً على الشكل"، في نظرهم وليس العكس، ويغدو "مستحيلاً الحديث عن أي مضمون آخر سوى الشكل ذاته"(ص57). ويتكلمون على "الشعر والنثر والتاريخ الأدبي"، فنجد أن "الأدبية"، "ليست مبنية على النحو نفسه في الأعمال الفنية كلها"، وثمة فرق بين السرد النثري والشعر الغنائي بل ثمة تعارض يتعلق "بعملية تنظيم السرد وعرضه"، ورأوا أن "الشعر عنف منظم بحق الكلام العادي"(ص58)، ويتمثل في "تصدير الجانب الصوتي من الكلام العادي"،(ص58)، وينصب التوكيد لا على الشعر "في حد ذاته، وإنما على الفرق بين الشعر واللغة العادية" (ص60)، وأحد مبادئهم هو "الأشكال الفنية تفسر وفق قوانين الفن، ولا تستقي مبرر وجودها من صفتها الواقعية"(ص63). ولا ندري إن كانوا فسروا شيئاً بقولهم "تفسر وفق قوانين الفن" فما هي قوانين الفن؟ وهل من يعرفها يصير فناناً على الفور؟.. ونسوا كما نسي غيرهم أن الشكل غير منفصل عن المضمون، ولا يمكن فصله عنه، فالشكل يكون لكائن ما، والشكل في الأدب لا يغني عن الكائن الأدبي الذي لا يمكن أن يكون من غير شكل...وهل يوجد شكل "للاشيء"؟. ويفصلون بين الأدب والواقع، أو الأدب والحياة... وينسون أن الأدب حين نقرأه يصير واقعاً كما تكون التجربة واقعاً، فالميراث الثقافي يشكل واقعاً حضارياً له سماته وملموسيته، وهو يتنامى ويغتني مع صدور كل عمل جديد. والرؤية التاريخية التي قد تعوض عنها فكرة "التقليد" الأدبي "تتناقض جذرياً مع الشكلانية ومبدئها في التغريب"(ص65)، وهم لا يرون أن الأساليب تتطور بل تزاح"، "إزاحة هائلة للتقاليد:(ص66). وتبقى مسألة الفرق بين الإزاحة "الهائلة" والتطور غير واضحة، خصوصاً، إذا تذكرنا مقولتهم الأساسية "الأدب يولد من الأدب". وقد يغفر لهم كل ذلك تواضعهم"، "لم يكونوا دعاة نهج، بل طلاباً يدرسون موضوعاً معيناً"(ص68). وقد جنبهم هذا الموقف الخطر الذي يحيق بوجهات النظر حين تحول إلى نظرية متشددة ومغلقة. أضفى بعض ورثة الشكلانين الروس أهمية كبرى على "الانحراف عن الأعراف" ولم يبينوا ما إذا كانت القيمة كامنة في الانحراف بذاته، أو ما إذا كان جوهر الإبداع هو الانحراف أم لا؟، إذ ربما كان كل عمل أصيل "منحرفاً" عن الأعراف، وذلك ناجم عن فرادته وتفرده ككيان عضوي إبداعي جميل لا عن اعتباره انحرافاً وحسب. فثمة انحرافات كثيرة ولا قيمة لها... ويؤكد المؤلف أنهم لم يوسعوا مدى "نظرية اللغة لكي تشمل مجالات أخرى"، وبقيت فكرتهم "عن الواقع حبيسة وجهة النظر الثقافية التي كانت نظريتهم في الأدب تسعى إلى استبدالها"(ص70). وكانوا عاجزين عن تفسير علاقة التاريخ الأدبي بغيره من السلاسل التاريخية، وكانوا يفتقرون إلى نظرية اجتماعية وثقافية أكثر إتقاناً (راجع ص71). يكتب ديفيد روبي في "اللسانيات الحديثة ولغة الأدب"، ويفتتح كلامه بالقول: "كانت العلاقة بين اللسانيات والأدب واحدة ومن أكثر المسائل التي حظيت بقدر واسع من النقاش ضمن النظرية الأدبية الحديثة"(ص72)، وتطورت الممارسة الأدبية ودراسة اللغة على حد سواء، وتجددت لغة الشعر ولغة النثر كثيراً، وبات عسيراً تجاهل مسائل الشكل اللغوي... وزادت طاقة اللسانيات التفسيرية، وجرى التركيز "على السبل التي تؤدي بها اللغات وظيفتها في أغراض الاتصال"(ص73)، وقد أفادت الدراسات الأدبية من ذلك. ويتكلم المؤلف على "سوسور. مفهوم العلاقة".. فاللغات عنده تتكون من علامات جغرافية وفرقية. ويتحد في العلاقة اللغوية كل من الصورة الصوتية والمفهوم، أي الدال والمدلول... فالصوت "شجرة" يقابله المدلول "شجرة أي المفهوم الذي يثيره الصوت في ذهني(ص74-75). والعلاقة بينهما نتاج عرف لغوي لانتاج علاقة طبيعية ولا توجد علاقة بين العلامة ككل والواقع الذي تدل عليه. أي ثمة انفصال بين عالم الواقع وعالم اللغة. ويرى سوسور أن الكلمات هي التي تحدد معنى الأشياء بدلاً من أن تحدد الأشياء معنى الكلمات... ويطول الجدل هنا... فهل وجدت الأسماء أولاً ثم وجدت الأشياء، أم أن الأشياء كانت موجودة ثم أطلقت عليها الأسماء، وقد اختلفت هذه الأسماء بين أمةوأخرى... وأما كلمة شجرة فقد لا تعني شيئاً محدداً لمن لم ير شجرة في حياته... وحتى عند من يعرفون الشجرة يظل اسم الشجرة غير الشجرة، أو كما قال جلال الدين الرومي "اسم الوردة ليس الوردة". وإذا كانت العلاقة بين العلامة والواقع جزافية فكيف تستطيع اللغة توليد المعنى؟ "يجيب سوسور عن هذه الأسئلة بأن وظيفة العلاقة تتوقف حصراً على علاقتها بالعلامات الأخرى، وبدقة أكبر على اختلافها عنها". (ص77). ويدرس سوسور التعارض بين الدراسة التزامنية والدراسة التزمنية للغة وبين العلاقات الأفقية والعلاقات الترابطية داخل المنظومة اللغوية... وفضل دراسة اللغة في راهنها لا عبر تطورها التاريخي. ويتكلم المؤلف على "مدرسة براغ: البنية والوظيفة"، وقد رأت هذه المدرسة أنه ينبغي للعلم اللغوي أن يدرس "القوانين البنيوية للمنظومات اللغوية"، وأن ينظر إلى العمل الشعري على أنّه "بنية وظيفية"، لا يمكن فهم عناصرها المختلفة إلا من خلال ارتباطها بالمجموع"(ص82). وكثيراً ما ينسى هؤلاء المنظرون أن الشعر قد وجد قبل ما أسموه مدارس ونظريات، فيندفعون مجادلين حول تفاصيل قد لا تخطر للشعراء في بال وهم يبدعون "من دال ومدلول ومخاطِب ومخاطَب". وغير ذلك. وراحوا يعتبرون أن الفنون لا يمكن فهمها "إلا ضمن نظرية عامة في العلامة"، توفر قاعدة لنظرية في المعنى الأدبي أو الشعري "قادرة في آن، على تمييز هذا المعنى عن العالم الخارجي وعلى ربطه به"، ويجب تحليل المعنى الأدبي بوصفه "تأليفاً دلالياً وليس بوصفه انعكاساً لعوامل خارجية"... وفي الوقت نفسه يرتبط هذا المعنى بالعالم "الحقيقي بفضل مبدأ التغريب الشكلاني"(ص86). وتصير العلامات الجديدة تقليدية، ويكون علينا الإفلات من سجنها بتخريب "المنظومات العلاماتية التقليدية"، فالعلامات ليست أموراً مسلماً بها.(ص86). وقد طمحت مدرسة براغ إلى أن يكون التحليل "وصفاً دقيقاً ليس للغة النص فحسب بل لمضمونه أيضاً"، أي إلى أن تضع برنامجاً"، يبغي تفسيراً دقيقاً ومنظماً للتأثير الجمالي لنص ما بكليته"(ص88). وكم نجد أحياناً أن بعض التفاسير أعقد من النص وأعسر على الفهم. وكيف يمكن أن يهمل دور "المفاهيم المسبقة. للمحلل نفسه، أو الصورة العامة التي يحملها حول ماهو مهم أومثير للاهتمام في النص الذي يتعامل معه"(ص88). وقد يكون تحليل المضمون أعقد من تحليل اللغة، فنحن لا "نملك مجموعة من الأدوات المفاهيمية الجاهزة". ويظل الاعتراض قائماً على كل نظرية "تعرف أنواعاً كالشعر أو الأدب أو الفن بمصطلحات مطلقة، كما تفعل الشكلانية ومدرسة براغ"،(ص89). وقد تكون إطلاقية المصطلح هي الثغرة الأساسية والأخطر في كل النظريات. ويتكلم المؤلف على رومان جاكوبسن: فن شعر لغوي". الذي طور ما أكدت عليه مدرسة براغ من أن تأثير كلية النص يتحقق "من خلال تفاعل أجزائه المكونة كلها بما فيها مادة موضوعه"(ص91). وهو كسوسور يرى أن "المفردات تؤدي وظيفة تكافؤية وبمقدورها بالتالي أن تحل الواحدة محل الأخرى"(92). ويقدم المؤلف نماذج من تحليل جاكوبسن ويعترض على بعض تمييزاته وتصنيفاته، ويرى أنه يعنى بتكريس وجود علاقات التكافؤ أكثر مما يعنى بمناقشة مغزاها. وتحت عنوان "الأسلوبيات" يؤكد أن موقف نظرية مدرسة براغ وفن جاكوبسن الشعري هو واحد في الجوهر من كل النواحي تقريباً، وهما جزء من موضوع الأسلوبيات، مع أن الأسلوبيات أقل طموحاً من أن تعرف "خصائص الأدب الجوهرية وفق مصطلحات لغوية بحت"،(ص103). ويورد رأي ريفاتير القائل بأن ليس "بمقدور اللغوي في حد ذاته أن يخبرنا ماهو مثير للاهتمام أو مهم في عمل معين"، "مامن تحليل قواعدي لقصيدة يمكنه أن يعطينا أكثر من قواعد القصيدة"(ص11)، غير أن تعريف ريفاتير للأسلوب كتعريف جاكوبسن للشعر، يفضي إلى عدم أخذ طبيعته المتعددة والمتغيرة بعين الاعتبار"(ص113). ويركز سبتزر في منهجه في التحليل على النص الإفرادي، ويشدد على مسألة التفسير، الأمر الذي كان يبعده عن الشكلانيين وخلفائهم"،"ويقربه من النقاد الجدد الأنجلو- أمريكيين"،(ص117). ويبتعدها ليداي عن التفسير ويقتصر على وصف الملامح اللغوية للنص "فليس بمقدور اللسانيات أن تقدم مفتاحاً للسمات الأدبية الخصوصية في حد ذاتها، أو دليلاً للتفسير، كل ما تستطيع فعله هو تقديم وسيلة لوصف النص على أساس نظرية لغوية عامة، وبالتالي أن تربط النص باللغة المكتوب بها ككل". ويكتظ حقل اللسانيات الحديثة بالنظريات المتضاربة، ويصعب قبول واحدة منها "على أنّها أفضل من سواها"، لكنها تصف اللغة وصفاً أشمل وأكثر تماسكاً مما فعل النحو التقليدي (ص120). ويكتب ديفيد روبي مقالة أخرى عنوانها "النقد الجديد الأنجلو - أمريكي"، فيذكر أبرز أسماء النقدة ويجد أوجه شبه بين حركتهم وبين البنيوية الشكلانية الروسية ومدرسة براغ إذ دعتا إلى الاهتمام بالأدب كأدب "وألحتا على الفروق بين الأدب وأصناف الكتابة الأخرى، وحاولتا تعريف هذه الفروق، بمصطلحات نظرية، كما أعطتا دوراً مركزياً في تعريفاتهما لأفكار البنية والعلاقة المتبادلة، وعالجتا النص الأدبي باعتباره موضوعاً مستقلاً أساساً عن مؤلفه وعن قرينته التاريخية"(ص122) وكان النقد الجديد على العكس من الشكلانية والبنيوية تجريبياً وإنسانياً. ويتكلم على (آي. إ. رتشاردز: القيمة)، الذي أدار إنتاجه الظهر "للدراسة الوضعية"، ودعا "إلى نقد يتعامل مباشرة مع خصائص الأدب المميزة"، واختلف عن الشكلانيين بتعريفه الخصائص" بمصطلحات التجربة الإنسانية والقيمة الإنسانية"(ص124). لا باعتبارها "سمات موضوعية متأصلة في الأدب ذاته، كما فعل الشكلانيون"، وهو لا يرى أن الفرق كبير بين "فعالية الناقد وفعالية القارئ الجيد"(ص129). ويرى أن النص وسيط شفاف "لإيصال تجربة المؤلف إلى القارئ"، ولم ير أن النص مستقل عن مؤلفه...والكلمات تستخدم بهدف الإشارة إلى الأشياء،ويرى أن المعرفة هي "نتاج التجربة" وطالب بأن "يؤسس النقد على نظرية"(ص133). وبقي "النقاد الجدد الأمريكيون مخلصين لروح عمل ريتشاردز بتشديدهم على الخصائص المتميزة للأدب أو الشعر، ومعالجتهما بطريقة لم تكن تجريبية، وإنسانية، وعضوية وحسب، بل نظرية أيضاً"، (ص135). لكنهم كرسوا وقتاً أقل للوصف (ص135)، إذ يجب معالجة خصائص النصوص الأدبية الصرف، والتاريخ الوحيد الذي "يجب على الناقد إتقانه هو تاريخ الكلمات، وعليه استيعاب المعنى التاريخي الكامل للغة المستخدمة في النص بكل ترابطاتها، ولكل الأسماء التي تمكن الإحالة إليها،ولكن بمقدار مايكون معناها مسألة سجل عام للثقافة التي أنتج فيها"(ص139)... وخاصة الشعر الرئيسة "هي تماسكه، الذي لا يمت إلى المنطق بصلة، وأنما يتكون من تناغم المعاني أو المواقف المتضاربة"، (ص141)، "ومعنى النص هو محصلة التفاعل بين أجزائه، غير أن هذا التفاعل يتوقف على اختلاف هذه الأجزاء الواحد عن الآخر بقدر مايتوقف على تماثلها". (ص142) "على أن المعنى ليس ظاهرة ذاتية صرف"(ص143).وللفن "خاصية التشخيص التي تأتي من إدراك الواقع والاشتمال عليه"، وليست البنية في الأدب منظومة مغلقة تماماً، وليست اللغة السجن الذي يعزلنا عن الواقع (ص144)، والعناصر غير القابلة لإعادة السبك هي من جوهر العمل الجميل، و لها علاقات خاصة مع سواها. ولم يعر النقاد الجدد "شكل النصوص اللغوي"، اهتماماً رئيساً. ويعود المؤلف إلى التحذير من "محاولة تعريف ملامح الأدب الجوهرية بتعابير مطلقة وموضوعية".(ص156). يرى آن جفرسون في كلامه على "البنيوية وما بعد البنيوية"، أن البنيوية ثورة... لكن ثورتها سياسية عرضية، أي في كونها نشأت خارج الجامعات، لكن أهدافها ليست سياسية بالدرجة الأولى. وهي بديل من الأعراف الأكاديمية وليست إضافة إليها.. وهي كما يقول بارت: "طريقة لتحليل الفنون الثقافية، وذلك بمقدار ما تتولد هذه الطريقة من مناهج علم اللسانيات"، ويمكن تحليل الأدب بلغة علاماتية، أي بالكشف عن "طبيعة العلامات التي يتكون منها وعن كيفية النظام الذي يتحكم باستخدامها وتركيبها"(ص162)، وليس المتكلم "هو الذي يضفي المعنى مباشرة على أقواله، بل المنظومة اللغوية ككل"(ص163)، وينبغي اعتبار الأدب "مدونة دون رسالة"، "الأدب بأجمعه قائم في عملية الكتابة، وليس في عملية التفكير، أو التصوير، أو الأخبار، أو الشعور"، وهو ضرب من "التوسيع والتطبيق لخصائص لغوية معينة"(ص165)، ويغدو الالتباس متعدد المعاني.. يقول بارت: "لو كانت الكلمات لا تحمل سوى معنى (قاموسي)، واحد لما كان هناك أدب. فالأدب يقوم على هذه التعددية للمعاني بالذات"(ص170). ويذهب تودوروف بعيداً فيقول: "اللغة هي النموذج الرئيس لجميع المنظومات الدلالية"، "لأن العقل البشري والكون على حد سواء يتصفان ببنية مشتركة هي بنية اللغة نفسها"، (ص171)، و"كل مايفعله الكاتب هو قراءة اللغة"(ص173). وتؤكد البنيوية على أن السرد "ليس محكوماً بأي علاقة بالواقع، وإنما بقوانينه ومنطقه الداخليين"(ص180). والبنيوية هي "نهج علمي ينطوي على اهتمام بالقوانين والقواعد اللاشخصية، التي ليست الأشياء الموجودة إلا تحقيقاً لها"، (ص183). وعلى الناقد ألا يقسر نصه "على إنتاج معنى تفسيري أحادي"، عليه أن يقنع "برسم معالم المبدأ الدافع، وألا يحاول أن يعزو إليه أي مضمون"(ص184). وكون الشيء واقعياً في الفن "قد يكون ضاراً"، والعمل "الفني نفسه هو الأصل" ولا وجود لما هو تمهيدي، أي لما يكون أصولاً له...(ص185). ويتوقف الكاتب عند موضوع "القابل للقراءة والقابل للكتابة"، ويكون الامتياز لكتابة النص لا كبنية بل كممارسة. "فلا يحاكي الأدب شيئاً بل عملية"، "هناك عملية بناء، ولكن لا وجود لبنية"، المعنى نفسه جزء من عملية، وهو في حركة دائمة"(ص189)، والحقيقة هي آخر "مايرد في النص"(ص193). ويرى المؤلف أن كتابات ديريدا هي "استمرار للبنيوية ونقد لها في وقت واحد"(ص195)، فهي قد خانت عن غير قصد "المبادئ ذاتها التي قامت عليها الثورة"(ص196)، "ليس هناك حضور كامل أبداً لوظيفة عنصر معين أو معناه، لأن ذلك يتوقف على ارتباطه بعناصر أخرى يرجع إليها ويكون مرجعاً لها". (ص198)، ويؤكد ديريدا "لا وجود لنص خارجي (أي لا وجود لماهو خارج النص)، (ص202)، ويستبدل علم العلاقات بعلم القواعد الذي له شكل سؤال أكثر "منه شكل علم جديد، وبالمثل يستبدل التحليل البنيوي بالتفكيكية التي تقوم هي الأخرى باستجواب مواضيعها بدلاً من عكسها" (ص206). وتكتب اليزابيث رايت في "نقد التحليل النفسي الحديث"، فتعرض تقلبات "علاقة نظرية التحليل النفسي بالنقد الأدبي"، حيث انتقلت البؤرة النقدية من "سيكولوجية المؤلف - أو بديله أي الشخصية إلى سيكولوجية القارئ"(ص208). ويتفرع كلامها فروعاً منها "التحليل النفسي الكلاسيكي والمؤلف" و"التحليل النفسي الكلاسيكي والقارئ"، و"لاكان والتحليل النفسي والبنيوي"، "اللغة" "الذات" "النص"، إذ قد نظر أول الأمر إلى النص "على أنه شبيه بالفانتازيا، وعومل كعرض من أعراض مؤلف معين"(ص209). وشاعت حينذاك مصطلحات محددة وأحيل كل شيء إلى رموز جنسية. ودار الكلام على التكثيف والاستبدال، وعلى الحلم الظاهر والحلم الكامن، وعلى التداعي وغير ذلك، ويكون الامتياز هنا للاوعي. ويعلن هولاند "إن مايجذبنا إلى النص كقراء هو التعبير السري عما نريد سماعه"(ص215)، "فما من شيء يحدث في النص، كل شيء يحدث داخل القارئ الذي تساعده قراءته على إعادة خلق هويته الخاصة والمتفردة"(ص216)، ويرى لاكان أن "كل قراءة هي خصوصية وعمومية في آن واحد"، ويقرأ "التحليل النفسي الماضي لكي يفهم الحاضر"،(ص217)، وراوي القصة يكون ضالعاً في فعل تفسيري ينطوي على تقويم لتجربة ماضيه"، وقد أبرز دور الرغبة "في تمثيل النصوص وبنائها"(ص218). ويكون عمل لاكان "إعادة تفسير للفرويدية الكلاسيكية ونقد لها على ضوء النظرات البنيوية ومابعد البنيوية"، وهو يرى أن الوعي نتاج اللغة... ويتكلم على هيولى الأفكار، وهي "حالة من الحاجة العضوية ذات حد أدنى من التوجيه الغريزي"(ص220)، ويعطي لاكان الواقع مكاناً في العمل... إنه "الحقيقي الذي يقع عليه فعل اللغة"، وهو وراء "إلحاح العلامات"، وحين تتدخل الرغبة "في المنظومة فإنها تشاطر الحقيقي بعض خصائصه"، (ص222)، ويظهر الحقيقي "في علاقة الذات بالأشياء المرغوبة"، وهو يرى استحالة "إدراك الحقيقي، إذ لابد أنه مختلف عما تصفه به الكلمات"، (ص223)، "لا تحيط الكلمة بالجوهر، لأن ماسمي سمي ظاهرياً فقط"(ص224)، والرغبة تظهر "من خلال استبدال المعنى السطحي استبدالاً استعارياً بالمعنى المكبوت"، ويبقى اللاوعي "حاضراً أدركناه أم لم ندركه"، ويكون الوعي "مبنياً على غرار اللغة"(ص225)، ووظيفة اللغة هي "إعطاء الذات حيزاً يمكنها أن تتحدث فيه"، والذات "لاتبرز إلى الوجود إلا بعد أن تكتسب الوعي"(ص225-226)، واستخدمت تناظرات من "التحليل النفسي لتفسير فعاليات النص باعتبارها متميزة عن فعاليات عقل مؤلف أوشخصية، أو حتى قارئ معينين"(ص230). ويضفي لاكان "مثالية على الدال ناسباً إليه مادية لا يملكها"، ويكرر ديريدا خطأ لا كان إذ يضفي "مثالية على الدال بالامتياز الذي يعطيه للتناثر"، وهو "مغالٍ في ذاتيته لأنه يسمح للكلمة بأن تكون متعددة المعاني"، (ص238-239)، وترى باربرا جونسن "أن كل نطق هو محاولة لتأطير العالم، وهذا يشمل أولئك الذين يؤطرونه، ومن باب أولى الذات"(ص239). وينفتح نقد التحليل النفسي البنيوي على "قول أكثر اتساعاً، وذي مغزى فلسفي ماكان يخطر ببال مؤسس التحليل النفسي"(ص241). ويبدأ ديفيد فورتماكس مقالته "نظريات الأدب الماركسية"، بالتأكيد على أن الماركسية "نظرية في الاقتصاد، والتاريخ والمجتمع والثورة، قبل أن تكون لها أي صلة وثيقة بالنظرية الأدبية، إذ لم يكن ثمة مايدعوها للارتباط بنظرية وحيدة في الفن، أو نوع وحيد من النقد"، وقد ارتبطت الماركسية "بمقاربات نقدية ونظريات أدبية متباعدة كل التباعد"، (ص242)، ويكون الكلام على "نظريات الأدب الماركسية"، أدق من الكلام علىنظرية، إذ تطورت هذه النظريات مع مقاربات مختلفة كل الاختلاف، وقد ركزت في الغالب على نقد الأدب المنحط ولم تشكل نظرية في حد ذاتها، لكنها كلها ذات "مقدمة منطقية مشتركة بسيطة، هي أنّه لايمكن فهم الأدب بصورة صحيحة إلا ضمن إطار أوسع للواقع الاجتماعي". (ص244)، ويفهم بعض الماركسيين الديالكتيك "باعتباره ضرباً من منظومة كونية تسمى الكلية، حيث تقوم علاقة متبادلة بين كل مكونات الواقع والوعي"(ص246). وقد رأى ماركس وأنجلز أن العلاقة بين السبب والنتيجة هي علاقة معقدة جداً. "إن عناصر البنية الفوقية المختلفة تتفاعل فيما بينها وتؤثر في التغيير التاريخي. وقد دار جدل حول تفاعل البنية التحتية والبنية الفوقية، ويشير ماركس إلى أن "التغيرات في الفن، في الأيديولوجيا، لا تتطابق تماماً وبالضرورة مع التغيرات في القاعدة الاجتماعية - الاقتصادية بالأحرى"، وقد تكون التطورات في الفنون "أبعد مايمكن عن التناسب مع تطور المجتمع العام، وبالتالي مع الأساس المادي"(ص250)، "الأدب معرفة بالواقع، والمعرفة ليست مسألة ايجاد تطابقات أحادية بين الأشياء في العالم الخارجي والأفكار في الرأس"، وللواقع "كلية ديالكتيكية حيث الأجزاء جميعها في حالة من الحركة والتناقض، (ص252)، وليس الشكل عند لوكاتش "شيئاً تقنياً أو لغوياً". بل هو القالب الجمالي المعطى للمضمون" في إطار من العلاقات المتبادلة. والشكل "الصحيح يعكس الواقع بأكثر الطرق موضوعية"، والواقع "هوواقع اجتماعي وتاريخي ذو قالب ديالكتيكي"(ص254)، والعكس الصحيح بعيد عن أن يكون "مباشراً أو ملموساً"، والفن "يركز على الخصوصي" أي "التصوير الأمين لشخصيات نمطية ضمن شروط نمطية"(ص257)، وليس الانعكاس بالبدائي ولا بـالفج. الواقعية تنطوي "على نوع من الرؤية الرفيعة التي ترى الحقيقة وحركة التاريخ"(ص260)، والتاريخ الأدبي ليس "تطوراً ذا استقلال ذاتي"، بل هو "جزء من التاريخ" والواقعية لا تنعكس كصورة في المرآة "وإنما كبنية مستقلة ذاتياً، كشيء ما تام في ذاته له أدواته الشكلية المتميزة"(ص263). وينطلق الماركسي الفرنسي بيير ماشريه من حيث انتهى لوكاتش فيرى المؤلف لا كمبدع وإنما كشخص يحول الأجناس الأدبية القائمة، والأعراف واللغة، والأيديولوجيا إلى منتج نهائي: أي إلى نصوص أدبية"(ص264)، وهو يرى أن الأيديولوجيا "والواقع، على حد سواء، يدخلان النص" "إن روائياً جيداً دون أيديولوجيا أمر لا يمكن تصوره"، ويرى أن الإنتاج الأدبي هو "الإخراج المسرحي للأيديولوجيا"(ص269)، وثمة "صراع داخل النص"، بين النص ومضمونه الأيديولوجي"، "إن الادب يتحدى الأيديولوجيا باستخدامه لها"، وهو يعتبر أن القراءة "تنظير" (ص270) ويبقى في نظره أن "المهم في العمل هو الأمور التي لا يقولها."(ص272). ويهمل غولدمان البنى اللغوية ويهتم "بأنماط الأفكار والمفاهيم" وهوكلوكاتش يرى "أن الواقع والفكر يؤلفان كلية ديالكتيكية كل مافيها مترابط"(ص277)، ويكون العمل الأدبي تعبيراً "عن الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها"، المؤلف... فالأعمال الأدبية "منتجات جمعية للفئات الاجتماعية"، ولا يلغى هنا دور المؤلف... فالكاتب العظيم "يتقن صوغ بنية الفئة الذهنية بحيث يستطيع عمله أن يعيد إلى الفئة وعياً مرهفاً بتلك البنية"، "وبذلك يشكل العمل إنجازاً جمعياً من خلال وعي مبدعه الفردي"(ص278). والبنى الذهنية هنا ليست بنى لغوية، وإنما علاقات متبادلة بين مفاهيم"(ص280)، والمضامين هي "رؤى كونية" واللغة والأدب" وسيلة للتعبير عن واقع موجود سلفاً"، والرؤى الكونية "حقائق اجتماعية، وتمثل الأعمال الفلسفية والفنية العظيمة تعبيرات متماسكة وكافية عن هذه الرؤى الكونية، ويقف تيودور أدورنو إلى جانب الكتابة المحدثة مواجهاً النظرية التي تضع ثقلها ضد الحداثة، وهو يرى "أن الفن والواقع يقفان على مسافة من بعضهما، وأن هذه المسافة تمنح العمل الفني موقعاً ممتازاً يمكنه من نقد الواقع"،(ص285). وللأدب "قوانين شكلية خاصة به"(ص286)، والفن يكشف تناقضات الواقع، الفن هو المعرفة السلبية بالعالم الحقيقي"(ص288). وتطرح مدرسة باختين المسألة طرحاً معمقاً فاللغة، عندهم لا تنفصل عن المجتمع، واللغة هي "الواسطة المادية التي يتفاعل بها الناس في المجتمع"، والمجتمع هو الذي أوجد اللغة، وهي التي تساعد على بقائه وتطوره... ويرى باختين أن الأدب هو ممارسة اللغة ضمن الواقع. والجنس الأدبي عنده لا يحدد "بالنصوص الأدبية وحدها، بل هو مرتبط بالطريقة التي نقدم بها العالم لأنفسنا خلال اللغة"(ص301). ولا ترى مدرسة باختين أن الأدب شكل من أشكال المعرفة بل ترى فيه ممارسة معرفية، وترى أن له مغزى اجتماعياً... وترى كريستيفا أن "الثورة في اللغة تتطابق مع الثورة الاجتماعية دون أن تكون متصلة بها بصورة مباشرة، ودون أن يحتاج المؤلف إلى أن يكون مدركاً سياسياً بمعنى واع وعملي"(ص306). ونصل إلى آخر الكتاب حيث الأمل بأن تصبح اللغة "نقطة انطلاق نحو استقصاء سوسيولوجي أوسع للأدب في المجتمع، ويفتح أبواب النظرية الأدبية الماركسية على مناطق مثل لغة الشعر، وهي مناطق كان عدد من النماذج السابقة قد أغلقها في وجهها"(ص307). |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |