وجوه ومرايا شـيء مــن الســيرة وشـيء مـن الـنقد - ميخائيل عيد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:51 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

تاريخ الســـــرياليـــة

كان السرياليون يكرهون التاريخ ويتطلعون إلى المستقبل، فصاروا، كما صار غيرهم، فلذة من التاريخ وظلوا تطلعاً مشروعاً إلى المستقبل يضيق الحاضر عليه الخناق أبداً لكنه لا يختنق بل يتجدد مع كل جيل وقد يكون السر في تجدده الأبدي هو ما يلقاه من قبح وأذى في كل جيل.‏

ثم من يستطيع أن يقول شيئاً ذا معنى في أناس أرادوا تدمير كل معنى... إنهم من ذلك الجيل الذي دمرته الحرب العالمية الأولى ونهشت لحمه وعصبه بقسوة... ومن قبل أن يجف دمه وعرقه وتهدأ أوجاعه المبرحة رآهم يعدون العدة لحرب جديدة... فأي معنى لكلمات الشعر الرقيقة أو لوحات الفن الرائعة، وأي مكان لها في مثل تلك الظروف؟ إنها لتبدو كريهة حقاً، إذ تعني، بطريقة من الطرق، أنها اشتراك جبان في التغطية على مؤامرات القتلة... وما المغزى من تجميل عالم يشوهه أغنياؤه بكل الوسائل؟‏

لقد كان السرياليون "صوتاً صارخاً في برية"، ذلك العالم داعياً إلى تخليصه من كل قيوده وتفجير كل الينابيع الإنسانية النقية في سبيل غسل العالم من "أدرانه" التي سبقهم إلى وصفها أبو العلاءا لمعري، وغيره، وكان شعارهم الأول الدعوة إلى الهدم... هدم كل ما اتسخ، ولم يعد قابلاً للغسل...‏

لكن أصواتهم قد بحت وكلت سواعدهم، وظل العالم هو العالم: يورث الجيل من أبنائه المزيد من المتاعب للجيل الذي يليه ولا يتوقف أو يتمهل ليفكر في ما يفعل.‏

وكتاب "تاريخ السريالية" لمؤلفه موريس نادو، قد ترجمته إلى العربية نتيجة حلاق، وراجع الترجمة المترجم القدير المرحوم عيسى عصفور.‏

الكتاب في مائتين وخمسين صفحةويحمل الرقم (15)، من سلسلة "دراسات نقديةعالمية"، التي تصدرها وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية.‏

يقول جورج برنارد شو: "إذا كان التاريخ يعيد نفسه، وإذا كان يقع دائماً ماليس يتوقع فمعنى ذلك أن الإنسان عاجز عن أن يتعلم من التجربة "مبادئ للثوار"(ص25).‏

والغريب في أمر الناس أن كل جيلٍ منهم يدخل المعترك يرى أن من سبقوه لم يتقنوا فن الكفاح جيداً وأنه هو جيل القدر المنتظر الذي سيحول كل عيوب العالم إلى حسنات.‏

وتمر الأيام ويهرم الجيل ويولد آخر وتتبدل الأدوار وتنخفض درجات الحرارة في مكان لترتفع في مكان آخر ويأتي الجيل الجديد بصياغات جديدة للمشكلات القديمة.‏

يطرح المؤلف في مقدمة الكتاب أبرز المسائل ويبرز أهم السمات التي اتسمت بها السريالية... فالسلوك "السريالي خالد" في نظره إذ يراه وكأنه استعداد لا إلى تجاوز الواقع بل إلى الغوص في أعماقه"، وهذا "هو الظمأ الخالد الذي لا خمود له في قلب الإنسان"(ص5).‏

وإذا أدت السريالية "إلى انفجار فني سائغ"، فقد أدت إلى "طريق أيديولوجي مسدود"، وينبغي التغلب على ذلك، خارج الصعيد الفني الذي أدت إليه هذه الحركة "المنافية للأدب والفن والشعر"، وقد خاب "أملنا بالتغيير الكلي للحياة الذي اتخذوه هدفاً لهم"(ص6).‏

لقد طمحوا إلى أمور عظيمة، في فترة مابين الحربين، وكان السرياليون ورثة الحركات الفنية التي سبقتهم، وماكان لحركتهم أن توجد لولا ماسبقها. "كانت السريالية بين عامي (1918-1940)، معاصرة لأحداث اجتماعية وسياسية وعلمية وفلسفية عظيمة الشأن. وقدتفاعلت مع بعض هذه الأحداث تفاعلاً عميقاً وأضفت لونها الخاص على البعض الآخر منها"(ص9).‏

ولدت الحركة في فرنسا وامتدت إلى بلدان أخرى: بريطانيا، وبلجيكا، وإسبانيا، وسويسرا، وألمانيا، وتشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا وإلى قارات آسيا وأفريقيا وأمريكا. ويعتبر المؤلف أن بعضاً من روادها كانوا داديين. وقد ولدت الدادية عام 1916 في خضم الحرب في ألمانيا ثم وصلت إلى فرنسا.‏

لقد أخفقت الأنظمة المتكالبة على تقسيم العالم وأخفق الذين صفقوا لها، وأخفق الفن الذي أرادوا له أن يغطي كل ذلك بالتمويهات. وكان بروتون، وايلوار، وأراغون وبيريه، وسوبو "قد خاضوا المعركة مرغمين ومكرهين"، وخرجوا من الحرب رافضين كل "علاقة مع حضارة فقدت مبررات وجودها."(ص11) ولم يعد ثمة مجال "إلا لثورة نجعلها تجتاح فعلاً المجالات جميعها، ثورة جذرية يستبعد حدوثها، وقمعية إلى أقصى حد"(ص12).‏

وأزيلت الأنقاض وعمّ "المرح المزيف والمؤقت"، وتغنى المستقبليون بمنظر الأرض الجديد بسذاجة... وتضاربت الآراء مابين جدلية هيغل، و"الوثوب الحيوي" لدى برغسون وقول انشتين: "قد ضللنا فالعالم الحقيقي ليس العالم الذي ظنناه"... "فنظرية إدراكنا الفضاء مزيفة، ومزيف الزمن الذي أوجدناه"‏

(ص15-16)، واحتدم الجدل.‏

ووجد "السرياليون في اكتشافات فرويد حلاً مؤقتاً"، إن الإنسان "ليس فقط "مفكراً" إنه "نؤوم محترف، يكسب في الحلم كل ليلة كنزاً يبدده في النهار، عملة من النحاس"، فهتفوا، "افتحوا الأبواب واسعة أمام الحلم. وأخلوا المكان أمام اللاإرادية"(ص16-17).‏

وتصدوا للغة... وابتعدوا عن المنطق وطاردوه...‏

"والمعرفة تستغني عن العقل،ويتفوق العمل عليه، يجب تحطيم الجمال والفن"(ص18). ويجب أن يصير الشعر حديثاً من الروح إلى الروح وأن تصير الصور "وميض برق يضئ كهوف الكائن في كل لحظة"... ونادت السريالية "بالقوة الخارقة للرغبة وبشرعية تحقيقها"(ص20).‏

لقد طرحت الحرب أسئلة لم يجد الشعراء الشبان في الشعر القديم أجوبة عنها. فراحوا يبحثون عن أجوبة فجربوا وعانوا وانجرفوا في تيار الفكر الحديث. وكان عليهم أن يكسروا "الدائرة الخشبية بدلاً من إعادة الدورة المستمرة للخيول الخشبية"(ص30).‏

لم يعرف فاشيه الدادية لكن رسائله عام 1919 تسير في الاتجاه الذي "اتخذته الدادية هدفاً لها"، "إننا لا نحب الفن ولا الفنانين"، يالغرابة الإنسان ذي المعتقدات"(ص31).‏

وجاء تزارا، وطرح كل شيء من جديد على بساط الحديث وحفز الاتجاهات الثورية وبه بدأت الدادية حياتها "الباريسية المدهشة"، ورفضوا كل شيء إذ كان شعارهم "لاشيء، لا شيء، لاشيء!"(ص35).‏

ورأى بروتون أن على الدادية أن تعمل "بطريقة أقل فوضوية وأكثر فاعلية"، وألا تكتفي بالتهجم على الفن الراهن.‏

وشن الداديون هجومهم على الموهوبين واعتبروا الموهبة "خدعة فظة"، توضع في خدمة "الأرض والموتى والوطن وجميع القيم"، رأوا أن تكون للدادية سلطة تنفيذية "في خدمة عقلها النافي"، ودعا بروتون إلى الانطلاق تسكعاً في الطرقات... ورفض الانتماء إلى "أجداد فيما يخص باب التمرد"...ودعا إلى كشف الشعر "الذي لا يتميز عن الروايات إلا بشكله الخارجي"(ص44).‏

ويصدرون أحكاماً قاسية على الكثيرين من أسلافهم ومن معاصريهم حيث ثمة القليل من الوثبات القصيرة "نحو السماء"، والكثير من "الحثالات والتصنعات الكلامية، والتكلف الأدبي".. والشعر في نظرهم كالحسناء "لا يطلب فرساناً في خدمته بل يريدمغرمين يعرفون أن يغتصبوه إذا ما اقتضت الحاجة"(ص48). وقد تتلمذوا على رامبوا الذي "تسندهم خبرته وتنقصهم بعض أوهامه"(ص51).‏

بعد فشل مؤتمر 1922، في وضع "ركائز وتوجيهات للفكر الحديث قطع بروتون، وأراغون، وايلوار، وبيريه، علاقتهم بالدادية"(ص55)، وكانت قد ولدت نظرات جديدة ومفاهيم جديدة... وسعى بروتون إلى التخلص من الدادية بالتفوق عليها... وسعى السرياليون إلى اكتشاف "الوجه الثاني للديكور المنطقي" أي العقل الباطن، والعجيب والحلم والجنون وغيرها وصولاً إلى وحدة "الإنسان مع نفسه، ثم وحدة الإنسان مع العالم"(ص56)، وشددوا على "الطابع المنهجي والعلمي والتجريبي" كردة فعل على الفوضى الهدامة التي اتسمت بها الدادية: لكنهم لم يتبعوا الوسائل التقليدية المتبعة في العمل العلمي بل اعتمدوا الحدس والوحي على اعتبارهما أفضل الوسائل. وتمرسوا يومياً بالكتابة الآلية... فالهلوسات والمشاعر لا تختلف عن الفكر الذي ليس أكثر من "حالة خاصة"، وإصابتهم جائحة "التنويم المغناطيسي وراحوا يناجون الأرواح... وقدموا أمثلة سمجة. معتمدين على معطيات... التحليل النفسي... فالكلمات تعيش من حياتها الخاصةو"تبدع القوة" و"توجه الفكر".‏

وتتعزز صفوف السريالية بقوى جديدة وجلّهم من الشبان والمراهقين... ثم يشهد عام 1924 "التأسيس الرسمي للمجموعة السريالية"(ص66).‏

وعمل السرياليون بنصيحة أبو لينير "ولنسر إلى الأمام بخط مستقيم"، وصدر"بيان السريالية"، وفيه تهجم على الواقعية لأنها "مناوَئة لكل ازدهار فكري وأخلاقي"، وهوجمت ابنتها التافهة "الرواية"، التي ليس أبطالها سوى "دمى مسبقة التصميم والتركيز"...وأما لغتهما فقد استعملت استعمالاً تافهاً... واستخدم فيها العقل وأهمل كنز الحلم الموصل إلى مافوق الحقيقة المطلقة - إلى السريالية... والسريالية آلية نفسية يعبر بها عن عمل الفكر الحقيقي بعيداً عن كل مراقبة. أما الموهبة، فليس لها وجود، والأنا مكروهة لأنها تسد الكهف الذي تنبعث منه كافة الأصوات التي تهزنا، والسريالية في متناول "جميع العقول الباطنة"، وتحرر الباطن هو الإلهام وهو يختلف بين لحظة ولحظة وله أمراضه وأتعابه. وهم لا يحجمون عن شرح طريقة الكتابة الملهمة، بشيء من التفصيل.‏

وفُتح "مكتب للأبحاث السريالية"، يأتي إليه من يحملون شيئاً "يقولونه، أو يعترفون به أو يبدعونه"، فيتعرفون إلى خبرات الآخرين ويطلعون الآخرين على خبراتهم... وثمة تجارب أجريت هناك. وقد حلموا بأن "يصبح الحجر الفلسفي بمتناول الجميع". (ص76)... وصدر العدد الأول من صحيفة "الثورة السريالية"،ويعلن في الافتتاحية "إذا كانت الواقعية تشذيباً للأشجار فإن السريالية تشذيب للحياة" وتميز العدد بوفرة مادته وغناه" وهالته الثورية"(ص79).‏

وسلك السرياليون سلوكاً أهان مشاعر الكثيرين وأغدقوا الكثير من الشتائم على من سبقوهم وعلى الكثيرين ممن عاصروهم وأبنّوا الكثيرين من الموتى بالسخرية والكلمات المقذعة وقد خيل لهم أنهم يغيرون التقليدية الشعرية وظروف الحياة أيضاً، وقد حلم أراغون "بممحاة لإزالة القذارة البشرية"(ص82). وترددوا على بيوت البغاء بحثاً "عن الطبيعة البدائية عند المومسات"، وصدر العدد الثاني من "الثورة السريالية"، وفيه بيان افتحوا السجون سرحوا الجيش"، وفي ذلك إضفاء للطابع الاجتماعي على الحركة وفيه شيء من الشفقة التي لا يظهر لها أثر في ما مضى.‏

ويعلنون في 27/12/1925 موقفهم في عدة نقاط منها، أن لا علاقة لهم بالأدب لكنهم يستطيعون استخدامه عند الضرورة، وأن السريالية وسيلة تحرر شامل للفكر ولكل ما يشبهه، وأنهم عازمون على القيام بثورة، وأنهم أصحاب اختصاص في التمرد، وأنهم سيحطمون كل القيود بعنف وبمطارق مادية إذا مادعت الحاجة إلى ذلك (راجع ص91).‏

ويعلنون في مكان آخر أن الثورة السريالية "تهدف إلى خلق حركة في الأذهان"، "وتهدف قبل كل شيء إلى خلق تصوف من نوع جديد"، (ص92)، وهي ليست حركة في المجرد...‏

ويدور نقاش داخل الجماعة فهل تكون "السريالية مرادفاً للثورة؟ أم أنهما شيئان مختلفان؟ وماذا علينا أن نختار؟"، (ص93)، ويخيل لهم، أنهم سيجدون الحل بالاتجاه شرقاً نحو "بوذا ودالاي -لاما"، فالتربية الغربية "تشيد قبوراً مكلسة" من مهندسين وعلماء وفلاسفة مزيفين، وعميان عن أسرار الحياة الحقيقية"، ويتوجهون بصلوات حارة إلى "لاما" طالبين منه المساعدة. حالمين بأن يعود البربر "كبار المهدمين". لقد اتفقوا على ضرورة التدمير ولم يتفقوا حول الوسائل...‏

وما كان بالوسع التحرر إلا عبر الكلمات والألوان. فأطلقوا لطاقاتهم العنان في هذا المنحى، وتكثر التهديدات والدعوات إلى تفجير العالم. وراح السياسيون يسخرون منهم فقد رأوا أنهم "متشدقون ثوريون"، لا أكثر... فخففوا من غلوائهم الكلامية واهتموا بألوان التعبير العادية. مع أن بعضهم من الفرنسيين ظل يهتف "لتسقط فرنسا"، وهاجموا الذين يبيعون "الكميات الكبرى من دهن الخنزير لحساب أمة من الخنازير والكلاب"(ص107)... ثم ضاق صدر البورجوازيين بهم..‏

وكانت فرنسا تعاني من صعوبات داخلية، وهي تخوض حرباً "حقيقية منذ بضعة شهور ضد عصابات عبد الكريم في أرياف المغرب"(ص108). وتبنى السرياليون والشيوعيون قضية عبد الكريم، مع بقاء السرياليين حريصين على استقلالهم الذاتي.‏

وكان لاحتكاكهم مع المثقفين الثوريين الآخرين أثره الجلي:"ليس من ثورة ممكنة على الصعيد الفكري، هدف السرياليين الأساسي، دون أن يسبقها أولاً ثُورة في العلاقات الاجتماعية"(ص112)... ومن ثم تم الانتقال إلى "المادية الديالكتيكية"(ص113).‏

وظل السرياليون حريصين على أن تستمر التجربة السريالية.. إنها لا تتعارض مع الثورة الاجتماعية لكنها أشمل من أن تحصر في "الاقتصاد والاجتماع ولا يمكن أن تختلط فيهما دون محذور خطير"... كانوا مع التعاون والالتحام وضد الذوبان... لم يطلبوا من الآخرين الذوبان فيهم فلماذا يطالبهم الآخرون بذلك؟‏

"ولم تقطع الجسور إذن لأن السياسيين لم يتصلبوا بموقفهم فحل التعاون عوضاً عن الانصهار المقترح"(ص119).‏

ووقعت "خلافات لهاطابعها الخاص"، في المجموعة فهل يساعد إلغاء الطبقات على تحرير العقل؟، أم أن تحرير العقل يسبق إلغاء الطبقات البورجوازية في الحياة المادية؟ وهل يكفي الموقف السلبي الفوضوي أم ينبغي الالتزام بالنهج الثوري الماركسي وحده؟ واحتدم النقاش... وجرت الدعوة إلى التخلي عن "الاستعمال المفرط لأسطورة الشرق"، ومقارنتها بأسطورة الغرب... فاستثمار الإنسان مسألة قديمة ومستقلة عن الآراء الفلسفية أو الأخلاقية هنا وهناك.‏

لكن الدفاع عن المصالح المادية وحدها لا يخلق ثواراً. وينبغي "حل المشاكل الاجتماعية انطلاقاً من الفرد الحر". (ص126).‏

وانضم إلى السريالية مؤيدون وأبعد من صفوفها آخرون... وانتمى أراغون، وبروتون، وايلوار، وبيريه.. ويونيك إلى حزب الثورة... واعتبر آخرون أن ذلك محاولة لإذلالهم... ودافع الخمسة عن موقفهم... ثم وجدوا أن الحزب لا يفهمهم جيداً... والسريالية في نظرهم "تتخطى إلى أقصى حد الوصفات السياسية التي تهدف إلى الثورة" (ص133). وقد فات الطرفين أن "التّخطي إلى أقصى حد"، خطأ كبير في الميدانين الاجتماعي والسياسي... وانكمشت السريالية على نفسها في النشاط السياسي وتمسكت بكنزها "المستقل الذي اكتشفته"، والذي يشك أصدقاؤها السياسيون بقيمته. وظل السرياليون يكيلون الضربات في المجالات الأخرى، واستأنفوا نشاطهم الثقافي... وطرحوا مسألة الحب التي لا تقل عن مسألة الجوع وطالبوا بتحريره... واعتبروا الهستيريا "أكبر اكتشاف شعري في القرن التاسع عشر"...إذ رأوا في هذا المرض "وسيلة تعبير سامية"(ص143).‏

واعتبر بعضهم تناقضاتهم "مؤشراً لهذا الالم الروحي الذي نرى فيه أسمى مظاهر كرامتنا. لنكرر: إننا نؤمن بقوة التناقض المطلقة"، (ص144). ويطلقون نيرانهم على "الحل الديني" للمسائل ويرفضون كل أمل... فالأمل..."موقف فكري زائف يهدف إلى حالة لا وجود لها"، (ص147)، ويهاجم أراغون فرويد الذي لا يبقى له "سوى التكريس البابوي والتوفيق على طريقة القديس توما، بين التحليل النفساني والعبادة، حتى يقع في الفخ... مثل عصفور صغير"(ص148). ويدافع عن السريالية:"كل شيء بمنتهى الدقة في السريالية، دقة لا مفر منها"، دقة مؤسسة على معنى الكلمات "الذي يبرر في كل مقطع وفي كل حرف"(ص148).‏

في عام 1928 الذي ظهرت فيه أعمال إبداعية هامة تفككت "صداقات كانت تبدو ثابتة. وتقدم السن بالرجال واستولى عليهم طموحهم الفردي وأصبح جو السريالية خانقاً"(ص154).‏

"انتقدوا إفراط بروتون بممارسة حق "الفصل التام" عن المجموعة لبعض الأعضاء... وراح بروتون يتصل بالأفراد والأحزاب مقترحاً قبول برنامج عمل مشترك...وأثار أسئلة محرجة... وكثر المنزعجون المثاليون وناهض بعضهم العمل الموحد... وأشار كونو إلى "خطر العمل الفردي وقلة جدواه لأنه يقود فقط إلى الشك والشعر، في حين يبقى العمل الجماعي وحده ذا فعالية..."، وينبغي أن "يكون عمل إفراد معروفين بنزاهتهم الأخلاقية"، (ص159).... ونزع بروتون وأراغون "القناع" عن وجه "ألصبية الصغار المسالمين"، وطالب بروتون "بالتمرس على عنف مستمر وشامل"، ويرفض جميع الوصايات "لا ينبغي أن يحتاج أحدنا إلى أجداد". الموقف السريالي لا يتحمل أية تسويات.. والمادية الجدلية أوسع مما "يظن السياسيون"،وينبغي استخدامها لحل المسائل فوق السياسية. وأي ثورة "تضع حدوداً لذاتها؟". (ص165).‏

ويعلن أسفه على الأخطاء والنقص في الحزم، وغير ذلك، ومن ثم يعبر عن أمله بمستقبل السريالية. ويطالب بالاخلاص المطلق للقضية ويرفض "صداقة المواهب" لقد رفض بروتون أن تتخلى السريالية عن ثوريتها كما رفض أن تقتصر على "الثورة الاجتماعية"، وقد سببت مزاجيته إرباكات للآخرين، وصاروا يشعرون أنهم لم يعودوا أحراراً فأرادوا أن يجربوا حظهم وحيدين.‏

وتصاعدت حدة الخلافات... ولم يختلف مصير السريالية عن مصير سواها من التيارات الفكرية.‏

ويحكي المؤلف تحت عنوان "قضية أراغون"، حكاية ذهاب أراغون إلى الاتحاد السوفييتي وعودته من هناك شيوعياً ويناقش ماطرحه من مسائل واربَ في طرح بعضها حتى جعل رفاقه القدامى يسألون:"متى يكون أراغون صادقاً؟ مع أصدقائه السرياليين أم مع أصدقائه الشيوعيين؟"، (ص187)... وكان "انسحاب أراغون خسارة ملموسة للمجموعة بأكملها"(ص189).‏

ويبرز على الساحة نشاط سلفادور دالي وأصحابه... "ونجد أنفسنا هنا أمام تأكيد جديد ومع براهين جازمة على أن القدرة الكلية للرغبة التي تبقى فعل الإيمان الوحيد الذي اعترفت به السريالية منذ نشأتها"(ص192). أما المدهش فهو السري، وعند زوال السر "يصبح الشيء تافهاً"(ص195)...والاكتشاف والحلم يحرران الفرد من "الأوهام العاطفية التي تشله"... ويتشابه عالم الواقع والحلم... ويصبح عالم أحلامنا واقعياً.... وكثيراً ماتمر بنا أحداث الواقع وكأنها في حلم، وإذا كانت الرغبة هي "المحرك الأكبر والموحد الأكبر"، فالثورة الحقيقية هي انتصار الرغبة".‏

في عام 1931أصدرت المجموعة ثلاثة مناشير سياسية "ضد المعرض الاستعماري"، وأسهمت في معرض "الشيوعيين المقاوم للاستعمار"، وزعم السرياليون أنهم تلاميذ لينين الأصدق من الشيوعيين وأطلقوا شعارهم الشهير:"إذا كنتم تريدون السلام، فحضروا الحرب الأهلية"(ص201). ثم تزايد ابتعاد بروتون وايلوار عن الشيوعية الرسمية وحارباها.‏

رفض السرياليون الدعوة إلى "حماية الثقافة"، دون قيد أو شرط فهم ضد الثقافة البرجوازية... ولن يتخلوا عن طرح "القضايا المتنازع عليها"... ولن يتنازلوا عن فكرهم النقدي... وانتقد بروتون "مفهوم الوطن الذي يتبناه الشيوعيون"..."يقاوم المساهمون في هذه الحركة مفاهيم الأمة والوطن، والرأسمالية ومؤسساتها التي تحترف السياسة"،(ص208). ونبهوا إلى الأخطار التي ستنجم عن تشكيل "الجبهة الشعبية"، وعارضوا تيار الاستسلام الذي يدفع الجماهير إلى "الاستعباد الفاشي"(ص209).‏

وامتد نشاط السريالية الفني إلى خارج فرنسا وتوالت المعارض، "دون أن تشهد دائماً نجاحاً صاعقاً".. وصار بروتون "وكيل الحركة المتجولة" يجري المقابلات، ويوضح الأمور،ويحطم الأساطير،ويعرض الحلول ويثير الهزء أو الحماس"، (ص211)، ولم تزعم السريالية "أنها أعطت حلاً نهائياً لأية مشكلة كانت...وأفسح مجال أرحب للرسامين وكانوا كثيري العدد.‏

ويعودون إلى الكلام على السحر والعقل الباطن:"السحر هو الاستسلام المطلق لشرائع العقل الباطن"، هو موهبة عفوية لا يمكن أن تختلط بالبحث عن الغموض المصطنع والزائف والطوعي مثلما يظن الرمزيون. السحر مزود بشباب أبدي. بينما أسلمت الرمزية إلى موت النسيان الآثار التي تحمل قسطاً وافراً من الغموض..."."السحر شريعة الحياة بالذات"(ص214).‏

وطرح بروتون مسألة معقدة... فالفنان يجد نفسه متورطاً "في مغامرة غامضة مليئة بالسحر والاكتشافات". فكيف يستطيع أن يفهمه البروليتاري؟ وكيف لا يتهمه بأنّه تخلى عنه؟ ويأسف لذلك ولا يجد وسيلة للتغلب عليه...‏

ويبدو لي أن السرياليين تبنوا المطلق وأهملوا التاريخي... وأخذ الآخرون المرحلي وأهملوا المطلق وكان ينبغي دمج التطلعين لا وضع أحدهما في معارضة الآخر.‏

ويرى المؤلف أن إجهاض السريالية بدأ حين اتخذ بروتون لنفسه مكاناً في صفوف الفنانيين... لقد كانت ثورة فكرية ثورة السرياليين فأهملت هذا الصعيد. وزجت نفسها في العراك السياسي وتخلت عن الفلسفة الخاصة... فهل أوشكت على القبول بانتحارها وحاولت النجاة بالانضمام إلى الحزب الشيوعي؟ (راجع ص215).‏

واحتدم التناقض:هل يدافعون عن الفكر أم مصالح الطبقة العاملة؟ السريالي ديسنوس لا يريد أن يصبح شيوعياً، والشيوعي أراغون لا يستطيع أن يكون سريالياً... وكيف يلتقي طريقان متوازيان؟..‏

قد يتنازل الحزب إلى هذا الحد أو ذاك، فلابد من التنازل...وكان على السريالين أن يتنازلوا.. لكنهم تنازلوا للفن،ورفضوا التنازل للسياسة... وعادوا إلىممارسة الشعر والفن التي رفضوها أول الأمر بعنادِ.‏

وتحولت السريالية بأكملها "إلى حركة فنية ثورية كبرى، تؤثر في الحياة بنفس التأثير المحدود الذي يمارسه الفن عليها"(ص217).‏

وتفجرت الحركة عند نقطة الاتصال التناقضية بين الفن والسياسة... وكم يتكرر مثل هذا المشهد في التاريخ البشري حيث تنسف نقاط الاتصال بين القوى الإيجابية، وتضيع الفرصة التاريخية، ثم نأسف ونحن نرى عالماً كاملاً ينهار.‏

ويدرك بعضهم أهمية ربط الكلمة بالحياة لا على "طريقة الذين يحملون موتهم في داخلهم والذين أصبحوا جدراناً أو فراغاً، بل بالاتحاد مع الكون، مع الكون في حركته وصيرورته"(ص218).. والتواصل قائم أبداً بين "العالم والإنسان"... وحتى الحلم لا يكون إلا في الحياة... فالأموات لا يحلمون أو أنهم لا يروون أحلامهم للأحياء على الأقل.‏

صحيح أن بروتون الذي "لم يوصد الباب تماماً في وجه الصوفية"، كان يتكلم على إنسان محرر إلى درجة كافية من الظروف الاجتماعية. "ولكن هل يوجد مثل هذا الإنسان"(ص220). وهل يوفر لنا الحب حالة نعمة توحد "بين الحاجة الطبيعية والحاجة الإنسانية أو المنطقية"؟(ص221).‏

وتطرح آراء شتى حول الفن ودوره، وحول تحرره أو التزامه وحول "وطنيته" أو عالميته "ليس للفن وطن أكثر مما للعمال"، وينتقد السرياليون الفاشييين وأتباع ستالين على حد سواء من هذه الزاوية.ويرفعون شعار‏

"العودة إلى الهمجية‎".‏

وقاتل بروتون وايلوار وآخرون بالسلاح وهرب آخرون ومنهم دالي الذي أبدى تعاطفه مع الفاشية. ثم رحل الآخرون أيضاً إلى أمريكا...وحاول آخرون إعادة التجربة بأسلوب جديد وفشلوا..."إن تجربة من هذا النوع لا تتكرر"... كانت تجربة مبتكرة.... وكل إبداع حقيقي في الفكر والفن والممارسة هو تجربة لا تتكرر...‏

ويكتب المؤلف بضع صفحات تحت عنوان "بروتون في الولايات المتحدة" إذ ينفصل هناك عن سلفادور دالي الذي "أصبح من أنصار فرانكو"، وهو الذي ماكان يخفي ميله إلى الفاشية ويؤمن بتفوق العرق اللاتيني.‏

وينصح بروتون الشبان بان "يحافظوا على فكر لا يكون "ضحية العدوى"(ص230)، وكان يرى أن صلاح العالم لايكون بإقامته على "أسس اجتماعية أكثر عدالة"، وحسب "بل ينبغي الوصول إلى جوهر الكلمة"، وهاجم الأنظمة "التي لم يفهمها إلا عبر بعض الرجال"، وأسف "لتدهور هؤلاء وأولئك في العادي والابتذال". وليس على الناس "أن يعوا وضعهم الاجتماعي فحسب بل وضعهم البشري و"عرضية هذا الوضع"، وسترتفع أدمغة فتية لا تفكر مثل تفكيرنا ولن تفهم شيئاً من أنظمتنا بعد وقت قليل"، "كفىتسامحاً،كفى تصديقاً لكل شيء". "وما قيمة الخضوع لأمر لم يعلنه الإنسان نفسه"، وقد خشي أن يؤكد مايقول...وخشي أن يكون أمام وهم جديد"... فختم كلامه بإشارة استفهام.‏

لقد رسم المؤلف أبرز السمات لكثيرين من الشعراء والفنانين دون أن ينسى أن هدفه الأول هو رسم "خطوط تطور السريالية بصفتها حركة فكرية في عصر وفي مجموعة"(ص235). لقد حاول كل منهم أن يخضع "العالم إلى رغبات كيانه"... و"باء هذا بالفشل" واستمر العالم في الحياة وكأن السرياليين لم يوجدوا...". وحاولت الحركة أن تحول العالم موضوعياً... ثم شعروا بأنهم "غير قادرين على القيام بالثورة الشاملة التي ينادون بها استناداً إلى قواهم الخاصة".. وقرروا "أن ينيروا الطريق وأن يصوبوا الأنظار".... ووقعوا في تناقضات... وعاشوا مع "الوحش في مواجهة لا تنقطع"... كانوا لا ينفكون يعبرون عن مشاعرهم بشتى الوسائل وحتى مع الكثير من الغوغائية وما انفكوا يسألون "مانفع الحياة والتعبير عن المشاعر؟"... وتكلموا على القنوط والانتحار ومع ذلك عاشوا صاخبين ولم ينتحروا بل رفعوا تطلعهم إلى مستوى القيم الاجتماعية... كانوا يريدون الإنسان فرداً متميزاً ومستقلاً ويخاطبونه ككل، كنوع. لقد أرادوا التعالي فوق التاريخ وقد غفلوا عن أنّهم قد سجنوا فيه مرغمين. وكيف للإنسان أن يتحرر من قيود التاريخ؟ وحاولوا الخروج من الزمن باللجوء إلى السحر.. وكان سحر الزمن أكبر من سحرهم... لقد عملوا بكل حماسة وأخلاص على توحيد العالم وإسعاده، لكن انقسام العالم جعلهم ينقسمون وسبب لهم ذلك الكثير من الشقاء... وعلى الرغم من كل ذلك رفضوا قبول تفاهات العالم. لقد رغبوا في أن تصير الحياة الإنسانية حرة لا تشوبها شائبة، وفاتهم أن الفقراء مشغولون عن المكرمات بالفقر والأغنياء بالغنى... وأن المتوسطين منهمكون في العمل في سبيل الغنى أو في سبيل تجنب الفقر.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244