وجوه ومرايا شـيء مــن الســيرة وشـيء مـن الـنقد - ميخائيل عيد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:51 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
الجمهــــــرة وعبـــــق الأزمنـــــة الغــــابرة

الجمهــــــرة وعبـــــق الأزمنـــــة الغــــابرة

أي حافز يحفز الإنسان على التعبير عن نفسه شعراً؟ ألا تكفينا الدمعة والآهة حينَ نحزن، والضحكة والرقصه حين نفرح؟ ألا وألا؟ لكن الشعر أصبح عنصراً من مكونات عالمنا الروحي فما معنى مثل هذا التساؤل؟ إن للشعر تاريخه الطويل، وله شبابه المتجدد.

أقرأ أشعار القدماء... تتقمصني روح الأزمنة الغابرة، أراهم ينهضون في مايشبه الضباب ثم يخرجون من عتمة الذاكرة، تستنير جنبات الرؤيا ويدب دفء لذيذ في حنايا الصدر... أسير على دروبهم مستهدياً بشوق أرواحهم، أشعر أن كل التاريخ يوّحدني بهم، ويفصلني عنهم... لقد أورثوني الماضي وها أنا ذا أحملهم إلى المستقبل... وهنا جوهر التوحد والانفصال...

وتزدهر دوحة الرؤى. أشعر أحياناً أن روح شجرة تتقمصني، وأشعر أحياناً أنها روح غابة ثم يقفر المكان، وكما تبسق شجرة على طرف مستنقع، وكما تنبثق الزهرة من عفونة التراب تطلع الكلمة الجميلة من عفن العالم وخرائبه داعية إيانا إلى الحكمة والتعقل. ويجيء الزمان بالغبار والنسيان والبرابرة... فيتمزق الجسد الحي، ويطمس النسيان المعالم، ثم يغطي الغبار ماينجو من مخالب الزمان والنسيان.

ويصير ما يتبقى ميراثاً لنا... يكون غذاء لعقولنا، ويكون الضوء الذي نوقظ به الموتى من نومهم لنعيش مواجدهم وهمومهم... نكون وسيلة يقهرون بها موت الجسد ويعبرون الأزمنه... وتحمل الشعلة أجيال تتلوها أجيال.

ونسأل: ما السر في بقاء مابقي؟ وأيُّ ألق كان في جوهره حتى ظل يشد أبصارنا ويثير انفعالنا فنحزن أو نضحك أو ندهش ونعجب؟.

بين يدي ماصدر حتى الآن من كتاب "الجمهرة" الذي قدّم له واختار قصائده الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري، وأعده للطبع الدكتور عدنان درويش وهو يصدر تباعاً عن وزارة الثقافة في دمشق"

يقول الجواهري:"اخترت منه أصفى عيونه"... وإنه لأمر طبيعي أن تتفاوت القصائد قيمة وجودة وأسلوباً. فهي لأُناس عاشوا أزمنة مختلفة، وقد يرى آخرون أن ما اختاره الشاعر الكبير ليس الأفضل مما لدى هؤلاء الشعراء، ولكن هذه المسائل لن تكون موضوع هذه الكلمات.

فما أسعى إليه هو الوقوف قليلاً عند بعض الأعمال التي بقيت طازجة من حيث هي موضوع إنساني ومن حيث "حداثة لغتها"، وقد يثير هذا مايثير من أسئلة قد لا تجد أجوبة شافية.

وإذا كان شاعرنا الكبير الجواهري قد اختار من شعرنا القديم "أصفى عيونه" فكم يكون عسيراً اختيار الأصفى من الأصفى"، ومع ذلك لا مناص! فلنقف قليلاً مع عدي بن زيد العبادي:

 

يقولون لي: أما تستفيق؟

 

بَكَرَ العاذلون في وضح الصبح

والقلب عندكم موثوق

 

ويلومون فيكِ يا ابنة عبد الله

ونحس بالغصة... فنطوي صفحات ونقف عند شكوى من نوع آخر شكوى من "حبيب معمم"، لا من "حبيب مقنع".... إنه عامر بن جوين الطائي يخاطب صاحبه:

وأمنتمُ فأنا البعيد الأجنبُ

 

هل في القضية أن إذا استغنيتم

أشجتكم فأنا الأحب الأقربُ؟

 

وإذا الشدائدُ بالشدائد مَرَّةً

وتكبر الغصة... ثم نمضي قدماً فنرى المنخل اليشكري يلثم حبيبته:

 

كتنفس الظبي البهير

 

ولثمتها فتنفست

فنسكر... ونراه يسكر ويصحو فإذا هو:

ربُّ الخورنق والسدير

 

فإذا سكرت فإنني

ربُّ الشويهة والبعير

 

فإذا صحوت فإنني

ونسكر ثانية ثم لا نصحو سريعاً...فإذا كانت الخمر روحاً فالشعر الحق هو روح الخمر، بل، هو روح الروح.

ويسأل سائل: وما الروح؟ وما الشعر؟ ويبقى السؤال منفتحاً على عوالم من ضوء وعطر وشفافية تتصل بشفافيه لا تحد... ندخل أجواءها الرائعة فتفعم حواسنا بما لا يستطيع وصف أن يحيط به.

ونسمع الحارث بن وعلة الشيباني يقرع ذوي الحلم بعصاه الشعرية:

 

جهلاً توهم صاحبُ الحلمِ

 

ترجو الأعادي أن أصالحها

ونرى الغضب في عينيه الناريتين يومض إيماض سيفه الذي "يهتز في العظم"، فنشكر القدر الذي جعلنا من أحفاده لا من أعدائه.. وتهولنا مأساته:

 

فإذا رميتُ أصابني سهمي

 

قومي هُمُ قتلوا -أميمَ- أخي

ونتمنى أن يوقظ وجع الشاعر ضمائر "أهلنا"، الذين يقتل الأخ منهم أخاه... ثم نعود إلى موضوعنا فنرى أن اختلاف "المناخ هنا" لم يخرجنا من جو الشعر... ونسأل:ما الشعر؟ ويبقى الشعر نافذة واسعة نطل منها أيضاً على عالم القيم التي تمور بها الحياة... ثم نبارك الحياة التي وهبت الشعر شيئاً من سرها الذي يُحس ولا يُفهم...

ونقرأ مدحاً، وفخراً، ونسيباً، واعتذاراً ووعيداً ونرى الكثير من صور الطعن والضرب... ففي تاريخنا الكثير من القتل... ونتجاوز ذلك. نبكي مع الباكين ونردد مع النابغة الذبياني:

 

هذا عليها وهذا تحتها بالِ

 

حسب الخليلين نأيُ الأرض بينهما

ثم يكون علينا أن نختار بين شرين: الموت أو الذل، حين يصور لنا عروة بن الورد وجهي الصعلوكين: الذليل والأبي... ننحاز إلى الآخر الذي:

 

كضوء شهاب القابس المتنور

 

ولكن صعلوكاً صحيفة وجهه

بساحتهم زجر المنيحِ المشهّر.

 

مطّلا على أعدائه يزجرونه

وتعترينا الدهشة... فكيف جددت حرارة الشعر شباب الكلمات وصيرتها ناقلة لكهرباء المشاعر. ونحار في سر الشعر... أهو صورة الموقف الحياتي، ينبثق سحرها من طبيعة الموقف، أم أن الشعر يضفي الجمال الخارجي على الموقف؟...وتزيدنا ارتباكاً قصيدة جليلة بنت مرة التي قتل أخوها زوجها:

ولعل الله أن يرتاح لي

 

إنني قاتلة مقتولة

فالشعر هنا لا يكسو الموقف بردائه بل ينبثق من عمق مأساويته. ونمر بأوس بن حجر، وهو الجاهلي، فنطرب لغنائه، ونعجب لحيوية وصفه، وللحركة فيه:

يكاد يدفعه من قام بالراح

 

دانٍ مسّفٍ فويق الأرض هيدبه

دهماً مطافيل قد همّت بارشاح

 

كأنَ فيهِ إذا ما الرد فجّره

ونمر بحكم تلميذه زهير بن أبي سُلمى لنصل إلى وجودية عمر بن قعاس المرادي:

يُناح على جنازته بكيتُ

 

وكنتُ إذا أرى زِقّاً مريضاً

ونحل ضيوفاً على الأعشى الكبير ميمون بن قيس فلا نخوض معه ميادين المدح والفخر بل نتملى هذه الصورة التي رسمها للفتوة في زمنه:

 

وأخرى تداويتُ منها بها

 

وكأس شربتُ على لذة

أتيت الفتوة من بابها

 

لكي يعلم الناس أني امرؤ

ثم نلقى نظرة على صاحبته التي :

عاش ولم يُحمل إلى قابر

 

لو أسندت ميتاً إلى صدرها

ياعجباً للميتِ الناشر

 

حتى يقولَ الناسُ مما رأوا

فنكشف طرفاً من سر بقائه حياً في شعره... ونكشف جانباً آخر من جوانب سر الشعلة التي اسمها الشعر.

وعند دريد بن الصمة الجُشمي نرى وجه الفتى العربي الفرد ووجه الفتى العربي ابن العشيرة، يقول دريد:

ويفنى قبل زاد القوم زادي

 

ويبقى بعد حلم القوم حلمي

ثم يقول في قصيدة أخرى:

غويتُ وإن ترشُد غَزية أرشدِ

 

وهل أنا إلاَّ من غَزية إن غوتْ

وأطوي مابقي من صفحات الجزء الأول لأصل إلى الجزء الثاني وفيه مختارات من شعر المخضرمين والإسلاميين حتى أواخر العهد الأموي. وأتجاوز المقدمة الثمينة التي وضعها الجواهري وأنتقل إلى الشعر. لانشعر هنا أن المناخ قد تغير كثيراً... الأسماء وحدها تتغير ولا شيء جوهري... وأطوي صفحات فيستوقفني وجه فتى يرسمه سلمة الجعفي:

إذا ماهو استغنى ويبعده الفقرُ

 

فتى كان يدنيه الغنى من صديقه

وأرى تلخيصاً لتاريخ البشرية مقلوباً رأساً على عقب... فما نعرفه عن الناس هو أنّهم يستعلون على الآخرين إذا استغنوا ويهربون حتى من أخيهم الفقير. ونكون أمام سؤال: هل أدهشنا الموقف أم الشعر؟ أم أن الشعر لا يكون شعراً إلاّ إذا عبر عن موقف وصاغ نموذجاً؟ أم أن الشعر يحل في مواضيع كثيرة كما تحل الروح في أجساد الكائنات كلها؟ ويدهشنا كعب بن زهير الذي يرى جمال العيش رؤية عجباً:

تنبو الحوادثُ عنهُ وهو ملموم

 

ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر

فهل كان يشكو الفساد الذي يصيب الناس، أم كان يشكو قسوة الحوادث على مشاعره؟

ونشعر أن لقصائد الخنساء رنينها الخاص... وأزعم أن هذه الشاعرة ينبغي أن تدرس دراسة حديثة ضافية تستحقها... ففي الكلام المقتضب على شعرها كثير من الظلم له.

وأبو محجن الثقفي وجه لا ينسى فهو القائل:

 

وأترك مشدوداً عليَّ وثاقيا

 

كفى حزناً أن تردي الخيل بالقنا

وهو القائل:

 

ترّوي عظامي بعد موتي عروقها

 

إذا متُّ فادفني إلى أصل كرمة

وهو في الحالين متفرد، فهو النقيض الوجودي للذين يقول فيهم لبيد العامري:

ويعاب قائلهم وإن لم يشغبِ

 

لا ينفعون ولا يُرّجى خيرهم

واقف عند قيس بن الملوح... لقد قيل: لا وجود لهذا الشاعر.. فإذا لم يكن قد ولد من أم وأب فقد أنجبته مخيلة مبدع ومنحته حياة أبقى من حياة الكثيرين. إن قيساً مازال يحيا بيننا وسوف يحيا، وسيبقى مع ليلاه كما تمنى:

 

إلى اليوم لم نكبر ولم تكبرِ البَهمُ

 

صغيرين نرعى البَهم ياليت أننا

وسنبقى مثله: "نحب من الأسماء ما وافق اسمها وأشبهه أو كان منه مدانيا"، وسنبقى مثله نعفو عمن نحب وإن جار:

إذا وليتْ حكماً عليَّ تجورُ

 

عفا الله عن ليلى الغداة فإنها

ويخفق القلب مع قلب عروة بن حِزام:

 

على كبدي من شدة الخفقان

 

كأن قطاة علقت بجناحها

ونحلم مع حميد بن ثور الهلالي:

 

إذا ما صبونا صبوة: سنتوبُ.

 

فلا يبعد الله الشباب وقولنا

وأحني رأسي أمام جدنا العظيم الرائع: الحطيئة، لقد شتموه لا لأنّه يستحق الشتم كشاعر وإنسان بل لأنّه كان صادقاً مع نفسه في زمن كانت فيه معايير القيم مختلفة. إنه تلميذ زهير وعروة وصديق عنترة وكان فوق ذلك لا يقول أنا... بل هم... فهو لا يستعطف من أجل نفسه بل من أجلهم:"ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ"، أو يهتف في سمع الدنيا: "لقد جار الزمان على عيالي"، ثم يبقى مخلصاً لفنه الشعري، متفرداً في كل مايقول. وهو من أحق الشعراء القدماء بالدراسة الجادة في أيامنا.

وأقف عند ليلى الأخيلية، فمن لا توقفه دموع شاعرة تبكي من أحبّت:

وأجرأ من ليث بخفان خادر

 

وتوبة أحيى من فتاة حيية

ثم توسع الصورة وتلوّنها في مكان آخر:

وسط البيوت من الحياء مقيما

 

ومخرَّقٍ عنه القميص تخاله

تحت اللواء على الخميس زعيما.

 

حتى إذا رُفع اللواء رأيتَهُ

وينكشف أمامنا جانب من جوانب السر الشعري... فمن العشق يفوح أبداً عبق الحداثة التي لاتهرم أبداً..

ونمضي مع قيس بن ذَريح... تتساقط أنفسنا عشقاً ونشرب فلا نرتوي:

 

يردِن فما يصدرن إلاَّ صواديا

 

تساقط نفسي حين ألقاك أنفساً

ونغادر منازل قيس لندخل مضارب أبي صخر الهذلي فنراه يهتز لذكرى الحبيبه ويردد:

 

كما انتفض العصفور بلله القطر

 

وإني لتعروني لذكراك هزة

وزرتك حتى قيل ليس له صبر.

 

هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى

وياسلوةَ الأيامِ موعدك الحشر

 

وياحبهازدني جوى كل ليلة

فلما انقضى مابيننا سكن الدهر

 

عجبتُ لسعي الدهر بيني وبينها

ويسكن صخب الدهر حولنا برهة فنغرق في التأمل... ولكن صخب الأقيشر الأسدي وصحبه يعيدنا إلى جو الصخب، ونرى الأعجوبه تحدثُ أمامنا فلا نصدق، ونبقى من الذين قست قلوبهم فيقسم لنا الشاعر:

 

وأعمى سقيناه ثلاثاً فأبصر!

 

ومُقعدِ قومٍ قد مشى من شرابنا

ويخيل لنا أن سورة الخمر والشعر من أرومة واحدة إذ يهتف بنا جميل بن معمر:

أبداً يحن إلى لقاء القاتل.

 

ومن العجائب أن مقتول الهوى

وتبزغ في سماء الذاكرة وجوه أليفة أحببناها وعذبنا حبها، وكرّتْ الأعوام، ولايزال الحنين يعاودنا، ونشعر أن من قتلنا حباً قد أدخلنا عالم الخلود والشباب الأبدي إذا أدخلنا دنيا الشعر والحكاية... يقول جميل:

 

محاسن شعر ذكرهن يطول

 

وقد قلت في حبي لكم وصبابتي

هبوب الصبا يابثن كيف أقول.

 

فإن لم يكن قولي رَضاك فعلّمي

ونبكي من حب القاتلات حباً... ونعجب مع الراعي النميري منهن فهن:

 

ويقتلن بالألحاظِ مقتدراتِ

 

يخبئن أطراف البنان من التقى

ونذكر قول جرير:

 

وهن أضعفُ خلق الله أركانا

 

يصرعن ذا اللبِ حتى لا حراكَ به

ونطوي هجائيات الأخطل وشتائمه الشعرية لخصومه، ونمر بنسيبه باسمينْ، فأوصافه تقليدية هنا وهناك، ولكن روحاً أخرى تحل فيها
حين يصف الخمر فهي:

 

نزو الجنادب في رمضاء تلتهب

 

تنزو إذا شجّها بالماء مازجها

أما أصحابه فقد:

 

إن صُرّعوا وَقَتِ الراحاتُ والركبُ

 

راحوا وهم يحسبون الأرض في فلكٍ

وتبدو مسيحيته على صورة لا تُرضي المسيح إذ يقول:

 

مضى أهلها لم يعرفوا ما محمد

 

شربنا فمتنا ميتة جاهلية

حشاشات أنفاس أتتنا تردد

 

ثلاثة أيام فلما تنبهت

علينا ولا حشر لنا فيه موعد

 

حيينا حياة لم تكن من قيامة

لذيذ ومحياها ألذ وأمجد

 

تميت وتحيي بعد موت، وموتها

ثم لا نصدق أن الأخطل هو القائل:

وقد سقتني رُضاباً غير ذي أسنٍ

فالوصف الذي ينفي ماهو سلبي يظل قاصراً بل ليس مسوغاً أن يذكر الأسن مع رضاب الحبيبة! إن وصف الجميل ينبغي أن يكون دائماً إيجابياً متحركاً في تدفق يقول الأخطل:

 

ليحيا وقد ماتت عظام ومفصل

 

صريع مدام يرفع الشَربُ رأسه

وما كاد إلاّ بالحشاشه يعقل.

 

نهاديه أحياناً وحيناً نجره

ونطوف في حدائق شعر عمر بن أبي ربيعة وتكون لنا خمر، ويكون لنا ذلك "القمير"، الذي غاب ليطلع بدراً في سماء الشعر لا يغيب أبداً...وتدب النضارة الأبدية في وجه تلك التي:

من الحزن تذري عبرة تتحدر

 

فقامت كئيباً ليس في وجهها دم

ونهمس معها في دهاء:

لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر

 

إذا جئتَ فامنح طرف عينيك غيرنا

وتظل أنظارنا مشدودة إليها وإليه... ولا ندري ماذا نفعل. فنحن أيضاً لنا ذنوبنا:

فآب وقد زيدت عليه ذنوب

 

تروّح يرجو أن تحط ذنوبه

وماذا في أيدينا وهن دائماً كما قال عمر:

يقيس ذراعاً كلما قسن إصبعا

 

وقرّبن أسباب الهوى لمتيم

وتبقى أشواقنا القديمة، في الشعر كما في الحياة، تتجدد مع كل جيل:

 

مشوّق حين يلقى العاشقين

 

وذو الشوق القديم وإن تعزّى

وينكأُ العديل بن الفرخ العجيلي جرحاً آخر من جراح القلب.. وهل أقسى من أن يقتتل الأخوة:

 

أبوهم أبي عند المزاحة والجد

 

ظللت أساقي الموت أخوتي الأولى

تمُجُّ نجيعاً من ذراعي ومن عضدي

 

كفى حزناً ألاّ أزال أرى القنى

وتصير الشكوى شعراً جميلاً عند محمد بن بشير الخارجي، ويظل بياض الحبيبة ينير سواد الليالي... ونستنير بها ولا نحسدها مع أنّها:

 

إن الجمال مظنةٌ للحُسَّدِ

 

موسومة بالحسن ذاتُ حواسدٍ

ونمر بشعر كثير عزة، والأحوص، ونصيب، ونفيع بن سالم، والفرزدق، ونرغب في الوقوف عندهم لكن جريراً، الذي وضعه أهله على قارعة المربد ليشتم من يشتمهم ينظر إلينا حانقاً مستعجلاً... ونقترب منه ثم نأوي إليه إذ نسمع شكواه فيذكرنا بما كنا عليه وما سيكون عليه الذين سيأتون إلى الدنيا بعدنا، منا ومنهن:

وكنَّ يهوينني إذ كنتُ شيطانا

 

أزمان يدعونني الشيطان من غزلي

ثم نشفق على الأرض التي تشكو من خبث رائحة بني تيم وقدحلوا عليها... ونتذكر قول القائل: "حلو الكلام ومرّه لجرير" ، ثم نطوي صفحات فنسمع فحيح شهوات الوليد بن يزيد، ونشقى باللئام مع الطرماح:

 

شقياً بهم إلاّ كريم الشمائل

 

وإني شقيٌّ باللئام ولا ترى

ونرتبك مع يزيد بن الطثرية القائل:

 

فأفنيتُ علاتي فكيف أقول؟

 

وكنتُ إذا ماجئتُ جئت بعلة

ونغضب مع الكميت لجور ملوك السوء:

 

فحتّامَ حتّامَ العناءُ المطوّلُ

 

فتلك ملوك السوء قد طال ملكهم

وندعو إلى الله مثل دعوته:

 

وأشبع من بجوركم أُجيعا

 

أجاع الله من شبعتموه

ويدهشنا عروة بن أذينه ببساطته وعذوبة شعره فلا نصدق أنه من القدماء:

 

بلباقة فأدقها وأجلها

 

بيضاء باكرها النعيم فصاغها

ماكان أكثرها لنا وأقلها

 

منعت تحيتها فقلت لصاحبي

من أجل رِقبتها، فقلت لعلها.

 

فدنا فقال: لعلها معذورة

وينداح في رحاب الذاكرة رجع صدى عذب، تمده البساطة بطاقة عجيبة تمنحه الشباب والرونق... فهل البساطة المذهلة أحد عناصر الشعر الخالد؟

ويتجلى جوهر الشعر في أكثر من وجه، وينعكس الوجه في أكثر من مرآة، وينظر إليه من أكثر من ناحية، فالمواقع ليست واحدة... ويصير الجوهر متعدداً، ويكمل التعدد صورة الفرادة... وتبقى الوجوه التي يتجلى بها الشعر غير محدودة. ونقرأ المزيد من الشعر فنطرب ونعجب ونظل نسأل: ما الشعر؟

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244