|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:51 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الجمهــــــرة وعبـــــق الأزمنـــــة الغــــابرة أي حافز يحفز الإنسان على
التعبير عن نفسه شعراً؟ ألا تكفينا الدمعة والآهة حينَ نحزن، والضحكة والرقصه حين
نفرح؟ ألا وألا؟ لكن الشعر أصبح عنصراً من مكونات عالمنا الروحي فما معنى مثل هذا التساؤل؟
إن للشعر تاريخه الطويل، وله شبابه المتجدد. أقرأ أشعار القدماء...
تتقمصني روح الأزمنة الغابرة، أراهم ينهضون في مايشبه الضباب ثم يخرجون من عتمة
الذاكرة، تستنير جنبات الرؤيا ويدب دفء لذيذ في حنايا الصدر... أسير على دروبهم
مستهدياً بشوق أرواحهم، أشعر أن كل التاريخ يوّحدني بهم، ويفصلني عنهم... لقد
أورثوني الماضي وها أنا ذا أحملهم إلى المستقبل... وهنا جوهر التوحد والانفصال... وتزدهر دوحة الرؤى. أشعر
أحياناً أن روح شجرة تتقمصني، وأشعر أحياناً أنها روح غابة ثم يقفر المكان، وكما
تبسق شجرة على طرف مستنقع، وكما تنبثق الزهرة من عفونة التراب تطلع الكلمة الجميلة
من عفن العالم وخرائبه داعية إيانا إلى الحكمة والتعقل. ويجيء الزمان بالغبار
والنسيان والبرابرة... فيتمزق الجسد الحي، ويطمس النسيان المعالم، ثم يغطي الغبار
ماينجو من مخالب الزمان والنسيان. ويصير ما يتبقى ميراثاً
لنا... يكون غذاء لعقولنا، ويكون الضوء الذي نوقظ به الموتى من نومهم لنعيش
مواجدهم وهمومهم... نكون وسيلة يقهرون بها موت الجسد ويعبرون الأزمنه... وتحمل
الشعلة أجيال تتلوها أجيال. ونسأل: ما السر في بقاء
مابقي؟ وأيُّ ألق كان في جوهره حتى ظل يشد أبصارنا ويثير انفعالنا فنحزن أو نضحك
أو ندهش ونعجب؟. بين يدي ماصدر حتى الآن من
كتاب "الجمهرة" الذي قدّم له واختار قصائده الشاعر العربي الكبير محمد
مهدي الجواهري، وأعده للطبع الدكتور عدنان درويش وهو يصدر تباعاً عن وزارة الثقافة
في دمشق" يقول الجواهري:"اخترت
منه أصفى عيونه"... وإنه لأمر طبيعي أن تتفاوت القصائد قيمة وجودة وأسلوباً.
فهي لأُناس عاشوا أزمنة مختلفة، وقد يرى آخرون أن ما اختاره الشاعر الكبير ليس
الأفضل مما لدى هؤلاء الشعراء، ولكن هذه المسائل لن تكون موضوع هذه الكلمات. فما أسعى إليه هو الوقوف
قليلاً عند بعض الأعمال التي بقيت طازجة من حيث هي موضوع إنساني ومن حيث
"حداثة لغتها"، وقد يثير هذا مايثير من أسئلة قد لا تجد أجوبة شافية. وإذا كان شاعرنا الكبير
الجواهري قد اختار من شعرنا القديم "أصفى عيونه" فكم يكون عسيراً اختيار
الأصفى من الأصفى"، ومع ذلك لا مناص! فلنقف قليلاً مع عدي بن زيد العبادي:
ونحس بالغصة... فنطوي صفحات
ونقف عند شكوى من نوع آخر شكوى من "حبيب معمم"، لا من "حبيب
مقنع".... إنه عامر بن جوين الطائي يخاطب صاحبه:
وتكبر الغصة... ثم نمضي قدماً
فنرى المنخل اليشكري يلثم حبيبته:
ونسكر ثانية ثم لا نصحو
سريعاً...فإذا كانت الخمر روحاً فالشعر الحق هو روح الخمر، بل، هو روح الروح. ويسأل سائل: وما الروح؟ وما
الشعر؟ ويبقى السؤال منفتحاً على عوالم من ضوء وعطر وشفافية تتصل بشفافيه لا
تحد... ندخل أجواءها الرائعة فتفعم حواسنا بما لا يستطيع وصف أن يحيط به. ونسمع الحارث بن وعلة
الشيباني يقرع ذوي الحلم بعصاه الشعرية:
ونرى الغضب في عينيه
الناريتين يومض إيماض سيفه الذي "يهتز في العظم"، فنشكر القدر الذي
جعلنا من أحفاده لا من أعدائه.. وتهولنا مأساته:
ونتمنى أن يوقظ وجع الشاعر
ضمائر "أهلنا"، الذين يقتل الأخ منهم أخاه... ثم نعود إلى موضوعنا فنرى
أن اختلاف "المناخ هنا" لم يخرجنا من جو الشعر... ونسأل:ما الشعر؟ ويبقى
الشعر نافذة واسعة نطل منها أيضاً على عالم القيم التي تمور بها الحياة... ثم
نبارك الحياة التي وهبت الشعر شيئاً من سرها الذي يُحس ولا يُفهم... ونقرأ مدحاً، وفخراً،
ونسيباً، واعتذاراً ووعيداً ونرى الكثير من صور الطعن والضرب... ففي تاريخنا
الكثير من القتل... ونتجاوز ذلك. نبكي مع الباكين ونردد مع النابغة الذبياني:
ثم يكون علينا أن نختار بين
شرين: الموت أو الذل، حين يصور لنا عروة بن الورد وجهي الصعلوكين: الذليل
والأبي... ننحاز إلى الآخر الذي:
وتعترينا الدهشة... فكيف جددت
حرارة الشعر شباب الكلمات وصيرتها ناقلة لكهرباء المشاعر. ونحار في سر الشعر... أهو
صورة الموقف الحياتي، ينبثق سحرها من طبيعة الموقف، أم أن الشعر يضفي الجمال
الخارجي على الموقف؟...وتزيدنا ارتباكاً قصيدة جليلة بنت مرة التي قتل أخوها
زوجها:
فالشعر هنا لا يكسو الموقف بردائه
بل ينبثق من عمق مأساويته. ونمر بأوس بن حجر، وهو الجاهلي، فنطرب لغنائه، ونعجب
لحيوية وصفه، وللحركة فيه:
ونمر بحكم تلميذه زهير بن أبي
سُلمى لنصل إلى وجودية عمر بن قعاس المرادي:
ونحل ضيوفاً على الأعشى
الكبير ميمون بن قيس فلا نخوض معه ميادين المدح والفخر بل نتملى هذه الصورة التي
رسمها للفتوة في زمنه:
ثم نلقى نظرة على صاحبته التي
:
فنكشف طرفاً من سر بقائه حياً
في شعره... ونكشف جانباً آخر من جوانب سر الشعلة التي اسمها الشعر. وعند دريد بن الصمة الجُشمي
نرى وجه الفتى العربي الفرد ووجه الفتى العربي ابن العشيرة، يقول دريد:
ثم يقول في قصيدة أخرى:
وأطوي مابقي من صفحات الجزء
الأول لأصل إلى الجزء الثاني وفيه مختارات من شعر المخضرمين والإسلاميين حتى أواخر
العهد الأموي. وأتجاوز المقدمة الثمينة التي وضعها الجواهري وأنتقل إلى الشعر.
لانشعر هنا أن المناخ قد تغير كثيراً... الأسماء وحدها تتغير ولا شيء جوهري...
وأطوي صفحات فيستوقفني وجه فتى يرسمه سلمة الجعفي:
وأرى تلخيصاً لتاريخ البشرية
مقلوباً رأساً على عقب... فما نعرفه عن الناس هو أنّهم يستعلون على الآخرين إذا
استغنوا ويهربون حتى من أخيهم الفقير. ونكون أمام سؤال: هل أدهشنا الموقف أم
الشعر؟ أم أن الشعر لا يكون شعراً إلاّ إذا عبر عن موقف وصاغ نموذجاً؟ أم أن الشعر
يحل في مواضيع كثيرة كما تحل الروح في أجساد الكائنات كلها؟ ويدهشنا كعب بن زهير
الذي يرى جمال العيش رؤية عجباً:
فهل كان يشكو الفساد الذي يصيب
الناس، أم كان يشكو قسوة الحوادث على مشاعره؟ ونشعر أن لقصائد الخنساء
رنينها الخاص... وأزعم أن هذه الشاعرة ينبغي أن تدرس دراسة حديثة ضافية تستحقها...
ففي الكلام المقتضب على شعرها كثير من الظلم له. وأبو محجن الثقفي وجه لا ينسى
فهو القائل:
وهو القائل:
وهو في الحالين متفرد، فهو
النقيض الوجودي للذين يقول فيهم لبيد العامري:
واقف عند قيس بن الملوح...
لقد قيل: لا وجود لهذا الشاعر.. فإذا لم يكن قد ولد من أم وأب فقد أنجبته مخيلة
مبدع ومنحته حياة أبقى من حياة الكثيرين. إن قيساً مازال يحيا بيننا وسوف يحيا،
وسيبقى مع ليلاه كما تمنى:
وسنبقى مثله: "نحب من
الأسماء ما وافق اسمها وأشبهه أو كان منه مدانيا"، وسنبقى مثله نعفو عمن نحب
وإن جار:
ويخفق القلب مع قلب عروة بن
حِزام:
ونحلم مع حميد بن ثور
الهلالي:
وأحني رأسي أمام جدنا العظيم
الرائع: الحطيئة، لقد شتموه لا لأنّه يستحق الشتم كشاعر وإنسان بل لأنّه كان
صادقاً مع نفسه في زمن كانت فيه معايير القيم مختلفة. إنه تلميذ زهير وعروة وصديق
عنترة وكان فوق ذلك لا يقول أنا... بل هم... فهو لا يستعطف من أجل نفسه بل من
أجلهم:"ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ"، أو يهتف في سمع الدنيا: "لقد
جار الزمان على عيالي"، ثم يبقى مخلصاً لفنه الشعري، متفرداً في كل مايقول.
وهو من أحق الشعراء القدماء بالدراسة الجادة في أيامنا. وأقف عند ليلى الأخيلية، فمن
لا توقفه دموع شاعرة تبكي من أحبّت:
ثم توسع الصورة وتلوّنها في
مكان آخر:
وينكشف أمامنا جانب من جوانب
السر الشعري... فمن العشق يفوح أبداً عبق الحداثة التي لاتهرم أبداً.. ونمضي مع قيس بن ذَريح...
تتساقط أنفسنا عشقاً ونشرب فلا نرتوي:
ونغادر منازل قيس لندخل مضارب
أبي صخر الهذلي فنراه يهتز لذكرى الحبيبه ويردد:
ويسكن صخب الدهر حولنا برهة
فنغرق في التأمل... ولكن صخب الأقيشر الأسدي وصحبه يعيدنا إلى جو الصخب، ونرى
الأعجوبه تحدثُ أمامنا فلا نصدق، ونبقى من الذين قست قلوبهم فيقسم لنا الشاعر:
ويخيل لنا أن سورة الخمر
والشعر من أرومة واحدة إذ يهتف بنا جميل بن معمر:
وتبزغ في سماء الذاكرة وجوه أليفة
أحببناها وعذبنا حبها، وكرّتْ الأعوام، ولايزال الحنين يعاودنا، ونشعر أن من قتلنا
حباً قد أدخلنا عالم الخلود والشباب الأبدي إذا أدخلنا دنيا الشعر والحكاية...
يقول جميل:
ونبكي من حب القاتلات حباً...
ونعجب مع الراعي النميري منهن فهن:
ونذكر قول جرير:
ونطوي هجائيات الأخطل وشتائمه
الشعرية لخصومه، ونمر بنسيبه باسمينْ، فأوصافه تقليدية هنا وهناك، ولكن روحاً أخرى
تحل فيها
أما أصحابه فقد:
وتبدو مسيحيته على صورة لا
تُرضي المسيح إذ يقول:
ثم لا نصدق أن الأخطل هو
القائل: وقد سقتني رُضاباً غير ذي
أسنٍ فالوصف الذي ينفي ماهو سلبي يظل
قاصراً بل ليس مسوغاً أن يذكر الأسن مع رضاب الحبيبة! إن وصف الجميل ينبغي أن يكون
دائماً إيجابياً متحركاً في تدفق يقول الأخطل:
ونطوف في حدائق شعر عمر بن
أبي ربيعة وتكون لنا خمر، ويكون لنا ذلك "القمير"، الذي غاب ليطلع بدراً
في سماء الشعر لا يغيب أبداً...وتدب النضارة الأبدية في وجه تلك التي:
ونهمس معها في دهاء:
وتظل أنظارنا مشدودة إليها
وإليه... ولا ندري ماذا نفعل. فنحن أيضاً لنا ذنوبنا:
وماذا في أيدينا وهن دائماً
كما قال عمر:
وتبقى أشواقنا القديمة، في
الشعر كما في الحياة، تتجدد مع كل جيل:
وينكأُ العديل بن الفرخ
العجيلي جرحاً آخر من جراح القلب.. وهل أقسى من أن يقتتل الأخوة:
وتصير الشكوى شعراً جميلاً عند
محمد بن بشير الخارجي، ويظل بياض الحبيبة ينير سواد الليالي... ونستنير بها ولا
نحسدها مع أنّها:
ونمر بشعر كثير عزة، والأحوص،
ونصيب، ونفيع بن سالم، والفرزدق، ونرغب في الوقوف عندهم لكن جريراً، الذي وضعه
أهله على قارعة المربد ليشتم من يشتمهم ينظر إلينا حانقاً مستعجلاً... ونقترب منه
ثم نأوي إليه إذ نسمع شكواه فيذكرنا بما كنا عليه وما سيكون عليه الذين سيأتون إلى
الدنيا بعدنا، منا ومنهن:
ثم نشفق على الأرض التي تشكو
من خبث رائحة بني تيم وقدحلوا عليها... ونتذكر قول القائل: "حلو الكلام ومرّه
لجرير" ، ثم نطوي صفحات فنسمع فحيح شهوات الوليد بن يزيد، ونشقى باللئام مع الطرماح:
ونرتبك مع يزيد بن الطثرية
القائل:
ونغضب مع الكميت لجور ملوك
السوء:
وندعو إلى الله مثل دعوته:
ويدهشنا عروة بن أذينه
ببساطته وعذوبة شعره فلا نصدق أنه من القدماء:
وينداح في رحاب الذاكرة رجع
صدى عذب، تمده البساطة بطاقة عجيبة تمنحه الشباب والرونق... فهل البساطة المذهلة
أحد عناصر الشعر الخالد؟ ويتجلى جوهر الشعر في أكثر من
وجه، وينعكس الوجه في أكثر من مرآة، وينظر إليه من أكثر من ناحية، فالمواقع ليست
واحدة... ويصير الجوهر متعدداً، ويكمل التعدد صورة الفرادة... وتبقى الوجوه التي
يتجلى بها الشعر غير محدودة. ونقرأ المزيد من الشعر فنطرب ونعجب ونظل نسأل: ما
الشعر؟ | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||